دروس المفكر سالم يفوت: انحطاط العلم في الأندلس : الجزء الثاني



إعداد: هشام آيت باحسين



الحصة الخامسة  بتاريخ   19/03/2007 
لقد كان ابن ميمون يرى بأن الكون البطليموسي لا صلة له بالكون الواقعي، وكان يعتقد أيضا أن الإنسان يصعب عليه أن يصل إلى معرفة صحيحة بالقوانين التي تنظم بنية الكون، وعلى هذا الأساس نراه يستخدم بمنتهى الكفاءة علم الفلك البطليموسي في كتابه الفلكي الذي يحمل عنوان "الاحتفال بالهلال" حيث يتصدى لمواجهة مسألة معقدة وهي رؤية الهلال، فيبدو بوضوح أن هؤلاء الفلاسفة الأربعة كانوا على دراية جيدة ببطليموس، فلقد كان ابن باجة قادرا على احتساب خسوف القمر و كان قد عرف وقت خسوف القمر وتنبأ به، وبالإضافة إلى هؤلاء نرى البطروجي أيضا يشيد بدقة الحسابات الواردة في كتاب "المجسطي" وقد اعتمد عليها البطروجي واستخدمها في "كتاب الهيئة" وكان الوحيد بين ممثلي المدرسة الأرسطية في الأندلس في القرن 12 م الذي توصل إلى صياغة نظام فلكي مخالف لنظام بطلميوس، ولقد أدخل ضمن هذا النظام قدرا كبيرا من الإسهامات الفلكية مدخلا قدرا كبيرا من الاجتهادات المستندة إلى أفكار أرسطو كالقول بأن حركات الكواكب هي حركات دائرية. والملاحظ أن البطروجي كان يعتبر أن الحركات الدائرية للكواكب أساسها شوق الكواكب إلى المركز (الأرض). و تجدر الإشارة إلى أن النماذج التي قدمها البطروجي في كتاب الهيئة تعتبر الأرض هي مركز الكون و أن المدارات التي ترسمها الكواكب مدارات دائرية لا انحراف فيها لكن ما يلاحظ على أفكار البطروجي هو أنها لم تنتشر بين الفلكيين في الأندلس. لذا لم يخلق تقليدا جديدا هناك يجعل بعض العلماء يتوصلون إلى وضع جداول جديدة وذلك نظرا لطغيان الطابع الوصفي على كتاب البطروجي، لذلك نراه لقي قبولا من طرف الفلاسفة أما الفلكيون فلم يأخذوه مأخذ الجد. تجدر الإشارة أيضا إلى نقطة أخرى فلقد رأينا أنه على الرغم من التأثير الجدي لأرسطو وحضوره القوي في فكر البطروجي فإن المبادئ الفيزيائية التي اعتمدها هذا الأخير لم تكن أبدا متفقة مع مبادئ أرسطو إذ يقف قارئ كتاب البطروجي على وجود تأثيرات أخرى نابعة من الأفلاطونية المحدثة مثل إدخال فكرة "الشوق" وهي فكرة نجدها أيضا لدى ابن باجة الذي تحضر في فلسفته بقوة الأفلاطونية المحدثة خلافا لابن رشد ويبدو أن ابن باجة كان على علم بمؤلفات يوحنا فيليبونوس عبر انتقاد الفارابي لهذا الأخير. ومن جهة أخرى يلمح ابن رشد في شرحه لنظرية سقوط الأجسام إلى حركة الأجرام السماوية في الفضاء الفارغ حيث تتحرك هذه الأجرام بسرعة كبيرة وهذا يدل على أن فيلسوف قرطبة يتصور علما للحركة يمكن تطبيقه على عالم ما تحت القمر وما فوق القمر خلافا لأرسطو الذي يميز بين قوانين كل من العالمين. لقد انتشرت هذه التعاريف في أوروبا في العصور الوسطى كما وصلت أصداء أفكار ابن رشد في القرن 16 إلى ايطاليا نظرا للترجمات التي قام بها فريدرك الثاني ملك صقلية.

انحطاط العلم الأندلسي :
بعد سقوط الموحدين انحصرت الأندلس المسلمة في مملكة غرناطة المعربة والتي سقطت سنة 1492م وهو تاريخ سقوط الأندلس نهائيا واكتشاف أمريكا بدأت معهم تقتسم بوضوح معالم الانحطاط، لقد غادر العلماء المسلمون المناطق التي استرجعها الإسبان ليستقروا إما بغرناطة أو بالمغرب أو بالمشرق رغم سياسة ألفونصو العاشر الذي حكم بين 1252-1284 الرامية لاجتذاب رجال العلم المسلمين بعد سقوط العديد من المدن الندلسية ويقول لسان الدين ابن الخطيب إن الفونصو قدم كفاءات هامة لرجال العلم غير المسيحيين ومنهم من قبل بذلك العرض أمثال برناردو العربي الذي ساعد على مراجعة الترجمة العربية لرسالة الزرقاني في (الصفيحة) ،التي أنجزت في (برجوس) مدينة في شمال اسبانيا على حدود فرنسا سنة 1278، ومن ناحية أخرى فإن التطور العلمي الناشئ في اسبانيا في القرن 13 كانت له على ما يبدو انعكاسات في غرناطة فهناك ما يثير إلى أن الظاهرة التي يسميها مؤرخ العلم الإسبان تراجع النزعة المدرسية وقد تمثل في أن ثقافات علمية ناشئة في اسبانيا المسيحية أسندت منذ بداية القرون الوسطى إلى قواعد علمية أتت من الثقافة العربية أدخلت إلى اسبانيا هذه الحركة التي سيكون لها نتائج هامة في إفريقيا الشمالية فيما بعد ويبدو أنها انطلقت منذ بداية القرن 13 وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى محمد الحاج المتوفى سنة 1314 وهو من مواليد اشبيلية يذكره ابن الخطيب وينوه بمعارفه العربية والرومية وهو الذي بنا ناعورة فاس الجديدة للسلطان المريني أبي يوسف الذي حكم ما بين 1258 و 1286 قد أثارت هذه الناعورة انتباه ليون الإفريقي، هو حسن الوزاني كان قد أسره المسيحيون ثم نصروه، له كتاب (نصر إفريقيا) الذي يصفها بأنها لا تدور سوى 24 مرة في اليوم الواحد، لو صحت هذه الرواية لتحتم التفكير بإمكانية وجود ساعة تسير بواسطة حركة الناعورة مثل تلك التي كان الصينيون بنوها في بلادهم في القرن 11م.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)