أهميـة الرجـوع إلى ابن خلـدون في تحليل وتفسير القبلية



 بقلم : لعبيدي لصفر       

إن الرجوع إلى لابن خلدون في تحليل الهياكل القبلية أو إعادة النظر في مفهوم القبيلة وتحديد طبيعة البنية القبلية في الفترة ما قبل للاستعمارية، ليس من باب التقديس لهذا العلامة، بل هي دعوة من أجل عدم إهمال وإسقاطه من دائرة نقاشاتنا الراهنة، فإذا كان النموذج الخلدوني قد تجاوز تاريخيا ولم يعد يتسم بصلاحية تفسير واستجلاء وقائع النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعشرين، فإن هذا الحكم الإجمالي كما عبر عن ذلك المختار الهراس لا ينطبق مع بعض عناصره وجوانبه ومفاهيمه التي لم تفقد في نظر الهراس إلى ذلك الحين صلتها بالسيرورات القبلية.
إذن كيف نظر ابن خلدون إلى القبيلة ؟
إن القبيلة بالنسبة لابن خلدون لا تتحدد بكونها جماعة منحدرة أو متفرقة عن جد واحد، حيث يقول "... النسب أمر وهمي لا حقيقة له"[1] بل هو ميكانزم تلجأ إليه القبيلة بطريقة لا شعورية من أجل صياغة علاقة التعاون والالتحام والاتصال بين أفرادها علاقة طبيعية وقاعدة أساسية للإنسانية[2] ، يقول ابن خلدون :" من البين أن الالتحام والاتصال موجودة في طباع البشر وإن لم يكونوا أصل نسب واحد، إلا أنه كما قدمناه أضعف مما يكون بالنسب، وأنه تحصل العصبية بعضا مما يحصل بالنسب".[3]
يضل الإطار القبلي غير مكتمل طالما لم تعززه عناصر الألفة والتعامل الطويل، وطالما لم يكتسب الفرد عادات وأعراف القبيلة، ولم يتبلور لديه الوعي بوجود مصلحة عامة ومشتركة  تشده إلى بقية أعضاء جماعته: "لأنه لا معنى لكونه من هؤلاء أو هؤلاء إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنه إلتحم بهم"،[4]  إن أهم ما يستدعي الالتحام والاتصال بين أعضاء القبيلة هو وجود أرض جماعية يتوجب حمايتها والدفاع عنها من الخطر الخارجي، هذا الأخير هو الذي يساهم في زيادة وتقوية الالتحام الداخلي بين أعضاء القبيلة.
إن قوة الالتحام والاتصال داخل القبيلة ما هو إلا نتيجة لقوة العصبية، وفي نطاق حديثه عن العمران البدوي قسم ابن خلدون القبائل إلى صنفين: قبائل خاضعة ومنقادة وضعيفة التلاحم أي قبائل غير متوفرة على عصبية، ثم قبائل قائدة مسيطرة وشديدة لالتحام، أي قبائل ذات عصبية. 
لكن ماذا يعني ابن خلدون بالعصبية ؟
 العصبية لدى ابن خلدون كما حددها الجابري :" رابطة اجتماعية، سيكولوجية شعورية، ولا شعورية معا، تربط أفراد جماعة ما قائمة على القرابة، رابطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد الأفراد كأفراد أو جماعة "، إن العصبية التي يجعل منها ابن خلدون محركا للتاريخ، لا توجد خالصة إلا في النظام القبلي الأكثر توحشا ـ أي قربا من الطبيعة ـ  فهو وحده المتوفر على التحام قوي، وعلى عصبية صارمة، وتوازن متساو، بالإضافة إلى مجموعة قيم قائمة على العنف العسكري ( الشجاعة، الشرف، رفض الاستسلام)[5]، وما يزيد من قوة العصبية حسب ابن خلدون هو تعرض القبيلة للخطر الخارجي، وإذا ما انضاف العامل الديني إلى العصبية ازدادت هذه الأخيرة قوة ومتانة وتلاشت الانقسامات الداخلية وان لم نقل انعدمت داخل القبيلة.      
 فإذا كانت العصبية ظاهرة بدوية بامتياز، فإن ابن خلدون ميز هنا بين صنفين من البدو: صنف مكون من القائمين على الشاة والبقر "أهل الشاوية" وهذا يصفه ابن خلدون بـ "الظعن المقيمون"، وصنف آخر يعتمد في معاشه على الرعي وهم البدو الرحل، وهؤلاء يصفهم بـ "الظعن الخلص"، وهم من كان معاشهم من الإبل وهم الأقوى عصبية، هذه الفئة تتميز حسب ابن خلدون  بنمط عيش جد قاس، بما يطبعه من ضيق اقتصادي كبير، وهنا نجد ابن خلدون يؤسس لنوع من الترابط بين نمط العيش والنظام الإيديولوجي الذي يناسبه، في إطار ما يمكن أن نصطلح عليه هنا بنوع من "الحتمية المعاشية"[6]. لعل هذا ما يؤكده الأستاذ عبد الكبير الخطيبي، من خلال النص التالي: " إلا أن هذا الضيق الاقتصادي الشديد، تلازمه عصبية قوية ونظام قوي للدفاع عن الذات، وإذن هناك تشابه بين الضيق الاقتصادي الشديد وثقافة مرتكزة على قيم قوية،  فهذه الأخيرة تعوض الأولى وتحدث التوازن داخل النظام الاجتماعي لرعاة الإبل.بهذا الشكل لا يكون لهذا المجتمع تاريخه، بل يحتاج إلى إيديولوجية وإلى دين يكون وحده قادرا على تحويل هذه الهوية المتوحشة إلى رسالة كونية".[7]
وفي مقابل المجتمع البدوي بفئتيه، نجد المجتمع الحضر وهو المنحدر من المجتمع الأول، لذلك يحلل ابن خلدون المستويات المختلفة لترابطهما، ملحا على تبعية البادية لسكان الحواضر: "إلا أن حاجاتهم إلى الأمصار في الضروري، وحاجة الأمصار إليهم في الحاجي والكمالي، فهم محتجون إلى الأمصار بطبيعة وجودهم. فما داموا في البادية ولم يحصل لهم الملك ولا استيلاء على الأمصار فهم محتاجون إلى أهلها ويتصرفون في مصالحهم وطاعتهم متى دعوهم إلى ذلك، وطالبوهم به".[8]
وهكذا فإن المجتمع البدوي يقتصر في معاشه على الضروريات في المعاش، بينما المجتمع الحضري على العكس من ذلك يسعى إلى الكماليات من خلال "التفنن في الترف وأحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من مطابخ وملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله".[9]
إن التعارض بين المجتمع البدوي والمجتمع الحضري حسب ابن خلدون ليس تعارضا مطلقا، حيث أن هناك حركة وفي ضوء هذه الأخيرة يتم الانتقال من العمران البدوي إلى العمران الحضري، فالمجتمع البدوي يسعى دائما إلى تجاوز الضروري في المعاش ويطمح إلى الكمالي، "إن التمدن هو غاية البدوي" [10]
في الواقع، إن حركة التاريخ عند ابن خلدون هي حركة انتقال دؤوبة من طور البداوة إلى طور الحضارة، وفي عملية الانتقال تلك، تلعب الدولة دورا أساسيا باعتبارها أفقا ومقياسا لهذه الحركة، فمتى كثر العمران وزادت كثافته كانت الحضارة أكمل لأنها غايته، وفي نفس الوقت نهايته، هذه النهاية التي لن تكون سوى نهاية الدولة، بحكم فسادها الناتج عن سيادة قيم الترف والركون إلى الدعة التي هي إضعاف لشوكة العصبية إلى حد التلاشي.
هكذا  وفي إطار نظرية الزمن الدائري التي يعتمدها ابن خلدون في تفسير التاريخ  فما دامت الدولة تسعى للانتقال دوما من حالة البداوة إلى حالة الحضارة، فهي محكومة بنفس القانون أن تسقط وتنهار، لأن بلوغ غاية العمران القصوى - أي الحضارة ـ هي إيذان بسقوطه، والنتيجة دائما هي نفسها، سقوط عصبية قبلية وصعود عصبية أخرى محلها، بحكم أنها هي الأقوى لأنها لا زالت تحتفظ بشروط تجذرها (أي البداوة). بهذا الشكل إذن، يستحيل تاريخ المجتمعات المغاربية إلى تاريخ عصبيات ودول، الواحدة تسقط والأخرى تخلفها؛ ومحور الصراع دائما هما البدو والحضر، أو بلغة الانقساميين (القبيلة والدولة). هنا بالذات سيجد الخطاب الانقسامي إحدى أهم تخريجاته التي بنى على أساسها نموذجا خاصا في الرؤية والتحليل: (النموذج التجزيئي أو الانقسامي)Le paradigme segmentaire  ، كما سنعرض له فيما يأتي.
     وما دامت ماهية التاريخ عند ابن خلدون وأفقه ينتهيان عند حدود عتبة الدولة والحضارة، فما أن تنشأ الدولة كتجسيد للحضارة، حتى يؤذن بنهايتها وزوالها باسم الحضارة نفسها، وهذا هو قانون الدورة العصبية: (نشأة، ازدهار ثم انهيار)؛ بما يتضمنه من مفارقات.
     
 يبدو أن الأستاذ عبد الله العروي قد وصف بشكل دقيق هذه المفارقات، حين اعتبر بأن ابن خلدون يقف دوما فوق الحد الفاصل بين التاريخ واللاتاريخ، ولا يفارق إلا قليلا اللاتاريخ، كما لا يتوغل طويلا في نطاق التاريخ. وربما هذا ما دفع إلى  الانجذاب نحو نظريته هذه، من طرف مؤرخي الإدارة الكولونيالية ومن قبل الباحثين الأنثروبولوجيين " الانقساميين".فبتركيزه الشديد على الجوانب اللاتاريخية، قد أعطى تعليلا مقنعا لتعثر المنطقة الدائم في أحضان اللاتاريخ، ولعل هذا ما عمل على ترديده كثيرا الخطاب الانقسامي، انسجاما مع رؤيته البنائية  الوظيفية السكونية، وبهذا الخصوص يقول عبد الله العروي في هذا النص: "من لجأ إلى النمط التعليلي الخلدوني لتفسير كل حادثة من تاريخ المغرب، فإنه يتولى بالتبعية الفكرة القائلة إن المغرب يجد نفسه باستمرار على الخط الفاصل بين التاريخ واللاتاريخ؛ وأن دراسة المجتمع المغربي هي في العمق دراسة أنثروبولوجية".[11]



[1] ابن خلدون:" المقدمة" ط1، دار القلم، بيروت 1978، ص 129.
[2] الهادي الهروي: " القبيلة والإقطاع والمخزن"، مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1844-1934 إفريقيا الشرق، المغرب، ص 47.
[3] ابن خلدون، نفس المرجع السابق، ص 129.
[4] نفس المرجع السابق ، ص 130.
[5] عبد الكبير الخطيبي" المراتب الاجتماعية بالمغرب قبل الاستعمار" ، المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، العدد الثاني1975، ص 12.
[6]  محمود الذوادي: "مقارنة فكرية لظاهرة التغير الاجتماعي عند ابن خلدون ورواد علم الاجتماع الغربي"، مجلة الكلمة، عدد 38، السنة العاشرة شتاء 2003. ص ص (59-60).
[7] عبد الكبير الخطيبي: "النقد المزدوج"، دار العودة، بيروت. ص 175.
[8] ابن خلدون نفس المرجع السابق، ص 270.
[9] ابن خلدون ، نفس المرج السابق ، ص 172.
[10] نفس المرجع، ص 122.
[11] عبد الله العروي: " ثقافتنا في ضوء التاريخ"، المركز الثقافي العربي، ط 2،بيروث  البيضاء 1992، ص ص (40-41).


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)