ليلة مع سقراط...


 " كل الأشياء الشريرة حقا تبدأ بفعل بريء" إرنست هيمنغواي




بقلم: أحمد الوكيلي




وضع حميد قبعته على رأسه ولبس "جكيطته" البنية المهترئة... يلبسها على مدار العام باستثناء "الصمايم"، وانتعل حذاءه المنحوس الذي اشتراه من جوطية سوق الأربعاء مكناس، متوجها صوب مكانه المعتاد والذي لا بديل عنه... إنه مقهى الجوهرة. وجد أستاذه الصديق الذي كان جالسا هناك كالعادة يرتشف من قهوته "الكحلاء".. هاته القهوة هي المشروب المفضل في جلساتهم الأدبية والفكرية منذ  أيام "ظهر المهراز"، ألقى حميد التحية على أستاذه :
 - أهلا أستاذي العزيز، وأردف يقول: كاد المعلم أن يكون رسولا...
 رد الأستاذ وهو يبتسم في وجه حميد :
 - كم مرة قلت لك أنني لست أستاذا لأحد...
جلس حميد عن يمين أستاذه وطلب قهوة "كحلاء قاصحة"، والتي تتقاسم معهم الكثير من النقط المشتركة.
 قال الأستاذ لحميد متسائلا:
 ما هذا الغياب !؟ أين كنت؟
قال حميد: كنت في الهامش...
الأستاذ: "إوا باراكا من اللف والدوران..."
حميد: أقصد مدينتي الصغيرة، إنها مهمشة هي وسكانها، و العجيب أن الناس هناك لايطلبون أي شئ سوى الفكاك من الدولة و أذنابها، أي المركز.
الأستاذ: إذن كيف حال الهوامش هناك؟
حميد: رائع جدا، يبتكرون أشياء تحمل بصماتهم، في طرق عيشهم يعتمدون على أنفسهم وطرق تسليتهم تنبع من ثقافتهم المحلية، لا يهتمون بالمركز، ولاينظرون إليه، ولايطلبون أي شئ منه سوى "التيقار". على سبيل المثال" كرنفال الحمير"، فمن خلال هذا الكرنفال يعلنون استقلاليتهم وتمردهم على هذا المركز الحقير... يتبع كلامه ب"جغمة" من القهوة "الكحلاء".
الأستاذ: رائع جدا...
 في تلك الأثناء يصل إسماعيل وهو طالب باحث في علم النفس الاجتماعي وهو وجدي، وأحمد في علم النفس المعرفي وهو من فلسطينيي الشتات، ومحمد الذي يهيئ رسالة الدكتوراه في الأدب الفرنسي وهو مكانسي. يلقون التحية ويجلسون، و يدور الحديث بينهم بشكل روتيني. يرتشف الأستاذ "جغمة" من كأس قهوته السوداء وهو يقول: إن الهامش موقف فلسفي من وجود الإنسان، إنه " فن وعلم"، و بالأحرى إنه "علم وفلسفة"...
حميد: لم أفهم؟
الأستاذ ممازحا: أنت فين عمرك فهمتى...
 وأردف يقول إن الهامش اختيار من طرف فرد أو جماعة بشكل مصرح به، إنه فلسفة واقعية مطبقة على الوجود. إنه يسعى إلى إرشاد كل واحد لملاقاة ذاته عبر الوعي الأصيل، أي أن يملك إمكانية المسؤولية والخلق و الابتكار "فأن تكون إنسانا هو أولا وقبل كل شيء أن توجد."
حميد: هل تقصد ما قاله نيتشه:" أن تكون أنت ذاتك."
في هذه اللحظة يكون النقاش قد انتقل من اللغة اليومية إلى مستوى عال من التجريد، فالأستاذ عندما يبدأ في التحليل والتركيب، لا يسكت إلا عندما يعلن عن إغلاق المقهى.
الحاضرون ينصتون له، فهو مدرسة فلسفية يتمشى على الأرض، ويجلس في المقهى، ويدخن السجائر، ببساطة إنه فيلسوف مَشّائي. بابه مفتوح للطلبة في كل وقت، يحب  منهم البسطاء والفقراء و المهمشين، رغم أنه من عائلة فاسية أرستقراطية، فهاته الجدور لا تعني له شيئا، فهو لا يتحدث عن نفسه، ولا يحب أن يتحدث أو يكتب عنه أي حد .. إذن فلنحترم رغبته في حياته الشخصية ولنقتحم حياته الفكرية، مع العلم أنه لا يمكن الفصل بين الشخصي والفكري.
شرب  الأستاذ من كأس الماء الموجود أمامه وهو مثبت بصره صوب حميد.. 
– صحيح أقصد ما قاله نيتشه تماما، إن قوله هذا نجده أكثر تفصيلا عند  كيركجارد، إذ يصف أن عظمة الإنسان لا تتجلى في أن يكون هذا أو ذاك، ولكن أن يكون ذاته. إن الفرد يوجد و منه يتفرع كل شئ إنه هو الحقيقة التي لا يمكن حجبها بالغربال. و الفرد لا مكان له في الأنظمة الملكية والاستبدادية ...
حميد: فعلا، لقد سحق الفرد في الأنظمة الإستبدادية و لازال يسحق إلى يومنا هذا... فأي نظام هذا الذي يمسك بزمام كل شئ؟!، يتحكم في المعقول واللامعقول، في الشئ واللاشئ، كل شئ مشدود اليه، هو المركز وما دونه الهامش.. ! إنه نظام مبني على أوهام ... تسلب الخبرة الشخصية للفرد وتأخذ غصبا عنه إرادته الحرة، و لا يسمح له بممارسة الإختيار و الإفصاح عن إبداعاته بوصفه إنسانا، كما أنه ممنوع من أن يختار من يمثله ناهيك عن المتابعة والمحاسبة. وبالتالي يصبح الشخص شيء، يتذمر من الداخل ويفقد الوعي بالذات، ويضعف الجانب الإيجابي فيه. فالأنظمة الاستبدادية مثلا تعمل على السيطرة على الأفراد والجماعات. و المستبد يعتبر نفسه ظل الله في الأرض وخليفته... ولو كان ظالما و فاسقا و مجرما...
الأستاذ والحاضرون يسمعون لما يقوله حميد باهتمام بالغ، و النادل يسترق السمع..تململ الأستاذ وأشار بيده يريد أن يتكلم، فتوقف حميد عن الكلام، وفسح المجال لأستاذه...
 - آسي حميد صحيح ما قلته ولكن أنت تصف ما كان و ما هو كائن، وأعتقد أنه يجب علينا أن نخطو خطوة إلى الأمام ونركز الاهتمام في دراستنا وتحليلنا على الهوامش من أجل إعادة الاعتبار لهاته الفئة المنسية ..
 كما قلتَ الأنظمة المستبدة، يخنق فيها الفرد فيلجأ إلى الهامش، و بعبارة أخرى إلى المنفى الإختياري. و بالتالي فالهامش شكل من أشكال الاحتجاج فالأنظمة الاستبدادية تتجاهل الإنسان و تشيئه وتسيطر عليه وتدمره، وبالتالي يتدمر الشخص الداخلي، والوعي بالذات. و تنتج أشخاصا امتثاليين ونمطيين وغير أصيلين في تفكيرهم ولا في ملبسهم وحتى في طرق تسليتهم. فيصبح أفراد المجتمع سلبيين...
 قال حميد: إذن، ما العمل؟!  أمام هذا الوضع ! !. تبسم الأستاذ - النادل يسرق السمع-.
 وقال لحميد إنك براغماتي بامتياز لقد تعلمت من أمريكا، وهذا ما يعجبني فيك.. ما العمل..ما العمل.. ما العمل.. أعتقد انه يجب بناء الأنا الفردية بدل القطيع، أي أن نفتح المجال للفرد في أن يكون هو ذاته وقادر على الاستجابة والإنصات إلى ذاته. لنحصل على أشخاص يسلكون أسلوبا إبداعيا في الحياة، و بوسعهم أن يعيشوا في أي حقبة وفي أي وسط بطريقة بناءة. ومن أجل هذا الغرض، وجب القطع مع الأنظمة الاستبدادية والمريضة التي يقودها أشخاص أقل ما يجب في حقهم هو أن نعرضهم على طبيب بيطري وليس نفساني من أجل العلاج –النادل يسرق السمع- ..
ضحك حميد، إسماعيل، أحمد، ومحمد، فضحك الأستاذ أيضا.. فجأة وقفت سيارة الشرطة ووقفت أخرى وأخرى..قطع الأستاذ كلامه وضحكه وهو ينظر إلى المشهد الهوليودي. توجه النادل إلى أحدهم، وهو سمين وصاحب شوارب ضخمة، يبدو أنه الكوميسير, وشوش له في أذنه وهو يشير بيده إلى مائدة الأستاذ وطلبته. بإشارة بسيطة من هذا المسؤول البدين وصاحب الأقراص النحاسية على الكتف، والشوارب الكبيرة، انقض البوليس على الأستاذ وطلبته كما تنقض الكلاب على فريستها، وضعوا القيود على أيديهم، صاح الأستاذ في وجه النادل:
         تفو عليك يا ولد... يا الكلب...
أخذوهم إلى مقر الشرطة – كوميسارية سونطرال فاس- قضوا ليلهم هناك وفي الصباح حرروا لهم المحاضر، و أخذوا لهم صورا مع اللوحة وأخلوا سبيلهم..
فيما بعد "حكى لي" الأستاذ عن تلك الليلة المنحوسة وقال لي إنهم وجهوا له تهمة إفساد عقول الشباب. قلت مع نفسي: يا للعجب إن التاريخ يعيد نفسه، في السنين الموغلة في القدم... أعدم سقراط بنفس التهمة.   
... إلى الدكتور إدريس المنصوري في غيابه السرمدي، والدكتور رشيد الناجي في هامشه الموقر..  
أحمد الوكيلي: طالب باحث في علم النفس الاجتماعي جامعة نورث كارولينا بأمريكا

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)