الوظيفة الديداكيكية للحجاج في الدرس الفلسفي ِ(3)

الوظيفة الديداكيكية للحجاج في الدرس الفلسفي (3) 
ذ  عادل أومرجيج
- الاستدلال الاستقرائي:
يقصد بالاستدلال الاستقرائي تلك العملية الذهنية التي تقوم على الانطلاق من حالات جزئية للوصول إلى قضايا عامة. أي الانتقال من الجزء إلى الكل أو من الخاص إلى العام، فهو تعميم من حالات جزئية تتصف بصفة مشتركة. إن مقدمات الاستدلال الاستقرائي ليست قضايا عامة ( بديهيات، مصادرات أو تعريفات) كما هو شأن الاستدلال الاستنباطي وإنما هي قضايا جزئية عبارة عن أمثلة، التي تتجسد في:
وقائع طبيعية أو اجتماعية أو تاريخية.
شهادات.
تجارب.
معطيات إحصائية.
حالة خاصة[1].
وينقسم الاستدلال الاستقرائي إلى قسمين:
استدلال استقرائي ناقص: عملية ذهنية ينتقل فيها الباحث من بعض الجزئيات ليعمم الحكم على ما هو كلي.
استدلال استقرائي تام: عملية ذهنية ينتقل فيها الباحث من جميع الجزئيات ليعمم الحكم على ما هو كلي.
ويحدثنا تاريخ الفلسفة عن العديد من الفلاسفة الذين اعتمدوا هذا الأسلوب الإقناعي في نظرياتهم، ويعد سقراط أول من استعمل الاستقراء بكيفية دقيقة ومستمرة من أجل الرد على السوفسطائيين الذين يستخدمون الألفاظ في معاني لا يحددونها بعناية، فحاول أن يعوض هذه الألفاظ المبهمة بمفاهيم تستجيب لطبيعة الأشياء متخذا سبيل الاستقراء"[2]. وتكمن الأهمية الديداكتيكية لهذا الأسلوب الحجاجي في اعتماده على الأمثلة والشهادات والوقائع التي تمنح للخطاب حيوية أكبر وتجعله أكثر تشخيصا وتساعده على جلب اهتمام المخاطب"[3].
فهو أداة أساسية لبناء المفاهيم وتكوينها ويتم ذلك حسب الطريقة السقراطية بالانطلاق من حالات خاصة تكون أحيانا أمثلة أو أمورا خاصة، والبحث عما هو مشترك بينها أو يأخذها من الحياة اليومية... للوصول إلى نتيجة عامة. أي الانتقال من الأعراض والكثرة إلى تحديد ماهيات الأشياء. ويحضر هذا الأسلوب الحجاجي أيضا أثناء تدبير الدرس الفلسفي في لحظة الاشتغال على تحليل النص الفلسفي. حيث نصادف نصوصا فلسفية تعتمد في بناء أطروحتها على الأسلوب الاستدلالي الاستقرائي. كما يحضر كذلك أثناء العرض النظري إذ يؤدي وظيفة التوضيح وتبسيط الخطاب الفلسفي المجرد. إن العديد من الموضوعات الفلسفية المجردة تفرض علينا ضرورة تبسيطها باعتماد أمثلة وشهادات وحالات واقعية، دون أن يؤدي ذلك إلى إفراغ التصور الفلسفي من مضمونه.
3-  الاستدلال التحليلي
يقصد بالاستدلال التحليلي عملية ذهنية يتم بمقتضاها إرجاع الكل المركب إلى مبادئ بسيطة. فالتحليل كعملية ذهنية لا يقتصر  على التجزيء كما هو شائع وإنما هو تفكيك الكل إلى الجزء ثم تحديد عناصر الكل المركب وتحديد العلاقات بين هذه العناصر. وبهذا المعنى يتضمن التحليل مجموعة من العناصر الذهنية الأخرى كالترتيب والنظام. و"اعتبر ديكارت أن منهاج الاكتشاف أو الابداع الحقيقي هو التحليل، فالتحليل يبين الطريق الحق الذي تم به ابتداع الشيء منهجيا، ويبين كيف تكون المعلولات تابعة للعلل."[4]. من هنا تكمن الأهمية الديداكتيكية للمنهج التحليلي في تدبير درس الفلسفة في مختلف لحظاته حيث يحضر أثناء الاشتغال على مفهمة المدلولات وفي تحليل النصوص الفلسفية باعتباره آلية استدلالية. كما يحضر في العرض النظري في تبسيط التصورات الفلسفية بالوقوف عند عناصرها ومقدماتها. "إن المنهج التحليلي يحمل آليات التعريف والاستدلال معا. فهو تعريفي عندما يتعلق الأمر بالمفاهيم وهو استدلالي عندما يتعلق الأمر بالمشكلات"[5]. إنه آلية تفسيرية تمكن المشتغل بها ( الفيلسوف، المدرس، المتعلم...) من التعمق والاندماج في صلب القضايا الفلسفية المطروحة والتحكم فيها وجعلها تتسم بالبساطة والوضوح والنظام. ويذكر المنهج التحليلي دائما مقترنا بالمنهج التركيبي وهما عمليتان عقليتان تقوم عليهما معظم المناهج والأساليب الحجاجية المنطقية، فالتحليل عملية عقلية أساسية يقوم عليها الأسلوب الاستنباطي والأسلوب الاستقرائي.
4- البرهان بالخلف:
إن البرهان بالخلف هو شكل من أشكال الاستدلال الاستنباطي يعني من الناحية المنطقية والرياضية إثبات صدق قضية ما بالبرهنة على كذب نقيضها أو العكس. فهو برهان ينطلق من افتراض صحة نقيض القضية المراد البرهنة عليها ثم الكشف عن المقدمات التي تسند هذه الفرضية، وإذا أدى ذلك إلى وجود تناقض أو محال تكون القضية الأصلية صحيحة. ويقوم البرهان بالخلف كاستدلال استنباطي على قواعد التفكير السليم كما حددها أرسطو وتتمثل في: قاعدة الثالث المرفوع.و قاعدة عدم التناقض. " ويحتل البرهان بالخلف مكانة مركزية ضمن أدوات الإقناع المنطقية في النص الفلسفي"[6]. وتبرز الأهمية الديداكتيكية لهذا الأسلوب الحجاجي في تدريس مادة الفلسفة أثناء الاشتغال على توضيح أطروحة أو دعوى فلسفية. فهذه الأخيرة باعتبارها جوابا فلسفيا تبناه الفيلسوف من مشكلة فلسفية تحتاج إلى إثبات وتأكيد مقابل تفنيد دعاوى أخرى. وللقيام بهذه العملية الاستدلالية قد نلجأ إلى البرهان بالخلف لكون الأطروحة موضوع الدراسة هي إحدى طرفي التناقض. لهذا فالبرهان بالخلف حسب الوصف الحجاجي لهذا الأسلوب الإقناعي يقتضي وجود تداول. فعندما يفترض فيلسوف ما نقيض أطروحته فهذا يعني أنه يضع أطروحة فيلسوف آخر يخالفه ويتداول معه. "إن البرهان بالخلف هو إثبات عن طريق الرفض أو إثبات بالسلب" (22).
والنصوص الفلسفية مليئة بهذا الأسلوب الإقناعي وهذا ما يفرض من الناحية الديداكتيكية الاشتغال بواسطة التمارين على العناصر التالية:
إبراز الأطروحة التي يدافع عنها صاحب النص.
إبراز الإشكالية التي تعتبر الأطروحة جوابا عنها.
استحضار الأطروحة المضادة أو إبرازها إذا كانت مضمرة.
إبراز تناقضات الأطروحة المضادة التي تشرعن صلاحية أطروحة النص
         الأساليب الحجاجية البلاغية:
1) الاستعارة
يقصد بالاستعارة من الناحية البلاغية تشبيها مختصرا حذف أحد عناصره:
 المشبه:  وتسمى بالاستعارة التصريحية.
المشبه به: وتسمى الاستعارة المكنية.
يقول الجرجاني في أسرار البلاغة "اعلم أن الاستعارة في الجملة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفا تدل الشواهد على أنه اختصر به حين وضع ، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل "[7]. كأن نقول مثلا: "رأيت أسدا ونعني الرجل الشجاع". من هنا كانت الاستعارة في كلمة "أسد" التي نقلت عن أصلها اللغوي وأصبحت تدل على أشياء لم توضع لها ويتعلق الأمر بالإنسان "فهي إذن نقل صفة من نوع تنطبق عليه حقيقة إلى نوع لا تنطبق عليه إلا مجازا"[8]، أما الوصف المنطقي للاستعارة يركز على بعدها الاستدلالي وما دامت تقوم على عملية حمل صفة لموضوع ما لم تكن له أصلا، إن الاستعارة من حيث التركيب المنطقي هي نوع من القياس ( القياس الشعري عند أرسطو) إلا أنه قياس مختزل وبعبارة أدق قياس إضماري"[9]، فعلى خلاف الاستدلال المنطقي الذي يقتضي تصريحا تاما بالمقدمات المؤدية إلى النتيجة بدون حذف أو إضمار، فإن الاستعارة هي تدليل طبيعي . لكنها أداة فعالة وقادرة على الإيصال والتبليغ بشكل مؤثر، فبواسطتها لا ننقل فقط كلمة عن معناها وإنما ندعي معناها لكلمة أخرى قد يصل إلى حد المطابقة بين الكلمتين ( المستعار منه والمستعار له). بهذا المعنى تكتسي الاستعارة أهميتها الديداكتيكية في تدبير الدرس في مادة الفلسفة حيث تتيح للتلميذ إمكانية فهم وإدراك المعنى الفلسفي من خلال تمثيله وتشخيصه للذهن، كما تسمح له أثناء الاشتغال على النص الفلسفي بالوقوف عند المقدمات المضمرة للاستعارة.
وتؤدي الاستعارة وظائف حجاجية عديدة منها:
وظيفة الإيضاح
تؤدي الاستعارة وظيفة أساسية في درس الفلسفة ويتعلق الأمر بتشخيص المفهوم الفلسفي المجرد وتقريبه إلى المتعلم "إن دور الاستعارات في لغة التدريس الفلسفي كدور الأباريز أو التوابل في الطعام"[10].
وظيفة التأثير في المتلقي / التلميذ
تلعب الاستعارة دورا فعالا في تدريس مادة الفلسفة، بفضلها نتجاوز أحد عوائق هذا التدريس وهو صعوبة اللغة الفلسفية وابتعادها عن الواقع المعيش للتلميذ، حيث تسمح الاستعارة بإثارة انتباه التلميذ لما تحققه له من دهشة وغرابة.
وظيفة المشاركة والانفتاح
إن الاستعارة كعملية انزياح تفتح المجال أمام المتلقي/التلميذ لممارسة التأويل حيث يشارك بآرائه الخاصة.
وظيفة استدلالية
إن الاستعارة كما سبقت الإشارة لا تقتصر وظيفتها على تجميل القول وبيانه، بل تلعب دورا أساسيا في عملية التدليل حيث تتجاوز ثغرات ونواقص الاستدلال المنطقي داخل النص، "وبفضل خاصية المطابقة  يصبح المخاطب في وضع لا يمكنه معه الشك في الحكم الذي تثبته الاستعارة"[11].
2)التمثيل









تؤكد أغلب الدراسات الحجاجية والبلاغية أن تحديد دلالة مفهوم التمثيل تقتضي ضرورة تميزه عن التشبيه. فإذا كان هذا الأخير يفيد إقامة تشابه بين حدين كأن نقول مثلا: زيد كالأسد في الشجاعة، فإن التمثيل يعني إقامة تشابه بين علاقتين تربط بينهما أداة التشبيه. بهذا المعنى يكون التمثيل أعم وأوسع من التشبيه، "فإذا كان كل تمثيل تشبيها فإنه ليس كل تشبيه تمثيلا"[12]. لهذا الاعتبار يلعب التمثيل وظيفة حجاجية وتتجلى هذه الوظيفة في كونه "يسقط علاقات مستفادة على مجهول أو يبدع علاقات جديدة من منطلق تشابه ما"[13]، ويعبر عنه بالصيغة التالية: إن نسبة أ بالنسبة إلى ب، كنسبة ج إلى د
(التلميذ) فكرة فرويد القائلة أن على الأنا الأعلى أن يوجه مسار الهو وهي فكرة تجريدية يمكن التمثيل لها بعلاقة الفارس بمطيته الذي يوجه الحصان نحو الهدف المطلوب، وإذا تقرر أن التمثيل أسلوب استدلالي فإنه يتميز عن الأنماط الأخرى من الاستدلال كالاستنباط والاستقراء. ذلك أنه لا ينطلق من الكل إلى الكل    ولا من الجزء إلى الكل، وإنما من الجزء إلى الجزء.
ولكي يؤدي التمثيل وظيفته الحجاجية لابد من أن تتوفر لديه بعض الشروط، وهي:
"أن يكون الزوج الأول (الكاف – الميم) أخفى في وجه من الوجوه من الزوج الثاني (اللام – الدال) الذي ينبغي أن يبين الأول"[14].
أن يكون الزوج الثاني أظهر من الموضوع بحيث يأتي ليوضح بنية العلاقة.
أن ينتمي الزوج الأول والثاني إلى مجالين مختلفين.
وبالجملة يجب أن تكون الصورة التمثيلية دقيقة في تفاصيلها وتركيب عناصرها وترتيبها ولا تثير في ذهن المتلقي ما يتعارض مع المعنى المقصود وتكمن أهميته الحجاجية بالنسبة لمجال الفلسفة في ما يتيحه من إمكانية للتوسيع والتبرير. وهناك من الباحثين في ميدان الابستمولوجيا والمنطق من يعتبره أداة فعالة تتجاوز قصور الاستدلال الاستنباطيمن جهة, و الاستدلال الاستقرائي من جهة أخرى لما يتميز به من مرونة ويأخذ بعين الاعتبار الشروط التداولية والمقامية لإنتاج المعارف[15]. هنا يقول بيرلمان "أن التمثيل بالنسبة للفيلسوف ليس مجرد ترويح عن النفس ولا مجرد معين للفكر الذي يبحث عن نفسه. يمكن للفيلسوف مثل العالم أن يستغني عنه حين يحصل على النتيجة التي كان ليتوخاها، إنه بالعكس من ذلك، ما به يصور الفيلسوف حجاجه وإليه ينتهي في استدلاله"[16]. أما من الناحية الديداكتيكية يمكننا القول أن للتمثيل أهمية بالغة في تدبير الدرس الفلسفي حيث يحضر في اللحظات الأساسية لهذا الدرس:
لحظة تدريس المفهوم الفلسفي: هنا يلعب دورا مهما في عملية تشخيص العلاقات المفاهيمية وتجاوز طابعها المجرد لتصبح واضحة في ذهن المتعلم كما تجلب انتباهه لحظة الحجاج الفلسفي. يحضر التمثيل كذلك أثناء تدبير الدرس الفلسفي بالاشتغال على لحظة الحجاج ليقوم بوظيفة الإيضاح والإفهام والتأثير في المتعلم "والترويح عن نفسه من وطأة الأساليب الحجاجية العقلية الجافة، غير أن الامتاع الذي يحققه "التمثيل" التمثيلي يجب أن لا يكون على حساب الإفهام والاقناع العقلي للمتلقي/التلميذ في الخطاب والحجاج الفلسفي التعليمي"[17].
3) أسلوب المثال:
يقصد بالمثال أسلوب حجاجي يروم توضيح وإفهام الأفكار المجردة، أي نقلها من مستواها المجرد وتشخيصها على المستوى الواقعي، فهو إنتاج لمفهوم أو فكرة أو نظرية يراد تبليغها وإيصالها إلى عقل الآخر (القارئ المتلقي)"[18]، ويرجع ذلك إلى أن الفيلسوف ينتج في البداية أفكارا وتصورات مجردة، وبما أن خطابه يكون موجها إلى الجمهور بصفة عامة وليس إلى الفلاسفة فقط، فإنه يلجأ إلى وسائل تساعده على تبسيط وتوضيح تصوراته النظرية، ومن أهم هذه الوسائل نجد المثال الذي يمكن الفيلسوف من إعادة إنتاج أفكاره النظرية داخل المجال الحسي الواقعي، لهذا نجده حاضرا في نصوص الفلاسفة عبر تاريخ الفلسفة. أما في درس الفلسفة فتكمن أهميته الديداكتيكية في أداء وظائف عديدة: 
وظيفة الإفهام والإيضاح:  
يلعب المثال دورا أساسيا في تدبير الدرس الفلسفي، فإذا كان هذا الأخير يشكو من تعقيد وتجريد قضاياه، الأمر الذي ينعكس سلبا في مساهمة المتعلم في إنجاح العملية التعليمية التعلمية، فإن تجاوز هذا العائق يستدعي من المدرس التخطيط لأمثلة مناسبة لتشخيص أفكار الفلاسفة المجردة. "إذ أن الصورة التشخيصية تلعب دورا أقوى من التجريد في عملية التبليغ والإفهام"[19].
وظيفة تدعيم الاستدلال
لا يلعب المثال دورا استدلاليا، وإنما يساهم في تدعيم الاستدلال وتقوية الاقتناع، حيث يستعمل لدعم قاعدة أو مبدأ عام، ثم التدليل عليه وتشخيص فكرة مجردة مما يجعل هذه الفكرة حاضرة في ذهن المتعلم ويقدم للخطاب الفلسفي سندا واقعيا، حيث تؤكد "جاكلين روس" بأن المثال يمكن فقط ، من تدعيم استدلال معين ، ولا يكون برهنة بأي حال من الأحوال"[20]. لكن نشير هنا إلى احدى ثغرات توظيف المثال في إنجاز الدرس الفلسفي إذ غالبا ما يتم باسم المثال إفراغ التصور الفلسفي من مضمونه وكأنه وجد لينظر لهذا المثال بدل أن ينتقل هذا المثال (كحالة واقعية) إلى مستوى التفكير النظري.
وظيفة اعتراضية
يلعب المثال دور التفنيد والدحض عندما يقوم كحالة لا ينطبق عليها القانون أو الفكرة من حيث شموليتها حيث يبرز محدوديتها ويساهم في دحضها والتشكيك فيها. يبدو من خلال ما سبق أن المثال "جزء لا يتجزأ من البنية الحجاجية للنص، لذلك فتحليل تلك البنية يقتضي الوقوف عند مختلف وظائف المثال وإبراز الدوافع الأسلوبية التي أدت إلى اللجوء إليه"[21]
  الحجج التي تتأسس على بنية الواقع
يقصد بالحجج التي تتأسس على بنية الواقع تلك الحجج التي تعتمد على معطيات التجربة الواقعية وعلى العلاقات بين الأشياء. فهي لا تصف الواقع وصفا موضوعيا وإنما هي طريقة في عرض الآراء المتعلقة بهذا الواقع[22]. وإذا كان الخطاب الفلسفي خطابا طبيعيا وليس خطابا برهانيا صوريا كما هو الشأن في المنطق. وبالتالي يتميز عن هذا الأخير باستعمال آليات إقناعية عديدة كالأساليب الحجاجية البلاغية (الاستعارة، التمثيل...) فإن هذه الخاصية أيضا تسمح له بتوظيف طرق أخرى للتفكير تهدف من خلالها إلى تحقيق الإقناع. وإذا كانت أدوات الإقناع المنطقية والبلاغية تسعى إلى استرضاء المخاطب إما عن طريق إعمال الفكر أو تحريك الخيال، فإن الحجاج بالسلطة – كنوع من هذه الحجج – يحمل معنى الاستعلاء"[23]. ومن بين هذه الطرق نجد: 
1) الحجة بالسلطة
يقصد بهذه الطريقة أداة للإثبات وتأكيد قضية ما، بالاستناد إلى سلطة خارجية تؤكدها او تنفيها. وتختلف السلطة في حجة السلطة وتتعد تعددا كبيرا، فقد تكون "الإجماع" أو "الرأي العام" أو "العلماء" أو "الفلاسفة" أو "الكهنوت" أو "الأنبياء" "[24]. كما يمكنها أن تتجسد في سلطة غير مادية كـ "العقيدة"، "الدين"، "الأقوال المأثورة"...
الاستشهاد بالقدماء
نجد في العديد من النصوص الفلسفية استشهادا بالقدماء انطلاقا من قناعة مفادها أن الحق وجد عند القدماء، وبالتالي فهم في مرتبة أعلى من المتأخرين. "ويرى أفلاطون أن القدماء أفضل منا لأنهم عاشوا قريبا من الآلهة والقدماء هم الذين يعرفون الحق"[25].
  الاستشهاد بالأشخاص:
تتجلى الحجة بالسلطة أحيانا في الاستشهاد بالأشخاص انطلاقا من  خلفية ترى أن الحق يكون في ملكية أشخاص معينين. "إن قيمة الشخص المعترف بها مسبقا يمكن أن تكون مقدمة نستنتج منها نتيجة تدعو إلى توخي سبيل من السبل"[26].
الاستشهاد بالإجماع:
عادة ما تلجأ النصوص الفلسفية إلى توظيف آراء أجمع حولها، بغية تأكيد أو نفي موقف ما. هنا يلعب الإجماع كسلطة وظيفية حجاجية.
ويحدثنا تاريخ الفلسفة عن العديد من الفلاسفة الذين يستندون إلى الإجماع حول آراء كمقدمة لإثبات دعاويهم أو نفي دعاوي الخصم. وقد برهن ديموقريطس على وجود الآلهة بدليل الإجماع. وقال بأننا نستطيع أن نجد الإيمان بالآلهة في جميع الأزمان وعند حميع الشعوب ولا ريب أن ذلك قائم على الحقيقة. فلا يعقل أن تكون البشرية كلها مخطئة"[27].
 الاستشهاد بالأقوال:
غالبا ما نجد النصوص الفلسفية توظف أقوالا لفلاسفة يتمتعون بأهمية كبيرة في تاريخ الفلسفة، أو أقوالا مأثورة ... بغاية الإقناع نظرا للقيمة التاريخية لهذه الأقوال. كأن يوظف نص عبارة ما لسقراط يقول فيها: "اعرف نفسك بنفسك". إن توظيف هذه العبارة داخل نص فلسفي قد يساهم في جعل القارئ يقتنع بدعوى النص لما تلك العبارة من أهمية بالغة في تاريخ الفلسفة. ويقتضي توظيف الحجة بالسلطة بطريقة فعالة، احترام الشروط التالية:
أن تدرك الحجة بالسلطة إدراكا سليما.
أن تكون للسلطة كفاءة حقيقية ومتمكنة في مجالها، بحيث لا تستند لمجرد الشهرة أو ما شاكلها.
أن يعتبر جانب التخصص في كل مجال على حدة.
أن يكون الرأي قائما على دليل يمكن تأكيده وبالأحرى البرهنة عليه.
أن تكون هناك تقنية وفاق ضرورية للبت في الخلافات بين سلطتين أو أكثر[28].
هكذا تؤدي الحجة بالسلطة وظيفة التوضيح وتقوية حضور الفكرة المجردة في الذهن كما تساهم في تقوية درجة تصديق الأحكام وتثبيتها وجعلها مقبولة ومسلما بها"[29].
2) الحجة بالمنفعة:
تقتضي هذه الحجة إثبات أو نفي دعوى ما بالاستناد إلى نتائجها وعواقبها الإيجابية أو السلبية. وهناك من الفلاسفة من يذهب أبعد من ذلك ويعتبر النافع والمفيد هو المعيار الوحيد لتمييز الحقيقة عن الخطأ. حيث ينفي وليم جيمس  وجود أي إمكانية لتعريف الحقيقة دون الاعتماد على النتائج العملية المترتبة عليها"[30]. لكن هذا لا يعني غياب هذه الحجة في الفلسفات السابقة، إذ نجد قولا لإخوان الصفا: "إن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة" (رسائل إخوان الصفا). لكي يثبت هذا النص أهمية الفلسفة وجدوى التعاطي لها، لجأ إلى تحديد منافعها الإيجابية وتتمثل في تطهير الشريعة الإسلامية
مؤشرات البنية الحجاجية داخل النص الفلسفي
    إذا تقرر أن الخطاب الفلسفي هو خطاب حجاجي يتغيا الإقناع والتأثير، ويوظف لأجل ذلك أنواع ججاجية عديدة منها ما هو منطقي وما هو بلاغي وما يتأسس على بنية الواقع…..، فإن تحديد هذه البنية الحجاجية داخل النص الفلسفي يقتضي تحليل بنيته اللغوية بالوقوف عند مكوناتها داخل النص، "إن الحجاج هو حاصل نصي عن توليف بين مكونات مختلفة تتعلق بمقام ذي هدف اقناعي"[31]حيث  لا وجود لعملية حجاجية دون توفر هذه المكونات وهي بمثابة مؤشرات تساهم في تحليل بنيته الحجاجية . فالأساليب الحجاجية المنطقية من استنباط واستقراء ، لها مؤشراتها اللغوية كما أن الأساليب الحجاجية البلاغية لها مؤشراتها، وتستدعي الضرورة الديداكتيكية في تدريس مادة الفلسفة الاشتغال مع التلاميذ بواسطة التمارين لاكتشاف هذه المؤشرات داخل الخطاب الفلسفي عامة والنص الفلسفي كدعامة بيداغوجية خاصة قبل الانتقال لإبراز أساليبه الحجاجية وتتجلى هذه المؤشرات في العناصر التالية:
·         الروابط المنطقية والحجاجية
·         العوامل الحجاجية
·         الأفعال الذهنية
·         المبادئ الحجاجية
·         المقدمات الحجاجية
وتجدر الإشارة إلى أنه في تحديدنا لهذه المؤشرات داخل النص الفلسفي قد استلهمنا بعض النظريات الحجاجية والمنطقية المعاصرة ويتعلق  الأمر، بالأبحاث الحجاجية لنظرية الحجاج في اللغة مع ديكرو وبعض الاسهامات المنطقية المعاصرة مع أحد أقطاب الفلسفة التحليلية (راسل).
1)                      الروابط المنقطية والحجاجية  
تذهب أغلب الدراسات المنطقية المعاصرة إلى القول بأن اللغة ليست واحدة بل هي مستويات ودرجات، ففي اللغة الطبيعية كما هو شأن اللغة الرمزية نميز بين اللغة الشيئية التي تأخذ من الأشياء الواقعية موضوعا لها، ولغة اللغة التي تأخذ من اللغة موضوعا لها، فاللغة حسب "راسل" ذات تسلسل هرمي يتجه نحو الأعلى وليس الأسفل ينطلق من اللغة  الشيئية نحو لغة اللغة بدرجاتها. وإذا كانت كلمات الأشياء تنتمي إلى اللغة الشيئية ونعرف معانيها من خلال معرفة ما تشير إليه من موضوعات خارجية فإن هناك كلمات أخرى لا نعرف معانيها بالرجوع إلى الموضوعات الواقعية وهذا هو حال الكلمات المنطقية، فهي على خلاف "الألفاظ الموضوعية لا تنطوي على أي معنى في ذاتها نظرا لأنها لا تشير إلى الموضوعات في عالم الإدراك الحسي التجريبي"[32] من بينها نجد ما يعرف بالروابط المنطقية. (لكن، إذن، و، أو، لا ...) فهي روابط لأنها تجمع وتربط بين الجمل ولا تتحدد قيمتها في انفرادها بل في أداءها لهذه الوظيفة، وهي ما يجعل من التواصل اللغوي تفاعل حجاجي بامتياز، "إن اللغة تحمل بصفة ذاتية وجوهرية وظيفة حجاجية أي أن هذه الوظيفة مؤشر لها في بنية الأقوال نفسها وفي المعنى وكل الظواهر المعرفية  والمعجمية والتركيبية والدلالية، ومن هذه المؤشرات نذكر الروابط والعوامل الحجاجية (بل، لكن، في/ لاسيما، إذن..."[33].
رابط النفي : ("ليس"، "لا" ، ...)  
يعتبر النفي ("ليس"، "لا"، ...) من الناحية المنطقية رابطا أحاديا، ينتمي إلى لغة اللغة، لأن ليس له موضوع في العالم الخارجي، ويستعمل حينما نكون أمام تقرير مسموع أو مقروء حيث يدخل على هذا التقرير لنفيه، فمثلا : عندما نشاهد قلما ونقول "هذا قلم أحمر" وبالتالي نستنتج أنه ليس قلما أزرق" ففي الحالة الأولى لدينا قول تقريري ينتمي إلى اللغة الشيئية، لأن مكونات الجملة تشير إلى موضوعات خارجية وهي "القلم" وله صفة "الاحمرار" بينما ينتمي قولنا "هذا ليس قلما أزرق" إلى لغة اللغة لأنه لا يشير إلى موضوعات خارجية في العالم الخارجي وإنما هو تعبير عن حالة عقلية وهي "لاحساس بحالة توقع قد حالفها الفشل"[34].
أما من الناحية الحجاجية فيشير النفي داخل النص الفلسفي إلى مجموعة من عمليات  النقد الفلسفي أهمها الدحض أو التنفيذ أي هدم التصورات والدعاوى المخالفة وبناء الأطروحة وذلك عبر:
الاضعاف : النفي هنا يؤدي وظيفة الاعتراض وإبراز المفارقات داخل التصورات المخالفة بغية الحط من قيمة ما نتقد وإبراز عيوبه وثغراته.
الإبطال : النفي هنا يؤدي وظيفة أقوى ويتعلق الأمر بهدم وتحطيم الحجج والبراهين المؤسسة لدعوى ما، والكشف عن تناقضها وتهافتها"[35]
رابط الفصل :"أو
يندرج رابط الفصل ("أو"،"أما.. وأما"...) ضمن دائرة لغة اللغة ويعني الفصل الذي ينجم في حالة الاختيار ويعطي برتراند راسل مثال ذلك الشخص الذي وجد لافتة على ا لطريق تقول :
"إلى أكسفورد"
لكن بعد لحظات وصل إلى مفترق الطريق ولم يجد أي لافتة، هنا يجد نفسه أمام حالتين:
إما ان يصدق عبارة "أكسفورد تقع على اليسار".
وإما ان يصدق عبارة "أكسفورد تقع على اليمين"
هنا تنجم الانفصالات أي ان أكسفورد تقع إما على اليمين أو على اليسار ، فكلمة "او" كتعبير عن الانفصال لا تشير إلى أشياء العالم الخارجي وإنما هي تعبير عن عالم عقلي، نفسي والحالة السيكولوجية التي تقابل اللفظ المنطقي "او" هي حالة التردد أو الصراع بين اختيارين أو  دافعين"[36] وينجم هذا التردد عندما نشعر بدافعين لا يكون أي واحد منهما قويا بدرجة كافية للتغلب على الآخر"[37] . إذن عندما نقرأ او نسمع تقريرا على صيغة ( ب v جـ) بلغة المنطق الرمزي الحديث. فإن صاحب هذا التقرير لا يقول شيئا عن العالم الخارجي وإنما هو عملية ذهنية وعقلية. صحيح أن "ب" حالة معينة قد نشاهدها و"جـ" أيضا حالة معينة قد تعبر عن واقعة ما. لكن ( ب v جـ) هي حالة مشتقة من الحالتين لا تعبر عن واقعة معينة. أما الوصف الحجاجي لرابط الفصل "او" ولما يقابله من الأدوات والروابط في اللغة الطبيعية (اما ... اما...) يجعل من هذا الرابط يؤدي وظائف عديدة:
المقارنة : هنا يربط بين طرفين يقارن بينهما من أجل الانتصار لطرف على حساب الطرف الآخر.
التقابل: يؤدي رابط الفصل وظيفة التقابل بمختلف أنماطه (التناقض، التضاد، التداخل، التضايق ...) حيث يقابل بين المفاهيم والأفكار والأحكام.
الرابط بعض :  
لا تنتمي كلمة "بعض" كباقي الروابط المنطقية والحجاجية إلى اللغة الشيئية، وتستعمل هذه الكلمة داخل مقدمات الاستدلال كوسيلة لتعميم انفصالات، وفي هذا السياق نقدم نفس المثال الذي قدمناه أثناء حديثنا عن الرابط "أو" ويتعلق الأمر بتلك اللافتة المكتوب عليها "الطريق إلى أكسفورد" لكن هذه المرة لن نكون إزاء مفترق طرق بل نكون أمام طرق عديدة، فأول ما يتبادر إلى أذهاننا في هذه الحالة هو الاعتقاد بأنه يوجد طريق واحد على الأقل يوصل إلى أكسفورد في هذه الحالة نستعمل الرابط "بعض" ونقول : بعض الطرق يوصل إلى أكسفورد" أو "يوجد على الأقل طريق واحد حيث هذا الطريق يوصل إلى أكسفورد".
كما يستعمل رابط "بعض" كخطوة نحو التعميم، أي عندما ننطلق من وقائع فردية وحالات جزئية إلى بناء قضايا عامة ، فمن الوقائع الفردية التالية :
1+3=2²
1+3+5=3²
1+3+5+7=4²
نستنتج أن في بعض الحالات يكون مجموع أعداد صحيحة طبيعية هو، بهذا يكون الرابط "بعض" مؤشر على وجود بنية حجاجية ومكون أساسي للأسلوب الاستدلالي الاستقرائي، فهو مؤشر على المقدمات الجزئية والحالات الفردية التي ينطلق منها الباحث لبناء مفاهيميه وأفكاره.
الرابط "كل
إن معظم ما قلناه عن "بعض" ينطبق على "كل"، الفرق الوحيد بينهما هو أن المقدمة التي تتضمن الرابط "بعض" يمكن التحقق منها فعليا عند تحليلها، بينما المقدمة التي تتضمن الرباط "كل" يصعب التحقق منها فعليا وهو ما يعبر عنه أنصار المنطق الرمزي الحديث ( راسل، واستعد) "بان القضايا الكلية يدخل الشرط في تركيبها ولا تقرر وجود الموضوع والقضايا الجزئية يدخل الوصل في تركيبها وتقرر وجود الموضوع"[38].
أما الوصف الحجاجي للرابط "كل" ولما يقابله من الأدوات والروابط الحجاجية والمنطقية في اللغة الطبيعية ("جميع" ...) يجعل منه مؤشرا على وجود بنية حجاجية ومكون أساسي للأسلوب الاستدلال الاستنباطي، حيث يشير إلى وجود مقدمات عامة ينطلق منها الباحث للوصول إلى نتائج تعبر عن أطروحته.
رابط الشرط ("إذن"...)  
يعبر الشرط من المنظور المنطقي عن رابط يجمع بين قضيتن فما أكثر ... إحداهما مقدمة والأخرى نتيجة، ويكون صادقا إذا وفقط إذا كذب المقدم أو صدق التالي ويكون كاذبا إذا صدق المقدم وكذب التالي.
إن كون الخطاب الفلسفي هو خطاب استدلالي يخاطب متلقي كوني لإقناعه هو ما يبرر هيمنة رابط الشرط او اللزوم على أغلب النصوص الفلسفية باختلاف مرجعياتها ومنطلقاتها.
فهو مكون للأساليب الحجاجية بمختلف أنواعها حيث نجده في الأساليب الحجاجية المنطقية من استدلال استنباطي مباشر (التقابل) وغير مباشر (القياس) واستدلال استقرائي  وبرهان بالخلف واستدلال جدلي ... كما نجده ضمن الأساليب الحجاجية البلاغية من تمثيل واستعارة لأن هذه الأخيرة من حيث التركيب المنطقي هي نوع من القياس (القياس الشعري عند أرسطوا)[39].
الرابط لكن:  
تنتمي لفظة "لكن" إلى دائرة لغة اللغة لأنها تكتسي معناها من ربطها بين القضايا والعبارات ولا تشير إلى موضوعات خارجية وتؤدي وظيفتها الحجاجية في ربطها بين حجتين"[40] كقولنا مثلا "أ لكن ب" ففي هذه الحالة نقدم "ب" و"أ" كحجتين[41]، الحجة "أ" مقدمة لخدمة نتيجة ما هي "ن" بينما الحجة "ب" مقدمة لخدمة النتيجة لا "ن" أي ( _ ن) والانتصار للحجة الثانية باعتبارها أقوى الحجج.
ويشير الرابط "لكن" إلى جملة من الأساليب الحجاجية، أبرزها التقابل في أنماطه المتعددة، حيث تبرز أوجه التعارض والانفصال بين حدود وأطراف تنتمي لنفس المجال اومجالات مختلفة، أو إبراز الاختلاف بين طرفين والانتصار لطرف على حساب الطرف الآخر.
هكذا، إذن يتضح أن اللغة الطبيعية لا تقتصر وظيفتها في الاخبار والوصف فقط بل تحتوي على وظيفة حجاجية والحجاج هنا يتمثل فيما تشتمل عليه اللغات البشرية من وسائل لغوية"[42] وهي وسائل كثيرة يطول بنا المقام إذا ما حاولنا تتبعها، لكن اقتصر بحثنا على أهمها وأكثرها حضورا في النص الفلسفي، نظرا لارتباطها بالأساليب الحجاجية المهيمنة على النصوص الفلسفية كمؤشرات عليها، ويمكننا كذلك أن نميز داخل هذه الروابط بني عدة أنماط :
الروابط المدرجة للحجج (حتى، لكن، بل، مع ذلك، لأن...)
الروابط المدرجة للنتائج (إذن، لهذا، بالتالي...)
الروابط التي تدرج حججا قوية (حتى، بل، لاسيما...)
نقول مثلا : حقق العداؤون العرب نتائج باهرة، حتى أنهم حطموا أرقاما قياسية عالمية.
روابط التعارض الحجاجي (لكن، مع ذلك..)
نقول مثلا : بذل العداؤون العرب جهدا مضاعفا، لكنهم لم يحصلوا على نتائج هامة.
هكذا نستنتج أن هذه الروابط وعلى الرغم من اشتراكها في خاصية الحجاج إلا أن صيغ هذه الوظيفة تختلف حسب نوع القول والسياق التداولي الني ترد فيه والذي يعد موجها حاسما في تحديد القول وتثبت مساره وتأكيد مقاصده وغاياته"[43].
على خلاف الروابط المنطقية ذات المعنى الصوري والحسابي التي لا تقبل التأويل والتعدد. لكن رغم أهمية الروابط الحجاجية وتجاوزها لمحدودية الروابط المنطقية داخل اللغة الصورية والرمزية نظرا للعراقيل والثغرات التي تطرحها هذه الأخيرة، إلا اننا نؤمن بأهميتها التقنية في تحليل الخطاب الطبيعي عامة والنص الفلسفي خاصة فهي التي تسمح لنا بتحديد بنية وتمفصلات النص"[44] المعرفية ولحظات بناءه لأطروحته ومفاهيمه وحجاجه.
2)                      العوامل الحجاجية :  
تعد العوامل الحجاجية إلى جانب الروابط الحجاجية مؤشرات على البنية الحجاجية للخطاب الطبيعي عامة والنص الفلسفي خاصة "فمن خلالها يتم توجيه المتلقي نحو الغاية من  الخطاب والمقصد من الأثر الحجاجي الذي يبينه المرسل، وتجدر الإشارة إلى التمييز الحاصل بني هذين المؤشرين على البنية الحجاجية للخطاب الطبيعي. "فالروابط تربط بين قولين أو بين حجتين على الأصح (أو أكثر) وتسند لكل قول دورا محددا داخل الاستراتيجية الحجاجية العامة، ويمكن التمثيل للروابط بالأدوات التالية: بل، لكن، لاسيما، إذن، ...الخ
أما العوامل الحجاجية فهي لا تربط بين متغيرات حجاجية (أي بين حجة ونتيجة أو بين مجموعة حجج) ولكنها تقوم بحصر وتقييد الامكانات الحجاجية التي تكون لقول ما، وتضم مقولة أدوات من قبيل : ربما، تقريبا، كاد، قليلا..."[45] من هنا يمكننا القول أن السمة الأساسية التي تميز العوامل الحجاجية عن الروابط الحجاجية هي إمكانية خضوع هذه الأخيرة لتأويلات عديدة على خلاف العوامل الحجاجية التي تقيد هذه الإمكانية إن وظيفة العوامل الحجاجية داخل النص الفلسفي هي تقييد وحصر الامكانات الحجاجية لتصور ما. وإذا أخذنا على سبيل المثال القولين التاليين:
الساعة تشير إلى الثامنة
لا تشير الساعة إلا إلى الثامنة.
إن المقارنة بين هذين القولين من الناحية الوظيفية الاخبارية يتبين لنا أنه ليس هناك اختلاف بينهما.
لكن إذا قارنا بينهما من ناحية الوظيفة الحجاجية يبدو لنا واضحا ان هناك اختلاف من حيث الامكانات الحجاجية لكل قول على حدا
فالقول الأول "الساعة تشير إلى الثامنة يسمح بإمكانات حجاجية عديدة من قبيل:
 الدعوة إلى الإسراع.
التأخر والاستبطاء.
هناك متسع من الوقت.
موعد الاخبار
لكن بمجرد ما أدخلنا على القول الأول العامل الحجاجي "لا ...إلا.." تقلصت إمكانياته الحجاجية وأصبح له تأويل واحد وهو :
لا تشير الساعة إلا إلى الثامنة. لادعي للإسراع"
3)  الأفعال الذهنية :  
إن النص في تعريفه العام هو "مجموعة من الجمل التي تكون مؤلفا أو مكتوبا، وهو وسيلة للتواصل وأداة للتعبير عن فكرة"[46] وليقوم بهذا الغرض يوظف  النص جملة من الوسائل أهمها الأفعال الذهنية واللغوية لتيسير عملية الفهم عن طريق الاستدلال الحجاجي، وهذا ما يجعل من هذه الأفعال مؤشرات على البنية الحجاجية للنص عامة والنص الفلسفي خاصة كما تساهم في تحديد الهدف من النص.
من أهم هذه الأفعال نجد :
أفعال ذهنية ولغوية تفيد التصحيح:  
يقول فرويد :"إنه ينكر علنيا من جميع الجهات الحق في قبول نشاط نفسي لاشعوري وفي استعمال هذه الفرضية استعمالا علميا، وبإمكاننا أن نجيب على هذا بأن فرضية اللاشعور ضرورية ومشروعة".
ينطلق النص من الفعل اللغوي "ينكر علينا" الذي يشير إلى وجود رأي شائع وسط العامة كما تشير إلى ذلك أفعال لغوية أخرى (يقال، يعتقد، هناك دائما فكرة...) لكن على الرغم من عموميته فهو خاطئ يحتاج إلى التصحيح وهذا ما يشير إليه فعل لغوي آخر في النص "بإمكاننا أن نجيب" الذي يفيد التصحيح والإضافة.
أفعال ذهنية ولغوية تفيد الدحض
يقول كانط: "خاطئة نظرية أولئك الذي يقبلون أي حس أخلاقي منفرد من خلاله وليس عن طريق العقل، سيتحدد القانون الأخلاقي" نلاحظ أن النص يبدأ بفعل لغوي وذهني ("خاطئة") الذي يمكن أن نعبر عنه بألفاظ أخرى (من غير المقبول...) الذي يشير إلى وجود أطروحة لا يتعلق الأمر بتصحيحها وإنما برفضها والرد عليها وممارسة فعل الدحض والتنفيذ.
أفعال ذهنية ولغوية تفيد الإثبات :  
يقول كارل ماركس :"ان العمل هو النشاط الحيوي الخاص بالعالم والتعبير الشخصي عن حياته".
يبتدئ النص بحرف "إن" الذي يفيد فعلا ذهنيا وهو الإثبات والتقرير.
أفعال ذهنية ولغوية تفيد التوضيح والتفسير :
يقول كانط : "واحدة من بين أكبر المشاكل الكبرى في التربية : كيف نوحد بين الخضوع بدون إلزام شرعي والقدرة على التصرف بحرية" تنطلق بعض النصوص من إثارة مشاكل وصعوبات ثم تتبع ذلك ببعض الأفعال الذهنية التي تفيد التوضيح والتفسير والبحث عن الحل المقترح.
4)                      المبادئ :  
ان توفر النص الفلسفي على روابط وعوامل حجاجية وأفعال ذهنية ولغوية غير كافي للقول بوجود استراتيجيات حجاجية بل هناك مؤشرات أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها ويتعلق الأمر بما يعرف داخل الأدبيات الحجاجية المعاصرة "بالمبادئ الحجاجية" التي تقابل  مقدمات الاستدلال المنطقي من مصادرات وتعريفات وبديهيات، إنها "مجموعة من المسلمات والأفكار والمعتقدات المشتركة بين أفراد مجموعة لغوية وبشرية معينة"[47]. ان النصوص الفلسفية عبر تاريخ التفكير الفلسفي الطويل مليئة بهذه المبادئ، فالعديد من الفلاسفة يعتقدون أن الصدق ونبذ العنف من القيم النبيلة، وبعض المبادئ يرتبط بمجال القيم والأخلاق وبعضها يرتبط بالطبيعة ومعرفة العالم"[48]
  لكن على الرغم من اختلاف مجالاتها وتعددها إلا انها تخدم غاية واحدة وهي إثبات القضايا وتحقيق الإجماع وحصول الإقناع، وبخلاف المبادئ في المنطق الصوري تتسم المبادئ الحجاجية بخاصية النسبية وعدم اطلاقيتها حيث هناك إمكانية إبطال مبدأ حجاجي ما بمبدأ آخر يخالفه. فالعمل يؤدي إلى النجاح أحيانا لكنه يؤدي إلى الفشل أحيانا أخرى، ان تدبير الدرس الفلسفي بالاشتغال على لحظة الحجاج يقتضي في أحد أبعاده استحضار هذه المبادئ سواء تعلق الأمر بتحليل النص الفلسفي باعتبارها مؤشرات ومكونات لبنيته الحجاجية أو تعلق الأمر بعرض نظري لتصورات فلسفية بالوقوف عند المبادئ الحجاجية التي تؤسس لهذه التصورات من اجل تحديد قيمتها الحجاجية وإبراز محدوديتها.
5)                      مقدمات الحجاج:  
يتجلى الاختلاف بين التدليل البرهاني بمعناه المنطقي والتدليل الحجاجي في مستويات متعددة المكونة للاستدلال، وإذا أخذنا على سبيل المثال المقدمات كنقطة انطلاق الاستدلال في كلا المجالين نجد ان هناك اختلافا كبيرا في تصور طبيعة هذه المقدمات وتحديد شروطها، فالمقدمات في التدليل البرهاني هي قضايا أولية ويقينية تلزم عنها نتائج موضوعية وضرورية،  بينما المقدمات في التدليل الحجاجي هي قضايا شبه يقينية ومقبولة ومشتركة بين الجميع تؤدي إلى نتائج احتمالية وذاتية أي أنها تكون حاضرة في ذهن الفيلسوف بشكل مسبق، ويمكن إذن تسمية قول الانطلاق معطى أو مقدمة منطقية"[49]. وإذا كانت المقدمات في التدليل البرهاني هي عبارة عن مصادرات وتعريفات ومسلمات فإن المقدمات في التدليل الحجاجي تتحدد حسب بيرلمان وتينيكا في العناصر التالية:
الوقائعتشير إلى ما هو مشترك بين الناس ويصعب الشك فيها أو دحضها لأن الواقع يقتضي إجماعا كونيا"[50].
الحقائق: تحيل إلى جملة النظريات التي عرفها تاريخ الفكر البشري من نظريات دينية ، فلسفية، ... يوظفها الحجاج كمقدمة لاقناع المخاطب واستثمارها لأحداث موافقته على واقعة معينة غير معلومة.حيث ينطلق من واقعة معينة ثم التيقن منها. ويضيف نظرية ما. ليسلم المخاطب بقضية جديدة . كأن نقول مثلا : إن هناك واقعة جزئية هي ان باستراتوس وقبله ثياجنيس الميغاري كانا طلبا حرسا خاص، وحين حصلا على ذلك تحولا إلى طاغيتين.  ونضيف النظرية القائلة : كل رائغ إلى الطغيان يطلب حرسا خاصا.  ليسلم المخاطب بالقضية التالية : ديونوسيوس طاغية لأنه يطلب حرسا خاصا[51]
القيم :  
إن ما يميز التدليل الحجاجي عن التدليل البرهاني بمعناه المنطقي هو انطلاق الأول من القيم التي يسلم بها القارئ حيث يتجاوز ثنائية القيمة الصدقية (صدق/كذب) ويتأسس على قيم أخرى تنتمي إلى مجالات متعددة. السياسة ، الأخلاق، القانون، الفلسفة، والقيم نوعان، هناك قيم مجردة وقيم محسوسة، فالمجردة من قبيل العدل والحق... والمحسوسة من قبيل الوطن والكنيسة.
المواضع :
يلجأ المخاطب أثناء ممارسته الحجاجية إلى أقوال للانطلاق عبارة عن آراء مشتركة ويوظفها للتأثير في المتلقي وإقناعه وتسمى هذه المقدمات بالمواضع،  التي تأخذ دلالتها من المخزون الثقافي والفكري لجماعة معينة ويقسمها بيرلمان وتيكا إلى الأنواع التالية :
مواضع الكم :
وهي مواضع يستخدمها المخاطب لإثبات دعوى ما وإبراز قيمتها لمبررات كمية كأن نقلو مثلا مع أرسطو أن المال الأكثر وفرة أكثر من المال الأقل وفرة. ويمكننا أن نحاجج على أهمية الديمقراطية بموضع كمي يتمثل في كونها رأي الأغلبية.
مواضع الكيف:
وهي مواضع يوظفها المخاطب لإثبات دعوى ما نظرا لقيمتها المتمثلة في وحدتها ورفضها للتعدد والكثرة، فأفلاطون يحاجج على أن مكان الحقيقة هو عالم المثل وليس عالم المحسوسات، لأن الأول يتمتع بالسكون والثبات والوحدة بينما الثاني يعرف الحركة والكثرة والتعدد فتحديد دلالة مفهوم الفضيلة لا يقتضي مراكمة الأمثلة كما يعتقد مينون وإنما يتطلب تحديد الخصائص الجوهرية للفضيلة.


 الهوامش


[1]- دروس في الحجاج الفلسفي، إدريس أوهلال. مجلة الشبكة التربوية، فيلو مغرب الالكترونية ص24.
[2]- تاريخ الفلسفة منهاجه وقضاياه، الطاهر وعزيز ، شركة بابل للطباعة والنشر. الرباط سنة 1991 ص66.
[3] - الحجاج في درس  الفلسفة. ص25.
[4]- الطاهر وعزيز : " المناهج الفلسفية " . المركز الثقافي العربي.ط 1 . 1990 ص
[5]- الحجاج في درس الفلسفة. ص25.
[6]- الحجاج في درس  الفلسفة. ص20.
[7]- الحجاج في درس  الفلسفة. ص27.
[8]- المجاز والحجاج في درس الفلسفة، ص23.
[9]- المجاز والحجاج في درس الفلسفة ص24.
[10]- "الحجاج في درس الفلسفة" ص29.
[11] - حسان الباهي : " الحوار ومنهجية التفكير النقدي " افريقيا الشرق . 2004 ص103
[12]- المجاز والحجاج في درس الفلسفة ص30.
[13]- الصلة بين التمثيل والاستنباط، البعزاتي باصر ص29 ضمن مجلة الحجاج.
[14]- شارل بيرلمان مقالات بعنوان: التمثيل والاستعارة في العلم والشعر والفلسفة، حمو النقاري – مجلة المناظرة العدد الأول ص129. 
[15]  - أنظر أبحات الأستاذ بناصر البعزاتي
[16]- المناهج الفلسفية، الطاهر وعزيز ص127.
[17]- عبد الله صولة، في نظرية الحجاج دراسات وتطبيقات، مسكيلياني للنشر ص56.
[18]- عناصر الكتابة الفلسفية ص69.
[19]- المرجع نفسه ص69.
[20]  - " الحجاج و الفلسفة " سعيد البطيوي . مجلة فلسفة ..الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة .عدد مزدوج 9-10 .ص 118
[21]- الحجاج في درس الفلسفة ص26.

[22]- في نظرية الحجاج، عبد الله صولة ص49.
[23]- الحجاج في درس الفلسفة ص32.
[24]- في نظرية الحجاج، عبد الله صولة 53.
[25]- المناهج الفلسفية، الطاهر وعزيز ص127.

[26]- في نظرية الحجاج، عبد الله صولة ص55.
[27]- المناهج الفلسفية، الطاهر وعزيز ص127.
[28]- عندما نتواصل نغير مقاربة تداولية معرفية لآليات التواصل والحجاج، عبد السلام عشير، أفريقيا الشرق.

[29]- في نظرية الحجاج، عبد الله صولة ص49.

[30]- معنى الحقيقة، وليم جيمس، ترجمة الأنصاري ص147.

[31] - باتريك شارودو : " الحجاج بين النظرية و الأسلوب " ترجمة أحمد الودرني. دار الكتاب الجديد. ط 1 . 2009 ص53
[32] - زكرياء ابراهيم : "دراسات في الفلسفة المعاصرة " مكتبة مصر ص215.
[33]-"اللغة والحجاج"، ص13.
[34] -دراسات في الفلسفة المعاصرة، ص216.
[35] -عناصر الكتابة الفلسفية، ص32.
[36] -دراسات في الفلسفة المعاصرة، ص215.
[37] - برتراند راسل "ما وراء المعنى والحقيقة"، ص26
[38] - محمد المرسلي : " منطق المحمولات " . دار توبقال للنشر .ط 1 ،1989  ، ص41.
[39]- شوقي المصطفى : " المجاز و الحجاج في درس الفلسفة بين الكلمة و الصورة " . دار الثقافة . السلسلة البيداغوجية . العدد 26 . ط 1 . 2005. ص 23

[40] -"المجاز والحجاج في درس الفلسفة بين الكلمة و الصورة "، ص23.
[41] -اللغة والحجاج، ص62.
[42] -اللغة والحجاج، ص13.
[43] - حسين مسكين" مناهج الدراسات الأدبية الحديثة من التاريخ الى الحجاج " مؤسسة الرحاب الحديثة.  ط 1.         2010.ص175
[44] -دراسة النص الفلسفي، ميشيل توزي ترجمة محمد سنريكان، عن مجلة ديداكتيك الفلسفة ، ص102.
[45] -"اللغة والحجاج"، ص33.
[46] -"دراسة النص الفلسفي" ميشيل توزي . ترجمة محمد شريكان. مجلة ديداكتيك الفلسفة  العدد 3 ص 102
[47] -اللغة والحجاج، ص39.
[48] -نفس المرجع، ص39
[49] -الحجاج بين النظرية والأسلوب، ص22
[50] -في نظرية الحجاج، عبد الله ، ص24.
[51] -عبد الله صولة ، "في نظرية الحجاج"، ص25.



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)