آه يا وطن..

بقلم : يوسف عشي
آه يا وطن..

حين يصير الوهم حقيقة.. وحين ينقلب المظلوم إلى ظالم .. وحين تستأسد القردة، وتتداعى الأسود وتتضابى الرؤى، ويرغم كل متسائل على إطباق ذهنه، فلا مجال للسؤال.. فقط عليه الرضوخ للواقع.. قالوا: مادمت في المغرب فلا تستغرب، والحقيقة أننا نقول "ما دمت في المغرب فاعلم أنك غريب"، حين نقول ذلك فهذا ليس نكاية بالبلد الذي نفخر بالانتساب إليه ولا أحد يمكنه المزايدة علينا في ذلك، وإنما حبا في المعشوق المارد.. المارد بتجذره الوجودي في أعماق وجدان المواطن، حيث لا يكون مواطنا إلا كذلك..
حينما تصبح الأمور الشائكة هي الأصل، والمصالح المقضية هي الاستثناء.. يدق ناقوس الخطر.. اليوم ونحن ننظم تظاهرات عالمية.. باتت بلدان العالم تراقبا، منها من يراقب بعين الشقيق الفخور والمليء باليمن الأخوي. ومنها من يراقب بعين الحسود الحاقد المتمني لزوال النعمة، ومنها من يراقب بعين العدو اللعين الذي يترصد الهفوات والنواقص.. هنا يصبح المجال مغلقا للفساد.. إذ الأمر لم يعد مسألة داخلية أو شخصية.. بل هو مسار بلد ووطن نزعم بأننا نتشرف بالانتساب إليه.. وتقطر قلوبنا ألما وتعصر عصرا حينما يخذلنا من يتصرف باسمه.. لذا نقول لا.. لا للفساد.. ولا للاستهتار بالمواطن.. ولا للغبن في بلد نبتغي له المجد..
ربما يكون كلامنا عابرا إذا لم لنرفقه ببعض الوقائع المعبرة.. والحقيقة أن المجال يتسع لذكر الكثير والكثير من المناقب.. رغم أن الأمر لا يتعلق بانتقاد حكومة عابرة.. أو قرارات زائلة.. أو شخصيات فاسدة.. لكننا سنورد هنا مثالا بسيطا يدلل على مدى الاستهتار والاستخفاف بالمواطن في هذا البلد السعيد.. للمثال لا الحصر نتحدث عن قطاع الصحة..
 في مدينة سطات عاصمة الشاوية يقبع المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني حيث يعتبر النقطة المركزية في الجهة ويستقبل المواطنين السقيمين في ربوع الجهة الممتدة جغرافيا لمساحة لا يستهان بها.. في هذا المركز الإستشفائي بنظرة سريعة وعابرة نسجل كل حين إحدى الكوارث الأخلاقية التي يرتكبها المسؤولون في هذه الجهة، أو في هذا البلد..
  حينما نجد في مصلحة المستعجلات في مركز جهوي مسؤول عن الإسعاف الطارئ لجهة بأكملها.. نجد طبيبا واحدا فقط.. وربما في الكثير من الحالات لا نجد سوى الممرض الرئيسي.. وبالمقابل نجد أمما من البشر "ينتظرون دورهم" "في المستعجلات" لكي يكشف عنهم الطبيب.. لا يملك الإنسان إلا الاستهجان والتنديد.. وهنا نورد مقتطفا من حديث صحفي لأحد الأطباء المغاربة خص به إحدى الإذاعات الوطنية.. حينما قال بصريح العبارة"اللهم إن هذا منكر" كيف يمكن لطبيب أن يُسأل عن الآلاف من البشر؟؟.. ثم هل يمكن أن نستسيغ تكليف الممرض الرئيسي بالكشف عن المرضى كما هو الحال في المراكز الصحية المنتشرة -على قلتها وندرة تجهيزاتها- في العالم القروي..
حين يخبرنا هذا الطبيب عبر ذاك المنبر الإذاعي أن دولة عربية شقيقة تمجد المواطن صحيا باتخاذها للإجراءات الصحية الكفيلة بضمان تغطية صحية سليمة وخبيرة لا نملك غير الغيرة.. هذه الدولة الشقيقة وهي دولة الإمارات العربية المتحدة لا تسمح لأي طبيب بمزاولة عمله كطبيب داخل حدودها إلا بعد حصوله على ترخيص يحصل عليه بعد اختبار كل سنة.. بينما في المغرب نجد جميع الأطباء بلا استثناء يزاولون المهنة منذ التخرج إلى ما شاء الله.. حتى نجد طبيبا في سن التقاعد يمارس المهنة بمبادئ تعلمها منذ ما يربو على ربع قرن أو نصفه !!..
 في وطننا نتساءل:  هل حياة وسلامة المواطن بهذا الرخص حتى يترك المجال لمن يبقرون بطون  المرضى ويتركون في داخلها بعد إجراء العمليات الجراحية الضمادات والمقصات وما شاء الله من التخريبات..أو يحقنوهم ببنج فاسد يؤدي للوفاة أو الشلل على أحسن تقدير؟ ثم يعبرون عن الكارثة بتعبير في غاية الاستهتار.."إنه مجرد خطأ طبي" !!..
هل أصبحت سلامة المواطن آخر ما يفكر فيه؟ هل حياته باتت رخيصة بالنسبة للمسؤولين في هذا الوطن العزيز؟ وهل صارت الاكراهات السياسية والاقتصادية مبررا للحكومة أو الحكومات المتعاقبة لتستخف بأرواح المواطنين؟   نقول : لا.. لا وطن بدون صحة .. لا وطن بدون تعليم.. لا وطن بدون عدالة.. لا وطن بدون شغل يضمن الكرامة.. ولا وطن بدون مسؤولين مواطنين..
المعادلة القائمة الآن تقسم الأشخاص الماديين المشكلين للمجتمع إلى صنفين: "مسؤولين" {حاكمين} و "مواطنين" {محكومين}، بينما المعادلة الصحيحة تقول أن الوطن هو مجتمع "المواطنين" حيث المسؤول مواطن والمواطن مسؤول.. والمسؤولية مرتبطة بالمحاسبة.. إننا نقر بأن من حق الوطن أن يحاسب المواطنين.. لكن لا ننسى أيضا أن من حق المواطن أيضا محاسبة القائمين على شؤون الوطن..إذ لا يمكن محاسبة الوطن باعتباره مفهوما يتجاوز الطبيعة المادية إلى طبيعة أو معنى اعتباري..



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة