‏إظهار الرسائل ذات التسميات المبدع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المبدع. إظهار كافة الرسائل

تأملات تلميذة

تأملات تلميذة

بقلم التلميذة : إكرام الكحلة – جدع مشترك علمي

ما هي الفلسفة؟ سؤال لطالما تردد في ذهني و حاولت الإجابة عنه و أنا ما أزال في ريعان طفولتي. لكن اليوم و أنا أدرسها، تعلقت بها و أحببتها ليس كمادة بل كفكر عقلاني تأملي. عند نظرتي الأولى لتاريخ و نشأة الفلسفة علمت أنها علم ينتفع به و ليست كلاما فارغا كما يقول البعض. كما أنها التفكر و التدبر و الدهشة. و يمكنني أن أقول أن الكل قادر على ممارسة فعل التفلسف أو بطريقة أخرى الكل قادر على حب الحكمة، لكن لا يمكن للكل أن يكون حكيما كما قال pytagore في أحد الأقوال المنسوبة إليه، و أجد أنه على حق. و المسلمون أدرك و أعلم بالفلسفة لأن القرآن الكريم جاء شاملا لكافة المواضيع العلمية و الغيبية، كما أنه دعا بطريقة أو بأخرى للتأمل و التفكر، و هذا يعد فلسفة بحد ذاتها رغم تجاهل البعض لها.
طوال العصور السابقة و إلى يومنا هذا نسبت للفلسفة تعاريف و معان عديدة، فها هو pytagore الذي قال أنها: "محبة الحكمة لذاتها"، و هذا platon الذي عرفها بأنها: "معرفة الحقيقة بصورة مطلقة".... و غيرها من الأقوال التي تترك صورة مبهمة و غير واضحة. فالفلسفة لا يمكن تفسيرها بكلمات أو شذرات أو حتى كتب... بل الفعل هو الحكم و هو القادر على جعل المرء يحس و يعلم ما الفلسفة. فرغم أن كافة الفلاسفة مارسوا فعل التفلسف، لم يفلحوا في إعطاء تعريف دقيق لها. فرغم أنني حاولت فهم الفلسفة لكن أجد نفسي داخل متاهة و غير قادرة على تفسيرها، فهي تعد شيئا شاملا و غير مقتصر على أمور طبيعية، بل حتى الأمور الإلهية أو بالأحرى الميتافزيقية، فهي منبع خالص و أصل كافة العلوم... فالقادر على ممارسة فعل التفلسف أجده شخصا عالما و عاقلا، لا بل ذو معرفة موسوعية و شاملة.
في التفلسف حريتي، و في ممارستي لهذا الفعل أجد نفسي حرة طليقة و خارج سيطرة كل شخص، خارج قيود يمكن أن تمنعني، داخل عالم مليء بالشكوك و الأمور المدهشة. أجد نفسي أبحث و أتساءل، أتأمل و أندهش... و أظل داخل دوامة لا نهاية لها، دوامة منفتحة على كافة الأمور، دوامة كانت بوتقة العلم و القيم و الفهم و الأسرار و غيرها. من الصعب أن تفهمها و أن تتمكن من السير داخلها... ذلك عالم لا مثيل له، عالم الأفكار، عالم بناه أسلافنا، و ما يزال يتطور إلى يومنا هذا، عالم فيه الفيلسوف حكيم و عالم و مهتم بالقيم الأخلاقية، يسعى إلى السلم، يسعى وراء الحق، ينفي و يقبر، يعبر و يشرح، تارة هو على صواب و تارة على خطأ، لكن فهم مقاصده صعب، و ليس كل امرئ قادر على ذلك.

نصائح حول الخجل

نصائح حول الخجل
بقلم: أسماء بعدي
في يوم السبت بعدما أتممنا أكل الغذاء, أخذني أبي و صديقه  اللطيف الأستاذ هشام ايت با حسين  إلى فضاء النجد، وقد ذهبت أختي سلمى أيضا، و ما إن وصلنا حتى فوجئت بصديقه الطيب الأستاذ المامون الذي رحب بنا ترحيبا حارا، فدعانا إلى الجلوس، وبعد هنيهة، طلب الأستاذ المامون من احدى الطالبات ان تلقي  قصيدة شعرية، فانشدت بصوتها العذب الرقيق، فصفقنا عليها  بحرارة، فخرج أبي إلى المقهى، و تركنا مع صديقه الأستاذ هشام، و في ذلك الوقت، دخل رجل تونسي بدأ برواية قصته فقال: "  عندما كنت صغيرا كنت خجولا جدا، و في أحد الأيام وقفت لإلقاء كلمة، وبعد ان رأيت الجمهور أصبح لوني أحمرا كالبندورة الحمراء... ". حينها تذكرت نفسي وأنا داخل القسم، فعندما أتكلم يكاد صوتي يختنق حتى أنني أحيانا أرفض المشاركة في الأنشطة التي تنظم داخل المدرسة...
فرأيت هذا الرجل التونسي يتكلم بطلاقة دليل على تغيره، وهذا جعلني أتفاءل بأنني سأتغير مثله...
وفي كلامه ذكر سبع نصائح و هي :
1 . أن أتصرف و كأنني واثق من نفسي.
2 . أن أتخيل و أن أرسم الصورة الذهنية.
 3. أن أجرب و ألقي بنفسي.
4 . أن أطور ذاتي.
 5 . المحاكاة.
6 . أن تكون ثقتي  بنفسي من ثقتي بخالقي.
7 . الإيحاءات الإيجابية.  
وعندما انتهى شكر التونسي الأستاذ المامون و أعطاه المكبر الصوتي و ذهب، فشكرنا الأستاذ المامون شكرا جزيلا لأننا استمعنا إلى الكلمات التي ألقاها و لحسن إصغائنا و لهدوئنا.
وانا بدوري أشكر بابا وصديقه الأستاذ هشام ايت باحسين على دعوتهما لي ولأختي سلمى...

في مكتبة الأستاذ والكاتب محمد رياض

في  مكتبة الأستاذ والكاتب محمد رياض





بقلم التلميذة: سلمى بعدي





في صباح يوم السبت 18 يونيو 2016 على الساعة الثانية عشرة، اصطحبني أبي إلى مسجد سيقام فيه تدريب مفيد، وإثر وصولنا فاجأتنا التهييئات التي دامت ساعة تقريبا. فلقد كانت اللجنة التنظيمية تسرع في تنظيم الكراسي و الطاولات، والمدرب هشام أيت باحسين منهمك في تجريب أقلام اللوحة. دخلنا القاعة الخاصة بتسجيل المشاركين، ألقينا التحية على الرجال الجالسين هناك، فأتى أحدهم وقال لي: يمكنك الدخول إلى قاعة المعلوميات، والعمل في هذا الحاسوب. وبعد مرور بعض الوقت، دخلنا قاعة فسيحة، كانت عبارة عن مكتبة رائعة. وكانت تلك القاعة هي التي ستقام فيها التدريبات التي تتعلق بآليات تنشيط المجموعات، وأهم هذه الآليات: العصف الذهني، ولعب الأدوار، وتحليل صورة، ودراسة حالة، والعمل بالمجموعة. وبعد قليل اجتمع المشاركون ومنهم الرئيس :المامون، ونائب الرئيس : محمد بعدي، والمدرب:هشام أيت باحسين، من أكاديمية الدراسات الإنسانية  والمجتمع المدني. والمشاركون من التلاميذ:المستوى الأولى والثانية "باكالوريا"، و أيضا طلبة الجامعة. قمنا بتمارين على بعض الأنشطة، ولقد كنت أنا أصغر مشاركة، فقدمت لهم جزءا من قصيدة "أصحاب الهمة"، فنلت خلالها هدية يتوسطها بعض الكتب المفيدة وهكذا قد انتهى هذا اليوم الرائع...
و في صباح يوم الأحد 19 يونيو 2016 قصدنا ذلك المسجد مرة أخرى، و قد كانت أول تدريباتنا هي الكرة النارية، حيث من تقع الكرة في يده عندما تتوقف الموسيقى، يجب أن يقشرها وعندما يفتحها يجب أن يجيب على السؤال الذي يتوسطها، و لقد كانت الأسئلة تتعلق بالدروس التي أنجزناها سوية. وعند الانتهاء من تلك اللعبة، بدأنا إنجاز بعض التمارين التطبيقية ومنها: العمل بالمجموعة، ومهارة التفاوض التي تدخل في المهارات الحياتية، ثم مسرحية ... و تم الانتهاء من خلال تقديم شواهد المشاركة إلى المشاركين من طرف أعضاء أكاديمية الدراسات الإنسانية و المجتمع المدني و بعض الضيوف..
بعد عودتي إلى المنزل كتبت القصيدة التالية:
شكرا لكم
أيها المدرب المشهور
أنت مدرب ناجح
بين المشاركين تدور
وأنت تمد اليد و تصافح
----------------------------
كان المشاركون من الكبار
وكنت الوحيدة من الصغار
فيلسوفة  كالفلاسفة الكبار
أنصت إلى المدرب باستمرار
------------------------------
لن أنسى هذا التدريب المفيد
و لن أنسى مهارات الحياة
فما تعلمته كان جديد
و لن أنساه حتى الممات

الفتاة الشقراء

الفتاة الشقراء
شعر: عبد الكريم حمدوشي

أتت إلي تلك الفتاة الشقراء
وقالت ...
أسألك بالله يا صغير الشعراء
أن تكتب قصتي ...
سألتها ماذا سأكتب؟؟؟؟
فقالت.......
أكتب بحبر الألم و العذاب بسخاء
أكتب عن طفولة مغتصبة
ماتت ولم تنعم حتى بالعزاء
عن وحش تزوج من أميرة الأمراء
أكتب فغير الكتابة ليس لدائي دواء
جرحت بخنجر الخيانة
و ضربت بالسوط كل مساء
عذبت نفسي
وانتقمت منها
مللت من الدنيا
وكرهت الرجال دون استثناء
أكتب عن أحلام أجهضت
وملامح ذبلت من البكاء
و براءة بريئة تكبدت العناء
من قلوب جفت من الرحمة
قلوب سكنتها الظلمة و العتمة
أكتب و لا تبخل
عن فتاة تخاف الرجوع بذاكرتها إلى الوراء
لأنها لم تذق طعم الراحة يوما
و لم تعرف سبيلا للهناء
نعم أنا هي
بريئة ...بسيطة ...عفوية
حرمت من الحب و الحنان
منذ نعومة أظافري
جلت دروب الغدر باحثة عن الوفاء
أكتب بكل المعاني
و بكل الأساليب النابية
التي عشتها سنين طويلة
و صبرت و رضيت بالقضاء
أكتب و قل ما تشاء
فقساة القلب يجدون لذتهم في الهجاء
لا أتصنع ...
لا ألعب الأدوار ....
لكنني تجرعت كل حروف الغم و الحزن و الكآبة
من الألف إلى الياء
أكتب عن الظلم و القهر
و ألبس قصتي كل نكبات الدهر
و أنا طفلة جميلة لا تعرف سوى الصفاء
آه ثم آه ثم تنهيدة
في عالم لا يرحم الضعفاء
أكتب قصتي لعل و عسى أجد بين حروفك ملجأ
أحس فيه بالراحة و الرخاء

ﻋﻘﻠﻚ ﺑﻤﻘﺎﺱ ﺣﺒﺔ خردل

ﻋﻘﻠﻚ ﺑﻤﻘﺎﺱ ﺣﺒﺔ خردل
شعر: عبد الكريم حمدوشي


ﻋﻘﻠﻚ ﺑﻤﻘﺎﺱ ﺣﺒﺔ خردل
ﻭﻗﻠﺒﻚ ﺣﺠﺮ  ﻳﺠﻴﺐ ﺣﻴﻦ ﻳﺴﺄﻝ
ﻭﺣﻴﺎﺗﻚ ﻣﺴﺮﺣﻴﺔ ﻗﺮﻳﺒﺎ ﺳﺘﺎﺭﻫﺎ ﺳﻴﺴﺪﻝ
ﻣﻦ ﺃﻧﺎ؟
ﺷﺎﻋﺮ ﺑﺴﻴﻂ ﺇﺫﺍ ﻭﻗﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺐ ﻳﺨﺠﻞ
ﻟﻜﻨﻨﻲ ﻟﻠذ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﻧﺔ  ﺃﻗﺒﻞ
ﺃﺣﺴﺐ ﺃﻟﻒ ﺣﺴﺎﺏ
ﻭ ﺃﺳﻴﺮ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻌﺰ ﻭ ﺇﻥ ﻛﻨﺖ ﻓﻴﻬﺎ
ﺳﺄﻗﺘﻞ
ﺃﻧﺎ ﻣﻦ ﻧﻬﻠﺖ ﻧﻬﻠﺔ ﺣﺐ
ﻣﻦ ﻭﺭﺩﺓ ﺭﺣﻴﻘﻬﺎ ﻻ ﻳﺬﺑﻞ
ﻭ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻟﺤﻈﺔ ﺃﺭﺗﺸﻒ ﻣﻦ ﻛﺄﺱ ﺍﻟﻌﺸﻖ
ﺣﺘﻰ ﺃﺛﻤﻞ
ﻧﻌﻢ ﺳﻴﺪﺗﻲ
ﺃﻧﺎ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻌﺸﺎﻕ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻋﺎﺷﻮا ﻭﻟﻢ ﻳﻤﻮتوا ﻣﻨﺬ
ﺍﻷﺯﻝ
ﻭ ﺃﻧﺖ ﺁﺧﺮ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻓﻲ ﻓﻜﺮﻱ ﺣﻴﻦ ﺃﺗﺄﻣﻞ

تحليل و مناقشة قول: "الجحيم هو أن تعيش وحدك في الجنة"

تحليل و مناقشة قول:
 "الجحيم هو أن تعيش وحدك في الجنة"

بقلم: سلمى بلفيزة

قذف بالإنسان في هذا الكون، فوجد نفسه – دون اختيار منه أو قرار عنه- يعيش مع آخرين و ينسج معهم علاقات تسلم بأن الاجتماع جزء من طبيعة الإنسان. و تقبل الإنسان فكرة اقتسام الطبيعة مع الغير و مواجهته في بعض الأحيان، دون أن يخضع وجود هذا الغير للتأمل و التمحيصّ. و استمر الشخص في التعايش مع بني جلدته فوق أنحاء المعمورة إلى أن حملت التطورات الفكرية العميقة معها للإنسان شكوكا حول الغير و جعلت الشخص يعيد النظر في الغير. و قد بدأ ذلك مع الفيلسوف الألماني هيجل الذي دشن فلسفة الغير و أشغل بها الخطاب الفلسفي فناقش إشكالاتها ردا على سابقه الفيلسوف الفرنسي ديكارت صاحب مركزية الذات و فلسفة الأنا. و قد كانت إشكالية وجود الغير من تلك التي حجزت لها مقعدا أولا في فلسفة الغير . و آثر الفلاسفة تناول ضرورة وجود الغير قبل تناول كل من معرفته و العلاقة معه. فتصوروا أنفسهم في هذا العالم لوحدهم و أخذوا يجردون محاسن و مقابح الوضعية. و من ثمة خلصوا إلى مدى حاجة الذات للغير. فهل وجود الغير ضروري أم لا؟
"الجحيم هو أن تعيش وحدك في الجنة"، فللوهلة الأولى يبدي القارئ كما من الذهول، لأنه ما أن يقرأ العبارة حتى يتصور نفسه في الجنة محاطا بما طاب و حسن، ووحيدا يتمتع بكل ذلك دون من يشاطره أو يزاحمه متعته، لكن بعد قليل من التفحص و التدبر، سيقول: ماذا بعد؟ و يكون عقله عاجزا عن تصور مرارة الخلود ممزوجا بالوحدة. و القولة تظل ميتة، و فارغة من كل معنى، لا تدب فيها الحياة إلا عندما نتلقفها بالتحليل ثم المناقشة. إن صاحب القول يؤكد من خلال قولته أن الجنة تصبح جحيما ما أن يتركني الغير. فإذا كانت الجنة بحسب معرفتنا تضم كل ما قد يحتاجه الإنسان، و كل ما يفرحه، فرغم ذلك لا نغنم منها في غياب الغير، فالجلي إذن أن وجود الغير أولوية و ضرورة تسبق كل ما عداها. و بهذا المعنى فصاحب القولة يحاول الدفاع عن أطروحة مفادها أن " وجود الغير ضروري لوجودي"، لأن الغير هو ما يمنح لباقي الملذات قيمة. إذ في غيابه تفقد الأشياء – و حتى الأنفس منها – قيمتها، لأن اللذات تحقق إما بالغير أو للغير و قليل منها يحقق للذات. فلنأخذ هنا مثال أي شخص، يكون في داخل منزله بملابس عادية و مظهر نمطي، إن لم نقل قبيحا، حتى ينوي تخطي عتبة منزله فيصطفي من الملابس و المنمقات ما يجعله مستعدا للوقوع تحت نظرة الغير و المرور أمامه. و لو كان هذا الشخص متأكدا أنه سيجد الشارع فارغا عند خروجه، لفعل ذلك دون اكتراث، كذلك ستصبح ملابسه الفخمة و أغراضه النفيسة معدمة من كل قيمة ما دمنا متأكدين من أنه لا يلبسها لإرضاء ذاته كما يقول البعض. و يمكن أن نقيس على هذا كل الملذات كما فعلنا بالنسبة للملابس. و تعزيزا لذلك، يكون استحضار قصة أحد الأفلام سديدا، إذ تروي قصة شاب استيقظ على البسيطة فارغة من الإنس، بعد أن أتت مركبة فضائية صحبت معها الكل سواه. في بدء الأمر أبدى الشاب سعادته إثر ذلك فأتيحت له فرصة اختراق المحلات فأخذ الملابس، و فرصة الاستمتاع بما اشتهى من أكل و شرب، و لم يع نفسه إلا بعد مرور أيام قليلة أقدم بعدها على الانتحار عندما وجد نفسه وحيدا عاجزا على مشاركة غيره فرحته و متعته.
و يساهم هيجل بجزء كبير في مساندة هاته القولة من خلال ما جاء به في "جدلية العبد و السيد" التي شكلت أرضية بنى عليها موقفه حول وجود الغير، فبحسب هيجل، فأساس وجود الإنسان هو الرغبة التي تقودنا إما للإحساس أو الوعي بالذات. فأما الثانية التي تهمنا، فيتطلب تحقيقها بالضرورة وجود الغير، لأن تلك الرغبة تستهدف رغبة الغير التي تأمل بدورها انتزاع الاعتراف منه بالانتصار عليه. ففي غياب الغير إذن ما من رغبة للرغبة فيها و ما من منافس للانتصار عليه، و من ثمة يتعذر تحقيق الوعي بالذات. فالغير بالنسبة لهيجل هو من يمكن ذاتا من الوعي بذاتها، و في عدم حضوره، أي عند عدم تحقق الوعي بالذات، قد يواجه الإنسان صعوبات عسيرة، و خير مثال عليها ما لاحظه "إتيان مالصون" عند "الأطفال المتوحشين" الذين يعجزون عن التعرف على ذواتهم في المرآة و عن إبداء شعور بالافتخار أو الخجل نتيجة قصور في علاقاتهم مع الغير و الاحتكاك به في فترة متقدمة من عمرهم. إنهم يعانون مشاكل الوعي بالذات، و السبب الرئيسي في ذلك هو مدى حضور الغير في حياتهم. كذلك يمكن أن نستقي ضرورة وجود الغير في حياتنا من خلال تجربة الفلاسفة عينهم، فرغم حاجتهم الماسة إلى الانعزال و التوحد و الانسحاب من هذا العالم و عن الناس للتأمل و البحث عن الحقيقة، إلا أن التاريخ لم يسجل نجاح أي منهم بصفة تامة في العيش وحيدا. و عندما أتحدث عن الوحدة أعني المعنى الخالص و المطلق للكلمة. و استحضر هنا تجربة أحدهم، حاول العيش في جزيرة نائية بصحبة كلبه بعد أن فقد أسهما تقيم بأموال طائلة في إحدى الشركات الأمريكية، لم يحتمل الرجل تمام السنة حتى لملم أغراضه و عاد أدراجه. و لم يبخل بأن يجاهرهم بما حملت له تلك السنة من عجائب و غرائب أذهلت مستمعيه، فعلى حد قوله لجأ إلى كلبه لإشباع إحدى رغباته الطبيعية و إرضاء نفسه الشهوية... و هذا يقطع إذن أن وجود الغير لا غنى عنه.
و في السياق ذاته يقول سارتر ما يفيد أن التوصل لأية حقيقة بخصوص الذات يستدعي المرور عبر وساطة الغير، إنه لا غنى عنه لوجودي كما لا غنى عنه للوعي بذاتي، و من هنا فسارتر يقر بضرورة وجود الغير. و قد يتساءل أحدهم عن سبب صدور مثل هذا الكلام عن سارتر الذي تلفظ في مناسبة أخرى بقولته الشهيرة: " الجحيم هم الآخرون"، سنقول بأن سارتر يعتبر وجود الغير ضروري رغم ما قد يحمله من سلبيات يمثل لها بتجربة النظرة في علاقتها مع الخجل. إذ ما أن تقع نظرة الغير علي حتى تحرجني و تكبل حريتي و عفويتي. لكن كل هذا سينقلب إلى ما هو إيجابي حين سيدفعني إلى إعادة النظر في ذاتي و تصحيح سلوكاتي. و لا عجب أن يصدر هذا عن سارتر الذي يعتبر الغير هو "الأنا الذي ليس أنا"، فهو يشير هنا إلى أن الغير يحمل بعضا من صفاتي، و بالمقابل يتصف بصفات أخرى، إنه يساعدني بلا شك في الوقوف عند مواطن الغموض لدي، و يشكل وسيطا بيني و بين ذاتي.
و بالرجوع إلى تجربتنا اليومية نتأكد من أنه لا يكون بمقدورنا الشهادة لأنفسنا بالوسامة أو القبح، الجبن أو الشجاعة، الشر أو الطيبة في غياب نظرة الغير و شهادته. إن الغير بتعبير أدق هو مرآة نرى من خلالها ذواتنا و نتعرف عليها بشكل أوضح. و بالارتكاز دائما إلى حياتنا اليومية نتساءل: ما حاجتنا إلى انتصار لا يحضر فيه الغير؟ و عن نجاح لا يقدره الآخرون؟ أكيد أننا في حاجة إلى الغير الذي يشهد انتصارنا و إلى الآخرين الذين يعبرون عن الإعجاب بنا، فالغير إذن يرفع ثقتي بنفسي من خلال تصفيقاته و ابتساماته و كلماته...
غير أن ديكارت ينسحب من دائرة هؤلاء ليجعل من الغير كائنا زائدا، حضوره مثل الغياب، حيث يبني فلسفته على منهج الشك. و يمكن أن نستنتج من فلسفته أن الغير قابل للشك ما دمنا نستشعره حسيا، و في هذا الإطار نستحضر إحدى الوضعيات حيث يفترض أنه يطل من شباك منزله فيشاهد قبعات و معاطف، حينئذ لن يكون متأكدا من أنهم أشخاص بل يشك في ذلك بافتراض أنهم آلات تحركها نوابض و من ثمة فالغير يظل موضوعا قابلا للشك و محتملا، و ليس ضروريا... كما يفهم من فلسفة ديكارت أن الوعي بالذات يتحقق من خلال التجربة التأملية الخاصة و في منأى عن الغير، فهو تمكن من إثبات "الأنا أفكر" من خلال عزلته معتمدا على العقل فقط، و مستغن عن أية يد غير تمد له.
نخلص إذن مع فلسفة الذات إلى أن وجود الغير ليس وجودا ضروريا بل هو وجود مفترض و احتمالي ما دام قابلا للشك، و ما دام لا حاجة إليه لتحقيق الوعي بالذات.
أما بالنسبة لي، فرغم ما يقع بالذهن من سلبيات عند استحضار مفهوم الغير، إلا أن وجوده يظل ضروريا بالنسبة إلي. لكن الابتعاد إلى حدود قول : "الجحيم هو أن تعيش وحدك في الجنة" يكون خاطئا بالنسبة لي، ما دامت الجنة التي أومن بها أنا كذات تجعلني في غنى عن كل شيء، و ما دامت تتعدى بقيمتها كل ما سواها بما في ذلك وجود الغير. فبقوله هذا، يكون صاحب القول إذن قد تخطى حدود المعقول و تناول موضوع وجود الغير ببعض من المبالغة. فقد يكون تلفظ بهذا أو كتبه خلال لحظة عزلة ووحدة تامتين حجبتا عن عينه ما تحمله لفظة الجنة من معاني عميقة، أو أنه أصلا لا يؤمن بالجنة كما قد يفترض...

"أنا و المنهج"


"أنا و المنهج"
بقلم التلميذ: نوفل حنين
لعل هذا العنوان يبدو مضحكا عند قراءته للمرة الأولى، خاصة و أن المنهج ليس من جنس الأنا. و كما هو متعارف عليه، فربط شيئين يستلزم كونهما من جنس واحد ك" الثعلب و الغراب"، "الأرنب و السلحفاة"...
لكن بتفحص و تمعن هذا العنوان يمكن استنتاج أن هناك علاقة وطيدة بيني – أنا – و بين المنهج. هذه العلاقة هي التي دفعتني إلى كتابة هذا الموضوع. فقد طلب منا في أحد الفروض المنزلية تحديد خصائص المنهج الفلسفي في التفكر. "إنه موضوع معقد"، هكذا كان قولي في البداية. فالفلسفة في حد ذاتها موضوع يخيف و يثير الرعب و خاصة إذا أضفنا إليها مفهومي "المنهج" و "التفكر". هنا تشتت تفكيري و تبعثر. فما كان لي إلا التوجه إلى الأنترنت، فهي الوسيلة الوحيدة لجمع هذا الكم الهائل من المعلومات في أقل وقت. فوجدت نفسي أسبح في بحر من المعلومات لا ساحل له، لا أعرف من أين أبدأ، أو ماذا أفعل... فالمواضيع لا تعد و لا تحصى و لكن تنقصها الجودة. "من صفحة لأخرى" هكذا كان عنوان ليلة بيضاء أمضيتها جالسا أمام حاسوبي لكن دون جدوى. فما كان مني إلا إغلاق كل الصفحات و التوجه للنوم لعلي أحلم بفيلسوف يجيبني عن كل هذه الأسئلة التي تتبادر إلى ذهني. لكن لا شيء من هذا حصل فقد كانت ليلتي مليئة بالكوابيس: هي مخلفات لقلة النوم.
في اليوم الموالي و خلال حصة الفلسفة و التي تمحورت حول موضوع "الحقيقة" و كيفية الوصول إليها، حاولت جاهدا لربط موضوع الحقيقة بالمنهج الفلسفي الذي هو موضوع بحثي. فاستخلصت ما يلي: " المنهج هو مجموعة من الإجراءات و الخطوات المنظمة المتبعة قصد الوصول إلى الحقيقة". و جعلت هذا الاستنتاج منطلق بحثي و الحقيقة هدفي و غايتي، و ما أن عدت إلى بيتي حتى بدأت مجموعة من الأسئلة تتبادر إلى ذهني: من هو الفيلسوف؟ أهو شخص خارق للعادة؟ أولد الفيلسوف فيلسوفا؟ أفعل التفلسف فطري؟ لم لا أكون فيلسوفا؟
أنا الآن أبحث و أفكر لأصل إلى الحقيقة. لكن، كيف سأصل إليها؟ عبر مراحل. إذن أنا أتبع منهجا فلسفيا. فقررت أن أدون كل فعل أقوم به في ذلك اليوم، و في إطار بحثي، لأجعله خطوة من خطوات البحث عن الحقيقة أو بالأحرى خطوة من خطوات المنهج الفلسفي.
إن التعدد و التنوع و الغنى الذي يحظى به هذا الموضوع جعلني أقف عند كل فكرة على حدة، أقبل إحداها و أناقش الأخرى، أسلم بواحدة و أرفض الأخرى، أفترض صحة فكرة ما ثم أثبتها فيما بعد، فتذكرت حديث الأستاذ عن ديكارت و عن منهجه القائم على الشك، و كيف أنه شك في كل شيء، فوجدت نفسي أمارس هذا الشك. لكن لماذا أمارس هذا الشك؟ بالطبع لتأكيد صحة فكرة ما و أجعلها ترتقي إلى درجة الحقيقة. إذن الشك النسبي خطوة من خطوات المنهج الفلسفي فهو يمثل وسيلة للوصول إلى اليقين لذلك يقتضي عدم التسليم بصحة فكرة معينة إلا بعد التأكد من كونها صحيحة.
و هذه كانت بداية قصتي مع المنهج الفلسفي، و ما جعلها تطول هو فضولي و تطلعي إلى الأفضل. مما دفعني إلى كثرة السؤال فطلبت مساعدة أساتذة لتوضيح الموضوع بشكل أفضل. إن كثرة الأسئلة هذه هي السبيل للوصول إلى الحقيقة، لذلك اخترت أن تكون خطوة ثانية من خطوات المنهج الفلسفي. فممارس هذا المنهج ليس له من السؤال مفر، يبحث، يسأل، يتطلع دائما إلى الأفضل، فسؤاله هو سر نجاحه. و الفيلسوف الحق، كما يقال:" هو من يبتدئ بسؤال و ينتهي إلى علامة استفهام، و بين هذا و تلك يقترح الحلول و الأجوبة الممكنة و  يبررها و ينتقد غيرها و يعلل ذلك بطرق مبرهن عليه".
و بعد يوم شاق، قررت أن أستريح لبضع دقائق قبل أن أتم عملي. فشغلت التلفاز، فإذا بي أجد إحدى مباريات كرة القدم. كانت النتيجة آنذاك 2-0 لكن بعد وقت الاستراحة انقلبت المباراة  رأسا على عقب، فالفريق الذي كان منهزما أصبح منتصرا بنتيجة 3-2 ، هذا الحدث جعلني أتساءل عن سر ما حدث في وقت الاستراحة و هو ما أوضحه المعلق على المباراة بقوله: " إن هذا التحسن هو ثمرة لعمل و مجهود المدرب، فالفريق في البداية طغت عليه العشوائية، لكن بتعليمات المدرب أصبح منظما"، هنا تذكرت أفكاري المبعثرة و كيف يمكنني أن أنظمها، فحاولت أن أجعلها على شكل حلقة أو سلسلة مترابطة تماما كما فعل اللاعبون بالكرة، أبتدئها من السهل إلى الصعب، و من البسيط إلى المركب، محاكيا إحدى هجمات الفريق المنتصر، و التي ابتدأت بتمريرات ثم انتقلت لمراوغات ثم أتى الهدف بعد ذلك. و أخيرا وضعت خلاصات فحصلت على على حجاج عقلي مقبول و مقنع.
هذا التنطيم أو الترتيب المنهجي هو ما يسمى ب"النسقية" أو "الصرامة المنطقية". فالمنهج الفلسفي يستوجب التدرج في عرض الأفكار على شكل سلسلة تتسم بالتناسق و التنظيم.
و ها أنا الآن تجاوزت اندهاشي من هذا الموضوع، و استطعت أن أحرره بطريقتي الخاصة معتمدا على العقل، فهو السبيل الوحيد لإدراك الحقائق و هو أساس المنهج الفلسفي و محوره، و إذا عدنا إلى مفهوم التفكر نجد أنه تلك العمليات العقلية التي يقوم بها الإنسان لحل مشكلة ما أو الوصول إلى الحقيقة. فالتفكر أو التفكير مرادف للعقل. إذن فالتفكير الفلسفي يقتضي بالضرورة عملا عقليا.
 كانت هذه هي قصتي مع المنهج الفلسفي، قصة مليئة بالأحداث، كل حدث يمثل خطوة من خطوات المنهج و خاصية من خصائصه. و خلصت إلى أن توظيف المنهج الفلسفي و العمل به لا يقتصر على الفلاسفة فقط فاتباعه كان و ما زال يمثل ضرورة في ظل تجاور ثنائيات الصدق و الكذب، الخير و الشر، و للفصل بين هذا و ذاك يجب اتباع منهج يجعل من العقل منطلقا و غاية. 

لا مهم بعدي


لا مهم بعدي
شعر: غزلان القضيوي

قال أنه بيتي ووطني
ووطني هو أنا....فحيثما ارتحلت ألقاني
فالعالم لا يمتلئ في نفسي إلا بي
فأنا الوطن...و البيت...وكل أناتي 
قال أنه عيناي ...وبصري
و قلبه جسري.....
و إني إن رحلت، فإليه تنتهي كل أسفاري
ضحكت في خاطري... فأعلم أن بصري
في قلبي و عقلي... فأنا أرى ما أريد
و يرى هو في ما يريد....فيعميه غروره
فيظن أن قلبه هو أسري 
فما  همني من أمره ...فأنا سيدة أمري
أحلم أيها السيد كما تريد
فأنا لي... و كل شيء بي هو لي
و كل شئ بك.. لا يهمني إن كان لي
أو ليس لي ...
فأنت في حياتي موجود... و معدوم
مهم... و تافه
ولا مهم إلا أنا.

وجود الغير


وجود الغير 
بقلم: زينب سعيداني
أكيد أننا جميعا تربطنا علاقة مع الغير، كيفما كان شكل هذه العلاقة... لكن هل وجود الغير ضروري و لا يمكن الاستغناء عنه؟
سبق و أن طرحت على نفسي هذا السؤال، فغصت في حوار عميق بيني و بين نفسي. تطلبت الإجابة على هذا السؤال مدة طويلة... ربما ساعات أو أيام... فكان الجواب بالنفي. فسألتها: كيف؟ و لماذا؟ فبدأت تحكي لي عن المشاكل و المتاعب التي يسببها الغير لها من حزن و ألم و غير ذلك... و تعبر عن رغبتها في الاستغناء و التخلي عن هذا الغير من أجل الوصول إلى الراحة الداخلية و السعادة المطلقة دون أدنى إزعاج أو ضرر ناتج عن الآخر.
-         صحيح أن الغير بإمكانه الإخلال بتوازنك النفسي، و هذا ما يسمى برصاصة الشر التي يتسلح بها الغير. لكن، إذا كان وجود الغير ثانويا، و أنه بإمكانك البقاء في عزلة طيلة أعوام أو عقود، فكيف العيش؟ و أي معنى للحياة؟
مر صمت بيني و بين {نفسي} ذاتي، ثم سألتها من جديد: "من الذي طعنك بهذه الرصاصة؟"، أجابت: "الغير".
-         الغير إذن هو الذي جعلك تحسين بالألم و الحزن و القلق، أي أنه هو الذي جعلك تدركين هذه الأحاسيس، فلو لم تربطني علاقة بالغير، لما تعرفت على هذا النوع من الأحاسيس. كذلك الشأن بالنسبة لرصاصة الخير، فإذا كنتما تقومان معا بعمل ناجح و كلاكما تستفيدان منه، فستعرفان قيمة هذا التعاون. فللغير إذن مظهران: الأول إيجابي و الآخر سلبي، و كلاهما متلازمين، لا يمكن الفصل بينهما، فلا مذاق للسعادة الحقيقية دون إحساس مسبق بالتعاسة، و لا طعم لحزن حقيقي في غياب فرح مسبق. و هذا يعني أن وجود الغير هو المسؤول عن بعض من أحاسيسك.
-         و ما البعض الآخر؟  
-         أجبتها قائلة:" لا حدود للبعض الآخر في ظل وجود الغير". فقالت: "كيف ذلك". فطلبت منها حينئذ الغناء، فبدأت تتلعثم في الغناء إلى أن احمر خداها.
-         قلت لها: "ماذا أصابك؟ ألا تجيدين الغناء؟ قالت: بلى، فقط أحرجت".
-         ها قد أجبت عن سؤالك، فلو كنت لوحدك لغنيت بكل عفوية و حرية، و لما تجمد لسانك و أحرجت، أي أن وجودي هو الذي سبب لك الإحساس بالخجل.
فإذا كان كان الغير يساهم في إدراكنا لأحاسيسنا فإنه يساهم بذلك في معرفة ذواتنا...
قاطعتني نفسي قائلة: "كيف يمكن للغير أن يساهم في معرفة الذات؟"، فحكيت لها عن تجربة خاصة لي: "أثناء ممارستي المستمرة لرياضة التايكواندو، لم أكتشف قط أنني موهوبة في هذا المجال، إلى أن لاحظ المدرب و مساعدوه أنني أبدع في هذا الميدان، فلولا وجود الغير لما تعرفت على موهبة من مواهبي. و بهذا فالتعرف على هذا الجزء الفريد من ذاتي استوجب حضور و مساعدة الغير.
من هنا، فالغير أو الأنا الآخر عنصر مكون و مكمل لحقيقة الذات أو الأنا، أي جزء من هوية الشخص، و بذلك فالأنا الآخر يعتبر مرآة للأنا، أي أنه لا غنى لوجود الآخر عن الأنا ما دمنا عاجزين عن معرفة و إدراك "الكل"، و بالتالي فحضور الغير ضروري لا غنى عنه.

ما هو ... العنوان ؟!!!


ما هو ... العنوان ؟!!!
بقلم: يحيى نيسول 
إن فعل التفلسف هو فعل مثير للاهتمام ... هل هو فعل التحدث بما لا يفهمه الناس؟ ! بحيث تسمى فيلسوفا، أم هو فقط فعل التفلسف لذاته؟!
عندما نرى شيئا يوقظ الانتباه كرجل يطير، إنه شيء غير عادي لأن الطبيعة لا تسمح للإنسان بالطيران، و لكن عندما نراه، هل يجعل منه هذا حقيقة؟ أم مجرد خيال؟
إن البعد الخفي بين الحقيقة و الخيال هو شيء بسيط – التفكير – بما – لا يوجد – " التفكير لا يوجد"؛ ماذا تعني هذه العبارة ؟ الشيء الذي لا يوجد هو شيء منعدم، و الشيء المنعدم لا يمكن وجوده إلا عند إضافته لشيء آخر، فهو سيوجد آنذاك تبعا للآخر المضاف إليه، فيصبح شيئا واحدا. أي أن الشيء غير الموجود مازال لا يوجد، فبما أنه لا يوجد فلماذا نتحدث عنه؟ و كيف نعلم أنه لا يوجد؟
إذن عندما نتحدث عن شيء فلا بد أن هنالك شيئا ما يؤدي بنا إلى التكلم عنه. فعندما أردت أن أتجنب التكرار عند كتابتي" التكلم " في الجملة السابقة عوض " التحدث " فهذا يجعل مني ألغي فعل كتابة "التحدث" و أضع في مكانه "التكلم" أي عند قراءة هذا الموضوع من طرف القارئ سيجد "التكلم"، و يمكن أن يلاحظ بأنني قمت بإلغاء كلمة "التحدث" ثانية لعدم تكرارها أي أن هذه الكلمة لا توجد حاليا في كتابتي لكنني فكرت في كتابتها أولا؛ إذن الكلمة غير موجودة حاليا، إذن نستنتج أن الشيء غير الموجود، يمكن أن يكون وجد في الماضي أو في  عالم آخر، في مثالي الذي يمكن أن أكتب فيه هذه الكلمة. إذن اعتبار الشيء منعدم مرتبط بالوقت و الحالة الذي هو فيها. إذن الرجل الذي يطير ربما في عالم غير عالمنا الحالي.
لنعد لنقطة الانطلاق بحيث عند قراءة القراء، كيفما كانوا، سيلاحظون أو سيقولون بالأحرى أن الكاتب يتفلسف.
إنما أكتبه الآن هو كلام دار في ذهني لثلاث مرات؛ مرة في سيارة والدي عندما كان يصطحبني من المدرسة إلى المنزل، فبما أن المسافة طويلة وجدت الوقت الكافي للتفكير والتأمل ففكرت في الفلسفة لأنه حينها كان يدور في رأسي موضوع الفلسفة الذي تناوله الفرض الأول، الذي كتبت فيه حسب الكاتب الذي وضع الإصبع على موضوع الحرية ... أن الإنسان غير حر، و لكون أصدقائي منهم من وافقني الراي، و منهم من خالفني إياه دارت مواضيع كثيرة في نفسي. وفي الأخير استخلصت أنني كتبت مقالا فلسفيا إذن لا بد من تعدد الآراء و ثم طرحت السؤال: ما الشيء الذي يمكن اعتباره فلسفة ؟  سواء كان موضوعا أو شيئا آخر، لكن عند وصولي إلى هذه النقطة بالتحديد كنت قد وصلت إلى المنزل. فدارت الأيام و الليالي وعاد الموضوع إلى رأسي عندما انتهيت من واجباتي الدراسية و استلقيت في فراشي من أجل النوم، لكن الموضوع عاد؛ و دارت في عقلي أفكار و كلمات لا أدري إن كنت أتذكرها.
و المرة الثالثة، كانت في حصة اللغة العربية عندما كنا بصدد شرح موضوع التفاوض. فإذا بي الآن أكتب هذا الموضوع في حصة اللغة الفرنسية، و ذلك لاهتمامي و إلمامي به، بل لقد شملني و جعل أسئلة كثيرة تدور في قاع رأسي، مع أن الرأس غارق في أعمال التحضير من أجل الفروض و من أجل الباكلوريا المقبلة. لكن مع ذلك خصصت له الوقت للاستفسار.
إن الفلسفة محور جميع التساؤلات و الإشكالات و منطلق جميع الأسئلة ... فهل لهذه العبارة معنى أم أكتبها فقط في مقدمة مقالاتي الفلسفية؟ إنني أكتبها لأنني أفهمها، فأسئلتي الفلسفية هذه تجعل مني متأثرا بفعل الفلسفة لأنها هي منبع الأسئلة و الاستفسارات. فقد فقهت هذا عند نهاية حصة الفلسفة عندما قدمت زميلتي في القسم مقالا للأستاذ من أجل الإطلاع عليه؛ فكان موضوع زميلتي عن الذات بحيث كانت تتحدث مع ذاتها و تساءلت عدة أسئلة، حينها ضحكت في وجهها و قلت متوجها للأستاذ أن لديها انفصام الشخصية، مع أنني كنت متأخرا في فهم الموضوع الذي ترمي إليه، بحيث هي تعرضت لشيء دفعها إلى سؤال نفسها و استفسار والدتها عن موضوعها، و هذا الشيء هو الفلسفة تماما مثلي الآن.
إنني أحاول أن أعبر عن الأشكال العديدة التي اتخذت فيها الفلسفة كمفهوم عند الفلاسفة القدماء كديكارت، نيشته، أرسطو، سبينوزا، شوبنهاور، لاشوليي، جون لوك، راولز، كانط ... و اللائحة طويلة كل واحد منهم يدافع عن قضية معينة. و لحد الآن لا يمكننا الجزم في معظمها، و يمكن أن نتعرف على بعض الأسرار، كي تبقى الفلسفة تطرح الأسئلة لتجعل من الإنسان فيلسوفا يناقش و يحلل.
و يظهر تأثيرنا بفعل الفلسفة في هذا المثال بحيث عندما تكون وسط محاضرة فلسفية وتستمع بإنصات، يأتينا الندم على عدم كتابتنا لأي شيء، و تأتينا رغبة شديدة في الكتابة و التفلسف، بحيث تصل هذه النشوة لحد نعد أنفسنا في تلك اللحظة أنه بعد خروجنا من هذه المحاضرة سنكتب مقالات فلسفية في موضوعات مختلفة، لكن بعد خروجنا من تلك الغرفة و مباشرة، ننسى أننا قطعنا وعدا على أنفسنا بأن نكتب أو القيام بشيء من هذا القبيل كتركنا لوعود داخل الحجرة أو المدرج، بحيث يمكن اعتبار هذا الصنف بالمتأخر جزئيا؛ بحيث أن المتأثركليا، بعد خروجه من تلك الحجرة يذهب مهرولا إلى كتابه و قلمه الذي كان مفقودا من قبل ليحرك يده في الكتابة ويعتبر نفسه  كما لو وجد كنزا كان مدفونا.
إذن هذا التأثير مرتبط بالرغبة " رغبة الشخص بالكتابة".
فلنعد إلى كون الفلسفة تجعل منا فلاسفة و ذلك من خلال طرحها لإشكالات متعددة و متنوعة التي لا يمكن الجزم فيها و يمكنني تأكيد هذا من خلال أنه لا يمكن القول دائما بلغتنا " ديما ديما" أو مطلقا، بحيث لا نجد دائما على العموم في الفلسفة، فلطالما كذبت نظريات ولطالما ظهرت نظريات أخرى، فكما يقول أستاذ الرياضيات ليست هناك "ديما ديما" و ذلك حين نسأله هل دائما نفعل كذا و كذا للحصول على النتيجة، فيجيب أن "ديما ديما" اسم سلسلة كتب التي أخطأ الكُتاب في تسميتها بحيث لا يوجد دائما و لا مطلقا و لا عموما في مختلف الموضوعات. إن كلمات أستاذ الرياضيات خلّفت وراءها رنينا في أذني فبدأت في التأكد من نظريته. فبدون الذهاب إلى أبعد الحدود نجد أنفسنا غير قادرين على معرفة أجسامنا معرفة علمية مطلقة، بل يبقى ذلك نسبيا حيث أن هناك بعض الأعضاء التي لا يمكن معرفتها. حيث علميا لم يتوصل إلى الوظائف الكلية للسان، الذي يقوم بمعظم أعمال الفم و هوجزء منا، فكيف لا نعلم خصائصه بشكل مدقق؟
بذلك نجد أنفسنا ننبذ مفهوم الإطلاقية، و ذلك لأنه ليس هناك دائما و مطلقا. و هناك عدة أمثلة العبارة "دائما صحيحة" أو "دائما خاطئة" فلنأخذ على سبيل المثال العالم الكبير أينشتاين، صاحب النظرية النسبية، التي قلبت مجرى العالم من أقصاه إلى أقصاه، "فثبت حاليا أنها خاطئة". إذن فالفلسفة موجودة مادام الإنسان موجود، فهي تفرض نفسها بنفسها من خلال الواقع المعيش الذي يجب الاستفسار حوله. فأنا الآن أفكر و أستفسر حول العنوان، بحيث واقعي الذي أعيشه يدلني أنه يجب أن أضع عنوانا للنص و ذلك لضرورة وجود عنوان للنص؛ إذن كل صغيرة و كبيرة يمكن طرح إشكال عنها. فهذا العنوان الذي سيجذب الآخرين لقراءة هذا المقال يجب أن يكون فاتنا كالفتاة الجميلة التي تجذب الشباب إليها. لكن هل أريد حقا جذب الآخرين لقراءة مقالي أم إنني فقط كتبته لنفسي؟
فهذا إشكال آخر، لكن يمكنني أن أتجاوزه، لأنني وجدت على الأقل قارئا واحدا لكي يعطيني رأيه في ما كتبته و هو الأستاذ، إذن يمكن أن يبقى: ما العنوان؟ سؤال معلق إلى أن يعلق الأستاذ على مقالي، لذا أعتقد أن ما هو ... العنوان؟ ! هو العنوان المناسب.

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس