الفلسفة والعلم: محاولة للفهم


بقلم: عبد الله مرشد
الفلسفة والعلم:  محاولة للفهم
تقديم
لعل طرح علاقة  الفلسفة بالعلم طرحا فلسفيا وتاريخيا يحمل في ذاته موقفا من هذه العلاقة التي تفصح عن التمايز الثاوي وراء العنوان. هذا التمايز لم يكن بالتأكيد حاضرا في البدايات الأولى للمعرفة الإنسانية أقصد المعرفة التي تمردت على الخرافة والأسطورة وسلكت دروب التفكير والتأمل العقلي، الذي وإن لم يكن خالصا، فإنه على الأقل كان السمة الأبرز لمرحلة فاصلة في تاريخ المعرفة الإنسانية. وقد نالت الفلسفة شرف هذه الجرأة في المواجهة والقطيعة والتي لم تكن لتخلو من تضحيات وضحايا. كان سقراط ربما أولهم، وربما لم يكن الأخير.
لكن هل كان الأمر يتعلق فعلا بفلسفة أم بعلم؟
قد يبدو السؤال غريبا ومفاجئا وربما غير منطقي تبعا للمقدمات السابقة، بَـيْدَ أنه سؤال مشروع، مادام الفلاسفة أنفسهم يتنازعون مشكلة الأسبقية. وهو ما يضعنا أمام تصورين أساسيين لطبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم، على مستوى الأسبقية الأنطولوجية، وعلى مستوى "الاستغلال" الإبستمولوجي إذا جاز لنا استثمار هذين المفهومين في هذا الإشكال بالضبط.
فما هي إذن علاقة الفلسفة بالعلم؟ وأيهما يسبق الآخر ويستفيد منه ويستغله؟
الفلسفة الأم
في اللقاء الأول مع الفلسفة، ونحن نتطلع إلى هذا الوافد الجديد الغريب: مدرس الفلسفة ومادة الفلسفة، تعلمنا أن الفلسفة محبة للحكمة، وبحث عن الحقيقة، وأم للعلوم.. تعاريف جاهزة رسخت في أذهان الكثير منا.
اللقاء الأول مع الفلسفة كان لقاء عاطفيا بامتياز وربما استعطافيا أيضا لهذا التلميذ المراهق الذي يحمل في ذهنه أحكاما مسبقة حول الفلسفة والفلاسفة ومدرسي الفلسفة لعل كلمة الحب تثيره فيخوض التجربة لكن في سياق آخر ومع محبوب صعب المراس، ومتقلب المزاج، بل مع هذا السراب: مع الحقيقة. ورغم أنه لا مجال للعاطفة في الفلسفة - وهي فكرة تحتاج إلى نقاش- فقد خضنا هذا الطريق. إن حب الحكمة والمعرفة هو الذي دفع الفلاسفة دفعا للبحث عن الحقيقة، حقيقة كل شيء، بأسلوب جديد ولغة جديدة ومنطق جديد. التناول الشمولي لظواهر العالم ليس فقط الطبيعية، بل وأيضا الماوراء طبيعية، هو ما سماه أرسطو البحث عن العلل والمبادئ الأولى. من هنا كانت الأم الفلسفة حاضنة لكل تفكير وتأمل عقلي في الكون ظاهره وباطنه. ذلك أن البحث عن العلة والسبب هو جوهر التفكير الفلسفي العلمي. ونقول الفلسفي العلمي لأن التمييز  لم يكن حاضرا حينئذ، وإنما بدأت التصنيفات خلال القرون الحديثة، والدليل على ذلك التضارب في تصنيف من يسمون بالحكماء السبعة، فهم مرة حكماء طبيعيون ومرة علماء طبيعيون ومرة أخرى فلاسفة طبيعيون....لقد كان اللاتمايز حاضرا وبارزا في عناوين الكتب، نموذج ذلك كتاب نيوتن" الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية"، مكتشف قانون الجاذبية.
استقراء للتاريخ ووجهان للإجابة:
أوغست كونت: الفلسفة سابقة على العلم
    يعتبر الفيلسوف الفرنسي كونت أن الفلسفة سابقة على العلم، انطلاقا من قانون تطور الفكر البشري الذي مر بثلاث مراحل أساسية هي:
المرحلة اللاهوتية: في هذه المرحلة حاول الفكر الإنساني البحث في أصل الأشياء اعتمادا على الخيال والخرافة والأساطير وذلك بتدخل قوى خارقة غيبية. التفسير هنا يطغى عليه الجانب الديني
المرحلة الميتافيزيقية: في هذه المرحلة حدث تطور بسيط في الفكر الإنساني تمثل في البحث عن الأصل لكن بالاعتماد على قوى خفية وكامنة في الظاهرة نفسها، فكل ظاهرة تحمل مبدأ تفسيرها في ذاتها. وهنا تندرج الفلسفة كتفكير تجريدي.
المرحلة الوضعية: في هذه المرحلة يتم التعامل مع الظاهرة انطلاقا من كونها محكومة بقانون يتمثل في مجموعة علاقات تربط الظاهرة بظواهر أخرى، وهذا ما يميز العلم.
يتبين من خلال ما سبق أن المرحلة الأخيرة تمثل نضج الفكر البشري وهي تلي المرحلة الميتافيزيقية التي تميز التفكير الفلسفي باعتباره تفكيرا مجردا يبحث في ماهية الظاهرة وطبيعتها. إذن فالفلسفة تبعا لذلك سابقة على العلم والعلاقة بينهما قائمة على الانفصال، ذلك أن كل مرحلة مستقلة عن الأخرى. لكن هل هذا هو نفسه الموقف الذي يتبناه ألتوسير؟
لويس ألتوسير: الفلسفة لاحقة بالعلم
الفلسفة، كتفكير نسقي متكامل -حسب هذا الفيلسوف الفرنسي- لم تظهر إلا مع الفيلسوف اليوناني أفلاطون، خلال القرن الرابع قبل الميلاد، نظرا لازدهار علم الرياضيات، الذي أسسه عالم الرياضيات اليوناني طاليس خلال القرن الخامس قبل الميلاد. ويذكرنا ألتوسير بالشعار الذي وضعه أفلاطون على باب الأكاديمية حيث كان يقدم دروسه والذي مضمونه " لا يدخلها إلا من كان عارفا بالرياضيات". كما أن التطور الكبير الذي عرفه الفيزياء، والذي دشنه غاليلي منتصف القرن السابع عشر الميلادي، قد أحدث تطورا موازيا في الفلسفة، خصوصا في مذهب الفيلسوف الفرنسي ديكارت، الذي عاش في نفس القرن. تجلى ذلك في تبني الفلسفة للمنهج العقلاني في التفكير ولمنهج البرهنة والإثبات في الاستدلال. ويمضي ألتوسير في تقديم أمثلة من تاريخ الفلسفة والعلم مبينا أن تطور علم الفيزياء مع نيوتن الذي صاغ قانون الجاذبية منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أدى ذلك إلى إعادة النظر في الأطروحات الفلسفية وتجديدها، خصوصا مع الفلسفة النقدية للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. لقد دمج نيوتن بين الجانبين التجريبي والنظري ، وهو ما نجد له صدى عند كانط، الذي دعا إلى التوفيق بين العقلانية والتجريبية، لأن المعرفة بناء معماري يحصل بالجمع بين الأطر العقلية والحدوس الحسية.
بناء على هذه الأمثلة يؤكد ألتوسير فكرته القائلة بأسبقية العلم على الفلسفة، وليضفي حجة أكثر إقناعا يُشهد شاهدا من أهل الفلسفة وهو هيجل الذي يقول : " إن الفلسفة لا تستيقظ إلا عندما يحين المساء، لكي تتأمل أحداث النهار" . هذا اليوم الهيجلي يراه ألتوسير سنوات عندما يتعلق الأمر بأحداث العلم، ذلك أن نتائج الاكتشافات العلمية تؤثر في المسار الفلسفي وهو تأثير لا يستشعر في حينه، بل قد يستغرق سنوات أو نصف قرن أو قرنا كاملا.
الفلسفة والعلم تماهي وتمايز
    العلم الحديث، إذن، هو الابن الشرعي للفكر الفلسفي ونتيجة حتمية لتطوره. فالسببية أو العلية ثم المساءلة والشك المنهجي واعتماد العقل ومراجعة الأحكام والمعارف المسبقة.... كلها مبادئ أساسية في العمل العلمي. والأصل فيها أنها مبادئ فلسفية أصيلة أفضت إلى جعل العلم على صورته الراهنة، وتركت بصمتها الواضحة على طريقة التفكير العلمي، رغم خروجه من تحت عباءة الفلسفة.
 إلا أن العلم في صورته الراهنة ما كان ليكون لولا تمايزه أيضاً عن الفلسفة من حيث انتهاج أساليب خاصة به كالتخصص والتكميم والتجريب بمعناه الكلاسيكي كأسس لبناء المعرفة، لكن الاكتشافات الميكروفيزيائية جعلت العلم نفسه يعيد النظر في مجموعة من المبادئ التي كان يستند إليها ويعتبرها مسلمات علمية ما يعيد الاعتبار لدور الفلسفة، كتفكير تأملي،  في الممارسة العلمية.
خلاصة
وهكذا فإن علاقة العلم بالفلسفة علاقة جدلية، بحيث يتبادلان التأثير والتأثر. لقد استفادت الفلسفة من العلم واستغلت نتائجه في إنشاء أنساقها وتطويرها وتجديدها. كما أن العلم يحتاج للفلسفة، وقد زادت هذه الحاجة بعد الأزمات العلمية المعاصرة المتمثلة في أزمة اليقين الرياضي واكتشافات الفيزياء الذرية، بل أكثر من ذلك أصبحت دراسة العلم العلامة المميزة للتفكير الفلسفي المعاصر من خلال ما يسمى فلسفة العلم (الإبستمولوجيا). فما معنى فلسفة العلم ؟ ما موضوعها؟ ما منهجها؟ وما هي مفاهيمها؟
ذلك إشكال آخر، نتمنى أن نشتغل عليه في محاولة آخرى للفهم.



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة