لماذا تجعلوننا نكره هذا الوطن؟





بقلم: حساين المامون          
      


  الوطن ليس مكاناً نعيش فيه، وإنما وطناً يعيش فينا خلال كل محطات العمر لأن قيمته تكمن بصلاته المجتمعية وسجله التاريخي عنوان انتمائنا، الوطن دال على المكان والتاريخ والانتماء. وخوفنا على الوطن يعد انعكاسا شرطيا عن خوفنا على تاريخنا الذاتي وصلاتنا الموروثة معه، وحين نخاف من الوطن نهرب بعيدا لنلغي من سجل تاريخنا الشخصي محطة عمرية كاملة ونتعكز على المحطات العمرية اللاحقة لبناء ذات مهزومة من مكانها وتاريخها (هجرة الأدمغة، لعن الوطن، تخريب الممتلكات العامة...). التحول في المكان لا يلغي الوجود لأن المكان ثابت يمكن تعويضه بمكان آخر وقدسيته الكامنة في الذات تتغير بدالة الزمن وتراجع الإحساس به، وأن نغادر عنوة وطنا نفسيا في ذاتنا عبر التلفاز يعني أن ثمة أشياء تدفعنا نحو ذلك. وهذا ما يجعل البعض يلجأ الى الحل  الأشد قسوة وهو طرد الوطن من ذاته، حين يصبح عبئا ثقيلا عليه، يحس أنه بطاقة وطنية لا تعني الكثير بل مشقة الحصول عليها أعنف من ما تقدمه، مما يجعله يتمنى لو لم يطلق الصرخة الأولى في هذه البلاد، فالوطن كما تقول أحلام مستغانمي لا يرسم بالطباشير والحب لا يكتب بطلاء الأظافر أخطائنا.. التاريخ لا يكتب على سبورة تمسك طباشير وأخرى تمسك ممحاة . حين يبتلع الاستبداد والفساد الدولة تحول الوطن إلى إقطاعية للحاكم، ويصبح أفراد المجتمع عبيد تختزل ذواتهم في ذات الحاكم الذي يلون ويزور تاريخ الوطن والمجتمع وينسبه إلى ذاته ومجد أسرته، ومع الزمن يضفي على نفسه القدسية كونه قدرا سماويا يجب على المجتمع الخضوع والاستسلام بدون نقاش، فكل المبادرات النيرة و أفعال الخير هي صور لذاته، وكل أفعال الشر تعد صورا للحكومة أو لذات المجتمع الشريرة"كحل الراس ، بوزبال..."، وبما أنه يتمتع بصلاحيات الإله فمن حقه أن يسلب أرواح الذوات التي تنتقد الفساد والإفساد عن طريق كسر كل الاقلام التي تشير الى مواطن تنفر المواطن من الوطن... تتساءل أحلام مستغانمي: هل قدر الأوطان أن تعدها أجيال بأكملها لينعم بها رجل واحد ؟. لا محبة ولا قدسية لسجن اسمه وطن، يكتسب قدسيته فقط من مواطنيه وحدهم يتقاسمون حبه وآلامه ولا قدسية لوطن يفرط بحياة أبناؤه ولا قيمة لمشاعر حب من طرف واحد، فعلى الوطن أن يحب أبناؤه ليحظى بحبهم... إن افساد وتفقير المخزن للدولة والوطن معا مرده خنوع غالبية أفراد المجتمع ويتحمل المتصدون وحدهم أعباء مواجهتها، لكن أسفا يجني الخانعون ثمار الحرية، خصوصا الذين يحمون حول المخزن وديله. مع كل حالة حب  قسرية للشعب اتجاه وطنه يكتشف أنه حب من طرف واحد، حب خداع مبني على الوسيلة والمصلحة والدرائعية فيصاب بالاحباط، ويلجأ إلى الانكماش والتقوقع حول ذاته، ويحلم بوطن اخر، ويرفض على نحو واعي التجاوب مع نداءات الحب المغشوش في المدرسة والاعلام والشارع والرياضة... لشعوره بحالة اليأس وانعدام الثقة بوطنه وبنخبه ويعيش حالة اللامبالاة لما يجري حوله من نداءات جديدة جراء الاهانات المتراكمة في وجدانه، مما يعيقه مستقبلا للنهوض لتغيير واقعه، فيستسلم إلى قدره ويدمن على اهانة الوطن والذات من دون أن يبالي بهدر كرامته. ويسعى إلى تغيب ذاته الواعية قسراً ليهرب من واقعه المهين (انتصارات الريال والبارصا...)، ومع الزمن يتراكم الكره ويتعاظم هدر الكرامة في وجدانه على نحو يفوق قدرته على الكتمان فتنفجر على نحو بركان غضب كامن وقهر مدفون في الذات للانتقام من الوطن من خلال تمني هجرانه أو الغاء ذاته عند الحديث عن الوطن والمواطن والمواطنة....وقد يصل الى السباب واللعان لهذا الوطن و لشعبه، تقول أحلام مستغانمي  " أن الاهانات وحدها تقتل الشعوب ".
إن استهتار المستبد بكرامة الشعب واستخدامه العنف والإهانة لفرض تصوراته يطيل من فترة الكراهية للوطن، فتصبح قاموس المواطن البسيط يبدأ ب " تبا إلى هذا الوطن الذي يدخل المخبرين وأصحاب الأكتاف العريضة والأيدي القذرة من أبوابه الشرفية.. ويدخلني مع طوابير الغرباء، وتجار الشنطة والبؤساء، كما تقول أحلام مستغانمي، طبعا تبا لوطن يكافئ الجلاد ويدمي الضحية، نريد وطنا نخاف عليه لا نخاف منه، نريد وطنا يحفظ كرامة أبنائه لنحفظ كرامته، ووطنا يدافع عنا لندافع عنه، ووطنا نفخر به ليفخر بنا... نريد وطنا ندون في سجله تاريخنا لا تاريخ المستبدين، نريد وطنا نعيش أحرارا فيه لا عبيد.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)