عاشوراء: فلسفة حياة...!!





بقلم: محمد بعدي



نستطيع أن نقرأ الحدث العاشورائي قراءات متعددة و مختلفة باختلاف المرجعيات و المنطلقات التي ننطلق منها، سواء كانت هذه المرجعيات فكرية أو دينية أو سياسية... و نستطيع أن نؤول و نحلل الممارسات و الطقوس المصاحبة لهذا الحدث تأويلات و تحليلات مختلفة أيضا، حسب المنهج المعتمد في القراءة و الإطار النظري الذي تصدر عنه عملية التأويل أو التحليل تلك...
و لعل الثابت على مستوى الوقائع التاريخية هو ارتباط عاشوراء {العاشر من محرم}في الثقافة الإسلامية بحدث جلل كان مسرحه و موقعه الجغرافي هو كربلاء العراقية، و كان زمنه هو 10 محرم سنة 61 ه الموافق ل 10 أكتوبر سنة 680 م، و كان هذا الحدث هو مقتل و استشهاد الحسين بن علي، ابن فاطمة بنت الرسول محمد صلى الله عليه و سلم الذي ختم الرسالات السماوية... إنه حدث استثنائي بكل المقاييس لأن الأمر يتعلق بحفيد رسول الإسلام...
و بعيدا عن ضجيج و صخب الجدل المذهبي و الطائفي حول الموضوع و توظيفاته السياسية و الأيديولوجية... يلخص الحدث العاشورائي فلسفة قيمية أخلاقية، و يقدم درسا كبيرا في "إرادة القوة" بالمعنى النيتشوي للكلمة. هذه الفلسفة التي أبدعها رجل اسمه الحسين بن علي كانت فلسفة إنسانية بامتياز، لأنها كانت تروم السمو بالإنسان، و منحه قيمته باعتباره إنسانا، و احترام كرامته الإنسانية بالمعنى الذي استعمله كانط لمفهوم الكرامة. و لعل هذا ما يختزنه ذلك الشعار الذي خلد ذكر الحسين و هو " هيهات منا الذلة "... إنه لم يكن بالنسبة للحسين شعارا فقط، و إنما كان سلوكا و فعلا و منهجا نهجه الحسين في مواجهة طاغية و فرعون عصره يزيد بن معاوية... كان الحسين إذن مريدا للقوة حتى عندما خذله الكثيرون ممن في نفوسهم مرض و في قلوبهم وجل و في أخلاقهم ذلة... لذلك عندما خير بين السلة و الذلة، رفع ذلك الشعار الخالد الذي صار فلسفة قيمية و نهجا أخلاقيا لمواجهة الظلم و الطغيان و الاستبداد... و أصبح قاعدة للتحرر من خلال الاستعداد للتضحية، و مواجهة الموت في سبيل السيادة و الكرامة... إنها "إرادة القوة" التي تجعل الإنسان قادرا، و هو في موقف العاجز الذي لا حيلة له، على التحدي و الصمود و الانتصار... و تجعله إنسانا بالفعل، يعي ذاته، و يعيش وجوده الحقيقي، و يبادر إلى الفعل بدل أن يكون منفعلا، خاضعا، تابعا، ذليلا، مهانا... إنها "إرادة القوة" التي تصنع من الضعف قوة ما دام الإنسان ممتلكا لطباع حربية و أخلاق بطولية تقهر العدو حتى و لو كان قويا... و نحن نزعم أن هذه الفلسفة الحسينية تجد أسسها و أصولها فيما ورثه الحفيد عن جده. ذلك الجد الذي تحتفظ له مصادر التاريخ ببطولات نادرة، و مواقف فريدة تجسد واقعا "إرادة القوة"... مثل ذلك الموقف الذي وجد فيه النبي صلى الله عليه و سلم الذي كان نائما تحت شجرة، أحد أعدائه المتربصين، يقف مستلا سيفه، و هو يخاطبه بترهيب و عنترية: " و الآن من يمنعني منك يا محمد؟"... فيأتي الرد مدويا دون خيفة أو تلعثم أو انهزام أو توسل، و بقوة و وثوق: " يمنعك الله"... فيسقط السيف، و يلتقطه الرسول و هو يردد: " و أنت من يمنعني منك الآن؟"... فيرتعب الذي كان يدعي البطولة، و ينطق الشهادتين... و يعفو عنه الذي كان في وضع القادر... هذه هي أخلاق "إرادة القوة" التي نزعم أن فيلسوف "إرادة القوة" نيتشه قد أغرم بها عند اطلاعه على بعض من جوانب الثقافة الإسلامية... حتى أنه كتب في "عدو المسيح": " لقد حرمتنا المسيحية من حصاد الثقافة القديمة، وبعد ذلك حرمتنا أيضاً من حصاد الثقافة الإسلامية. إن حضارة إسبانيا العربية، القريبة منا حقاً، المتحدثة إلى حواسنا وذوقنا أكثر من روما واليونان، قد كانت عرضة لدوس الأقدام (وأؤثر ألا أنظر في أيّ أقدام!) - لماذا؟ لأن تلك الحضارة استمدت نورها من غرائز أرستقراطية، غرائز فحولية، ولأنها تقول نعم للحياة، إضافة إلى طرائق الرقة العذبة للحياة العربية..". إن هذا التمجيد النيتشوي للثقافة الإسلامية هو تمجيد لها باعتبارها ثقافة حياة... لكن ليست أية حياة كيفما كانت، و إنما الحياة التي قوامها القوة و الفحولة... الحياة التي تجعل الإنسان يتخلص من الهزيمة و يرفض التهميش و الدونية و التواكل... الحياة التي تكون "إرادة القوة" لها وجاء من خلال قدرة الذات على تجاوز ضعفها و جبنها و تحويلهما إلى خيارات بطولية تقرر من خلالها الذات مصيرها و تتحمل مسؤوليتها الذاتية و الكونية، و تصنع المعنى و تغير الواقع و تبدع قيم جديدة كي تنتشل ذاتها من مستنقع التفاهة و الرتابة و التلاشي.
هذه هي الأخلاق الحقيقية للإسلام، أخلاق إرادة القوة، و بتعبير نيتشه أخلاق السادة، الذين لا يعرفون الانهزام و الاستسلام... و الذين يتسامحون و يتحاورون و يعفون أيضا، و لكن مع وجود القدرة، و ليس خوفا أو وجلا أو هوانا... إنها الأخلاق و القيم التي جاوز بها الحسين حدود الجغرافيا و التاريخ حتى أن الكثيرين من العظماء تأثروا به... فهذا غاندي الزعيم الهندي الشهير يقول: " لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شهيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا أرادت إحراز النصر، فلا بد لها من اقتفاء سيرة الحسين"، و قال أيضا: " تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر" 
أما هتلر فقد خاطب جنوده في ساحة الحرب قائلا: " اثبتوا في القتال كما ثبت الحسين بن علي سبط محمد و أصحابه في كربلاء و هم نفر قليل بين ألوف تفوقهم عددا فنالوا بذلك المجد الخالد". و أما الكاتب  المسيحي المعروف أنطوان بارا فقال في كتابه "الحسين في الفكر المسيحي": " لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين".... إن عاشوراء الحسين إذن فلسفة للحياة جذورها كربلاء و فروعها حيث يوجد الإنسان في الزمان و المكان... الإنسان القوي، و الذي يريد القوة، و يواجه و يجابه و يتحدى... الإنسان الذي يتكلم فينصت القدر...
مقالات أخرى للكاتب:



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)