‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قراءة في كتاب. إظهار كافة الرسائل

قراءة في كتاب: "البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله"

قراءة في كتاب: "البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله"
البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله

د. حميد لشهب - النمسا 
صدرت عن "جداول للطباعة والنشر والترجمة" ببيروت الترجمة العربية لكتاب الفيلسوف النمساوي يوسف سايفرت: "البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله" في طبعته الثانية المزيدة والمنقحة، المنشورة عام 2000عن دار النشر الألمانية للمنشورات الجامعية بهيدلبرغ. وتمت الترجمة على يد الباحث المغربي، المقيم بالنمسا، د. حميد لشهب.
يؤكد المترجم بأن الجناح الجرماني ظل غائبا عن الساحة الثقافية والفكرية والفلسفية في العالم العربي الإسلامي لأسباب تاريخية معروفة على الرغم من الأهمية الكبيرة له. وهذا ما يؤكده الأستاذ محمد سبيلا كذلك:" هناك اليوم ضرورة للإهتمام بالوجه الجرماني للثقافة الغربية لسبب بسيط هو أن الثقافة الجرمانية هي أم الثقافة الغربية في العصر الحديث. فقد خرجت من رحمها كل التيارات الفلسفية والتقنية والعلم إنسانية المنتشرة اليوم في الغرب...".
يقول المترجم بأنه من المسلمات الخاطئة التي ورثناها نحن العرب عن العقود السابقة، وزمان الأيديلوجيات والنظريات الفضفاضة، هي كون الفكر الديني، المسيحي منه أو اليهودي، قد عرف تقهقرا واضحا، وقضي عليه إلى غير رجعة على يد الفكر النقدي واستعمال العقل. والحقيقة أن مثل هذه الإدعاءات الرخيسة التي آمنا بها، واعتقدنا بأنها قد تساعدنا على بناء غد قومي أفضل بعلمنة المجتمعات وتنويرها وتحريرها من سلاسل وقيود العادات والتقاليد والشعائر الإيمانية المملوئة بعناصر شتى من الخيال الشعبي والثقافة الشفاهية قد هوت بعد سقوط المعسكر الشرقي، وانحصار ما كنا نسميه الفكر التقدمي في عقر داره. وما كان لهذا العالم الأيديلوجي-الفكري أن يسقط لو لم يكن محاطا بنقيض له. فالفكر النقدي الغربي، بما فيه الفكر الإشتراكي، لم يعر الإهتمام الكافي للرافد الكلاسيكي له، بل اكتفى بنفيه وضحده وفي مرات عديدة بابتزازه واضطهاده.
يعتبر يوسف سايفرت من الركائز الأساسية للإتجاه الفينومونولوجي الواقعي حاليا نظرا لغزارة وتنوع المواضيع الفلسفية التي عالجها في هذا الإتجاه. ولد بتاريخ 6 يناير 1945 في مدينة سالتسبورغ النمساوية. تتلمذ على يد هلدبراند، الذي كان بدوره تلميذا لهوسرل، وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه، احترف الفلسفة كأستاذ جامعي في النمسا وأمريكا وإمارة الليكتنشطاين والشيلي، ويشتغل حاليا بجامعة طوليدو الإسبانية.
حصل سايفرت سنة 1998 على الميدالية الذهبية الأوروبية للفلسفة، التي يمنحها البرلمان الأوروبي ببروكسيل، اعترافا له بكل ما قدمه للفكر والتأمل الفلسفيين. له مؤلفات ودراسات فلسفية عديدة، تتوزع مجمل كتبه حول الميتافيزيقا والفلسفة النسقية والأخلاق ونظرية المعرفة. كما تتميز طريقة كتابته بالعمق والتحليل الدقيق و سعة الخيال الفلسفي. يلجأ في أسلوب كتابته إلى الكثير من المجاز والإستعارة والأمثلة وإلى الإسترسال وطول الجمل والفقرات والتكرار المقصود في بعض الأحيان لتدقيق الفهم.
يلخص المترجم اختياره لتعريب هذا الكتاب في سببين رئيسيين: يتمثل الأول في اهتمامه الشخصي بموضوع الله من وجهة نظر سيكولوجية وبيداغوجية. فقد شغلته هذه الفكرة لسنوات عديدة وما تزال تشغله. أما السبب الثاني فهو كون هذه الفكرة في نظره هي من الأفكار الرئيسية في حياة العربي والمسلم كيفما كان مستوى تعلمه وانتمائه الطبقي. ذلك أن المرءينلتقي بها في العالم العربي الإسلامي على جميع الأصعدة والمستويات: دين، أخلاق، مجتمع، سياسة إلخ. والملاحظ هو أن فكرة الله قد استغلت عندنا استغلالا بشعا من طرف تنظيمات سياسية بعينها وأحدثت نتائج أغلبيتها سلبية إن على الصعيد الداخلي للأوطان العربية الإسلامية أو على الصعيد الخارجي. وقد وجد الفيلسوف العربي نفسه في مأزق قلة أدوات الإقناع والتفسير، وفي أحسن الأحوال بأدوات إقناع غير كافية وغير مجدية للكف عن استعمال فكرة الله هذا الاستعمال السيىء. فالله الذي رجع ليقلق راحة إنسان هذا القرن مخالف تماما لتلك الفكرة عن الله التي نجدها في الكتب السماوية، لذاك الإلاه الغفور الرحيم. إنه إلاه عنيف وعدواني لا يعرف إلا لغة وحيدة: الحرب الداخلية والحرب الخارجية. وهذا الله لا يقبل لا الحوار ولا التنازلات.
يضيف المترجم بأن هذا الكتاب يمثل ما يسميه شخصيا بفلسفة الأمل. هذه الفلسفة التي تقترح نظرة مغايرة جديدة للعالم ولمصير الانسان المهددان من طرف ألاف التحديات التقنولوجية، والأخلاقية والكوارث الطبيعية التي تضرب بشكل منتظم كوكبنا. إن هذا الكتاب هو دعوة لإعادة بناء علاقة الانسان المعاصر بعالمه الرمزي، هذا العالم الذي نسي منذ أن "قتل" نيتشه الله على قمة الجبل. يدعو سايفرت من جهة للصلح بين الانسان وبين أعمق مكونات عالمه الرمزي: الله؛ ومن جهة أخرى بين الصلح بين الانسان مع نفسه عن طريق فينومونولوجية نفسية، تحاول أن تفهم عمق إحساساتنا ومعتقداتنا. وعندما يفهم المرء نفسه، فإنه سيكون من السهل عليه أن يتصالح مع الانسان (في المعنى الواسع للكلمة) من أجل إعادة بناء عالم أكثر عدالة، لأن كل ما هو إنساني يحمل في ذاته علامات المقدس.
يضم كتاب " البرهان الأنطولوجي على وجود الله" ستة أبواب موزعة على 12 جزء، علاوة على مقدمة وخاتمة وقائمة للمراجع.يوضح سايفرت في تمهيد كتابه الدوافع الفلسفية التي حدت به إلى تأليف مؤلفه هذا، وما آل إليه البحث في هذا الموضوع ابتداء من "الإعتراضات الكوبيرنيكية" إلى يومنا هذا. وأهم سؤال حاول أن يجيب عنه في هذا الإطار هو:" هل يمكن الدفاع عن براهين وجود الله في عصر "ما بعد الميتافيزيقا ؟" وأهم جواب توصل إليه هو أن ذلك ممكن، وخاصة إذا وظفت مبادىء وأسس وطرق بحث الفينومونولوجيا الواقعية في هذا الميدان. وخصص صفحات بكاملها لكي يعرف بهذا الإتجاه الفلسفي الجديد والأسباب التي أدت إلى ظهوره واختيار موضوعه.
خصص بعد ذلك مقدمة طويلة تحدث فيها عن البدايات التاريخية للبرهان الأنطولوجي وعن أسباب ضرورة إعادة بنائه فينومونولوجيا، مركزافي الباب الأول، المكون من جزئين، على نقطتين أساسيتين: تناول في الأولى منهما البرهان الأنطولوجي في شكله الأنسيليمي والشروط الأربعة لصحته. بينما تناول في النقطة الثانية المجموعة الأولى من الإعتراضات ضد هذا البرهان الذي يتخذ من "الجوهر الإلهي الضروري نقطة بداية له". ويختم هذا الباب بمساهمة كل من دون سكوتوس ولايبنتز فيما يتعلق بالبرهان الأنطولوجي على وجود الله.
أما في الباب الثاني، المكون من ثلاثة أجزاء، فإنه يعرض نقط ضعف عرض أنسليم لنقطة منطلقه في برهانه، أي من الجوهر الإلهي الموضوعي، مؤكدا أن نصوصه في هذا الإطار غير واضحة. ويستعرض بعد ذلك تطوير بونأفانتورا لهذا البرهان، قبل أن يعترض على تأويله له. كما أنه يتطرق في الجزء الأخير من هذا الباب إلى التأسيس الديكارتي العميق لهذا البرهان، وكذا القضاء عليه بإقحامه في دائرة مغلقة وتأكيده على خلق "الحقائق الأبدية" من طرف الله.
يعتبر الباب الثالث أطول باب في الكتاب، قسمه بدوره إلى أربعة أجزاء: عالج في الأول منها إشكالية ما إذا كان البرهان الأنطولوجي على وجود الله معرفة عقلية لهذا الأخير، أو فقط تأويل للغة وللتجارب الدينية. واستعرض في الجزء الثاني إمكانية التعرف على عدم تناقض الجوهر الإلهي والضرورة المطلقة لهذا الجوهر. وتطرق في هذا الجزء كذلك إلى البرهان الكوسمولوجي-العرضي واعتراض طوماس الأكويني على البرهان الأنطولوجي. وحاول في الجزء الثالث من هذا الباب أن يجيب عن سؤال: "هل من الممكن أن الإنسان هو الذي خلق الله؟". أخيرا، وفي الجزء الرابع، تحدث عن المعرفة الوجودية ومواضيعها وأصنافها وعلاقتها بالبرهان الأنطولوجي و مدى مساهمتها في بناء هذا الأخير.
خصص الباب الرابع للحديث عن الوجود الواقعي الضروري كصفة من صفات الجوهر الإلهي، معترضا على الشرط الأساسي الثالث للبرهان الأنسيلمي ومستعرضا كلا من اعتراضات كانط وفيندلي ودفيد هيوم على البرهان الأنطولوجي، لكي ينتهي بدحضها ودحض المقدمات الأولى لما يسمى بالبرهان الأنطولوجي "للإلحاد" التي نجدها عند هيوم، هوسرل و آخرين.
يتعرض في الباب الخامس إلى المسار والتطور الذي عرفه تعريف الله من تعريف كلاسيكي إلى تعريف شخصاني. ومن بين أهم نقط هذا الجزء هناك الإعتراض على الشكل الكلاسيكي للبرهان الأنطولوجي عند أنسليم عن طريق لاهوت السيرورة وتعريفها الكلاسيكي الجديد لله إلى جانب أجوبة عن الإعتراضات ضد الفرضية الأساسية الرابعة للبرهان الأنطولوجي وعلى اعتراضات أخرى، منها على وجه الخصوص اعتراضات مالكوم ضد هذا البرهان.
 أما في الباب السادس والأخير فإنه يتناول إشكالية المنطق والميتافيزيقا في البرهان الأنطولوجي، محاولا تبيان الأسس المنطقية التي انطلق منها هذا الأخير واستعراض مختلف الإتجاهات المنطقية الموجودة، ليخلص إلى كون البرهان الأنطولوجي ليس أساسا مشكلا للمنطقي، بل إنه مشكلا ميتافيزيقا محض.

قراءة في كتاب "فصل المقال

قراءة في كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"
لأبي الوليد ابن رشد
بقلم : مريم بناصر - من المغرب
يعد كتاب"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" من أضخم ما ألف الفيلسوف المسلم ابن رشد،
 حيث استحضر فيه جدلية العقل والنقل التي ظل يتخبط فيها الفكر العربي الإسلامي.
وقد أراد من خلاله الفصل بين خطابين غير متجانسين: خطاب شرعي مقام على الوحي والإيمان، وخطاب فلسفي مؤسس على الاستدلال والعقل والبرهنة.وطرح العلاقة بين الدين والمجتمع مخاطبا المتكلمين و الفقهاء خاصة الذين نهوا عن النظر العقلي في الموجودات وقاموا بتكفير الفلاسفة.
أكد ابن رشد على أن الشرع حث وأوجب النظر العقلي في الموجودات،مستدلا بقوله تعالى في سورة الحشر "فاعتبروا يا أولي الألباب" ،وبقوله في سورة آل عمران "ويتفكرون في خلق السماوات والأرض"، و على أن الفلسفة ليست إلا حكمة ونظرا إلى الموجودات، وبالتالي معرفتنا بمن أوجدها وهو الله تعالى. مما يؤكد انه لا تعارض بين الفلسفة والشريعة ، وكلاهما يعتبر  سبيلا للتعرف على الخالق الذي حث على وجوب استعمال النظر العقلي أو البرهان كما سبق الذكر.
وكما أوجب الشرع النظر في القياس الفقهي الذي يعتبر ضروريا للفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية ومعرفة المقاييس الفقهية ، وجب كذلك النظر العقلي في الموجودات  وهو ما يسمى "بالبرهان" ، هذا الأخير الذي لا يمكن استعماله  إلا بمعرفة أنواعه وقواعده  وأشكاله  وأوجه الاختلاف  بينه وبين باقي أنواع القياس كالقياس الجدلي،  الخطابي ،المغالطي  و الفقهي.
كذلك أكد على أن القياس العقلي الذي يثبت صدق نتائجه معتمدا على مقدمات صادقة أو مسلم بها كأنها صادقة ، ليس بدعة  فقط لأنه لم يكن في صدر الإسلام، فالقياس الفقهي كذلك لم يكن في تلك الحقبة، و إذا وجب استعماله فهذا يعني أنه علينا الاستعانة ممن سبقنا إليه سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ونأخذ منه ما هو صواب  ونترك ما هو مخالف له،مما يتبين أن النظر في كتب القدماء  واجب بالشرع ،و من منع هذا فإنه منع معرفة الله تعالى.وذلك غاية البعد والجهل.
يقول ابن رشد " ليس يجب فيما كان نافعا بطباعه وذاته أن يترك لمكان مضرة موجودة فيه بالعرض" ويقصد هنا أن الفلسفة نافعة في ماهيتها، ولا يمكن تجاهلها أو الاستغناء عنها ، والضرر ليس من جوهرها ،هو فقط عرض لحقها من قبل أناس أساؤوا فهمها،و يعزز ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم للذي أمره بسقي العسل أخاه لإسهال كان به ، فتزيد الإسهال به لما سقاه العسل وشكا ذلك إليه "صدق الله وكذب بطن أخيك."
كما حدد طباع الناس التي تختلف في التصديق، فمنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية التي تعتمد على قياس مقدمات ظنية، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية التي تعتمد على قياس تقوم مقدماته على أساس عاطفي، ومنهم من يصدق بالبرهان. وأوضح أن الشريعة الإلهية دعت إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق والموعظة الحسنة التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم لتضمنها شريعته، وبالتالي فالنظر البرهاني لا يؤدي إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن  ظهر اختلاف بينهما وجب تأويله.
و عن التأويل يقول: "التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز" ، فإن كان واجبا على  الفقيه الذي لديه قياس ظني تأويل كثير من الأحكام الشرعية ،كان واجبا أيضا على صاحب البرهان لأن عنده قياس يقيني، وكما يجوز أن يؤدي البرهان إلى تأويل الأشياء التي أجمع المسلمون على حملها على ظواهرها لو ثبت الإجماع فيها ظنيا أما لو ثبت الإجماع بطريق يقيني لم يصح.
رغبة منه في إثبات إخاء الحكمة للشريعة ،ضرب ابن رشد المثل  بثلاث مسائل كفر فيها الغزالي الفلاسفة المسلمين الذين حذوا حذو أمثالهم اليونانيين، كالفاربي وابن سينا ، في كتابه" تهافت الفلاسفة" ؛ مسألة قدم العالم، قولهم أن الله لا يحيط علما بالجزئيات و مسألة إنكارهم بعث الأجساد وحشرها. حيث قال: «تكفيرهم لا بد منه في ثلاث مسائل إحديها مسألة قدم العالم وقولهم إن الجواهر كلها قديمة، والثانية قولهم إن الله لا يحيط علماً بالجزئيات الحادثة من الأشخاص، والثالثة في إنكارهم بعث الأجساد وحشرها، فهذه المسائل الثلاث لا تلائم الإسلام بوجه ومعتقدها معتقد كذب الأنبياء. وإنهم ذكروا ما ذكروه على سبيل المصلحة تمثيلاً لجماهير الخلق وتفهيماً وهذا هو الكفر الصراح الذي لم يعتقده أحد من فرق المسلمين. وفي غيرها من المسائل فمذهبهم قريب من مذاهب الفرق الإسلامية فأما ما عدا هذه المسائل الثلث من تصرفهم في الصفات الإلهية واعتقاد التوحيد فيها
فمذهبهم قريب من مذاهب المعتزلة ومذهبهم في تلازم الأسباب الطبيعية هو الذي صرح المعتزلة به في التولد وكذلك جميع ما نقلناه عنهم قد نطق به فريق من فرق الإسلام إلا هذه الأصول الثلث. فمن يرى تكفير أهل البدع من فرق الإسلام يكفرهم أيضاً به ومن يتوقف عن التكفير يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل».
فأوضح ابن رشد أن هؤلاء الفلاسفة يؤمنون بوجود الله وعبادته، وأن مذهبهم "البرهان" يؤدي إلى معرفة الله حق المعرفة، ولم يقل الفلاسفة أن الله لا يعلم الجزئيات، بل رأوا أن الله تعالى يعلمها بطريقة سامية لا يمكننا فهمها، و الدليل على هذا أنهم يرون أن الرؤيا الصادقة تتضمن الإنذارات بالجزئيات الحادثة في المستقبل ، وهي كلها من الجزئيات المتغيرة ، مما يعني علمه بها كما يعلم بالكليات.
أما فيما يخص قدم العالم، فقد اتفق الأشعرية والحكماء المتقدمين على أن هناك ثلاثة أصناف من الموجودات ، واتفقوا على طرفان و هما : موجود وجد من شيء غيره والزمان متقدم عليه وهو محدث ، وموجود لم يكن من شيء و لا عن شيء والزمان غير متقدم عليه ، واتفقوا على تسميته قديما وهو مدرك بالبرهان وهو الله تعالى. لكنهم اختلفوا في الصنف الثالث فهو موجود لم يكن من شيء  ولا تقدمه زمان ولكنه موجود عن  شيء وهو العالم بإسره ، فمنهم من سماه قديم ومنهم من سماه محدث.
ولكن ابن رشد يرى من ظاهر الشرع أنه محدث وغير منقطع، ويستدل على ذلك بقوله تعالى في سورة هود "وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء". أما  الاختلاف في تأويل هذه المسائل، إذا كان المؤول خاطئا فهو معذور لأن الخطأ هنا اضطراري، وإن كان صادقا فهو مأجور، كما أن العقيدة صورة نفسية بدليل أنها ليست اختيارية كالحركة مثلا.
فيما يخص مسألة ظاهر وباطن نصوص الشرع ، ذهب ابن رشد إلى أن هذه النصوص لها معنى ظاهر ومعنى باطن  لطفا من الخالق بعباده ، وذلك لانقسامهم إلى برهانيين وغير برهانيين ، فالصنف الأول هم أهل للتأويل لاعتمادهم القياس العقلي في ذلك ،  أما الصنف الثاني فلا يحق لهم تأويل الباطن لأنهم لا يستطيعون التصديق إلا بما هو محسوس وقابل للتخيل ، أي أنهم ليسوا أهلا له.
وقسم ابن رشد المعاني من حيث التأويل  إلى أربعة : ما لا يجوز تأويله لموافقة ظاهره باطنه ، لا يجوز أن يؤوله  إلا الراسخون في العلم ، وذلك عندما يكون المعنى الظاهر ليس مرادا من النص و ما لابد من تأويله  و إظهار هذا التأويل للجميع ، وذلك إذا كان المعنى الظاهر رمزا لمعنى خفي ، وما يؤوله العلماء لأنفسهم وذلك  إذا كان ظاهر المعنى بينا ولا يعرف مدلوله إلا بعلم بعيد و المخطئ فيها من العلماء معذور لتجاوز الأمر طاقته.
إذن فالشرع مقسم إلى مراتب حسب الإدراك لدى الناس.
فيما يخص مسألة أحوال المعاد، فقد اختلف العلماء حولها؛ حيث اعتبرها الأشعرية ظاهرة وبالتالي لا يجوز تأويلها، وقوم آخر من أهل البرهان يؤولها، ولكن يختلف الكثير في تأويلها ومنهم الغزالي. والتواب لمن أصاب والعذر لمن أخطأ في تصنيفها من العلماء، والتأويل في أحوال المعاد أو القيامة لا في وجودها،فنفي وجودها كفر والإيمان به ممكن لجميع الناس لأنه يتم بالطرق الثلاثة المذكورة. كما أكد على أن التأويل  في هذه المسألة من اختصاص البرهانيين، وواجب عليهم ذكر هذا التأويل في كتب البرهان فقط وليس العكس كما فعل الغزالي وألحق الضرر بالشريعة والفلسفة معا (دون أن يقصد ذلك).
و في مسألة مقصود الشرع، فقد حدد ابن رشد أن لهذا الأخيرا مقصودا وغاية تتجلى في تعليم العلم الحق؛ وهو معرفة الله تعالى وسائر موجوداته ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي ، والعمل الحق  الذي يتمثل في تجنب الأفعال التي تفيد الشقاء ، وامتثال الأفعال التي تفيد السعادة.
بما أن الشرع يشمل جميع أنواع وطرق التصديق (البرهانية،الجدلية،الخطابية)، فإن أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة هي الطرق المشتركة للأكثر في وقوع التصور والتصديق وهي أربعة أصناف:
-         أن تكون يقينية مع أنها خطابية أو جدلية: تؤخذ على ظاهرها وليس لها تأويل والمؤول كافر.
-         أن تكون المقدمات يقينية ونتائجها مثالات للأمور التي قصد إنتاجها ،و تحتاج إلى تأويل.
-         لا تكون المقدمات يقينية لكن النتائج هي التي قصد  أنتاجها نفسها ،وبالتالي لا تحتاج إلى تأويل بل المقدمات التي تؤول.
-         لا تكون المقدمات يقينية والنتائج مثالات لما قصد إنتاجه وتأويلها على البرهانيين واجب وعلى الجمهور إمرارها على ظاهرها.
وكل هذه التأويلات يتطرق إليها بالبرهان الذي يسلكه أهل النظر للتصديق ، وهو ما  لا يصلح للجمهور  و لأهل الجدل لصعوبة استخدامهم له، وبالتالي لا تتحصل لديهم ثمرات استخدامها.
لكن بعض الفرق الإسلامية من أهل النظر كالمعتزلة و الأشعرية لم يسلكوا طرق التعليم التي حددها الشرع في كتاب الله العزيز، و أولوا آيات كثيرة للجمهور، مما أدى إلى تمزيق الشرع والتفريق بين الناس ، بل والأكثر من ذلك  جاءت ناقصة عن شرائط البرهان عندما تأملها أهل الخواص فكثرت البدع.
و في الختام دعا ابن رشد إلى تصحيح الأفكار الخاطئة التي أخذت عن الفلسفة، والتي أساسها أن هذه الأخيرة تؤدي إلى الكفر و الإلحاد والضلال، وذلك بسبب تأويلات الأشعرية والمعتزلة التي تبعد مذاهبها كل البعد عن الأقاويل الموضوعة في الشرع لتعليم الناس ) النصر والتنبيه على الحق( كما سبق الذكر، فالفلسفة أولا وأخيرا هي الحكمة والحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة.  

المراجع:
كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"/أبي الوليد ابن رشد ،دراسة وتحقيق محمد عمارة،طبعة دار المعارف (الطبعة الثانية)
كتاب "تهافت الفلاسفة" / أبوحامد الغزالي



قراءة في كتاب: "السلفية والإصلاح"،للدكتور عبد الجليل بدو

قراءة في كتاب: "السلفية والإصلاح"،للدكتور عبد الجليل بدو
بقلم:الاعرج بوجمعة
في البدء كان الاعتراف، لذا اسمحوا لي أن أقول كلمة في حق هذا الباحث المغمور "عبد الجليل بدو"، الذي لم تنصفه الساحة المغربية ولو ببصيص من الأمل، فقد راكم بحوثا قيمة في مجال التراث والسلفية والإصلاح... و من خلال هذه القراءة المتواضعة لهذا العمل من العيار الثقيل والجاد لصاحبه نحاول الاعتراف بتوجيهاته وطريقة نقاشاته خلال تواجدنا كأساتذة متدربين بالمدرسة العليا للأساتذة ـ تطوان.
  يحاول المؤلف من خلال دراسته هذه الكشف عن جوانب التراث السلفي، والسلفية المغربية خاصة، ومدى ارتباط أو انفصال هذه الأخيرة بالسلفية كما حضرت في مختلف البلدان الإسلامية، وكذلك إبراز طبيعة وبنية الفكر السلفي في ثوابتها ومتغيراتها.
  صاغ المؤلف كفرض تخميني هو أنه من الصعب الحديث عن اتجاه سلفي محدد وموحد، يشمل كل توجهات السلفية على مستوى المبادئ والقناعات. فهناك اتجاهات مختلفة ومتباينة رغم ما يجمعها مبدئيا من وحدة في المرجعية. فالمقصد من هذه الدراسة ليس القيام بسرد كرونولوجي لتاريخ السلفية بالمغرب، ولكن الأساس هو فهم الذات التي يعبر عنها هذا التراث، وإبراز خصوصياتها في ظل ظروفها التاريخية والسياسية والثقافية، ومدى سعيها للتجديد ورغبتها في التطور والارتقاء.
  عندما ندقق النظر في منطلقات الإصلاح السلفي بالمغرب، نستطيع آنذاك الوقوف على رد فعل علماء المغرب اتجاه السلفية الوهابية، ومشروع "محمد ابن عبد الوهاب" الذي راهن فيه ليس فقط على الأبعاد السياسية فحسب، ولكن أيضا الثقافية والتربوية، بل يمكننا الوقوف على ردود علماء المغرب السلفيين على أقطاب سلفية المشرق؛ الممثلة في سلفية "الأفغاني وعبده وتلميذه رشيد رضا" اختلافات تتعدى مستوى المذهب إلى مستوى المبدأ. ولتعكس اختلافا في الرؤية وطريقة التفكير سواء تعلق الأمر بمحاربة البدع والمحدثات أو تعلق الأمر بتحديث الدولة والجيش والإدارة، أو إصلاح ميدان التربية والتعليم، وتلك مجالات أساسية شغلت السلفية المغربية وجعلتها تبتعد عن طرح القضايا النظرية مثل مسألة التوفيق بين التراث الإسلامي والتراث الغربي.
  فكان جوهر هذه الدراسة هو الإقرار بأن السلفية ليست عقيدة قائمة الذات سواء على مستوى القناعات أو على مستوى المبادئ، لكنها طريقة لبناء المعرفة ومنهج يختلف من حيث مبادئه وأهدافه، وهذه الاختلافات على مستوى المنهج هي التي تؤدي إلى خلق تحولات عديدة في الاتجاهات السلفية، وفي نظرتها للإصلاح والتحديث. فالسلفية المغربية لن ترفض الإصلاح والتحديث وإن كانت ترفض الوقوع في البدع وتتشبث بمرجعيتها الأصلية، دون أن تجد ما يدفعها إلى اللجوء إلى آلية التوفيق التي ميزت السلفيات الأخرى (الوهابية ـ المشرقية). فمسألة التحديث عند السلفية المغربية تنطلق من قبول سيطرة العقل والاحتكام إليه.
  بعد هذه التوطئة  لمفهوم السلفية سواء داخل المغرب أو خارجه، نرى من المنهجي أن نعطي للقارئ الكريم تحديد لمفهوم السلفية. فما المقصود بالسلفية؟
§        السلفية تعني عند البعض العودة إلى الأصول والمنابع الأولى للدين.
§        ثم تعني عند البعض الآخر السعي للتجديد في الدين بتخليصه مما علق به من محدثات وبدع.
§        كما يستعمله البعض للدلالة على ثورة فكرية واجتماعية تتطلع للمستقبل بتجاوز الحاضر رغم أنها تستحضر الماضي.
عند تجميع كل هذه التعاريف يمكن القول عن السلفية" إنها حركة إصلاحية سياسية تتخذ من الدين سندا إديولوجيا لها"، بل قد توظف السلفية نفسها كإديولوجيا للإصلاح باعتبارها منظومة فكرية تربط بين العقيدة والشريعة في نسق متكامل يوجه التفكير والسلوك نحو التغيير.
هذا بخصوص مفهوم السلفية، أما مفهوم الإصلاح فكثيرا ما يقصد به إصلاح الدين من أجل إصلاح المجتمع؛ أي تخليقه من البدع والمحدثات، ونشر مكارم الأخلاق والفضائل التي جاء بها الدين. فالإصلاح هنا يأخذ معنى التغيير نحو الأفضل والأحسن من خلال إحياء ما كان عليه السلف الصالح. إصلاح الدين إذن شرط لإصلاح الناس، أي إصلاح الأنفس لأن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
  تاريخيا لا يخفى على أي أحد أن العرب والمسلمين لم يستطيعوا تحقيق دولة قوية إلا بفضل الدين، وهذه حقيقة رسخت في الأذهان، أي الاقتداء بمنهج السلف الصالح عقيدة وسلوكا قادر على تخليص الأمة الإسلامية من ضعفها وتخلفها والارتقاء بها إلى ما كانت عليه في عهد الرسول وأصحابه.
أولا: تجليات وأصول الاتجاهات السلفية.
1.     السلفية والحقيقة المطلقة:
    ما تجمع عليه الحنبلية والظاهرية هو أن إتباع النصوص بدون تأويل لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الحق. لأنهم يرون أن "التأويل هو تحريف للكلام عن موضعه".
   يرى ابن تيمية أن العقل والنقل هما الأساس والمعيار الذي لا يقوى أحد على مجادلته أو ينكر أهميته في الحياة الإنسانية، لهذا وجب الالتزام بالدين الصحيح ومحاربة البدع والمحدثات لأنها لا تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كل خروج في نظر ابن تيمية عن الكتاب والسنة فهو زيغ ومن تم لا يصمد أمام الدليل وقوة النص. فيميز ابن تيمية بين المعارف التي يعتمد في تحصيلها على الخبر، والمعارف العلمية التي يعتمد في تحصيلها على العقل. الأولى يكون الأنبياء "مخبرون عن الله صادقون في الأخبار"، أما الثانية "يكون فيها العلم جامعا شاملا كما هو الشأن في علم الحساب والطب...
  بدأ محمد بن عبد الوهاب دعوته الإصلاحية من خلال زعمه ببساطة العقيدة الحنبلية وقوة الإيمان ووضوح الدليل، لكن دعوته هذه عرفت الانتشار عندما اتصل ابن عبد الوهاب بمحمد بن سعود، وعلى إثر "التخلص من الأتراك". هنا أخذت الحركة منحى سياسيا، فكان مطمع هذا الأخير ـ بن سعود ـ إلى فصل منطقة الحجاز عن حكم الأتراك، هنا وجد في الوهابية سندا له، فجعلت الوهابية أحد ركائزها هما المبادئ التالية:
*       الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
*       الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله.
2.     سلفية العقل الكلامي:
  يرى جمال الدين الأفغاني أن الدين هو أساس التجديد لتغيير الأوضاع التي آلت إليها حالة المسلمين. تأكيد جمال على أهمية الدين لا يقل أهمية عن تأكيده عن دور العلم الطبيعي في تحديث أوضاع المسلمين.  لذا قال ـ جمال الدين ـ إن غاية الإنسان في الوجود هي خلق مدنية إنسانية لا إقامة الدين فحسب، الأمر الذي يقتضي إعطاء الاعتبار للعقل كأساس للمدينة الحديثة.
في نفس المنحى التحديثي الذي ذهب فيه جمال الدين الأفغاني، نجد كذلك محمد عبده جاعلا من الإصلاح والتحديث أسلحته المباشرة من أجل النهوض والرقي بالأمة. فيعتبر عبده "أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل(ص50). لذلك لا جدل في أهمية العقل ولا داعي للتنقيص  منه أو التشكيك فيه، لكن مع ذلك ينبغي التسليم بصحة المنقول والعمل على تأويله بشكل يجعله لا يتناقض مع العقل. يقول عبده "ما يعاب الآن على المسلمين ليس من الإسلام وإنما هو شيء أخر سموه إسلاما". من أجل تحقيق هذه الغاية اعتبر عبده أن ينبغي أن تعطى أهمية بالغة للجانب التربوي؛ فالتربية هي أهم المجالات التي يجب الرهان عليها لتحقيق كل الإصلاحات المرجوة، حيث يقول ـ عبده  "فمن يرد خير البلاد فلا يسعى إلا إلى إتقان فن التربية". لقد كان يعتبر أنه من الخطأ العمل على التغيير السريع أو التغيير الثوري فلا فائدة في ذلك، ما دام العمل التربوي المنظم والمتقن كفيل بحقيق ذلك.
  بالإضافة إلى مراهنة عبده على الجانب التربوي، فإنه جعل من تعلم اللغات الأجنبية واعتمادها من طرف المسلم في التواصل والتثقيف أحد ركائز الثورة التحديثية. ومن خلال احتكاكه بالقارة العجوز. فقال إن اللغة المسيطرة والمشتركة هي الفرنسية والإنجليزية فبدون هاتين اللغتين لا يمكن لأحد أن يدعي أن يفعل خيرا للأمة.
يرفض محمد عبده تعدد الزوجات؛ لأن هناك مجموعة من الشروط يصعب تحقيقها: منها شرط العــدل، فالنص واضح في هذه الحالة، "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم..." محمد عبده يعتبر تعدد الزوجات عادة فقط، لذا يجب القطع معها. و لا يكتفي بالتأكيد على ضمان حقوقها المدنية العادية بل يعطيها بعض الحقوق الشرعية التي كثيرا ما كان يعتقد الناس أنها خاصة مثل مسألة الوصاية. وهي حقوق واردة كذلك في مسألة الطلاق، فكانت له الجرأة في إعطاء المرأة الحق في المطالبة بالطلاق في حالة وجود ضرر يلحق بالزوجة وأبنائها.
الفصل الثالث: المنهجية السلفية وتأصيل العقلانية.
  انكب المشروع السلفي على محاولات التوفيق التي كانت ترمي إلى حل إشكال التعارض بين أسس الفكر الديني في الإسلام وثوابت الفكر اليوناني. يقول صادق جلال العظم: "إن كل المحاولات التوفيقية كانت فاشلة دائما".  
نجذ جذور المشروع الرشدي لدى ابن حزم، هذا الأخير الذي عاش في كنف الدولة الأموية بالأندلس، هذه الدولة التي شجعت على العقلانية من أجل مقاومة المد الفاطمي الذي تميز بعقيدته الباطنية، والتي كان لها دعاة بالأندلس يحاولون نسف مقومات الدولة الأموية من الداخل.
تجليات هذه العقلانية في الفكر السلفي تمثلت في بناء الشرع على القطع ودعم المنقول بالمعقول. فالتأويل في نهاية المطاف ليس سوى ارتقاء بالخطاب الشرعي إلى مستوى الخطاب البرهاني. لذا فمعنى التأويل يتجلى في إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية.
كان الشاطبي يلح دائما على أن نحدث الناس بما يفهمون. من هنا انطلق الشاطبي من علم أصول الفقه باعتباره العلم الذي يؤسس لمختلف العلوم الشرعية الأخرى، وكمنهجية تفكير جديدة.
فنظرية المقاصد عند الشاطبي ترى أن الأحكام الشرعية ليست غاية في ذاتها، وإنما هي لها معاني وأبعاد وغايات تهدف إلى تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل.
تناول الشاطبي مفهوم العقل والنقل، إلا أن الجديد عنده هو عدم التمييز في مفهوم القطع بين ما هو عقلي وما هو نقلي، لأن القطعي قطعي إطلاقا بالشرع والعقل، لكن المسألة التي شدت انتباه الشاطبي هو التمييز بين العقل والرأي، على اعتبار العقل يفيد الوصول إلى الحقيقة وهو أساس البرهان. عكس الرأي الذي لا يقوم على القطع ويفيد الظن فحسب ويمكن التراجع عنه والاختلاف فيه. لذلك لا مجال لربط العقل بالرأي كما فعل المتكلمون والفلاسفة المسلمين حين أخذوا بالعقل في مواقفهم وأحكامهم.
عقلانية الشاطبي جعلته يرفض كل أصل لا يقبل شرعا وعقلا، فما هو معقول يعد مقبولا شرعا كما هو مقبول عقلا، بل إن مقاصد الشريعة ومعانيها كلها معقولة وإن كان ذلك في مجال العبادات ليس ضروريا.
  ختاما، يمكن القول بأن هذه القراءة المتواضعة التي قدمناها للنص الذي في الهامش، ليس وصفة نهائية بقدر ما هي إشارة ضوئية للانطلاق لقراءة هذا النص، ودعوة صريحة وضمنية للالتفات إلى الكتابات المغربية عامة والسلفية على وجه الخصوص. هذا بخصوص النص أما الكاتب فيمكن القول بأننا نقدم هذه القراءة اعترافا بمجهوداته وتوجيهاته القيمة. فإن  أصبت فلي حسنتان وإن لم يكن كذلك فالكمال يظل لله وحده فهو نعم المولى ونعم النصير.
الهوامش:
      --  الدكتور ع. الجليل بدو: "السلفية والإصلاح"، منشورات سليكي إخوان ـ طنجة، الطبعة الأولى، السنة 2007.


فلسفة الاعتراف: براديغم جديد لنقد الهيمنة الليبرالية


فلسفة الاعتراف:
براديغم جديد لنقد الهيمنة الليبرالية
قراءة في كتاب: الاعتراف : من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية".
تأليف : الدكتور الزواوي بغورة

محمد مستقيم

من المعلوم أن الفيلسوف الألماني فريدريك ولهايم هيجل هو الذي وضع في كتابه:فينومينولوجيا الروح" الأساس النظري لمفهوم الاعتراف باعتباره محور الصراع بين الذوات وذلك من خلال تحليله لجدلية الصراع بين العبد والسيد، وهي جدلية تأتي نتيجة حتمية لرغبة الإنسان في نزع الاعتراف به من طرف الآخر (رغبة إرادتين بشريتين واحدة تتميز بالقوة والمغامرة ، وهي إرادة السيد المنتصر في الصراع، والثانية تتميز بالخوف والخضوع وهي إرادة العبد، المنهزم في الصراع). وهذا ما يجعل هذه الذات الراغبة تدخل في مغامرة التناحر حتى الموت. ومع هذا الفيلسوف أصبح مفهوم الاعتراف من المفاهيم الكبرى في الفكر الفلسفي المعاصر خاصة بعد ظهور الفلسفة الاجتماعية المعاصرة. لكن هذا المفهوم عرف منعطفا جديدا مع الفلسفة المعاصرة خاصة في شقها السياسي مع مجموعة من المفكرين الذي نظروا لهذا المفهوم وقاموا بإغنائه عبر تحليلاتهم المتميزة كل من منطلق اهتماماته النظرية والفكرية،هذا ماحاول تفسيره الباحث الجزائري الدكتور الزواوي بغورة في كتابه الجديد الصادر عن دار الطليعة تحت عنوان :" الاعتراف : من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية".
يميز المؤلف في البداية بين الفلسفة الاجتماعية المعاصرة التي تعبر عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها المجتمعات الحديثة وعلى رأسها الثروة الفرنسية، وبين الفلسفة السياسية الكلاسيكية التي تهتم أكثر بطبيعة الدولة وبأفضل نظام سياسي يمكن تحقيقه وفقا لقيمتي العدل والحرية. ويعد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (الجيل الثاني من مدرسة فرانكوفورت النقدية) وتلميذه أكسل هونيث ( الجيل الثالث من نفس المدرسة ومؤسس فلسفة الاعتراف ) من أبرز رواد هذه الفلسفة الاجتماعية والتي تختلف عن السوسيولوجيا والعلوم الاجتماعية، نظرا لتميزها بالمقاربة الأخلاقية للمسألة الاجتماعية انطلاقا من التحليل النقدي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية خاصة ما اصطلح عليه بالأمراض الاجتماعية. وتعود أصول هذه الفلسفة الاجتماعية إلى الماركسية خاصة في صيغتها الفرانكفورتية [نسبة إلى مدرسة فرانكفورت] حيث لاتكتفي بوصف الوقائع الاجتماعية وإنما تسعى كذلك إلى المساهمة في التحليل النقدي الذي يسمح بتغيير المجتمع مما يجعلها فلسفة مسيسة تنطلق من فكرة الصراع الاجتماعي والسياسي.
يتضمن الكتاب أربعة فصول ومدخل وخاتمة، خصص لكل فصل علم من أعلام هذه الفلسفة الجديدة، حيث عنون الفصل الأول ب"من أجل ذاكرة العدل" حيث تناول محاولة الفيلسوف الفرنسي بول ريكور لتأسيس ذاكرة عادلة تستجيب لحرب الذكريات. والفصل الثاني تحت عنوان :" في سياسة الاعتراف" وهو مخصص للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في دعوته إلى ممارسة الاعتراف تسمح بظهور مواطنة جديدة. والفصل الرابع بعنوان :" العدل والاعتراف" تناول فيه موقف الفيلسوفة الأمريكية ناسي فريزر التي عملت على التأليف والتركيب بين عدل التوزيع المعني بالثروات والخيرات وعدل الاعتراف الذي يهتم بالجوانب الرمزية للإنسان ويسمح بتحقيق منزلة قانونية للمواطن، وأخيرا الفصل الرابع تحت عنوان:" الاعتراف وتجربة الذل" المخصص لمؤسس فلسفة الاعتراف الألماني أكسل هونيث الذي توقف عند تجربة الظلم والذل والهوان وحاول تقديم منظور فلسفي يقوم على مجالات أساسية وهي : الحب والقانون والتضامن.
إن هذه المقاربة الجديدة جاءت نتيجة لتظافر جهود هؤلاء الفلاسفة حيث أصبح مفهوم الاعتراف من خلال إسهاماتهم النظرية المتميزة يعبر عن مختلف أشكال النضال والصراع المتصلة بيم العدل والحرية والمساواة، و أصبحت توظفه مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، ويتعلق الأمر بمجال المرأة أو العمل أو الثقافة، وبخاصة ما يتعلق بالحقوق الثقافية للأقليات، بمعنى أنه أصبح معبرا عن مختلف أشكال النضال ضد الهيمنة الليبرالية وزمن العولمة وذلك بتشخيص أمراضها الاجتماعية وتقديم أنواع العلاجات المناسبة لها، كذلك فإن المجال المناسب للاعتراف هو مجال الديمقراطية التداولية بما هي تدبير سياسي قائم على التشاور والتداول، وإذا أضفنا مقتضى العدل المادي والرمزي فإن ذلك سيمكننا من تجاوز عدم كفاية النموذج اللبرالي وبخاصة من جهة العلاقة النزاعية التي تطرحها النزعة الجماعية.
وقد وقف المؤلف عند كتاب أكسل هونيث الموسوم ب" الصراع من أجل الاعتراف" الذي بين فيه بأن الصراع في حد ذاته كتجربة يعود إلى الفشل والإحباط من عدم تحقق الوعود وعدم تلبية المطالب بالإضافة إلى طول الانتظار من أجل تحقيق ما هو ضروري للهوية الفردية والجماعية، وتوفير الظروف الاجتماعية المناسبة لقيام علاقة إيجابية مع الذات ومع الآخرين. وفي نفس الاتجاه الذي رسمه هيجل يؤكد هونيث بأن تشكل الذات والهوية مرتبط بالاعتراف المتبادل بين الذوات (العبد والسيد) أي أن الاعتراف ليس معطى مباشرا وإنما هو حصيلة صراع ونزاع بين الطرفين. لذلك يتكون الاعتراف من ثلاثة مجالات وهي :الحب والقانون والتضامن، حيث يعيش الأفراد والجماعات تجارب الاعتراف المتبادل الذي يسمح لهم ببلوغ درجة معينة من الاستقلال الذاتي، حيث يحصل الفرد في المجال الأول على الثقة بالنفس وفي المجال الثاني على الاحترام وفي المجال الثالث على التقدير.
لكن من الممكن أن يكون الفرد في هذه المجالات الثلاث موضوعا للإذلال ينتفي معهما الاعتراف به، ففي المجال الأول يمكن أن يكون ضحية قسوة وسوء معاملة وفي المجال الثاني يمكن أن يحرم من حقوقه ويتم إقصاؤه اجتماعيا، وفي المجال الثالث يمكن أن يتعرض للمهانة والإذلال مثل العنصرية أو التجارب التي تهدد الشخص في كرامته.
لذلك يرى هونيث بأن المنطق الذي يجب أن يتحكم في الصراع ليس هو فقط المصلحة والمنفعة بل ينبغي استحضار النموذج الأخلاقي القائم على الاعتراف بالآخر والتعامل معه على هذا الأساس، فالاعتراف أساسا هو استجابة لتطلعات أخلاقية تم إحباطها أو اغتصابها بطريقة غير مستساغة وغير شرعية، ومن جهة أخرى فهو تعبير عن حاجة ذاتية ويشكل بذلك صفة ملازمة للطبيعة الإنسانية .
وخلاصة القول يمكن التأكيد مع المؤلف بأن الاعتراف يمثل اليوم ثقافة جديدة في المجتمع بل أصبح عنوانا للفلسفة السياسية والاجتماعية الجديدة التي تكشف عن عدم كفاية النموذج الليبرالي، لكن من جهة أخرى يمكن اعتبارها تعزيزا لهذا النموذج بإقرارها لقيم المساواة والحرية اللتان تشكلان أساس النظرية الليبرالية. بالإضافة إلى ذلك فإن مفهوم الاعتراف لاينبغي النظر إليه كغاية في ذاته مادام يعد بمثابة مقدمة لمشاريع جديدة وكما يقول بول ريكور فإن الاعتراف يجب أن يحمل على القدرات وليس على الهويات المغلقة.

المرجع:
الاعتراف : من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية".
تأليف : الدكتور الزواوي بغورة
دار الطليعة/ بيروت، الطبعة الأولى، 2012


فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس