الوظيفة الديداكتيكية للحجاج في درس الفلسفة (2)

الوظيفة الديداكتيكية للحجاج في درس الفلسفة (2)
ذ عادل أومرجيج
تقديم :
     إن قراءة سريعة لتاريخ الفكر الفلسفي يتبين لنا منذ الوهلة الأولى أننا بصدد طرق متنوعة في التفكير تختلف فيما بينها باختلاف مرجعيات الفيلسوف ومنطلقاته  الفكرية، حيث أن لكل فيلسوف طرقه في التبليغ والإقناع. إذ نجد مثلا هيمنة المنهج التحليلي على النصوص ذات المرجعية الرياضية"[1] . إن الفلاسفة وهم يتناولون القضايا الفلسفية يعتمدون أنواعا مختلفة من الحجاج في إطار جدلية الهدم والبناء، أي هدم تصورات الخصوم في مقابل بناء تصور آخر ودفع المتلقي ( المستمع أو القارئ ) إلى قبوله. " فإذا كانت الفلسفة بحثا مستمرا عن الحقيقة، فإنها كذلك سعي إلى تحويل تلك الحقيقة أو ما يعتقد أنها كذلك إلى قناعة عامة"[2]، ولبلوغ هذا المسعى لا يكتفي الفيلسوف بعرض تصوراته الفلسفية بشكل مجرد، وإنما يلجأ إلى وسائل وآليات عديدة يصعب حصرها بشكل جامع ومانع. لهذا عادة ما نجد الفيلسوف يستعمل بعضها دون البعض الآخر، أو يعتمد على الأساليب المنطقية ( أرسطو ) أو البلاغية ( نيتشه ). وهذا معناه أنه " لا يوجد نموذج حجاجي واحد عام وشامل لمختلف الممارسات الحجاجية، وإنما توجد نماذج واستراتيجيات وأساليب متعددة ومختلفة"[3]. وتكمن أهمية نص فلسفي ما في تعدد وكثرة أساليبه الاقناعية وليس في وحدتها. وهنا لاندعي الإحاطة بكل هذه الأساليب لأن " بنية التواصل اللغوي متعددة الأبعاد والمستويات "[4]. لكننا نميل من الناحية الديداكتيكية إلى تناول تلك الأساليب الحجاجية التي تحضر بقوة في النصوص الفلسفية و "الأكثر استعمالا في مجال الفلسفة والأكثر ملاءمة للتمرين المدرسي في مادة الفلسفة"[5].
كما ارتأينا أن نقسم هذه الأساليب الحجاجية إلى ثلاثة أنواع:
·       الأساليب الحجاجية المنطقية.
·       الأساليب الحجاجية البلاغية.
·         الأساليب الحجاجية المؤسسة على بنية الواقع
الأساليب الحجاجية المنطقية
    لقد سجلنا سابقا أمرا ضروريا يتعلق بالفصل بين الحجاج والبرهان، كما سجلنا أن الخطاب الفلسفي، على خلاف الخطاب الرياضي والمنطقي، هو خطاب حجاجي، وليس برهانيا بمعناه المنطقي. لكن رغم ذلك يمكننا أن نجد داخل الحجاج عامة والحجاج الفلسفي خاصة أساليب حجاجية هي نفسها الأساليب الموظفة في البرهان المنطقي والرياضي. إن هذا الأمر يفرض علينا ضرورة تحديد معنى "البرهان" الذي نقصده في تدريس مادة الفلسفة، في هذا الصدد يميز الأستاذ "عبد المجيد الانتصار" بين نمطين في البرهان:
البرهان الاعتقادي: وهو برهان يعتمد في استدلالاته على المبادئ والبديهيات اليقينية.
البرهان التعليمي: على خلاف البرهان السابق يعتمد البرهان التعليمي على الفرضيات والأولويات الاحتمالية.
هكذا فالبرهان المعتمد في الخطاب الفلسفي هو برهان لا يطابق الأشكال المجردة والاعتقادية التي تقرر حقائق مطلقة انطلاقا من مسلمات صادقة. التي تكرس من الناحية التربوية والبيداغوجية ما يعرف بـ "التربية المذهبية". وأمام استبعاد البرهان بهذا المعنى الاعتقادي من تدريس الفلسفة نسجل أن أي تدريس للفلسفة لا يمكنه أن يكون فلسفيا إلا إذا كان برهانيا، ولكن بالمعنى الحجاجي للفظ البرهان، والذي ميزناه سابقا بالبرهان التعليمي في مقابل البرهان الاعتقادي"[6].
وهكذا نجد النصوص الفلسفية مليئة بأساليب حجاجية منطقية:
1) الاستدلال الاستنباطي
 يقصد بالاستدلال الاستنباطي تلك العملية الذهنية التي تقوم على متوالية من القضايا تدعى إحداها مقدمات عامة وتدعى الأخرى بالنتيجة. تجمع بينهما علاقة لزوم ضرورية. فهو انتقال من العام إلى الخاص، أي إنه "البرهان الذي يبدأ من قضايا يسلم بها ويسير بها إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة دون الالتجاء إلى التجربة"[7]. بل يتم ذلك أولا باحترام قواعد المنطق (مبدأ الهوية، الثالث المرفوع، عدم التناقض) وثانيا بالانطلاق من القضايا والتصورات الأولية التي تسمى بالمبادئ وتنقسم داخل الأبحاث المنطقية القديمة إلى البديهيات والمصادرات والتعريفات:
البديهية تعني قضية صادقة بدون البرهنة عليها، فهي واضحة للعقل كأن نقول مثلا: من يملك أكثر، يملك أقل.
المصادرات: هي على خلاف البديهيات ليست واضحة وبينة بذاتها، بل تتم المصادرة على صحتها والتسليم بها، على الرغم من عدم وضوحها للعقل لما لها من فائدة حيث تمكن من الوصول إلى نتائج دون السقوط في تناقض ما. ونجد نموذجا لهذه المصادرات في كتاب "الأصول" لأقليدس، كما نجدها في مباحث أخرى. " ففي الاقتصاد مثلا نرى المصادرة القائلة بأن الإنسان يفعل وفقا لما يرى فيه الأنفع. وفي الأخلاق المصادرة القائلة بأن كل إنسان يطلب السعادة"[8].
التعريفات: تأخذ المقدمات العامة في الاستدلال الاستنباطي شكل التعريفات، ذلك أن التعريف "نهائي ضروري كلي لأنه عمل العقل الثابث في جوهره"[9].
كما يمكن للمقدمات داخل الاستدلال الاستنباطي أن تأخذ أشكالا متعددة يحددها "بيرلمان تيتيكا" في : الوقائع، الحقائق، الافتراضات، القيم، المواضع. ونظرا لأهمية الاستدلال الاستنباطي فإنه يحضر في أغلب النصوص كأداة للتفكير والاقناع، ويميز أرسطو بين نمطين من الاستدلال الاستنباطي:
الاستدلال غير المباشر:
استدلال يحصل فيه  الاستنتاج بالانطلاق من مقدمات عديدة يحددها أرسطو في مقدمتين فما فوق، تنتج عنها بالضرورة نتيجة ما. فالاستدلال هنا هو " قول مركب يتألف من جزأين. جزء يشكل لنا ما تقدم به من أشياء وهو ما يسمى مقدمات القياس، وجزء آخر يلزم عن هذه المقدمات وهو ما يسمى بنتيجة القياس"[10].
 ويتكون القياس الاستنباطي غير المباشر من حيث القضايا من:
المقدمة الكبرى.
المقدمة الصغرى.
النتيجة.
             أما من حيث الحدود فيتكون من :
الحد الأوسط.
الحد الأكبر.
الحد الأصغر.
            وينقسم هذا الاستدلال المنطقي إلى قسمين هما:
القياس الحملي.
القياس الشرطي.
           لكن داخل النص الفلسفي- وهو موضوع اهتمامنا- يصعب أن نخضع إلى هذا التمييز حيث نجد نصوصا فلسفية تعتمد الأسلوب الاستدلالي الاستنباطي بطريقة تجمع بين أنماطه المتعددة (الحملي والشرطي). وتتشابك الروابط الحملية بالروابط القضية"[11]. كما تعتمد على التماسك والاتساق بين المقدمات والنتائج دون الخضوع للعلاقات الصورية كما هو شأن الاستدلال الاستنباطي في المنطق والرياضيات.
الاستدلال المباشر:
استدلال يحصل فيه الاستنتاج بالانطلاق من مقدمة واحدة. فهو "نوع من الاستدلال الاستنباطي ينتقل فيه الذهن من قضية واحدة مسلم بها إلى قضية أخرى تلزم عن الأولى .. وتتم هذه العملية مباشرة وبدون واسطة"[12].
أو ما يعرف داخل الأدبيات المنطقية بالتقابل وهو علاقة استدلالية بين قضيتين لهما نفس الموضوع والمحمول من حيث اللفظ والمعنى، لكنهما يختلفان من حيث الكم والكيف وهذا ما يجسده مربع التقابل عند أرسطو:


هذا فيما يخص التقابل بمعناه المنطقي الدقيق والضيق، أما التقابل كآلية حجاجية يحضر بشكل كبير داخل النصوص الفلسفية للإقناع بدعوى ما مقابل هدم دعوى الخصم، يعني "وضع أحد الطرفين (مفهوم، نظرية، رأي..) في مواجهة الآخر وإقامة علاقة بينهما من شأنها معرفة كل منهما أو إدراكه و تحديده بتوسط الآخر، وتنحصر علاقات التقابل كما يحددها المنطق في علاقات التضاد والتناقض والتداخل والتضايف"[13].
التقابل بالتناقض:
            يقصد به من الناحية المنطقية علاقة استدلالية بين قضيتين لهما نفس الموضوع والمحمول، لكنهما يختلفان في الكم والكيف. كالعلاقة بين الكلية الموجبة والجزئية السالبة والقضيتين المتناقضتين لا تصدقان معا ولا تكذبان معا، فإذا كانت إحداهما صادقة تكون الأخرى كاذبة والعكس صحيح.

        مثال:              كل الطلاب ناجحون       كلية موجبة. وهي قضية صادقة
       نستنتج            كذب النتيجة            بعض الطلاب ليسوا ناجحين.
أما من الناحية الحجاجية فالتقابل بالتناقض هو علاقة استدلالية بين فكرتين أو مفهومين يتعلقان بنفس الموضوع حيث لا يصدقان معا ولا يكذبان معا.
وتحدثنا النصوص الفلسفية عبر تاريخ الفلسفة عن تجليات عديدة لهذا النمط من التقابل:
الوجود / اللاوجود.
العالم له بداية من حيث الزمان والمكان / العالم لامتناه من حيث الزمان والمكان.
 التقابل بالتضاد:
يقصد به من الناحية المنطقية علاقة استدلالية بين قضيتين تشتركان في الموضوع والمحمول والكم الكلي وتختلفان من حيث الكيف. كالعلاقة بين الكلية الموجبة والكلية السالبة. والقضيتان لا تصدقان معا وقد تكذبان معا. أي إذا صدقت إحداهما وجب كذب الأخرى وإذا كذبت إحداهما فالأخرى قد تكون صادقة أو كاذبة.
مثال: -                          كل المعادن تتمدد بالحرارة       قضية كلية موجبة.
                             كل المعادن لا تتمدد بالحرارة             قضية كلية سالبة.
أما من الناحية الحجاجية فالتقابل بالتضاد هو علاقة استدلالية بين أطروحتين أو مفهومين ... متعلقين بنفس الموضوع. حيث إذا صدق أحدهما وجب كذب الآخر وإذا كذب أحدهما فلا استنتاج. ويحضر هذا النمط من التقابل في النصوص الفلسفية. إذ نجد ثنائية:
العقل مصدر المعرفة / التجربة هي مصدر المعرفة.
السلوك العادل هو احترام القوانين / السلوك الظالم هو الذي لا يحترم القوانين.
 التقابل بالتداخل: يقصد به من الناحية المنطقية علاقة استدلالية بين قضيتين تشتركان في الموضوع والمحمول والكيف، لكنهما تختلفان من حيث الكم كالعلاقة بين الكلية الموجبة والجزئية الموجبة، وتتحدد العلاقة بينهما من الناحية الصدقية وفق الصيغة التالية:
 إذا صدقت الكلية وجب صدق الجزئية، أما إذا كذبت الكلية فلا استنتاج.
إذا كذبت الجزئية وجب كذب الكلية أما إذا صدقت الجزئية فلا استنتاج.
مثال:                 كل المغاربة أفارقة           كلية موجبة.
                      بعض المغاربة أفارقة    جزئية موجبة.
أما من الناحية الحجاجية فالتقابل بالتداخل هو علاقة بين أطروحة أو مفهوم كلي وأطروحة أو مفهوم جزئي.

مثال :           الوضع البشري          مفهوم كلي.
                 الـــشـــخـــــص          مفهوم جزئي.

التقابل بالتضايف: يقصد به علاقة استدلالية بين فكرتين أو مفهومين لا يمكن إدراك أحدهما دون إدراك الآخر.
مثلا: العدد الفردي / العدد الزوجي.
     الأعــــــــــــلى / الأسفــــــــــــل.
     الجــــــوهـــــر / الـــــــــــــعرض.
     الــــــــعــــــــلة / المعـــــــــــلول.
إن الاشتغال على الحجاج في الدرس الفلسفي عبر لحظاته المتعددة (العرض النظري، تحليل النص، التقويم...) لا يقتضي النظر إلى التقابل بمعناه المنطقي الدقيق والضيق الذي يحصر العلاقة الاستدلالية في ثنائية الصدق والكذب ويتصف بالدقة والصرامة والخضوع للقوانين الصورية. بقدر ما يقتضي التعامل معه بمرونة تنسجم وخاصية الخطاب الفلسفي كخطاب يعتمد اللغة الطبيعية التداولية، والنظر إليه في معناه العام "إننا في اشتغالنا على التقابلات المفاهيمية والقضوية الصريحة والضمنية في النص المقترح لن نأخذ التضاد والتناقض بمعناهما الدقيق والضيق، بل بالمفهوم المبسط الإجرائي"[14]. وذلك عبر الخطوات التالية:
إن تحليل أطروحة ما والبرهنة عليها لابد من تفكيكها إلى عناصرها المتقابلة وتحديد طبيعة هذا التقابل (تناقض، تضاد، تضايف، تداخل ...)، ذلك أن كل أطروحة تبنى بالإثبات والبرهنة من جهة وهدم وتفنيد أطروحة متقابلة معها من جهة أخرى.
إن تحديد قيمة تصورفلسفي يقتضي المقابلة بين مقدماته ونتائجه، كأن نقابل مثلا منطلقات فلسفة "بيركلي" التجريبية ونتائجه المثالية.
إن مفهمة مدلول ما تستدعي ضرورة وضعه في تقابل مع مفاهيم أخرى:
الحتمية / الصدفة.
الموضوعية / الذاتية.
الطبيعة / الثقافة.
المادية / المثالية.
العقلانية / التجريبية.
العرض / الجوهر.
    " وقد ظلت هذه الثنائيات في صورة أو أخرى تشكل حتى اليوم موضوعات يكتب عنها الفلاسفة أو يتناقشون حولها. وأساس هذه الثنائيات جميعها التمييز بين الصواب والخطأ، والحقيقة والبطلان، ويرتبط بها ارتباطا وثيقا في الفكر اليوناني ثنائيتا الخير والشر، الانسجام والتنافر أو النزاع. ثم تأتي بعد ذلك ثنائية المظهر والحقيقة، التي ما تزال حية إلى حد بعيد إلى يومنا هذا. وإلى جانب هذا نجد مسألتي العقل والمادة، والحرية والضرورة. وهناك فضلا عن ذلك مسائل كونية تتعلق بكون الأشياء واحدة أو كثيرة، بسيطة أو معقدة. وأخيرا ثنائية الفوضى والنظام، والحد واللامحدود"[15].


[1]- "الحجاج في درس الفلسفة"، تأليف: مليكة غبار – أحمد مزيل – محمد رويض – على أعمود، أفريقيا الشرق ، ص18.
[2]- نفس المرجع السابق ص34.
[3] - شوقي المصطفى : " المجاز و الحجاج في درس الفلسفة بين الكلمة و الصورة " . دار الثقافة . السلسلة البيداغوجية . العدد 26 . ط 1 . 2005  ص38.
[4]- الحجاج في درس الفلسفة، ص34.
[5]- " عناصر الكتابة الفلسفية " الإنشاء الفلسفي في الباكلوريا، تأليف: التجانية فرتات- فؤاد صفا- الحسين سحبان. مؤسسة نشرة للطباعة. الطبعة الأولى سنة 1987، ص 14.
[6]- الأسلوب البرهاني الحجاجي في تدريس مادة الفلسفة "من أجل ديداكتيك مطابق" عبد المجيد الانتصار، السلسلة البيداغوجية2، دار الثقافة ص98
[7] - مناهج البحث العلمي، عبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الطبعة الثالثة 1977، ص82.
[8]- نفس المرجع السابق ص91.
[9]- نفس المرجع السابق ص94.
[10]- مدخل إلى المنطق الصوري د محمد مهران، دار الثقافة للنشر. القاهرة سنة 1998، ص171.
[11]- الحجاج في درس الفلسفة، ص18.
[12]- مدخل إلى المنطق الصوري د محمد مهران، ص171.
[13]- عناصر الكتابة الفلسفية، الإنشاء الفلسفي في الباكلوريا، ص55.
[14]- المجاز والحجاج في درس الفلسفة بين الكلمة والصورة، ذ شوقي المصطفى، دار الثقافة، الدار البيضاء ص65.
[15]- راسل "حكمة الغرب" الجزء الأول. ترجمة زكرياء إبراهيم، ص31.



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)