ثقافة الحجر الصحي

ثقافة الحجر الصحي
       بقلم: محمد عنبري                                                    05 أبريل 2020

يمكن النظر إلى الحجر الصحي كنوع من الوصاية على سلوك الإنسان ومنعه من الخروج وإلزامه بيته مخافة إصابته بجائحة كورونا، إن هذا الحجر له غاية أساسية وهي حفظ الصحة، وبالصحة نعيش لكي ننعم بالحياة، الحياة التي لا يمكن أن تكون من نصيب من لم يلتزم بطرق الوقاية المنصوح بها في هذا الباب، كذلك يأخذ الحجر معنى آخر يتمثل في كبح الحرية، ونحن نعلم أن الانسان لا تتحقق كينونته إلا بشرط الحرية، لهذا يعد الحجر الصحي نوع من الوصاية القانونية والأخلاقية على سلوكيات المواطنين يكون مصدرها الدولة، إن الحرية بهذا المعنى تتعارض مع السلامة الصحية للناس، وبالتالي فحرية الأفراد تعد خرقا في ظل التفشي السريع لهذا الوباء، إن الالتزام بالحجر الصحي الذي باشرته العديد من البلدان على مواطنيها يمكن أن يجلب الخير الكثير للوطن والمواطنين على حد سواء وفي صالح الجميع.
لقد صرنا نعتاد على لزوم بيوتنا وشغل حياتنا بأمور مهمة وتافهة، فأصبحنا نجيد الطبخ والكنس والاعتناء بالأطفال، والاستمتاع بحي وتهكم أفراد معنا كنا في القريب لا نطيق قهقهاتهم وتهكماتهم نحونا، وفي أوقات أخرى نركن في إحدى الزوايا فننعزل لكي نقرأ كتابا أو نتصفح الشبكة العنكبوتية أو نشاهد التلفاز أو حتى للقيام باتصالات لتفقد أحوال الأقارب والأصدقاء، وإذا طال هذا الحجز والحجر فبلا شك سيشكل حتما تغيرا على مستوى ثقافة بعض المجتمعات. فالثقافة تنتج عن السلوك والسلوك ينتج عن العادة و العادة لكي تصبح على ماهي عليه تحتاج لدوام الوضع على الموضع الذي هو عليه.
في مشهد آخر يجعلنا هذا الحجر أكثر حذرا ومسؤولية، ففي الأوقات التي نسرقها خفية من أجل أمر ضروري خارج المنزل نكون أكثر حرصا على خطواتنا أين نموضها؟ فيمكن لخطوة طائشة يخطوها الإنسان على الأرض أن تجلب له ومحيطه الويلات. كما أصبحنا أكثر انتباها لأيدينا أثناء التسوق ماذا تلتقط؟ وكيف تلتقط؟ صرنا أكثر حرصا من ذي قبل في الابتعاد عن الآخرين وتجنب الازدحامات، لقد أصبحت المسألة جدية، وأصبحت المشكلة مشكلة حياة أو موت، إنها غريزة البقاء التي جعلت الإنسان أكثر حرصا على حياته.
لقد تغير كل شيء وانقلب الوعي رأسا على عقب، فأصبح  يشكل الخارج عن سياق الحجر مغامرة نحو المجهول،  المجهول الذي ينبئنا بأن الوضع قد تغير إلى الأسوأ.
لكن إذا تعلق أمر الحجر الصحي بجعل حرية الفرد مشروطة بأوقات معلومة تخضع للرقابة الأخلاقية والقانونية، فكيف يمكن استثمار هذا الوضع عندما تزول هذه الجائحة؟ ألا يحق للمجتمع أن ينعم بالهدوء والسكينة ومسؤولية أفراده اتجاه بعضهم البعض نحو ثقافة جديدة؟
- نعم، يمكن أن يتحقق ذلك إذا استثمرناه في فرض نوع من الحجر المدني على الأفراد فيما يخص الفضاء المدني، فبواسطة الحجر المدني نسائل الفرد عن واجباته كما يسائل الدولة والمجتمع عن حقوقه، يمكن أن تحدث تغييرات ايجابية على سلوك ومواقف الدولة والمواطن،  فالوباء دفع بعض المجتمعات إلى مساءلة دولها بأن تعيد حساباتها ومراجعة سياساتها اتجاه التعليم والصحة، فقد بينت الإجراءات الاحترازية والوقائية العملية والمسؤولة التي اتخذتها بعض الدول بجميع مؤسساتها، تؤكد أن جائحة كورونا صارت درسا للحكام وباقي المؤسسات التابعة لهم، لهذا ما أحوجنا اليوم قبل الغد إلى تجديد مفاهيم الثقة والتعاون وروح الوطنية، ربما حان الوقت من أجل التغيير في ظل التلاحم الاجتماعي الذي يعد مفخرة لبعض الدول كالمغرب مثلا، لكن نحتاج إلى تلاحم أكثر فاعلية وأوسع نطاق يتم من خلاله تثمين العنصر البشري والاستثمار فيه، فالعالم قبل كورونا ليس كما هو بعدها.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

1 commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)