ما هو ... العنوان ؟!!!


ما هو ... العنوان ؟!!!
بقلم: يحيى نيسول 
إن فعل التفلسف هو فعل مثير للاهتمام ... هل هو فعل التحدث بما لا يفهمه الناس؟ ! بحيث تسمى فيلسوفا، أم هو فقط فعل التفلسف لذاته؟!
عندما نرى شيئا يوقظ الانتباه كرجل يطير، إنه شيء غير عادي لأن الطبيعة لا تسمح للإنسان بالطيران، و لكن عندما نراه، هل يجعل منه هذا حقيقة؟ أم مجرد خيال؟
إن البعد الخفي بين الحقيقة و الخيال هو شيء بسيط – التفكير – بما – لا يوجد – " التفكير لا يوجد"؛ ماذا تعني هذه العبارة ؟ الشيء الذي لا يوجد هو شيء منعدم، و الشيء المنعدم لا يمكن وجوده إلا عند إضافته لشيء آخر، فهو سيوجد آنذاك تبعا للآخر المضاف إليه، فيصبح شيئا واحدا. أي أن الشيء غير الموجود مازال لا يوجد، فبما أنه لا يوجد فلماذا نتحدث عنه؟ و كيف نعلم أنه لا يوجد؟
إذن عندما نتحدث عن شيء فلا بد أن هنالك شيئا ما يؤدي بنا إلى التكلم عنه. فعندما أردت أن أتجنب التكرار عند كتابتي" التكلم " في الجملة السابقة عوض " التحدث " فهذا يجعل مني ألغي فعل كتابة "التحدث" و أضع في مكانه "التكلم" أي عند قراءة هذا الموضوع من طرف القارئ سيجد "التكلم"، و يمكن أن يلاحظ بأنني قمت بإلغاء كلمة "التحدث" ثانية لعدم تكرارها أي أن هذه الكلمة لا توجد حاليا في كتابتي لكنني فكرت في كتابتها أولا؛ إذن الكلمة غير موجودة حاليا، إذن نستنتج أن الشيء غير الموجود، يمكن أن يكون وجد في الماضي أو في  عالم آخر، في مثالي الذي يمكن أن أكتب فيه هذه الكلمة. إذن اعتبار الشيء منعدم مرتبط بالوقت و الحالة الذي هو فيها. إذن الرجل الذي يطير ربما في عالم غير عالمنا الحالي.
لنعد لنقطة الانطلاق بحيث عند قراءة القراء، كيفما كانوا، سيلاحظون أو سيقولون بالأحرى أن الكاتب يتفلسف.
إنما أكتبه الآن هو كلام دار في ذهني لثلاث مرات؛ مرة في سيارة والدي عندما كان يصطحبني من المدرسة إلى المنزل، فبما أن المسافة طويلة وجدت الوقت الكافي للتفكير والتأمل ففكرت في الفلسفة لأنه حينها كان يدور في رأسي موضوع الفلسفة الذي تناوله الفرض الأول، الذي كتبت فيه حسب الكاتب الذي وضع الإصبع على موضوع الحرية ... أن الإنسان غير حر، و لكون أصدقائي منهم من وافقني الراي، و منهم من خالفني إياه دارت مواضيع كثيرة في نفسي. وفي الأخير استخلصت أنني كتبت مقالا فلسفيا إذن لا بد من تعدد الآراء و ثم طرحت السؤال: ما الشيء الذي يمكن اعتباره فلسفة ؟  سواء كان موضوعا أو شيئا آخر، لكن عند وصولي إلى هذه النقطة بالتحديد كنت قد وصلت إلى المنزل. فدارت الأيام و الليالي وعاد الموضوع إلى رأسي عندما انتهيت من واجباتي الدراسية و استلقيت في فراشي من أجل النوم، لكن الموضوع عاد؛ و دارت في عقلي أفكار و كلمات لا أدري إن كنت أتذكرها.
و المرة الثالثة، كانت في حصة اللغة العربية عندما كنا بصدد شرح موضوع التفاوض. فإذا بي الآن أكتب هذا الموضوع في حصة اللغة الفرنسية، و ذلك لاهتمامي و إلمامي به، بل لقد شملني و جعل أسئلة كثيرة تدور في قاع رأسي، مع أن الرأس غارق في أعمال التحضير من أجل الفروض و من أجل الباكلوريا المقبلة. لكن مع ذلك خصصت له الوقت للاستفسار.
إن الفلسفة محور جميع التساؤلات و الإشكالات و منطلق جميع الأسئلة ... فهل لهذه العبارة معنى أم أكتبها فقط في مقدمة مقالاتي الفلسفية؟ إنني أكتبها لأنني أفهمها، فأسئلتي الفلسفية هذه تجعل مني متأثرا بفعل الفلسفة لأنها هي منبع الأسئلة و الاستفسارات. فقد فقهت هذا عند نهاية حصة الفلسفة عندما قدمت زميلتي في القسم مقالا للأستاذ من أجل الإطلاع عليه؛ فكان موضوع زميلتي عن الذات بحيث كانت تتحدث مع ذاتها و تساءلت عدة أسئلة، حينها ضحكت في وجهها و قلت متوجها للأستاذ أن لديها انفصام الشخصية، مع أنني كنت متأخرا في فهم الموضوع الذي ترمي إليه، بحيث هي تعرضت لشيء دفعها إلى سؤال نفسها و استفسار والدتها عن موضوعها، و هذا الشيء هو الفلسفة تماما مثلي الآن.
إنني أحاول أن أعبر عن الأشكال العديدة التي اتخذت فيها الفلسفة كمفهوم عند الفلاسفة القدماء كديكارت، نيشته، أرسطو، سبينوزا، شوبنهاور، لاشوليي، جون لوك، راولز، كانط ... و اللائحة طويلة كل واحد منهم يدافع عن قضية معينة. و لحد الآن لا يمكننا الجزم في معظمها، و يمكن أن نتعرف على بعض الأسرار، كي تبقى الفلسفة تطرح الأسئلة لتجعل من الإنسان فيلسوفا يناقش و يحلل.
و يظهر تأثيرنا بفعل الفلسفة في هذا المثال بحيث عندما تكون وسط محاضرة فلسفية وتستمع بإنصات، يأتينا الندم على عدم كتابتنا لأي شيء، و تأتينا رغبة شديدة في الكتابة و التفلسف، بحيث تصل هذه النشوة لحد نعد أنفسنا في تلك اللحظة أنه بعد خروجنا من هذه المحاضرة سنكتب مقالات فلسفية في موضوعات مختلفة، لكن بعد خروجنا من تلك الغرفة و مباشرة، ننسى أننا قطعنا وعدا على أنفسنا بأن نكتب أو القيام بشيء من هذا القبيل كتركنا لوعود داخل الحجرة أو المدرج، بحيث يمكن اعتبار هذا الصنف بالمتأخر جزئيا؛ بحيث أن المتأثركليا، بعد خروجه من تلك الحجرة يذهب مهرولا إلى كتابه و قلمه الذي كان مفقودا من قبل ليحرك يده في الكتابة ويعتبر نفسه  كما لو وجد كنزا كان مدفونا.
إذن هذا التأثير مرتبط بالرغبة " رغبة الشخص بالكتابة".
فلنعد إلى كون الفلسفة تجعل منا فلاسفة و ذلك من خلال طرحها لإشكالات متعددة و متنوعة التي لا يمكن الجزم فيها و يمكنني تأكيد هذا من خلال أنه لا يمكن القول دائما بلغتنا " ديما ديما" أو مطلقا، بحيث لا نجد دائما على العموم في الفلسفة، فلطالما كذبت نظريات ولطالما ظهرت نظريات أخرى، فكما يقول أستاذ الرياضيات ليست هناك "ديما ديما" و ذلك حين نسأله هل دائما نفعل كذا و كذا للحصول على النتيجة، فيجيب أن "ديما ديما" اسم سلسلة كتب التي أخطأ الكُتاب في تسميتها بحيث لا يوجد دائما و لا مطلقا و لا عموما في مختلف الموضوعات. إن كلمات أستاذ الرياضيات خلّفت وراءها رنينا في أذني فبدأت في التأكد من نظريته. فبدون الذهاب إلى أبعد الحدود نجد أنفسنا غير قادرين على معرفة أجسامنا معرفة علمية مطلقة، بل يبقى ذلك نسبيا حيث أن هناك بعض الأعضاء التي لا يمكن معرفتها. حيث علميا لم يتوصل إلى الوظائف الكلية للسان، الذي يقوم بمعظم أعمال الفم و هوجزء منا، فكيف لا نعلم خصائصه بشكل مدقق؟
بذلك نجد أنفسنا ننبذ مفهوم الإطلاقية، و ذلك لأنه ليس هناك دائما و مطلقا. و هناك عدة أمثلة العبارة "دائما صحيحة" أو "دائما خاطئة" فلنأخذ على سبيل المثال العالم الكبير أينشتاين، صاحب النظرية النسبية، التي قلبت مجرى العالم من أقصاه إلى أقصاه، "فثبت حاليا أنها خاطئة". إذن فالفلسفة موجودة مادام الإنسان موجود، فهي تفرض نفسها بنفسها من خلال الواقع المعيش الذي يجب الاستفسار حوله. فأنا الآن أفكر و أستفسر حول العنوان، بحيث واقعي الذي أعيشه يدلني أنه يجب أن أضع عنوانا للنص و ذلك لضرورة وجود عنوان للنص؛ إذن كل صغيرة و كبيرة يمكن طرح إشكال عنها. فهذا العنوان الذي سيجذب الآخرين لقراءة هذا المقال يجب أن يكون فاتنا كالفتاة الجميلة التي تجذب الشباب إليها. لكن هل أريد حقا جذب الآخرين لقراءة مقالي أم إنني فقط كتبته لنفسي؟
فهذا إشكال آخر، لكن يمكنني أن أتجاوزه، لأنني وجدت على الأقل قارئا واحدا لكي يعطيني رأيه في ما كتبته و هو الأستاذ، إذن يمكن أن يبقى: ما العنوان؟ سؤال معلق إلى أن يعلق الأستاذ على مقالي، لذا أعتقد أن ما هو ... العنوان؟ ! هو العنوان المناسب.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي