لا وصاية لكم على عقولنا


 لا وصاية لكم على عقولنا

" إني أسمع من كل مكان صوتا ينادي لا تفكر، رجل الدين يقول لا تفكر بل آمن، و رجل الاقتصاد يقول لا تفكر بل ادفع ، و رجل السياسة يقول لا تفكر بل نفذ. و لكن فكر بنفسك و قف على قدميك" كانط

بقلم: حساين المامون

               تابعت ما أثير مؤخرا حول تصريحات المقرئ أبو زيد و لشكر و أبو النعيم وما أثير حول الممثلة لطيفة أحرار، وما سبقه من قضية الغزيوي و النهاري....لأشاهد بعد ذلك حلقة مباشرة معكم لجامع كلحسن حول التكفير ليتبادر الى دهني سؤال هل مثل هذه النقاشات تعبر فعلا عن حراك ثقافي مغربي بكافة أطيافه الثقافية وتوجهاته ؟ هل فعلا نطرح قضايا ملحة يتطلبها الواقع المغربي المعاصر؟ وهل حالة  التنافر والرغبة في إقصاء وعدم قبول الآخر المختلف يشير إلى سوء الفهم الكبير؟ ألا يمكن أن تكون مثل هذه النقاشات مجرد "فقاعات الصابون" سرعان ما تتهاوى وتنسى ؟ ألا يمكن وصف مثيري هذه القضايا بالظواهر الصوتية ؟
التحليل الأولي للتقابلات وللشخوص و للخطاب يشير إلى أن هناك مواجهة فكرية بين تيار "الحداثة" والمؤسسة التقليدية أو التيار "المحافظ"، هنا على مستوى العمل الثقافي كان للمثقف المغربي  غياب بارز في ذلك وفي التأسيس لتنمية ثقافة الاختلاف وهذه الفترة الأكثر ثراء من وجهة نظري. مثل هذه النقاشات التي يغيب عنها المثقف لن تكون في صالح الثقافة فقط بل لن تكون في  صالح الخطاب الشابي المتابع في قنوات التواصل الاجتماعي، ولن يكون في صالح المرحلة ولو بالحد الأدنى من النتائج أقصد ما بعد الحراك الديقراطي والدستور الجديد(ما عاشته وتعيشه تونس)، لذا كان ينبغي لهذه النقاش ألا ينفصل  عن الحراك الثقافي العام وفي الجزء المهم منه، ويتمثل هذا في توجهات نقاش بين  المثقف والمفكر المتخصص في جو من الحوار المنفتح...وهذه نقطة مهمة للانطلاق من الداخل والقبول بالمختلف القريب !! وفي تقييم مدى استعداد المجتمع للكوني و الإنساني وتفاعله مع الاختلاف، ودرجة وعيه واستيعابه ومكوناته الثقافية، والتي من ضمنها أعرافه وعاداته وتقاليده ومكتسباته، والاقتراب منه للتعرف على حاجاته وكيفية التخطيط لثقافة الحوار معه في ضوء المتغيرات. وهكذا نلاحظ أنه لا يكفي التحدث مع المختلف بفتح حوار معه فقط (مباشرة معكم مثلا)، بمثابة أن الحوار هو حركة ثقافية وتربوية شاملة، تؤسس له المجتمعات المتقدمة في العالم منذ البدء، و في تنشئة الفرد حيث تدخل ضمن استراتيجياتها وبتخطيط مدروس، وثقافة الاختلاف بقيت في هذا الوطن  طريقة اجتهادية وغير منظمة بعكس من سبقونا حضارة ومعرفة. وبلادنا حالة من حالات  مشابهة في الحراك الثقافي الكوني وكانت للتقاطعات الفكرية والاتجاهات المعاكسة الدور الفاعل في الصدام مع الأفكار وتحليلها، وفي تفكيك الخطاب المغلق والمسلم به، وفي التصدي و النقد لبعض القناعات السائدة المبنية على ثقافة التكفير وإهدار الدم وإلغاء الأخر، وهي مواجهة ثقافية مع الحالات والظواهر التي تشكل إعاقة لعملية التقدم و التحديث، و قد لعبت الوديان الفيسبوكية الثقافية دوراً بارزاً في مثل هذه النقاشات  وما بعدها، وكانت بمثابة الصوت الآخر المختلف في الحراك الثقافي وفي إيصال صوت الأغلبية الصامتة من الشباب المغربي المغيب من الإعلام العمومي ومن النقاشات الفكرية.
إن المجتمع المغربي قابل للاختلاف مند أمد بعيد وهو مجتمع سوي ليس من حق أحد أن يمارس عليه الوصاية وهو قادر على احتضان الأفكار والاشتغال عليها لا الهروب منها بالاستعلاء والإقصاء وكأن الهارب يملك الحقيقة!! إن الركون إلى الخطاب الواحد والقراءة الأحادية للواقع وتطوراته ينافي توجهات الحياة والواقع . بل إن  الإسلام يدعو إلى الحوار ويدعم العلم ويلبي حاجات العقل بالتأمل والتفكير والبصيرة والتحرر والحوار، فليس كل ما يقوله عالم الدين(المتفيقه) بصحيح، وما هو إلا مجتهدا يخطيء ويصيب، وكذلك المثقف  "الحداثي" وكل ما ينتجه العقل البشري، هذا الحراك الثقافي على أهميته في التنوير بقي ظاهرة صوتية لم تؤسس لمشروع فكري، رغم الأفكار الكبيرة المتناولة في الإعلام وأهمها الصحافة الالكترونية، مع عدم الالتفات للأفكار والرؤى وتناولها بالطرق العلمية والمنهجية والتي تؤسس لمشاريع فكرية على مستوى الصدام وفي عدم الخوف من الأفكار والخوض فيها بالرغم من وجود قامات فكرية وثقافية مؤهلة لنقاشات فكرية جادة على مستوى المشروع الثقافي.
أعتقد أن الاختلاف من قوانين الكون السرمدية التي تعد قيمة جوهرية حبلى بالدلالات والمعاني التي تكفل التعايش جنبا إلى جنب بين مكونات المجتمع المغربي، وهي على درجات الرقي الإنساني في التعامل مع فنون الحياة وقيمتها، وإضفاء معنى للاستثناء المغربي مع تحفظي على حمولته السياسية، وهي ميزة تطبع روح التعامل بين أبناء المغاربة مند زمن بعيد، في اختلاف طبائعهم ومعتقداتهم بغية الحسم في عمومية الحقائق ولو كانت نسبية إلى إن تتحول إلى صراع مرير مع الذات قبل أن يكون صراعا مع الغير .
فلا غرو إذن أن مفهوم الاختلاف وكغيره من المفاهيم في المجتمعات المتخلفة يعيش أزمة مفهوم حتى على مستوى التصور الإنساني والتمثلاث التقليدية حول الكون والكائن وحوارات السماء والأرض التي طبعت باختلاف الرؤى بما هو قائم من معتقدات سابقة عن هذا الحوار، و بفضل عوامل الموروث التاريخي والتراكمات من التقاليد والعادات والذي بسط فكر السلطة الأحادية في المجتمع وذلك من منطلق الادعاءات المطلقة بالحقائق حينما يدعي رجال الدين المعرفة الدينية ويقومون باحتكارها كفكرة لا تقبل النقاش ولا الجدال، وكما يفعل الحداثيون  الذين يرون في مشروعهم خلاصا للمجتمع ورفاها من العيش ورغدا كريما على مقاسهم وتصورهم، والمخزن ليس عرضة للنقاش لأنه مقدس و ملائكة معصوم من أي خطأ وخطيئة، ودستوره لا يأتيه الباطل و لا يصح إلغاؤه وتبديله ولو لم توافق إرادة الشعب  بل هي ضد الإرادة الحرة للاختيار الشعبي بلا ريب، تلكم إحدى السمات التي يصادر فيها الرأي المخالف في مجتمع يعيش في المستنقعات ولا يعي المفهوم الحقيقي للحياة، إلا من فكرة الخلاص للغير .
و للإعلام نصيب وافر على مستوى مصادرة الرأي والحريات السياسية و الثقافية والدينية كحرية المعتقد التي ينظر إليها بجانب أحادي وبمفهوم مطلق لا تحترم فيه إرادة الغير، بل للدولة كامل الصلاحية في التدخل في شؤون الغير بسبب اختلاف بسيط أرادت أن تبسط فيه المعتقد الإيديولوجي الذي تؤمن به، وكما يعمل الإعلام الرسمي جاهدا على تشويه صورة الآخر وهو الذي يتولى تصريف الخطابات لعلية القوم الذي يقبضون السيوف خوفا من اختلاف العوام على عروشهم وهو على خط أحادي يقوم على تنقيل صورة الحاكم على أنه هو الملهم والعبقري هو البديل لكل البدائل .
ويصبح الإعلام في المجتمعات السلطوية التي يدور الإشكال المركزي فيها حول الحكم أي بعبارة أبين مجتمعات اللاديمقراطية، تعيش تضليلا على مستوى مفهوم الاختلاف والرأي أي مجتمعات لم تجد صياغة التوافقات والتنازلات من أجل احترام القيم الإنسانية والإرادة الحرة في تبني المشروع الذي يبقى عليه التوافق النسبي والذي يضمن التعايش السلمي بين الأفراد والجماعات .
فحتى على المستوى التربوي يظل الرأي المخالف منبوذا في البيت والمدرسة والأسرة ..الكل يدعي بصواب رأيه وخطأ رأي غيره صواب الشيخ وخطأ المريد .. في عملية تخلخل التوازنات منذ البداية ، وهي ثقافة تربت عليها الشعوب المتخلفة ، ينمطون الحياة في كلامها ومغزاها حتى افقدوها المعنى ، يرمون بالحجر من اختلف معهم ، ومن لم يسر على هديهم ، ومنها حالات التعصب والتكفير التي عشنها، لأنك لست على مذهبه ولا على ملته وهديه، هكذا يريدون أن يكون الإنسان سلعة تحركها الأيادي على سكة واحدة وملة موحدة، لا لشيء لان الاختلاف إبداع في آخر المطاف يبرز فيها الإنسان تميزه العقلي والروحي والجسدي في تنوع طريقة اللباس والتفكير والعلاقات الحميمية والعاطفية وغيرها... مما يجعل الإنسان يعيش الرقي فيما هو يختاره ويتخذه نهجا ومنهجا .
إن  الحق في الاختلاف المغربي حقا أرضية تبرز كلما كانت الحاجة إلى تجاوز التعصب والاتجاه نحو الانغلاق، لترسم معالم طريق واضحة، وإطار يضم الجميع رغم اختلاف عقائدهم الدينية والسياسية واختلاف نظرتهم إلى الحياة، هي نواميس أزلية تجعلنا نتوافق ونتحد ضد الاستبداد وضد القدسية التي تسري في عروق الذين نختلف معهم علنا نجد فجوة لاقتلاع الحصون وهدم البنيان وتصحيح المسار متى تحقق شرط الوعي بجوهر الاختلاف الذي ذاته نختلف عليه .

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)