واو المعية

واو المعية
يوسف قشار
اندس بين جمهور القبيلة، وهو يتابع خطبته العصماء، التي أزبد فيها و أرغد.. تتبع علي ملامح زعيم القبيلة، كان يكبرنا سنا، شكل أسنانه يشي بأنه يضع طقما صناعيا، ترك أثره تحت انفه وأسفل شفته السفلى، كان يود أن يعلن أمام الملأ بأنه مازال ينضح بالفتوة السامحة له بالزعامة الدائمة التي تولاها بالقوة بعد" موت " الزعيم السابق، ووضع شروخا تمنع كل من تخول له نفسه أن ينازعه فيما اعتبره حقا يعلو ولا يعلى عليه، هزم بالمكر والخديعة كل أبناء القبيلة الذين كانوا يعلون عليه في القوة ويدنو عليهم في الشجاعة، طرد منهم خارج القبيلة بدون موجب حق، وكلف آخرين بمهمات ظاهرها باطل وباطنها كيد.
أنهى الزعيم خطبته التي لا يتبع فيها النعت منعوته، ولا يحتفظ فيها الفاعل برفعه ولا يبقى فيها المفعول منتصبا... صفق الجمع وصفر بعضهم وارتفعت الأكف لتلقي الحلوة التي توزع عقب كل تجمع يقوم به الرئيس .
انسل علي من بين تلافيف هذا السواد الأهون، وهو يدرك أن هذه الجحافل من الغوغاء لا تدرك بأن هذه الخطبة هي نفسها التي ألقاها في السنة الماضية، ولم تعلم بأن زعيمها، إما أنه أضحى من العجز و الترهل لم يعد يقوى  معه على صياغة خطاب جديد، أو أن يقينه في سطحية وبلادة هؤلاء المحيطين به جعلته يعيد نفس القول متأكدا  من عدم إدراكهم لهذا التكرار، ومعتقدا بأنه لو أعاده بعد أسبوع لظن المصفقون أنهم أمام خطاب جديد لا يطاله النقص لا من بين يديه ولا من خلفه .
طرق علي باب منزلنا.. انسللت من فراشي مطلا عليه من النافذة: "أنا قادم".. صافحت عليا، وقلت مازحا " هل حصلت على حصتك من حلوى الخطاب". ابتسم كعادته مرددا ": هل أخذ حقي صدقة؟ إنك تعلم بأننا من يزود بها هذا الطاعن في كل عيد، ليقوم هو مرة أخرى بتوزيعها علينا بالتقسيط ظانا أنه يجود بها علينا، وكأنها ملك أبيه". التفت يمينا ويسارا بعد أن تلفظ علي بهذه العبارة الأخيرة وأسناني تصطك، وقبلها ركبتاي، كنت رعديدا، خوافا... وإن حاولت بهذه الكلمات أن أدرأ  على نفسي صفة الجبن، وهذا ما كان يحول دوني واللقاء بعلي أمام الجمع، حتى لا أتحمل وزر ألفاظه الجريئة إزاء الزعيم.
كان علي من ألطف أبناء القبيلة وأسماهم خلقا، وأعرفهم بحق الحياة وحقيقتها... كانت خصاله تشفع له عند أمهاتنا بالسماح لنا بمصاحبته، بعد أن أضحت جرأته في حق الزعيم على طرف كل لسان. أحب علي الكتاب وصاحبه، تأمل في مجريات التاريخ واستوعبها، صاحب الملا صدرا في أسفاره، وسلطان العارفين في رحلاته، ووضع لنظره محكا، ولعلومه معيارا، ولعمله ميزانا، ولمناهجه أدلة، ولخلواته وتوحده تدبيرا. كان في كلامه إشارات، وحديثه مع الناس يتضمن تنبيهات، كان حيا يقظا، أنشأ دوائر واسعة  داخل القبيلة من المؤيدين، وحقق فتوحات كبيرة على حساب الزعيم... وذاع صيته بين الجحافل الرعديدة. وبلغت أصداؤه كل أرجاء المنطقة وخارجها. عالم تشد إليه الرحال، مطرب عذب الصوت تنشد إليه الآذان، والي من أولياء الله تنساق إليه النفوس الطامحة إلى بلوغ  الكمال.
أحس الزعيم بالتحولات الطارئة على أفراد القبيلة وأفكارهم، وانتابه شعور بطي الزمان لأيامه. جمع رجله و أصفاره , فكر وقدر وعبس وأمر ... فانساب أتباعه بين أزقة الأحياء ودروبها. نصبت المقاصل, وفتحت العلب البشرية، تابعت عملية الشد والجر من النافذة المظلمة الواقعة في الجزء السفلي من بيتنا. وأنا أعض على أناملي خوفا وغيضا. خامرني إحساس بقرب دوران الدوائر علي، ستكون تهمتي حينها كوني الصديق المقرب لعلي.
لم أتحدث يوما بالسوء في حق الزعيم. كنت ألزم الصمت كلما تكلم الغير، وأفر من الجموع كلما ارتفع النقد في حقه، وكشفت عورة تدبيره السيئ لسير القبيلة، وتدخله المجحف في حق القبائل المجاورة التي وضع بعض أبنائها في خم الدواجن. كنت حريصا على كل عبارة أتلفظ بها، وأتجنب كل ما يمكن أن يمس الرئيس وحاشيته ... هكذا أرادت مني المرأة التي تسكن الجنة تحت أقدامها فانصعت، دون أن أفكر ولو للحظة واحدة أن النعيم لا ينال فقط بالإتباع أو تسليم الرداء بعد أخذ الغطاء، وإنما هي مقامات ومدارج يصعد الإنسان عقباتها بالمجاهدة ويبلغ ذروة سنم فردوسها بالمكابدة.
التفت قبضة الزعيم حول أعناق كل المحتجين من أصدقاء علي والمقتنعين بأفكاره ... وبعد مرور شهر بكامله شعرت بالارتياح لسماحة يد القدر في عدم جعلها إياي من المغضوب عليهم.
 هزم الجمع و ولوا الدبر، واختفى علي وتضاربت الآراء حول هذا الغياب بين متهم ومبرر، وضاقت بي الأرض بما رحبت، بعد أن وجدت نفسي الفتى الوحيد الذي يجوب أرجاء القرية، كانت نظرات الناس لا تخلو من الاستفهام، و أعينهم تنطق بالاتهام، تمنيت في حينها لو كنت مصلوبا لا تدرك ذاتي أناها، على أن أعيش هذا الخلاص الفردي المغلف بالأنانية المفرطة. انفرط ناظم كل الأعذار التي خلقتها لنفسي، و تشظت كل المبررات التي جعلتها مشجبا أعلق عليه أسباب وضعي. انقلب ارتياحي إلى مشقة، واستقراري إلى حيرة، ورجائي إلى طلب يعاكس ما كنت أتوسل به إلى الباري في السابق. تكرر على مسامعي بالقصد عبارة "لا يخرج من الجماعة إلا..." رجوت معها لو يطرق باب منزلنا من طرف حاملي أذناب البقر، واسحب إلى حيث جمعت الفئة الثائرة. منعني الخوف الذي تأصل في "النصح"، وترسخ بالتحذير من القيام بأي فعل يحقق ما كنت أفر منه. قبعت في حجرتي لا أغادرها إلا مع طائر المينرفا الذي لا يحلق إلا عند الغروب. حاولت دون جدوى التخلص من عيون خيالية تترصدني، وأصابع وهمية توجه إلي. سجنت نفسي بالرغبة وعذبتها بالإرادة، ومارست على ذاتي بالاختيار دواعي كل ما كنت أهرب منه. وعلى حين غرة طرق باب منزلنا، سارعت نحوه راجيا أن تستقبلني من بين شقوقه نتانة إبط حاشية الزعيم. تسمرت في مكاني من هول المفاجأة وأنا أحملق في علي، كان واقفا بالباب أشعث، اغبر، مدرج في دمائه، لم أتردد في دعوته إلى الدخول فلا أعتقد أن ما سأجنيه من وراء  ولوجه سيكون أكثر مما حاق بي في الأيام الفارطة. رفض بتحريك رأسه، ظل صامتا مطبقا، لم يجب عن الاستفهامات المحيرة التي كانت تراودني حول غيابه وأسبابه. كان حاضر البدن غائب الذهن. وجدت نفسي أمام رجل لا أعرفه، جسما بلا حركة، قلبا فاقد النبضات، سكونا يعم أرضا جرداء أفناها الضمأ. أدركت أن عليا تعرض لإهانة قاتلة هشمت جدار شموخه، وأردت كبرياءه المتواضع. كان صبورا، جلدا، لا يمكن أن يندحر بهذا الشكل أمام مختلف صنوف القسوة والشدة، إلا المهانة فلم يكن أبدا يقوى على حملها. كان على شابا فاضلا، لذلك كان ضحية من ضحايا هذه الفضيلة... إن الفضيلة غير فاضلة، إنها خائنة، بل خسيسة تجني دائما على صاحبها، يحبها الجميع ولا يقترب منها إلا عاشق الموت أو محب المغامرة، إنها نور يحرق بحره كل فراشات الليل المرفرفة، الكارهة للضيق و القتامة، والتواقة للضياء و الانعتاق. ألم يكن إخراج سيد البشرية من مدينته، و موت سقراط ورفع المسيح،وتعذيب صاحب الموطأ، ومحنة صاحب المسند، وإحراق الأحياء، ومعه التهافت، وقتل صاحب" المطارحات" وسجن سيد الفتاوى ... نتيجة هذه الفضيلة.
رفع على نظره إلي بعد شدي لثيابه محاولا إخراجه من الهوة السحيقة التي قذف فيها. كانت عيناه فاقدتان للحياة، حلقة في سلسلة الزمان ولى دورها، نفس اكتملت في تجوهرها وتترقب لحظة الارتقاء... تمتم بعبارة ما كنت لأسمعها لولا خلو المكان "سأذهب الآن".. صمت برهة، ثم أردف "يد واحدة لا تصفق".. ثم غادر. تتبعت خطوات علي وهو يتوارى منغمسا في الظلام. أصبت ليلتها بالأرق، ظلت تلك العبارة ترن في أذني طوال الليل. ماذا كان يقصد علي باليد؟ هل أنا  تلك اليد الثانية التي كان من اللازم أن تنظم إلى يده ليحدث التصفيق؟  هل كان علي ينظر إلي باعتبار غير الذي كنت أنظر به إلى نفسي؟ ظل شريط من الأيادي يمر على مخيلتي طوال الوقت، كانت اليد تحمل دائما دلالة ومعنى إيجابيا "يد الله فوق أيديهم " فسر المعتزلة يد الله هنا بالرحمة وبالقوة. وذهب صاحب الحكمة المتعالية إلى اعتبار اليد في هذه الآية هي العقول المفارقة والجواهر الملكوتية. وأتذكر أنني قرأت لفيلسوف غربي اعتبر أن ماهية الإنسان ليست العقل وإنما اليد، فبها صنع هذا الحيوان الناطق هذه الحضارة، وما كان بإمكانه تأسيسها لو كانت له حوافر أو مخالب.
استيقظت صباحا على صوت الأواني وهي تصطدم بين يدي والدتي أثناء إعدادها للفطور، ارتديت حذائي موليا وجهي شطر منزل علي. أرعى انتباهي، وأنا أهم بطرق الباب، الصدأ الذي يعلو مزلاجه، وخيوط العناكب التي عمت أطرافه وحواشيه، والغبار الذي علا عتبته، أطلت النظر في مدخل المنزل .. ولم يخرجني من غفوتي سوى صوت العجوز –التي ألفت الجلوس أمام نافذة بيتها المقابلة لمسكن علي: "هل تسال عن علي ..؟ لقد غادروا القرية منذ مدة ". سألت المرأة ثم أجابت قبل مصادقتي على سؤالها. استغربت للمدة التي قضيتها نائما حتى غادر صديقي و أهله، دون أن أعلم بذلك، جلست القرفصاء انتظر العزاء في هذا البيت الذي وافته المنية بغياب سكانه، لم يدم انتظاري طويلا، فقد حجب عني نور الشمس. لم تقو قدماي على حملي عندما وجدت نفسي محاطا بزعانف الزعيم وأذنابه، ولا أتذكر الشيء الذي أصاب وجهي وجعلني اصطدم بالحائط قبل أن استقين في وقفتي. حاولت النهوض وقد تبددت كل المخاوف التي تلبستني برؤيتي للزعيم وحاشيته. طوقت بالأذرع المنتفخة، وشلت حركتي بالكامل. اقترب مني الزعيم مبتسما، جمعت كل ما في فمي من ريق مخلوط بالدم وأنا أرجو من الباري أن يمنحني كل ما سيرزقني من اللعاب طول حياتي دفعة واحدة حتى أقذفه في وجه هذه الحثالة المتزعمة، لكني أدركت في حينها أن معجزة القانون الطبيعي وإنما داخله، اقترب مني الزعيم بمسافة كافية لتبلله ...
شعرت بالنشوة تغمرني وأنا انحز ما كان يتمناه علي، ولم يسعفه الزمان في تحقيقه، تحركت المناديل لمسح وجه الزعيم وثيابه... واسترجعت وعيي دون أن أعلم سبب فقدانه، لأجد وجه صاحبنا أمامي مباشرة والحنق ينسكب من عينيه، فتح فاه الذي أحاط  الزبد بطرفيه موجها لي سؤالا وهو يضغط على الكلمات  "هل أنت صديق علي"؟ صمت لحظة ثم أجبت: لا لست صديق علي ... بل أنا علي.....


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة