فلسفة هيجل محاولة للفهم

بقلم: عبد الله مرشد

فلسفة هيجل محاولة للفهم

فلسفة هيجل


1-     تقديم
في إطار الاشتغال على مفهوم التاريخ يتم استحضار  فلسفة التاريخ التي تبحث العلل والعبر والمعاني ومنطق سيرورة الأحداث. في هذا السياق يحضر كل من ابن خلدون وهيجل. لكن في هذه الورقة سأتحدث عن  فلسفة التاريخ عند هيجل في محاولة للفهم : فهم تصور هذا الفيلسوف للتاريخ، لمنطقه وصيرورته ودور الإنسان فيه... كل ذلك في محاولة لتبسيط التصور الهيجلي للتلاميذ.
2-     لماذا هيجل ؟
سأتحدث عن هيجل لأنه إيقونة درس التاريخ فهو الأصل والآخرون مجرد نسخ. لقد اهتم هيجل بموضوع لم يعره  الفلاسفة قبله أي اهتمام. وهو موضوع "التاريخ". هذا مفهوم جديد كان غائبا عند الفلاسفة سواء ديكارت أو كانط أو لوك ..  وإن حضر فليس بنفس القوة التي يحضر بها عند هيجل، الذي بنى كل فلسفته على هذا المفهوم، بل حاول من خلال مفهوم التاريخ فحص وفهم كل قضايا الإنسانية وتطلعاتها ومحاولاتها ومسيرتها نحو المطلق بالوعي والرغبة والانفعال والصراع والتناقض والتقدم والنكوص ..
وثانيا سأتحدث عن هيجل لأن الفلاسفة الذين أتوا بعده سواء المؤيدون أو المعارضون إنما رددوا بشكل أو بآخر ما ذهب إليه هيجل: تطويرا أو تحيينا أو قلبا ...
وأخيرا لأن الموقف الهيجلي يخترق الدرس، درس التاريخ من بدايته إلى نهايته.
3-     الفلاسفة لا ينبتون كالفطر
يقول ماركس " إن الفلاسفة لا ينبتون من الأرض كالفطر، بل إنهم ثمرة عصرهم". معنى ذلك أن الظروف والأحداث التاريخية التي يعيشها الفلاسفة هي التي تصنع تصوراتهم. وهذا ينسحب على جميع الفلاسفة والمفكرين، وربما ينطبق أكثر على فيلسوفنا هيجل. فما هي الظروف التي ساهمت في تشكيل مفهوم هيجل للتاريخ؟
لا بد من تحديد الإطار الزمني الذي عاش فيه هيجل (1770-1831) وهو القرن الثامن عشر 18 والتاسع عشر19، قرن التحولات بامتياز. قرن الاضطرابات والصراعات والتناقضات. فلنقف قليلا عند هذه الظروف.
 على المستوى السياسي عاش هيجل في ألمانيا التي ليس لها من كيان الدولة إلا الاسم، فقد كانت في غاية الفرقة والتشرذم وصل إلى حد وجود 300 مقاطعة ومدينة مستقلة ومتصارعة فيما بينها.
أعجب بالثورة الفرنسية 1789 والتي امتدت إلى 1799، لأنها خلصت فرنسا من الإقطاعية وهيمنة الكنيسة، ورفعت شعار الحرية والمساواة. كما أشاد بالامبراطوية التي بدأ الشاب نابليون بونابارت إقامة أركانها في محاولة لتوحيد أوروبا. حيث تمكن من الدخول إلى مجموعة من الدول من بينها ألمانيا، ووصل إلى مدينة "ييل" التي كان هيجل يدرس بجامعتها.
على المستوى الفكري تأثر هيجل بفيخته وكانط الذي تأثر هو الآخر بفلاسفة الأنوار الفرنسيين كروسو وفولتير ...والدعوة إلى الحرية والعقل والرومانسية أيضا. وعلى المستوى الأدبي والفني اعتبر أن بيتهوفن وهولدرلين عظماء ذلك العصر كما كان نابليون عظيما في السياسة. فما الذي أوحت به هذه العناصر لهيجل؟
4-     التناقض في اتجاه الوحدة
كانت أوروبا تعيش مخاض الثورة والنكوص والتناقضات والصراعات، لكنها رغم كل ذلك كانت تتجه نحو وجهة ما، وتتقدم نحو غاية ما، جسدها  سياسيون وفلاسفة وفنانون. إنها الكونية والوحدة التي طالما أسس لها هيجل في فلسفته، والتي كانت بالنسبة له حلما في بلده الممزق ألمانيا. أدرك هيجل أن هناك قوة تدفع أوربا نحو النهوض والوحدة، رغم ما يبدو من تراجعات خصوصا على المستوى السياسي (هزيمة نابليون ونفيه ثم موته) والفلسفي (ظهور فلاسفة ينادون بالعاطفة والقلب في مقابل العقل).. هذه العناصر المتناقضة هي التي تشكل حسب فيلسوفنا حركة التاريخ ووقوده وأيضا منطقه وتقدمه في اتجاه المطلق والكونية. وهنا نفهم الكونية بالعودة إلى ما سبق: الوحدة السياسية والسيادة والتفوق وقيادة العالم التي كان نابليون نموذجا لها. لذلك لا عجب أن نجد هيجل يحتفي بهذا الفاتح العظيم. فحينما شاهده يدخل ألمانيا منتصرا قال عنه " إنه روح العالم وقد امتطت صهوة جواد". الجواد الذي امتطاه نابليون هو نفسه الذي امتطاه الإسكندر والقيصر وغيرهم. ولعل مكر التاريخ الذي يتحدث عنه هيجل هو أن هؤلاء الأبطال يسيرون وفق خطة ومسار محددين سلفا، وكأن كل واحد منهم يسلم الجواد أو المشعل للذي يليه من أجل الوصول إلى الغاية التي يريدها الروح المطلق. لكن ما هو هذا الروح المطلق؟ لعله العقل المطلق أو لعله الإله أو لعله روح الشعوب والحضارة أو شيء آخر. المهم هو أنه يتعالى على الإنسان/الفرد ويسخره لتحقيق غاياته النبيلة بكل الوسائل بالعقل والعاطفة والرغبة والوعي والخير والشر... وغايته هي الحرية حرية الشعوب والوحدة، وحدة الأمة. من هنا نفهم التأكيد الهيجلي على الجدل والأضداد ووحدتها. فالوحدة هي الغاية والتناقض بين الأضداد هو المحرك.
هكذا هي حركة التاريخ بين صعود وهبوط جدلي. لكنها في الأمد البعيد، في صعود مستمر وتقدم نحو الغاية، نحو المطلق. ما جعل هيجل يصل إلى هذه النتيجة هو أنه نظر إلى التاريخ من أعلاه وحاول أن يتتبع مجراه، فانتبه إلى أنه يسير في خط تصاعدي نحو الغاية التي يريدها رغم التراجعات والإحباطات. لقد كان هيجل متفائلا لأنه تناول مسيرة التاريخ من خارج التاريخ لا من داخله، تناوله كفيلسوف يبحث عن المعقولية وراء الأحداث، عن الهدف والغاية والمعنى، لا كمؤرخ يروي الأحداث وتعاقبها.
5-     هيجل وماركس والوحدة
وأخيرا هل من  التعسف القول بأن من جاء بعد هيجل إنما استوحى فلسفته سواء بالنقد أو التحليل والتطوير. فعلى سبيل المثال ألا يعبر ماركس عن نفس التصور من حيث الشكل والمنطق. فقد قال هو الآخر بالجدل والتناقض، ثم الوحدة والتقدم نحو غاية، لكن مع اختلاف في العناصر الفاعلة أو المنفعلة. وكأن ماركس يحافظ على مستويات أو آليات الفهم الهيجلية، ثم يفرغها من مضمونها.
وأخيرا لقد كان كل من ماركس وهيجل يمجدان ويشيدان بكل من يعمل على توحيد ألمانيا المتشرذمة مهما كانت الوسيلة وبأي ثمن. لقد أشاد هيجل باحتلال نابليون لألمانيا، ومجد ماركس توحيد بسمارك ألمانيا بالقوة العسكرية.
مات هيجل قبل أن تتوحد ألمانيا وعاش ماركس واقع الوحدة.
إنه حلم الوحدة أو لنقل فكرة الوحدة التي صنعت فلاسفة ألمانيا. وهي نفسها التي تصنع العظماء والأبطال كما تصنع الفاشيين والنازيين، تصنع العمران كما تصنع الدمار....
لكن هل يتعلم الناس من التاريخ؟ نسأل هيجل فيجيب: " إننا نتعلم من التاريخ أنه يستحيل على البشر التعلم من التاريخ ".


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

مباحث الفلسفة