‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل

بعد النقمة نعمة

بعد النقمة نعمة
قصة : أسماء بريوية
طفولة سجنت وراء قضبان الحديد، سعادة مقيدة وراء نافذة، بطلتها عينان براقتان اسمها نجلاء حكم عليها بالتضحية لفترة من عمرها، و هي لا زالت في سن يتعطش للعب. كانت تكتفي بالجلوس وراء نافذة زنزانتها، أو بالأحرى غرفتها لتشاهد هؤلاء و أولئك يلعبون، يمرحون ويضحكون. كعادتها ترجت أمها لتدعها تلعب ولو لدقيقة رفقة زملائها، لكن باء ذلك بالفشل. إن خوف أمها الحنونة عليها أرغمها على ذلك، لكن لم تدري قط أن زج ابنتها في سجن سيقيد فكرها، وسيجعلها تشعر بنقص. فما كانت تفكر به أمها سوى القضايا الاجتماعية السلبية التي لا تنتهي. لكن ما يميزها هو تنوعها الذي بات يخلق الرعب في أحشاء المجتمع. لطالما تمنت هذه الفتاة البريئة أن تشارك زملاءها الفرحة، لكن فرحتها محكوم عليها بالضمور. توالت الأعوام حتى غدت البنت في سن السادسة عشر، كانت جل أفكارها سلبية، و حتى أحاسيسها التي سيطر عليها العذاب و التأنيب. فكرت مرات ومرات في الانتحار، لكن خوفها من ربها ردعها. لم تجد صديقة وفية تحكي لها أسرارها ومعاناتها لأن، في نظرها، الصداقة عنوانها المصلحة. فاختارت أن يكون كتابها أنيس وحدتها التي كانت تعيش في دوامتها، رغم أنه كان يعيش حولها كل من كانت تحبهم، إلا أن وحدتها نفسية. في كل مرة تشعر بأن لا أحد يساعدها و يهتم بها إلا أن قصدت كتابها والذي لطالما سمته بالكتاب السحري الجالب للحظ. وما أن تشرع بكتابة أحزانها في الأوراق الذهبية حتى تغادر أحاسيسها العالم الواقعي متجولة في العالم الافتراضي أو الخيالي، عالم تكسوه أفكار تتخللها عبارات مجازية. لكن ما خلق الحدث هو أن جل مذكراتها سلبية تتحدث عن الدمار والظلام، وفي بعض الأحيان كانت تجد ضوءا يشع من بعيد، فتكتب عن الأمل لكن سرعان ما يختفي الضوء الذي لامسته عيناها، فتعود للخيبة والحسرة ومن بعض مذكراتها : يوم 10 يناير 2014 "عجزت كلماتي عن التعبير، تصادف خروجها قلب مكسور أغلقت شظاياه عبور الكلمات، عرقل تسربها، اسمعها بداخلي تنادي الغيث، تبكي حرقة لعدم وصفها شعوري، أصداؤها رنات مخيفة أرهبت وجداني، شبح الماضي والحاضر والمستقبل يظهر أمامي، إنه تأنيب الماضي وبكاء الحاضر والخوف من المستقبل المجهول، بداخلي عواصف هائجة، قلبي و أحشائي تطلب اللطف من العلي القدير ولكن هذه العاصفة لن تهدأ روعها حتى تجد كفيلها في الحياة، شخصا يفهمها، يقدرها، و يأخذ بيدها ليغيرها... أريد أن تهدأ العاصفة وتصبح البراكين الملتهبة وديانا من ماء عذب تسمع خريره من بعيد. تصادمت المشاعر في كياني، غضب، تأنيب، عذاب، وما إلى غير ذلك من المشاعر التي قاسمها المشترك سلبيتها... فيارب أسألك الطمأنينة و الهداية، فلا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك" سبحان الله..
هذا كل ما اعتقدته الفتاة من طفولتها إلى مراهقتها. مرت السنوات حتى صارت البنت طبيبة. عجيب أمر هذه الفتاة كيف لنقص أن يولد فتاة ناجحة ؟؟ لكن الحقيقة هي أنها فوضت أمرها لله تعالى الذي يعلو و لا يعلو عليه أي شيء... غدت نجلاء غنية لكن ليس بالمعنى المادي و إنما على المستوى المعنوي حيث حققت العديد من أحلامها التي كانت تتحرق شوقا لتحقيقها، والتي كانت تشغل الحيز الأعلى في تفكيرها. كانت هذه الفتاة في قمة التواضع.. كل من يطرق بابها لا ترده خائبا. كانت تمد يد العون ولو في أصعب القضايا، لكن ربها جزاها بأن سخر لها عبدا مثقفا واع بأهمية المرأة في مجتمع تضطهد فيه النساء. هذا الأخير علم بالنقص الذي تولد في طفولتها فاقترح أن يعيد هذه المرحلة ولو ليوم واحد وقضى هذان الاثنان يوما غير الأيام المعتادة في حياة نجلاء... لعبا في الشارع، *في البحر*، و الأرجوحة التي تمنت اللعب فيها. كما أدركت أن النقص والسجن الذي ترعرعت في طياتهما ولدا شخصا فعالا متميزا في المجتمع وذا تربية قيمة. وذلك بعد أن رأت بأم عينيها أن كل من كانت تراقبهم وراء قضبان زنزانتها لم يصلوا إلى مبتغاهم. أو بالأصح إلى أعلى الدرجات، بعدما كانوا متشبثين بحبل اللهو واللعب، أدركوا بعدها أن الحبل قد انقطع، الشيء الذي آل بهم إلى السقوط الذي لن ينهضوا بعده قط. وقد آمنت الفتاة بأن كل قرار اتخذت في حقها أمها كان نعمة وليس نقمة.  و أيقنت يقينا أن الأفكار السلبية التي كانت تتحدث عنها مجرد أوهام لا معنى لها، و أنها خير من الله مادام  إيمانها بالله عز وجل وثيقا بحبل لا تتلاشى خيوطه ولو مرت آلاف السنين. وهي الآن تنتظر مولودتها الأولى إسراء التي قررت الأم أن تتخذ في حقها نفس القرار ونفس الحكم لكن هذه المرة مع شرح العبرة منه.

الولايات الأنثوية المتحدة


الولايات الأنثوية المتحدة



د ماجدة غضبان



غالبا ما أقف مذهولا أمام مدرس التأريخ.. هذه الحصة تثير في القلق، و أكثر ما أكرهه فيها هو الحديث عما كان يجري في غابر الأزمان، لأنني أعده فاصلا بين الخيال و الواقع، و كل الاساطير التي يظنها مدرس التأريخ حقائق لا تقبل نقيضا لها، تجعلني أغزل منها آلاف من علامات الاستفهام..
نحن نذم علنا، و سرا تلك الولايات.. غير أن كل ما في أسواقنا مستورد منها، معظم نسائنا يحلمن بالعبور نحوها، و تمنعهن أمومتهن عن اجتياز الحدود المتوجة بقبة عاطفة الأمومة لحماية الولايات من أي هجوم نووي نحوها.. و النووي هذا جعلني أظن أن كل ما يقال عن حياة من سبقونا هو ضرب من الخيال..
صحيح أن المدرسة نظمت عدة رحلات نحو متاحف الأسلحة القديمة، و زيارات للمعارض الفوتوغرافية التي تصف بربرية القرن الحادي و العشرين، و ما سبقه من قرون، غير أني عجزت تماما عن رسم صورة كاملة لأجدادنا القتلة.. هم في بعض الأحيان يشبهوننا، و في أحيان كثيرة لا يختلفون عن الحيوانات المفترسة في غابة لم تعبث بها يد إنسان، كما أن الجثث المحنطة لضحايا الكتابة المسمارية قد أتلفت، و لم يعد لها من وجود سوى ما يحيطها من أسرار و كتمان.. و تسريبات تثير القشعريرة و الخوف في جسد أي رجل..
جدتي هي أكثر النساء تحمسا للحديث عن مدينة نهداد، رغم ذاكرتها المعطوبة..سمعتها في طفولتي و هي تروي الحكايات عن واد جميل، كان يوما ما ساحة حرب لم تنته إلا بظهور غريب لعصابات نسوية بدت شديدة القسوة مع خصومها الرجال.. استولت على مساحات شاسعة من الأراضي الجرداء بعد حرب ذكورية دامت قرنا من الزمان، انهته تلك النسوة بتعليق الرجال من أعضائهم التناسلية في الشوارع و الساحات، و ظن العالم أن هاته التجمعات المجنونة ستتحول إلى قبائل من آكلات لحوم البشر مع كمية سلاح تكفي لمسح كل أثر للحياة خارج البقع التي وضعن أيديهن عليها، و بلغ الخوف من وحشية مصير من يقرب منهن حدا لا يجرؤ على اجتيازه أي رجل، فهن لا يقتلن الرجال كما كن يفعلن في بداية ثورتهن، بل يقطعن الأعضاء الذكرية، و يعدن إرسال الضحايا من حيث أتوا، و بين أفخاذهم بقعة ملساء حفرت عليها بالمسامير رسائل مرعبة.. ثم انقطعت أخبار تلك العصابات، و لم تتوفر الشجاعة لدى أي رجل لدخول دولة البتر و الكتابة المسمارية على مواضع فحولتهم..
غير أن النسوة في مختلف أنحاء العالم لم ينقطعن عن زيارة بلد عصابات لا تعاملهن إلا بود، و تكرمهن أيما إكرام لقاء نشر دعوتهن لانضمام المزيد من النساء إليهن دون شرط سوى عدم اصطحاب ذكور..
و مر زمن كان الرجال فيه يلقون بقنابلهم النووية فوق ذاك الوادي المرعب دون ان يسمعوا دوي انفجار، إنما يعقب ذلك جفاف كل عضو تناسلي ذكري مع خصيتيه، و تحوله الى ما يشبه قطع من خشب آيل للسقوط..
و سنة فأخرى لم يعد الرجال يفكرون سوى بحماية أنفسهم من الانقراض، يتنازلون عن كل شيء للولايات في صفقات غير عادلة لقاء أن تظل أعضاؤهم حيث هي، تعمل دون عطب مفاجئ..
و يعد الاسلاف تحطيم مصانع السلاح، و اتلاف كل اداة قتل أكبر هزيمة للولايات المختلطة أمام الولايات الانثوية المتحدة..
و بعد زمن صمت ينذر بخطر مباغت، تتالت أخبار الاختراعات، و الاكتشافات التي تبث من خلال محطات أنثوية عالمية، لتجعل من البقاع التي سيطرت عليها تلك النسوة محصنة تحصينا كاملا ضد أي سلاح صنعه الرجل يوما ما..
تتذكر جدتي أن مواسم حصد البنات الرضع كان عيدا وطنيا لتلك الولايات الخالية من الذكور تماما وفق ما سمعته من والدتها يوما.. تقطف فيه البنات الصغار من أشجار تشبه رحم المرأة، ثم توضع في أحضان الأمهات اللواتي يرضعنهن طوعا من خلال حلمات دافئة تسحب حليبها من خزان المدينة الكبير..
لم تتسع تلك الرقعة الغريبة المحتشدة بأسرارها إإلا سلميا، كانت النساء تتجه من كل أنحاء العالم صوب ذاك البلد الساحر، و هن يضمن ما بحوزتهن من أراض لوطن خاص بالأنوثة وحدها بعد طرد الذكور منها..
و جدتي تضحك حين تذكر أن موضعا معروفا يطلقون عليه اسم (العلاوي) في العاصمة (نهداد) أصبح محل انطلاق الباصات الفضائية التي ترحل حسب جداول زمنية نحو جنات النعيم في زحل و الزهرة و المريخ و كواكب أخرى في مجرات لا يعرف عنها شيئا أي فرد من البلدان المختلطة الجنسين، أي التي مازالت تقر بحق الذكور في التواجد مع النساء.
و يقال أن هنالك متحف يسمونه متحف العهد الذكوري، فيه الكثير من الرجال المحنطين.. تحدثت عنه امرأة مسنة قبل وفاتها أمام حشد متظاهرات يطالبن بحقوق كالتي يسمع عنها في الولايات الأنثوية، و قد أعربت عن أسفها إذ لم يسعها الالتحاق بعصابات النسوة المتمردات على حروب حصدت الملايين بسبب أولادها الذكور الذين لم تستطع تركهم صغارا..
و قد تضمن خطابها توضيحا لما حدث حين قرر رجل انتحاري اجتياز الحدود الفاصلة بين الولايات المختلطة و الولايات الأنثوية المتحدة.. قالت إنه دخل دونما صعوبة، و كأن الحدود قد فرشت له زهورا، ربما لاصطياده، و جعله عبرة لغيره، و أنه قد تزحلق من الحدود حتى قلب العاصمة نهداد دون أن يدري كيف، كان كل شيء متموجا و زلقا.. و الشوارع أشبه ببطون الكواعب الملساء، أما البيوت فنهود منتصبة بأبواب تشبه الحلمات، و السيارات نهود أخرى تنزلق كأنها جحافل من حيامن تناضل لبلوغ بويضة أنثى..
لم يكن هنالك من دخان، و لا غبار، و الأريج يفوح في المكان حتى يخال المرء أنه في قلب زهرة، و ليس في مدينة.. الألوان أصابت عينيه بغشاوة، و خدر لذيذ سيطر عليه و هو يسير تائها بخطاه بين أجساد لم تسترها قطعة قماش..
علام القماش و الأزياء و الأحذية؟؟؟، هكذا تساءلت المرأة العجوز، نحن نلبسها هنا أما بسبب مفردتي العيب و الحرام ضمن القاموس الذكوري سيء الصيت، أو لنثير الرجال بإظهار بعض الجسد كي يصاب بالجنون ليرى ما خفي منه...
طاف الانتحاري كشبح، لا امرأة تلتفت اليه، فجميعهن ينزلقن كأجنة في بطون لا تعرف ألم ولادة، يسبحن دون نقل الأقدام في بحر زلق السواحل، لا يشعر من يبلغه إلا و كأنه الطير محلقا في سمائه..
معظم الروايات تتفق على انه قد مات بالسكتة الانتصابية، فقد عانى من انتصاب لا يتوقف منذ أول خطوة له نحو الحدود و حتى الملعب المسمى بلحظة الابداع...
و الملعب هذا فيه سر تفوق الحضارة الأنثوية على المختلطة، فهنالك ينهمر الحب كمطر ربيع يخضل الأجساد الطرية المشدودة، و النهود المنتصبة التي لم تتجشم عناء الإرضاع، و البطون المستوية التي تجهل الحمل و الترهل..
كل امرأة مع آلاف من خليلاتها يعشن زمن النشوة الجماعي، كل الشفاه الناعمة تقبل غيرها، و كل الأنامل الرقيقة تداعب ما تعثر عليه حولها من عطايا الأجساد العارية، و تتحد الاف من التنهدات كموسيقى عارمة يهتز لها الفضاء، و تجعل من السيول المتدفقة لذة محيطا زبده خمر دنان كواعب لم يعرفن المشيب، يقطعنه عوما نحو قمم الطاقة الذهنية...
و عند تلك القمم تصنع المعجزات، و تشع من العقول شموسا لا عهد لنا بها، تغير من كيميائية الخلايا العصبية، و تدفعها إلى العمل بأقصى قدراتها، ليغدو اينشتاين بعبقريته مجرد غبي أحمق في المختبرات التي تمتليء بالنسوة المبتهجات بعد انقضاء لحظة الابداع..
تنبلج الحياة من بين ذراعي كل أنثى، و تلج الأقدام الحافية المترفة المجرات من ممراتها المفتوحة دونما حصون، تلد شبكيات العيون أقواس قوس قزح تتردد في رحابها صدى ملايين من الضحكات الأنثوية الشبيهة بالسيمفونيات، و تبنى المدن في رمشة عين، و تزرع الآلاف من الزهور، و تحبو الملايين من الرضيعات على أرض من حرير..
لا يشكو أحد فقرا و لا جورا، لا تعرف الكراهية، و لا الحقد..
المدارس سفوح جنات تمنح لطالباتها القدرة على التواصل مع كائنات أخرى عبر الفضاء.. و التلميذة لا تحصل على شهادة نجاح إن لم تقدم لمجتمعها الأنثوي اختراعا جديدا يضيف سببا جديدا للسعادة..
الرجل الانتحاري ظل ينزلق بين ملاعب، و مسابح، و ورشات عمل أشبه بقصور من ماس و ذهب، و هو يكابد انتصابه حتى توقف قلبه مرهقا، و تم تحنيطه و عرضه في المتحف..
استاذ التأريخ يصف لنا بشاعة الأجداد، و حروبهم، و كيف تم تحطيم كل معامل السلاح بعد ثورات لم تتوقف من قبل الأمهات، و كيف أصبح الرجل يسير برقة فراشة تحط على زهرة ربيع، و يتكلم بصوت أشبه بالكمان و هو يحاول أن يرضي زوجته بعد أن قررت المغادرة صوب نهداد..
قال أننا مررنا بفترة خشينا فيها من الانقراض، و لازلنا نخشى ذلك، فالنساء في نهداد يقطفن البنات من أشجار المحبة، لسن بحاجة لنا، و النساء هنا يرغبن في الهروب نحوهن، أصبح كل مائة رجل يخطبون ود واحدة فحسب، جميلة كانت أم قبيحة، فقط كي لا يظل أحدهم وحيدا، و إن أغضبها غادرته دون أسف صوب من هو أفضل منه ليقضي بقية عمره متحسرا على ذكريات حضن امرأة..
قال أيضا ان المثليين حوربوا بشدة، فهم يقللون من قدراتنا على إنجاب المزيد من الرجال.. و قد قتل كل من أبدى ميولا شاذة قتلة شنيعة..
زرت المتاحف مرارا لأفهم دوافع الحروب، و القتل التي جعلت من أجدادنا عبيدا للموت، و لم أستطع تخيل ذاك العالم الأحمق.. و لولا خوفي من السكتة الانتصابية لزرت تلك الولايات و أعلنت ولائي المطلق لها..
في المدرسة لقحوني بلقاح مضاد للاغتصاب، رغم أني لم أفهم كيف يطلب الرجل من المرأة شيئا دون رضاها..
كل ما كان، يبدو لي في منتهى الوحشية، قد تغير عالمنا و أصبح أشد هدوءا مقارنة بتأريخ الدم، و الاغتصاب، و الفقر، و المعاناة، رغم ذلك مازالت الولايات الأنثوية تمنع دخول الذكور.. إنهن ببساطة لا يشعرن بحاجة لتواجدهم، بل يرين في شعر أجسادهم ما يخز الشوارع المورقة بنعومة، و في شواربهم ما ينتأ بقبحه في حدائق تزهو بالجمال المنبسط أمام الاعين..
تمنيت لو أنني أصبح بنتا لمدة يوم واحد يسمح لي فيه أن أعيش في تلك الدنيا التي لا تعرف ليلها من نهارها.. فالشموس الصناعية بلا عدد.. و النهود التي أتمنى النوم في ظلالها هي بيوت و أشجار..
قبلت امي صباحا و أنا أقول لها:
إنني أعلم حجم تضحيتك إذ لا تلتقين بالنسوة هناك.. لا عجب أنهن غيرن مسار البشرية من الحماقة نحو التواصل مع سكان مجرات لم نرهم يوما.. و قد صنعن جنات فيها ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر بعقل بشر.. هن كما أنت، لا تعرفين سوى أن تمنحيني كل ما بحوزتك من حياة...

أنونيماس


أنونيماس*



ماجدة غضبان



المعرض الذي اقامه المجهول في صالة الضياع ضم مليارات من اللوحات. لم تكن جميعها باللون الأسود و الأبيض.. بعضها لُوّن بألوان العيد، و بعضها رسم وجوها بقسمات مختلفة، فيما حلقت لوحات أخرى في دهشة اللامعقول.. نظرت الى ساعتي.. الوقت يشير الى ثمالة ما تبقى منه، و الجدار المنتصب أمامي لا تحده حدود.. خربشات على جدار الزوار تظهر وجود آخرين، لا أتبين لهم صوتا، و لا صورة.. ، كأنهم الغمام بين أضراس ريح.. رحلة دون تذكرة.. وجدران دون سقف.. لوحات دون الريشة أو أصابعها..
_ ما الذي أتى بي إلى هنا؟..
بحث سريع على غوغل.. عن تأريخ ميلادي.. وجه أمي.. و هي تلدني.. صرخاتها.. شكل أبي، و هو يستاء من أنوثة بشر بها توا.. وجوه قد مرت بي، أو مررت بها.. أختام أقدام من موطن أعرفه بعثراتها على الصفحات الإلكترونية.. أبحث عن وجهي..
_ البيانات لا تطابق ما كتب في حيز البحث..
طعم خبز التنور يبحث عن موهبتي في التعرف اليه.. رائحة الشاي المهيل تحيط بي كذراعي أمي.. لكن غوغل حدق في وجهي بسيماء ذاهلة.. تمنيت لو ان حيز البحث يكبر قليلا ، و يستوعب حكايتي:
_ قد كان لي ببساطة قرية من طين، و مدرسة، و تلاميذ لا يتغيبون عن الدرس، و إن أمطرت ثلوجا، يرتدون ثقوب الأسمال، و يحلمون أحلاما لا تسعها بيوت القرية..
هل من أثر لها في معرض المجهول؟؟..
هل من بقايا لها في صالة الضياع؟؟..
البدايات ارتمت بين شهوة كينونة، و امتناع.. كخيوط فجر لم يشأ أن يعزف نهاره بعد على وتر الشمس.. الأوراق البيضاء، الكلمات العذراء.. جميعها ترتعش بين تلاش و ظهور.. على الطاولة انتصبت لحظة تحول في انتظار ان أقبض باناملي عليها.. خُلِطت طينة الأديان ببعضها، و عُجِنت كتب الأنبياء، و استدارت لتكون بين ذراعي المعجزة التي لا تدرك.. كي تدرك!!!!!!!.. أصوات حشود تسد منافذ الاصغاء، تهدر من ثقب كوني.. هنالك غيري ربما؟؟..
الحاسوب بصمته لا يُنكأ له جرح أمام هول حيرتي.. يطالعني بدهشة غوغل أمام أسئلتي.. حتى تستأثر بي رغبة بحث عارمة.. تستولي علي تماما..
التقط حمى التحام مع أناس معي في الصالة بملقط قروي ساذج، كذلك الذي يحثون فيه الجمر على الاتقاد.. تسحرني ذكرى، أو خيال، أو ظل إنسان ينكر قبر وحشتي.. و عند شفاه تتشهى الموت تهذي بعض كلماتي إزاء كل عدم يرميني صوب غيره:
_هيا يا غوغل.. أرجوك..
أيها الكونفوشيوس البوذي الزرادشتي اليسوعي الطيب..
ألن تقل لي في أي مكان أنا؟..
قد رضعت حليبا من أم تجهل أبجديتها، و قد ظننت أنني لن أكون مثلها يوما، و سأغير الأقدار التي عجزت عن فعل ما يضدها، و لن يتجاهلني الكون مع معرفتي بأبجدية كانت فوق الدفاتر كشموس تتقدم نحو صغار القرية.. لكنك الآن تزدري كل أبجدية أتقنها، فأنا خارج أسوارك ، في معرض المجهول.. في صالة الضياع..
الجفاف يهل كمطر الكتروني لا يرى على محيا غوغل.. يتوقف البحث عند النتائج ذاتها، و يكرر نصائحه.. غير الاملاء، اختصر الكلمات، ابحث بلغتك..!!!
أغادر صفحة غوغل كعبد مذنب أقيم عليه الحد.. و ابتعد بضع خطوات.. أنظر الى الجدار الذي لا ينتهي مثل جدار صين الكتروني يلتف حول نفسه في بانوراما مثيرة للغثيان.. أمد يدي نحو لوحة تتكلم.. تتكلم دون توقف بصوت أقرب الى صوت إنسان آلي.. أغتالُ الضباب الذي شكلها بأصبعي دون قصد.. تتساقط كلماتها كنثيث ثلج على سواد هوة تحت قدمي.. أنتقل الى لوحة امرأة ترقص بمجون.. تغادر مكانها.. ما أن أشاركها، و أشرع برقص ثنائي.. الموسيقى تستلقي كشيخ يحتضر على منحدر الجدار.. ارتد على أعقابي متوسلة بمستر غوغل.. أشرع في تنقيب الكتروني عن نبرة صوتي.. ربما يحتفظ بنموذج له قبل أن يغادر حنجرتي؟؟..
غوغل المهيب يعرب عن أسفه.. لينتهي البحث الى سفوح بيضاء مشوبة باعتذار مهذب..
_ أهناك سبيل للبحث سوى غوغل؟؟..
كل ما حولي يرتمي حيث ارتضت له عيناي.. و الأصوات تغزلها أذنان لا تتقنان سوى اللغة العربية..
_ هل بإمكاني العثور على لغة أخرى؟؟..
_ هل بإمكاني سماع الآخرين؟
منكبان غوغليان يبتعدان، و يصغران أمام ناظري.. الأوتاد داخل روحي تتساقط.. و يتهشم الفراغ.. ألأغاني، و الذكريات تذوب كخيوط من الشمع على شفتي بركان.. ، تقتل سجادة من خيوط الصوف بزخرفة قروية.. أدور بشوق حول صدى ضحكاتي التي كانت يوما قبل إنبعاث جثة غوغل..
أرفع الستار عن إستعراض يوم البعث، و هو ينشر غسيله على منتجع كامب ديفيد.. و البيت الأبيض.. و ضجيج لوس انجلوس.. أكرر صلاتي رغم تنحي غوغل عن مهمة البحث.. و مغادرته الصالة..
أيها النبي الالكتروني المهول.. ايها العارف باسراري، و اسرار قريتي، ايها المتمكن مني، و من تأريخي، أيها المؤشر العجيب الذي يحط على كل اماكن لامستها رحلتي.. انني ارجو الحضارة فيك، و أناشدها:
هل من حقول قمح؟؟ ، أو صورة امرأة تحتطب؟؟، أخرى تحمل جرار الماء؟؟، طفل نصف عار لا يهمه برده من حره؟؟..
هل من أب لا يعرف دهاليزك؟؟، و يمحي إمتدادك العظيم المنتفخ في وكالة ناسا او الأف بي آيبأبوذية يحفظها عن ظهر قلب؟؟..
الفضاء الافتراضي يبدي امتعاضه من سيماء لغتي العربية.. يجيب دونما اكتراث:
_ لم يتم العثور على الرابط الذي طلبته، ربما كان منتهي الصلاحية..
ما زال يشتت ذاكرتي.. يعيدني الى زحام اللوحات.. بصمتها، و صراخها، و اهازيجها..
بين لوحة و أخرى تتداخل الأيام و جسدي، تتناثر جيف جثث متعفنة لزوار سبقوني في ضياعهم، تجاهلوني كما فعلت دون خيار مني او منهم، و أغفلوني كما أغفلتهم قبل ان نجد الوقت لنسأل: لماذا؟؟؟..
أخربش على الجدار المخصص للتعليق يائسة، أمضغ مرارة وحدتي كتسلية لا أملك إلاها.. شيء من الأمل يدعوني لكتابة اسطر مضطربة:
_ أنا ماجدة، من قلعة سكر، في جنوب العراق ، أرجو ممن يلتحق بي من أهلي أن يوصل رسالتي لمن بعده..
أنا ضائعة في مكان يزهو بفخامة القصور، أراني في كل الاتجاهات التمع على مرايا لا حصر لها كقطعة ماس تركت في علبة لحين استخدامها.. أنتحب كطفل في سوق مزدحم، رغم أني من مواليد عام 1964، أظنني في العام 2015.. لازلت امتلك بعض الثقة لاجزم انني في هذا العام لا غيره..
أشعر ان لا صلة لي باللوحات.. و لا لون فيها بإمكانه أن يحل محل نبضات قلبي.. لم يطرق سمعي أي صوت.. بل صوتي نفسه ذاب بين حبال البلعوم كحلم تائه في صحرائه بقطرة ماء تتشكل عند افق اليأس..
في يدي كأس موت، و رعشة ارتشاف تستحوذ علي.. و ان كنت أستطيع التنفس جيدا حتى الآن..
أجهل موقعي على خارطة العالم، فالداتا تتراقص امام عيني، و ليس سوى مستر غوغل من يعرف فك الغازها.. يبدو عليه الكرم، و سعة الصدر.. لكنه ببساطة لا يرسم لي دربا قد تخرجني من ضياعي.. و تعيدني الى قلعة سكر..
لابد أن أعترف ان أعمدة المعرض الرخامية الهائلة لم تثر في سوى مشاعر غربة، لم توكل لها مهمة اسعادي، او العناية بي باي شكل من الاشكال، فانا محض داتا امام عينين خبيرتين، تجسان وريد الماضي، و شريان المستقبل، و تعبثان بتوزيعهما على خلايا جسدي..
اللوحات بمخملها المترف لم تقايضني بسعادة تشبه تلك التي عرفتها في سبخة (أبو درابي)** ، و الألوان مع براعة توزيعها ليست بأجمل من فسيفساء (كاع إضْحَيجة)*** التي تزهر، و تعشب، و تكشف عن  الفطر بعد المطر..
ربما هناك لوحة في هذا المعرض الفسيح تمثلني.. لكنها لا تنتمي لي.. طالما انا نفسي لم أفلح بالعثور عليها.. بودي أن أقول شيئا أخيرا أيها الكون المغوغل، و هو لك وحدك، و كل رغبة لي:
ان السباحة في (الكَـرمة)**** هي كل ما أحتاج اليه الآن.. بعدها ربما سينجلي ضباب غربتي، و اغترابي..
التوقيع
إمرأة من الأنونيماس
انونيماس*  باللغة الإنجليزية Anonymous  تعني المجهول ، و هي تمثل أكبر تجمع الكتروني لحركة شبابية غامضة التنظيم و الرؤية، يتميز أعضاؤها بقناع يضعونه على وجوههم ، تعنى بمهاجمة كل مستبد _كما يبدو- الكترونيا، و الإطاحة بمؤسساته الألكترونية ، رغم فشل مظاهراتها الأخيرة في كل العالم.
(ابو درابي)**  اسم أرض سبخة في قلعة سكر.
(كاع إضْحَيجة)*** اسم اول ارض زرعها اجدادي عند قدومهم من الحجاز و حتى نهر الغراف حيث ابتنوا على ضفافه قلعة جدي سكر المشلب، ثم تحولت الى سبخة أيضا بعد قانون الإصلاح الزراعي المشؤوم.
(الكَـرمة)****  نهير صغير يسقي الأراضي الزراعية في قلعة سكر.




الطفل الباكي

الطفل الباكي
غزلان القضيوي
أتذكر سنتي الثانية في الجامعة و خصوصا الفصل الرابع, كنت أكره أيام الخميس لدرجة أن سميته "الخميس الأسود"، فقد كان متعبا. توجب علي أن أقضي اليوم بأكمله في الجامعة.
من كان يؤنس وحدة ذلك اليوم، هو صديق لي، حيث كنا نقضي فترة الزوال معا، نتشارك وجبة الغداء و ندرس قليلا  قبل الحصة، و بعد انتهاء الدوام نعود أدراجنا سويا في الحافلة.
تشاركنا الأصدقاء و الآراء، مواطن الطيبة و الشر، كنا نتشابه، فنفهم بعضنا دون الحاجة إلى الكلمات.
في خميس ما، كنا  عائدين إلى البيت بعد يوم طويل حافل، الحافلة صاخبة و ممتلئة عن آخرها كما العادة .
استرعى انتباهي صراخ طفل، ملامح وجهه كأنه رأى شبحا أو وحشا أرعبه، كان يبكي بشدة و ينظر باتجاهي، قلت في نفسي: أوجهي مرعب الى درجة أن يخيف طفلا؟ 
فتسأله أمه: ما بك؟... لا يجيب، فقد كان لا يزال صغيرا، ثم يصمت و يلتفت الى الجهة الأخرى، و كلما أعاد النظر اتجاهي، يبدأ البكاء و الصراخ ثم تهدؤه أمه فيصمت من جديد و يدير وجهه... 
أمه لم تفهم شيئا، و أنا أيضا ... التفت إلى صديقي فتوضح السبب، كان يرعب الطفل بملامح مخيفة يتصنعها.. يبدو أنه لم يقاوم نظرة الرعب تلك..
قلت لصديقي: أنت محظوظ أن الطفل لا يجيد الكلام ... كانت  أمه لتتناولنا أحياءا...
بصراحة ذلك الوجه الصغير كان مضحكا للغاية، لم أتمالك نفسي من الضحك..
قلت لصديقي: كفانا شرا اليوم فلتتوقف.. 
توقف بصعوبة، رغم أن فكرة الاستمرار كانت مغرية.. و لكنه يبقى طفلا بريئا..

الفتاة الثرثارة

الفتاة الثرثارة
قصة: غزلان القضيوي
 ركاب الحافلة عامة من الطبقة الكادحة، موظفون و عمال مصانع، طلبة و حتى أحيانا متسولون أو مدمنون.. تستطيع أن تتعرف على كل واحد من خلال هيأته و ملابسه. أذكر في ذلك اليوم، في ساعة الذروة، كانت الحافلة ممتلئة عن آخرها و كنت محظوظة يومها بأن ظفرت بمقعد أجلس فيه، بجانبي فتاة بدت مألوفة.. طالبة بئيسة من أمثالي، و في المقعد الذي خلفنا صديقاها. كانت ثرثارة للغاية، و جد نشيطة، سببت لي صداعا بأحاديثها، و كأنني صديقة حميمة لها، كنت أكتفي بابتسامة أو بإيماءة رأس، و إن استدعى الأمر كنت أجيبها باختصار،
تمنيتها أن تصمت، فطاقتي قد استهلكت بالدرس، و الجوع قد نال مني، و فوق كل ذلك كان علي أن أمثل بأني مستمعة لما تقول هي، تقريبا كل الركاب كانوا تعبين باستثنائها. كنت سأسألها عن سر كل تلك الحيوية.. تخيلت أنني في وصلة إشهارية لمشروب طاقة و هي الشخصية الرئيسية في تلك اللقطة .
بعد حوالي النصف ساعة، و في محطة ما صعد مجموعة  من الركاب من بينهم فتاة جميلة و أنيقة ممشوقة القامة، بدا أنها أثارت انتباه الثرثارة بجانبي، فقد نظرت إلي قائلة " أنظري إلى تلك الفتاة، لماذا تزاحم المساكين في الحافلة الحقيرة، تأملي ثيابها، تبدو ميسورة جدا" سايرتها مجيبة: " أنت على صواب، ثيابها تبدو باهظة، و حذاءها جميل، حقيبة يدها تبدو أصلية، نضارتها الشمسية لوحدها يمكن أن تساوي تذاكر كل الركاب "، ابتسمت و أجابتني متحمسة للغاية : "نعم نعم، عليها أن تستقل سيارة أجرة حتى لا تفسد طلتها"، و ضحكت بعدها ثم رأينا تلك الفتاة تتوغل في صفوف الواقفين، إلى أن توقفت بجانبنا، و وضعت حقيبة يدها في حضني و ابتسمت لي قائلة: " الحافلة اليوم  مزدحمة للغاية، بالمناسبة من صديقتك الجديدة ؟". 
التفت إلى الثرثارة الصغيرة التي ارتسمت على وجهها نظرة الاستغراب، نظرت إليها و ابتسمت بخبث: " أعرفك بأختي".. توردت وجنتاها خجلا.. صديقاها انفجرا ضحكا وراءنا، فقد سمعا حوارنا كامل،ا تأسفت لي مرارا، أجبتها: لا عليك، لقد سايرتك حتى أعلمك ألا تحكمي على الآخرين دون معرفتهم. هي موظفة بسيطة، تستطيع أن تستقل سيارة أجرة لكنها ستكلفها الكثير لذا تفضل الحافلة، و ثيابها ليست باهظة و إنما طلة أختي تضفي رونقا عليها فتبدو كأنها جد باهظة" .. و صلنا إلى محطتها و ترجلت.. هي لازالت تتأسف و صديقاها يضحكان. جلست مكانها أختي التي لم تفهم شيئا، حكيت لها ما جرى فضحكت كثيرا و لازلنا نستغرب فضول الآخرين إلى الآن...

حكاية الغريب بوجميع

"حكاية الغريب بوجميع"
بقلم: بنسالم الوكيلي
كان يا مكان، والكون مالكه الرحمان، حتى كان الحبق والسوسان، وصلاتنا على النبي العدنان..
سيداتي، سادتي يا كرام
بسم الله العظيم أستهل الحكاية، “حكاية الغريب بوجميع” في هذا الزمن القاسي والقلوب التي لا ترحم. غاب الإحساس، وأسوار الأخلاق تهدمت على الأساس، يوم راح خير الناس، حتى الاستعمار أقسم على ألا يرحل، أوصدت الأبواب، ضاع المفتاح وصدأ القفل.وكل من تسأله، يجيبك بالسؤال نفسه: كيف؟! و لماذا؟ أين بوجميع الغريب وأين نحن من خلف الأجداد؟!
تفضل، تفضل يا بوجميع وتكلم بلساننا، اخلع “الدربالة” وانطق بلسان المجذوب، أناس النية والجود، قم حنش كتابة الحروف بقلم الطلبة والدواية تعود. نحن وأنت واحد، شرف لنا كي تكون مرآتنا، كن بروميثيوس هذا الزمن، ويديك في أيدينا، كن المخلص وخلصنا، قل أقوالك باسم الحق، كن نوح قل بسم الله مجراها ومرساها، وسق بنا هذه السفينة. أرمق إلينا بوجميع و الدموع تتأرجح من مقلتيه ، وأجابنا بكلامه المجروح، كلام كله ألغاز ومعاني : أين أنتم مني، و أين أنا منكم ؟! فشرع بوجميع يتنهد بعمق: أنا هنا، في المغرب غريب!! لازلت أتذكر، يوم أن كنت أعيش في حضن فلذة كبدي( أمي)، على الطحين الأسود، مقروص في الدشائش، وها أنا اليوم، أروح جوال والعقل طائش.يا ربي لن نرضى، ما حياة الذل بعيش، ماء الحياة على بطن فارغ، معجون القنب الهندي والحشيش.أين أنت أماه؟! أين حجايات الخيمة؟! اشتقت إلى رغيفك وطبخك أمي الغالية، اشتقت إلى الجولة في الدوار بقدمين حافيتين، محملا الحاويات، أتزاحم مع بنات الدوار بجنب الساقية..آه آه أيتها الساقية، آه ثم آه لزمن الغدر، أبعدني عن مقلتي ابنة عمي رقية. سبحان مبدل الأحوال! كيف كنت يا بوجميع وكيف أصبحت..المهم، أنت الهناء؟! تنهد بوجميع مرة ثانية، وأجابنا مقطب الجبين:
أميال وأميال، بيني وبين الهنا، كأني نازلة علي اللعنة. كم سنين، أنا بطالي بين أحبائي أنتظر، بعد أن تخرجت من المدرسة، وأصبحت دمية بيد الساسة و السياسة!. الساسة، هم من وضعوا البرادع على ظهورنا ومروا للسياسة.كما رأيتم، وكما لازلتم ترون، لا وجها غريبا عنا، نحن نراهم في قبة البرلمان وفي الوزارات، الهداية ربي الحق ذو الجلال والإكرام، الحق، الحق أقول لكم: لقد ولى زمن، تحرس فيه الذئاب الغنم.! .
سيداتي، سادتي يا كرام
هذه حكاية الغريب بوجميع في هذا الزمن، زمن كثر فيه البطلان والخذلان ولا صوت الحق بان ، شعلة نار ملتهبة دون أن يخرج منها دخان.يا سادة يا كرام، تركنا الحكاية في السياسة، وإن لدغة السياسيين لأخطر من لدغات الأفاعي والعقارب والثعابين .السياسة يا كرام مجمع التجار النصابين، سوق الجملة بالجملة، سوق نافقة للفساد و الكذب و النفاق و التحايل باسم العولمة وباسم الدين. في نظري، و كما يصور لي قلبي، نحن معشر المغاربة المتخلفين بأعين المسؤولين المفسدين، يستلزم قرونا كي نصبح مواطنين في مغرب الثورة الخامدة في القرن الواحد والعشرين، التعذيب بشتى أشكاله يمارس في حق الأحرار، الوعود الكاذبة ولا شيء غير الوعود، ضرب الوعود بمؤسسات الدولة زن بالقنطار، "وإذا ما ظهر المعنى، فلا فائدة في التكرار".
تناقض كبير نعيشه في هذا الوطن، الكل يصيح روحي.. روحي، وا أسفاه على زمن ينصر فيه الظلم ويسكت الحق، مملكة النار المشتعلة، تحكمها العلائق والقوة،إنه قانون الغاب، القوي يلتهم الضعيف، سجن بلا أبواب، والضحية من يقع، تنهش لحمه الأسد والذئاب. أنا ليس بيدي شيء في هذا الوطن، أنا لست ضد ولست حليفا، مواطن ملاحظ مر حياته، بحثا عن لقمة رغيف. حرفتي.. خباز،  وعجين الخبز النار موقدة من تحتها، هذا سر الحياة "من يحفر حفرة لأخيه، يقع فيها"، وكلا له الحق كي يدفن نفسه كما يريد، قال أسيادنا القدماء (سيدنا وسيدكم حبيب الله): " إذا رأيت العنيد راكبا القصبة، قل له مبروك عليك العود الفريد ".
لكن دمي ساخن وذوقي مر، أنا مغربي حر، لم ولن أصمت،  حتى إن كان الصمت منه تفرقت الحكم يا ناس، الساكت عن الحق شيطان أخرس. تربيتي، مبادئي عادة، لم ولن يسمح لي ضميري كتم الشهادة.يغيظني الحال وأصحابه، وعلى ذكر أصحاب الحال، إذا ما نفعني عقلي،  ذات يوم من أيام الله ، خرجت من المنزل كالعادة بقلب محتار،أجوب طريقي وطريق العام، يدي معقودتين خلف ظهري وأحلامي تائهة وراء الأقدام، رفعت عيني إلى أعين المارة الكرام، وجدت الكل يخطف النظرات من تحت الناظر ، هناك من يبدوا حزينا و هناك من يضحك ومن يبكي في حرقة نار، قرأت في أعماق نظراتهم حزنا دفينا كأنه آت من عمق البحار،  وبدأت أتساءل مع نفسي: كيف؟! و لماذا؟
في الحقيقة حيرني الأمر، وتولد لي ضباب وغشاوة على العينين،  فدخلت سوق رأسي بمعنى من المعاني، لأن تعليم المدرسة يختلف وتعليم الزنقة،  وقلت مع نفسي: أترك الرمانة عالقة، " أرمي الهم في شبكة، منه من يسقط و منه من يبقى"...يتبع...

"يوم قصصت شعري"

"يوم قصصت شعري"
غزلان القضيوي
كنت ممن يستقلون الحافلة لأربع مرات في اليوم، و غالبا ما  أكون متعبة من محاضرة ما أو من التفكير في شيء يشغل بالي.لذا لطالما كرهت الغرباء و كرهت الثرثرة و الأحاديث العابرة معهم، و لتفادي ذلك كنت أرسم ملامح جادة و حازمة على وجهي باستثناء إن صادفت صديقا فإن ملامحي تعود بتلقائية إلى طبيعتها.كنت أرى أن الناس يتفادونني، بما أنني أحب الجلوس بجانب النافذة فالمعقد الذي بجانبي كان آخر مقعد يجلس فيه أحدهم، فأستمتع بأن أبث الطاقة السلبية في نفوس الركاب بتكشيرتي، و كنت أخمن من هو صاحب الشخصية القوية و الموضوعية الذي لن يهمه وجهي الجامد و سيجلس،  تخميناتي كانت دائما صائبة.
وراء ذلك الوجه المتجهم كانت هناك روح مرحة، فتلك كانت تسليتي الوحيدة أن أخيف الآخرين و أنا لوحدي، حقا كنت أستمتع بذلك. من الطرائف التي أبتسم كلما تذكرتها هي حين قصصت شعري.. أعجبني شكل شعري حينها، و كلما مررت بانعكاس صورتي على مرآة أو نافذة أقف عدة دقائق لأتأمل نفسي و من شدة إعجابي، سمرت نظري على مرآة السائق خصوصا عندما رأيت أشعة الشمس تلامس خصلات شعري، فينعكس لون ذهبي جميل أخدني المشهد، بدوت كطفل يتأمل ملابسه الجديدة ليلة العيد بعينين واسعتين.. فتلاشت ملامحي القوية لتحل مكانها أخرى بريئة متحمسة. أخيرا تذكرت أنني لست الوحيدة التي أنظر إلى تلك المرآة و إنما السائق أيضا.. بدا لي أنه يبتسم فأشحت نظري، ظننته يبتسم لشخص ما لكن سرعان ما فرغت الحافلة من الركاب و لازال يبتسم أيقنت أن تلك الابتسامة موجهة لي. وصلنا إلى محطتي المقصودة.. توجهت صوب الباب لأترجل، سألته أن يفتحه لي، و دون أن ينظر إلي أجاب ليس قبل أن تعطيني رقم هاتفك.. حين رفع نظره إلي كنت قد أعدت ملامحي الشريرة، لكن هذه المرة أكثر غضبا و قسوة فابتسم المسكين، و فتح باب الحافلة قائلا: أنا أمزح فقط، ترجلت و أنا أضحك في سري بضع دقائق... دون تجهم تفعل الكثير...

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس