محمد عابد الجابري ومأساة الفلسفة في الوطن العربي.




    بقلم: سعيد توبير


لا يختلف الباحثون العرب والمهتمون الأجانب بالفلسفة بالوطن العربي، حقيقة اشتداد عود الفكر الفلسفي المغربي المعاصر، واستقلاله الكلي عن سلطة المشرق، المؤسسة لخطاب النهضة العربية في طبعتيها الأولى والثانية. ولعل إفراد طيب التيزيني لكتاب في نقد فكر محمد عابد الجابري، والذي أسماه «من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ــ بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية»، والذي نعتبره مرجعا مهما في فهم كيفية تعامل المفكر المغربي مع التراث العربي، لدليل قاطع على السير الواثق لتجربة فلسفية مغربية ناشئة، وقد عز نظيرها في العالم العربي والإسلامي. انها تجربة تاريخية وسياسية وقد انتجت تحفا انسانية غاية في الروعة من جهة الابداع الفكري والفلسفي ثم الانتاج العلمي والسياسي، انطلاقا من الاساتذة الاجلاء: عزيز الحبابي، عبد الكبير الخطيبي،عبد الله العروي، طه عبد الرحمان، علي اومليل، محمد المصباحي، سالم يافوت، عبد السلام بن وغيرهم من الباحثين. غير ان اكثرهم جدلا وشهرة في اوساط المثقفين العرب وفي معارك المشاريع الفكرية الكبرى حول الحداثة وعلاقتها بالتراث، لن يكون غير "الدكتور محمد عابد الجابري" رحمه الله، الذي نحتفي بذكرى وفاته الثالثة، والذي قال في حق نفسه (1): (لقد قرأت كانط وقرأت باشلار وقرأت فوكو وقرأت غيرهم من الفلاسفة والكتاب الأوروبيين، كما قرأت ديكارت واسبينوزا وليبنتز ولوك وهيوم وقرأت أفلاطون وأرسطو، وقرأت أيضا وبدرجة أكبر ابن خلدون والغزالي وابن رشد والفارابي وابن سينا والجويني والباقلاني والرازي والطوسي .. لا أشعر أني أنتمي الى واحد منهم بالتخصيص، بل أشعر أنني تلميذ لهم جميعا، قد تعلمت منهم جميعا).

إنه المفكر المغربي العتيد بمشروعه النقدي والعقلاني والعنيد بدفاعه الفلسفي والابستيملوجي عن الحق المغربي في الاختلاف من حيث الرؤية السياسية والإستراتيجية الفلسفية عن المشرق، فهو صاحب «نقد العقل العربي ــ التكوين والبنية» ، على أساس ان كتاباته ودراساته قد فتحت "عصر تدوين جديد" على مستوى الساحة العربية، لاسيما مع مفهوم التراث، والذي يعرفه ب "الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني" عاملا على تأصيل مفاهيمه وتحديد مصطلحاته الإجرائية، مع رصد يقظ لقضاياه الفكرية والايديولوجية. في نقد العقل العربي. لقد اعتبر الجابري (2) بأن الفلسفة العربية الاسلامية لها وضع خاص، تختلف به عن الفلسفة اليونانية والفلسفة الاوربية الحديثة، بحيث لم تكن هاته الأخيرة قراءة متواصلة ومتجددة لتاريخها الخاص، بحيث انها كانت مجرد قراءة مستقلة لفلسفة أخرى هي الفلسفة اليونانية، ولذلك عمل الجابري على الربط ما بين المحتوى النظري والمضمون الايديلوجي في الفلسفة الاسلامية. فقد عمل رجل المدينة العربية على تأليف كتاب "نحن والتراث" بداية الثمانينات كتأمل في التراث الفلسفي العربي بين المشرق والمغرب، كما تضمن تصوراته عن ترتيبات ذلك الفكر ومصادره وعلائقه المتشابكة بها، والتمايز بين المشرق والمغرب في المجال الحضاري الإسلامي. غير انه من المفيد التذكير بأن انشغال الجابري بمبحث الإبستمولوجيا حسب الدكتور سالم يافوت كان بمثابة جسر وصل هموم الابستمولوجيا النظرية بهموم التراث العملية. وهو الأمر الذي جعل الجابري(3) يقول: ( لقد أدى بنا رصد الأساس الإبيستيمولوجي لإنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية إلى تصنيف لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة، أي آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية. تصنيف يطرق آفاقا جديدة تماما هي من الخصوبة والعمق ــ فيما يبدو لي ــ بمثل الآفاق التي فتحها أمام علم البيولوجيا التصنيف الحديث للحيوانات إلى فقاريات ولا فقاريات.. هكذا أمكن تصنيف العلوم وجميع أنواع المعارف في الثقافة العربية الإسلامية إلى ثلاث مجموعات: علوم البيان وعلوم العرفان وعلوم البرهان.

إن هذا «الفتح الجديد» الذي دشنه الجابري، الذي فصّل في ذلك عبر مجموع اعماله ودراساته فاستخلص غلبة المنهج البياني لدى المشارقة، دون أن يهمل الاختراقات، التي قال بصددها على ان العرفان حققها في ذلك المجال. ثم رأى أن الفكر المغربي والأندلسي يتميز بوجود تيار برهاني كبير تأسس في المشرق على يد الفارابي، لكنه ساد في المغارب، فيما بين ابن رشد وابن حزم والشاطبي وآخرين كثيرين. وتابع أن تلك البرهانية العقلانية ذات الأصل الأرسطي الإغريقي، أنجز المغاربة والأندلسيون تطويرات كبيرة فيها، ثم انتقلت من عندهم إلى أوروبا فوقعت في أصل النهوض الأوروبي. وقد تعرضت رؤية الجابري هذه لنقد قوي من جانب الكثير من الدارسين، لكنه ما تراجع عنها، كما لم يستطع أحد مجاراته في إنجاز تصور آخر لنشوء الفكر العربي الإسلامي وتطوراته في المرحلة الكلاسيكية من هيمنة الايديلوجية. وفي هذا السياق يعتبر الجابري ان الحداثة ليست رفضا للتراث او إنكارا له أو قطعا مع الماضي، وإنما التعامل مع هذا الاخير عن طريق رؤية جديدة لمواكبة التقدم على المستوى العالمي، معناه أن الحداثة ليست إلا حداثة المنهج والرؤية، معناه تحرير تصوراتنا من هيمنة الايديولوجية العاطفية، التي تنطلي فيه خاصية المطلق والتقليد على العقل أو الوعي . ومن جهة اخرى يعتبر أن نموذج الانتقال من النهضة الاوربية إلى الأنوار والحداثة قد تطلب ردحا من الزمن بالاعتماد على معايير نوعية كالعقلانية والديمقراطية. 

غير أن باحثا مغربيا متميزا، وهو الدكتور محمد المصباحي(4)، يرى انه في الوقت الذي كان فيه هاجس الفلاسفة المغاربة يتمثل في البحث عن العقلانية التي تفضي إلى التغيير المنشود، وينصب هذا المجهود بالأساس على إصلاح العقل في حد ذاته، لأجل أن يصبح مؤهلا لإصلاح الدولة، باعتبار ذلك هو المدخل الرئيسي للانخراط في فضاء الحداثة فإن بلادنا باتت تعرف انتشارا للعداء اتجاه العقل، مع التسليم بأن الآخر يفكر نيابة عنا، معتبرا ان فشل مشاريع كل من محمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد أركون في المغرب العربي، مرتبطة بالأمية، التي ما زالت تنهش عقول الناس، وتجعلهم يبدون مثل قاصرين غير قادرين على الإحساس بالأشياء الجديدة. مشيرا بأن محبة العقل تجعل الإنسان إنسانا، وتؤهله لاستعادة المبادرة التاريخية والشرط الإنساني للبناء الحضاري والثقافي والانتماء إلى الحداثة. كل هذا الاحتياط خشية منّا أن يكون مآل عقلانيتنا اليوم هو نفس المآل الذي آلت إليه عقلانية ابن خلدون العمرانية الذي بعد أن أبدع علما للعمران، وجد نفسه يتحدث عن الخراب بدون أفق لترميمه أو طموح لإصلاحه، أو يكون مآل عقلانيتنا كمآل عقلانية ابن رشد، الذي بعد أن بناها على أنقاض عقلانية الغزالي غير المعترفة بضرورة العقل العلمي ولا بحتمية الطبيعة، وجدت نفسها وقد انتصرت عليها تلك الأنقاض والأشلاء، وكأن النقد توقف عن أن يكون أداة للتقدم والحياة. إن الزمن الذي نعيشه اليوم هو بالفعل زمن غزالي بكل المقاييس، حيث يتم إحياء علوم الدين في اتجاه معاداة علوم الطبيعة والإنسان. بيد أن دراسة الفلسفة القائمة على النظر العقلي، تساعد الإنسان على إدراك ماهيته ووجوده في المجتمع بصفة خاصة والكون بصفة عامة، إدراك يساعده على معرفة الحياة من حوله وسر وجوده فيها مما يساعده على تطوير حياته، إن أهمية الفلسفة تكمن في توفير أدوات تحليل الوجود والواقع، والوعي التمييزي بين الإيجابي والسلبي الذي نحتاجه أكثر كلما تعقدت إشكالات الحياة أكثر. والواقع هو الإنسان عامة لا يهتم بالفلسفة في حياته، وذلك بسبب طابعها المقلق للسائد عادة والرافض لكل ثبات يمكن الاستكانة إليه للمحافظة على ما هو كائن. إن الفلسفة، خاصة بالنسبة إلى مجتمعنا، حاجة ضرورية الآن وقد كانت ضرورية دوما، لأنها تتوخى تكريس الحرية، وتؤسس للحوار كسلوك ديمقراطي، كما تحارب الانغلاق والدوغمائية وكل ما هو ضد الإنسان. إن الفلسفة تؤسس الاختلاف في الفضاء العام، وتدافع عن النسبية مقابل الفكر المطلق، كما أن تعزيز المشروع الديمقراطي في حياتنا السياسية على سبيل المثال يتطلب الاستفادة من مكاسب ومنجزات تاريخ الفلسفة وتاريخ الفلسفة السياسية، كما أن إنعاش الحوار العقلاني والتاريخي في فضاءات الفكر والعمل في مجتمعنا يستدعي بدوره ترسيخ آليات وقواعد النظر الفلسفي وآليات وقواعد الفكر النقدي والعقلاني، كما بلورته وما فتئت تبلوره وتطوره مكاسب الدرس الفلسفي المعاصر. وكل نسيان أو إغفال لوظيفة الفكر الفلسفي في التاريخ سيساهم في تكريس الأفكار المطلقة والقطعية. ونظرا لأننا نعاني في فكرنا المعاصر من ثقل التاريخ وأعباء العقائد، كما استقرت وتحجرت في ثقافتنا وتقاليدنا وحياتنا العامة على وجه العموم، فإن الاستعانة بالفكر الفلسفي بمناهجه وبآلياته في النظر والتعقل والتحليل تتيح لنا بناء الوسائل والآليات النظرية المساعدة على تحطيم وتكسير قيود الموروث الكابحة لحرية الفكر والإبداع، بحيث نلامس على أن الفلسفة تبحث لكل الأشياء عن معانيها، حتى تلك التي تبدو من دون أي معنى في المنطق العام. هكذا يعتبر الفيلسوف عضوا مؤثرا في مجتمعه، يتأثر بأحداثه ويؤثر فيها، ونظراً لعمق نظرته العقلية التحليلية للأمور من حوله، فإنه يساهم في حل مشكلات مجتمعه، بحيث يكون عاملاً فعالاً في التعامل معها خاصة ونحن بصدد عصر تعقدت فيه مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، السياسية والثقافية، مما يستوجب ممارسة الفلسفة لوظيفتها النقدية، وهو جهد يبذل للتوفيق بين جوانب المشكلات أو التعقيدات الاجتماعية وبين الأفكار والأهداف العامة للعصر، مع البحث في أصولها وجذورها وارتباطها بحقائق الواقع من حولها، أي معرفتها معرفة كاملة. فلا يقتصر دور الفلسفة على مجرد النقد وكشف المشكلات. بل إن هذا النقد يقترن دائما بالبناء واقتراح بدائل وحلول مقنعة فبعد أن تقوم الفلسفة بتحليل وتفكيك هاته الأخيرة، تعمل للتو على تقديم الحلول الممكنة لهذه المشكلات والإنسان اليوم يعانى من مشكلات متنوعة، مشكلات تتعلق بالحرية والديمقراطية كما تبحث الفلسفة عما ينبغي أن يكون عليه تنظيم المجتمع لتتحقق فيه أهداف عليا مثل الحرية والسلم والعدالة، لنخلص إلى أن الاهتمام بالفلسفة لا يمكن أن يتحقق إلا بجعلها شأنا عاما وحقلا مفتوحا للجميع، وبغرس الاهتمام بها لدى كل الأجيال.


الهوامش:

(1) زهير الخويلدي، دوائر النقد وحدوده في مشروع محمد عابد الجابري، موقع نحو رؤية بديلة.
(2) الدكتور محمد عابد الجابري، "نحن والتراث"، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، الطبعة الرابعة، 1985، ص7، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت.
(3) الدكتور محمد عابد الجابري، " التراث ومشكل المنهج" المنهجية في الاداب والعلوم الانسانية، دار توبقال للنشر، الدارالبيضاء، الطبعة الاولى، ص:74
(4) الدكتور محمد المصباحي: محاضرة حول " مطلب العقلانية في الفلسفة المغربية المعاصرة"والتي ألقاها بدعوة من مؤسسة مسجد الحسن الثاني، وجمعية رباط الفتح واحتضنتها المكتبة الوسائطية التابعة للمؤسسة المذكورة بالدار البيضاء.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)