مجتمع ما بعد التحرش.

مجتمع ما بعد التحرش



بقلم: الاعرج بوجمعة




أصبحت اليوم ظاهرة التحرش كالهواء الذي نستنشقه، والحال أنه ليس هواء طبيعيا وإنما هو هواء يفتك بجسد المجتمع كما تسطو النار على الهشيم. فظاهرة التحرش ليست ظاهرة فلكية أو طبيعية وإنما هي ظاهرة مجتمعية، نتجت عن بعد علائقي بين أفراد المجتمع، على اعتبار هذا الأخير جمعا من الأفراد تربط بينهم علاقات. لكن السؤال المطروح هو ما نوع العلاقات التي تتم بين أفراد المجتمع. هل هي علاقة استغلال وسيادة أم علاقة انسجام واحترام؟
   هذا المقال يعكس استجابة مجتمعية بأن نحي مجتمعا بدون تحرش؛ من هنا عنونت مقالي "بمجتمع ما بعد التحرش"، أي مجتمع الحقوق: حق الطفل في الحياة، حق المرأة في التعبير والتجول، حق الرجل، حق الزوجة، حق البنت البكر في التمتع ببكارتها... هذه الحقوق ما هي إلا جزء من كل. فشبح التحرش أصبح يخيم على مجتمعنا فوّلد لدينا ما يسمى بفوبيا (الخوف) الخروج من المنزل، وفوبيا التعارف وفوبيا العزلة... لأن في عزلتك قد تجد من يفسد عنك هذه العزلة، إن لم نقل يفتك بعرضك. السؤال المطروح: كيف نطهر مجتمعنا من هذه المسلكيات الشاذة؟ وكيف نحيا مجتمعا بدون تحرش؟ تعددت المداخل في الإجابة على هذه التساؤلات نحصرها في مدخلين: المدخل المؤسساتي والمدخل الفكري الثقافي. 
    الكثير من فعاليات المجتمع المدني أكدت على ضرورة إنشاء مؤسسات زجرية في التعامل مع ظاهرة التحرش، أي الإحالة على مؤسسة القضاء هي من لها كامل المشروعية في إصدار أحكام يقرها القانون، تعطي لكل ذي حق حقه، وسيكون هؤلاء الأشخاص الذين صدرت في حقهم عقوبات عبرة لبقية أفراد المجتمع. وبهذا سنكون قد ضمنا بطاقة العبور إلى مجتمع ما بعد التحرش أي مجتمع الحقوق. لكن هل سجن أفراد المجتمع كفيل بإنهاء ظاهرة التحرش؟ هذا السؤال يعكس جوهر المدخل الثاني المتمثل في ما هو ثقافي فكري. المدخل الثاني ينطلق من وضعية أن التحرش فيه درجات، فمثلا إلقاء التحية في أماكن العمل أو في الأماكن العمومية من قبيل: صباح الخير، جا معاك لوين، نهار منور..إلخ. هذه الكلمات تدخل في إطار الغزل وهو شيء محبوب لدى الجميع بل هو من يؤسس للعلاقات الإنسانية؛ لأن "الإنسان اجتماعي بطبعه"، يميل إلى إلقاء التحية ومعاشرة الأخر. هذا الوجه الإيجابي في التحرش (الغزل) بشهادة النساء والرجال محبوب؛ لأنه بدونه لا  يمكن للمرأة أن تعيش أنوثتها، تحس بأنها أنثى، تستثمر جمالها. لكن الوجه السلبي في التحرش (المادي) هو الذي ينزع تلك اللذة بالقوة مثل ما نراه في أماكن مظلمة أو في محطات طرق أو ما تتعرض له النساء العاملات أو الرجال العاملون (نقصد رجل يشتغل عند إمرأة مسنة تتحرش به). قلت هذا الوجه مرفوض بالإجماع لأنه لا يعبر عن تراضي الطرفين هنا بالفعل يجب تدخل القانون.
   فمرتكزات المدخل الثقافي الفكري هو أن نؤسس لمجتمع الثقافة على غرار ما نجده في الغرب، مجتمع القراءة، مجتمع وعي الأفراد بحقوقهم وبواجباتهم، أي أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، وكما لا تحب أن يهتك عرضك أحد لا تهتك أعراض الناس. الوصول إلى مجتمع ما بعد التحرش لن يتم بسرعة الضوء وإنما بالتأسيس الفعلي للثقافة بمختلف أنواعها: ثقافة الاختلاف، ثقافة التعامل مع المرأة، ثقافة الحقوق..    




تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة