المخيلة مأوى الجمال



بقلم: مصطفى بدوح

  

   ما الذي يستوقفنا في كل مرة نقول فيها إن هذا الشيء جميل أو قبيح؟! هل هو إحساس أم عقل يعقل جمال الموضوع؟ إنها إشكالات تقذف بنا فعلا نحو ذواتنا  كإحساس منّا بما هو خارج عنّا، خارج إحساس ذوقنّا الذي تتقاطع فيه كل ميولات ورغبات حسنا المرهف، أحيانا نقع فريسة لذوقنا ولإحساسنا الشرس، نرتوي من بقايا التجربة، فنستنجد بالعالم الخارجي، عالم من صنع خيالنا لا من خارج عنّا، خيال عبارة عن مكان فسيح وشاسع، نقيس فيه كل ما هو غريب، إنها فعلا مرآة تعكس واقع تجربة حقيقي وتحتفظ به، نستدعيها في كل لحظة نجد فيها أننا بحاجة إلى الحسم في الحكم بقبح أو جمال هذا الشيء الغريب عنّا، لكن لماذا هو غريب؟  هل هو غريب لأنه جميل أم لأنه لا ينتمي لذوقنا الخاص؟
     لنقف هنا عند مفهوم الغريب، غريب لأننا لم نتعرف عليه من قبل فصار بالنسبة لنا جميل، له ذوق منّا، إنه في هذه الحالة يمثل لنا جمال في ذاته لا لشيء آخر غير أنه مكتف بذاته، فبمجرد أن تحتويه مخيلتنا، نجد ما كان جميلا صار مألوفا لنا وقد اعتدنا عليه فلم يعد يحدث بداخلنا إحساسا أو ذوقا ينم إلى الجمال، أليس المكان الذي سيؤهله لذلك لم يتشكل بعد في مخيلتنا، فهل هذا معناه أن المخيلة تضفي على الموضوع جمالا حين إيوائه لها أم أن الجمال هو الذي يضفي على الشيء مكانا؟ إننا نواجه الآن مشكلة مكانية أكثر منها جمالية، لكن أي مكان نتحدث عنه الآن؟ أهو مكان في الذاكرة وقد شكلته مخيلتنا أم مكان في الواقع؟
     إن الذي يخالجنا ما هو إلا مكان في المخيلة، كلما بلغ شساعة، كلما ازداد الشيء الخارج عنّا جمالا .مما يكون الشيء الجميل حينها مستفزا لنا، فيجعلنا في حيرة من اختيارنا، أهو اختيار منّا أم الشيء الخارج عنّا ألهمنا فجوره؟  ها نحن الآن أمام مفارقة ليست بالأمر الهين، مفارقة جد محيرة أننتصر للشيء الخارج عنّا فنقول إنه جميل أم نعتزله لنحدد جماليته وفقا لجمال مأوى مخيلتنا؟
 لذلك ففي هذه الحالة سنكون ملتزمين مع مملكة مخيلتنا، فنكون أكثر ميلا إليها لنحدد توجهاتها الرقيقة ذات الذوق المرغوب فيه، حينها سنكون قد اخترنا ما أردناه، إنه الميول والانجذاب الذي يتبدى بتلقائيته منذ الوهلة الأولى، ذلك هو الإحساس الجميل، الشعور الذي يجعل ما هو خارج عنّا شيئا جميلا، وينسج ما هو خارجي على هيئة مكان من صنع المخيلة، بذلك الآن نقيس مدى جمال الموضوع في مأوى خيالنا، بمجرد أن يأوي إليه. وإذا استقر في الذاكرة أعلن عن شراسة إحساسنا وانجذابنا إليه، وهو من اختيارنا، إلا أنه وقد أحدث شعورا غريبا، إنه شيء اسمه الجمال، إنه جمال ذوقنا الخاص وقد طبعت صورته في مملكة مخيلتنا كمقياس لذوق خاص بنا، ملكة حكم الذوق الخاصة بنا، ذاك هو براديغم الجمال، وما الجميل بجماله الدائم إلا بجمال مملكة مخيلتنا، وبدونها فلا ذوق جمالي لما هو خارج عنّا، فلا هو من صفة الجميل ولا القبيح، إنه قبل كل شيء "مجهول".
        
               

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)