المركز الاستشفائي الجهوي بتطوان.. مفارقة الموت.. حينما يتحول الإصطياف إلى كابوس



                                               




 بقلم: يوسف عشي 


حين يتحول الاصطياف والاستجمام إلى كابوس مرعب.. وحين يتحول الملاك الحارس إلى شيطان رجيم.. وحين تذوب القيم وتتحول إلى مجرد "يافطات" وجمل تعلق على أبواب الغرف للديكور والزينة وتستحيل معانيها إلى اشلاء تتناثر خلف الضمائر الميتة.. تكون حينئذ في قسم المستعجلات للمستشفى الكبير بتطوان.
 تأمل إخي القارئء هذه العبارة :" إنتبه ! حرمة المريض فوق كل اعتبار" وهي مخطوطة على ورقة معلقة في نسخ عديدة على أبواب غرف قسم المستعجلات. لاشك أنك ستحترم القائمين على هذا المركز الاستشفائي الجهوي. لكن لا تلبث الحقيقة القاسية اللعينة تصفعك بقوة، حين ترى أعداد المرضى الملقون على الأسرة في انتظار أن يتعطف السيد الطبيب ويلقي عليهم ولو حتى مجرد نظرة.
للتدقيق أشير إلى المعطى الزمكاني: نحن الآن يوم 17 غشت 2013 والساعة تشير إلى الخامسة والنصف صباحا. في الرواق الرئيسي للمستعجلات للمركز اٌستشفائي الجهوي بتطوان حيث نرى سيدة عجوز تقف على رأس شيخ ممدد على سرير متنقل وخيوط " الصيروم" مغروزة في يده الشاحبة مثل بقية جسده الذي اصفر واستسلم للموت. تبكي السيدة العجوز وهي توجه كلامها إلى شخص يبدو من زيه أنه الممرض الرئيسي " سي فؤاد الله يجزيك أوليدي شوف ليا الطبيب، راه العايل غيموت .." يتمتم السيد فؤاد بكلمات تفيد التذمر وهو يتنقل بخفة وسرعة بين المرضى وكأنه الوحيد المسؤول على هذا القسم الذي يبدو خاليا إلا من المرضى وبعض ذويهم. فتارة تجده يفحص مريضا وتارة أخرى يعد حقنة بمنتهى الدقة والسرعة وتارة تجده يغرز حقنة بجهاز التنفس الصناعي وتارة في مؤخرة احدهم، كل ذلك وهو يجوب غرف وممرات قسم المستعجلات، متمتما دائما بعبارات ساخطة لشدة ما يعانيه. وقد بدت إحداها واضحة وهو يدفع السرير المتنقل الذي يتمدد فوقه أول رجل أشهد شخصيا موته مباشرة في حياتي إلى داخل إحدى الغرف " هادي ماشي خدمة.. واش كاين غير انا.." ثم ينطلق بسرعة إلى المكان المخصص للأطباء، لنشاهد بعد برهة الطبيب المداوم يهل علينا وهو يفرك عينيه، حيث بدا واضحا أن السيد فؤاد قد أقلق مضجعه وأنهى منامه.. ثم لا يلبث هذا المسمى "طبيب" أن ينفض النعاس حينما فحص الشيخ الذي أسلم الروح إلى بارئها في الرواق انتظارا لمقدم الطبيب النائم، عفوا، الطبيب المداوم.
إن السؤال الذي قد يقض مضجع الجميع الآن هو هل حقيقة هناك وجود ل"المواطن" حيث يبدو من خلال ما يُرى في المستشفيات المغربية أن المرضى ليسوا مواطنين وليسوا بشرا، بل ربما ـ وأستسمح على الوصف ـ "شمايت" وجب استغلالهم لملء الجيوب دونما أي اكتراث ولا أهمية أو لا أي قيمة لأرواحهم.
وبالعودة إلى العبارة التي تملأ أبواب غرف المستعجلات التي تتحدث عن حرمة المريض، يبدو جليا أن الأمور قد تحولت إلى نوع من السخرية المريرة حيث لا كرامة ولا قيمة ولا حرمة للمواطن اليوم في هذا البلد السعيد وخير مثال على هذا، هو السبب الذي دعاني للتواجد بقسم المستعجلات بالمركز الاستشفائي الجهوي بتطوان، حيث أنني تواجدت قصرا وليس اختيارا بعد أن اكتشفت مجبرا أيضا عدم وجود أي مستشفى بمدينة يؤمها الآلاف من المواطنين. والتي تشهد المهرجانات وتشيد بها الإقامات والمجمعات السكنية، التي يشاهد وصلاتها الإشهارية كل المغاربة في مختلف ربوع هذا الوطن. في دعوة صريحة إلى اقتناء السكن في مدينة ولننتبه "مدينة" وهي مدينة مارتيل، ولتتخيل أخي القارئ أختي القارئة الكم الهائل من المواطنين الذين يقطعون المئات من الكيلومترات، ليجدوا أنفسهم في حالة الطوارئ الصحية ملزمون بالانتقال إلى مدينة تطوان. حيث يجدون الطبيب المداوم في قسم المستعجلات نائما،  والأدهى والأمر أن لا يفحص حتى الفحص. فلا أخفيكم أن الأخ الذي تعرض لوعكة صحية طارئة والذي كان السبب في انتقالنا في سيارة إسعاف إلى تطوان. والذي جعلني شخصيا أشهد أول حالة احتضار مباشرة ، هذا الأخ لم يره الطبيب إطلاقا. ولربما وجب أن نشكر الممرض الرئيسي الذي تحرج كثيرا من كثرة سؤالنا عن الطبيب حيث قدم لنا وصفة الدواء وعليها خاتم الطبيب المداوم وهو يقول" لقد وصفت له الحالة فكتب لكم هذه الوصفة اقتنوا الدواء من الصيدلية وسيكون مريضكم على خير إن شاء الله.
فإلى متى هذا العبث بصحة الناس؟ إلى متى سيظل المواطن آخر شيء يفكر فيه لدى المسؤولين؟ هل سيكون لزاما على كل مواطن أن يلجأ إلى ديوان المظلم بالرباط ليلتمس من الملك التدخل شخصيا ليأخذ حقه؟ حسبنا أنقول كما قال جلَّ وعلى في محكم تنزيله الكريم " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" حسبنا الله ونعم الوكيل.                 

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)