الكاميرا "الغبية"






بقلم: محمد بعدي



لست من المدمنين على مشاهدة قنواتنا المغربية، و لا حتى من مشاهديها غير الأوفياء، بل اعتبر نفسي من "اللاجئين" المغاربة الذين دفعتهم الظروف القاسية لمتابعة قنواتنا، و ما يرافقها من وجبات "تعذيب" إلى المغادرة و البحث عن أفق أرحب للشعور بالإنسانية و الانتماء و الكرامة... غير أنني بعد سنوات من الترحال القسري، قررت خلال هذا الشهر الفضيل أن أتصالح مع ذاتي و أعود إلى قنوات وطني حيث لغتي و ثقافتي و هويتي... و كانت البداية مع "الكاميرا الخفية".
بداية لا بد من التأكيد على أن فكرة "الكاميرا الخفية" هي فكرة غربية، من حيث المنشأ، فقد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، ثم انتقلت إلى فرنسا و باقي أوربا بعد الستينات، ثم تلقفها العرب بعد السبعينات... و تقوم "الكاميرا الخفية" على فكرة بسيطة مرتبطة بمقلب يتغيى وضع شخص ما في وضع محرج أو هزلي لمراقبة رد فعله التلقائي الذي يكون غالبا مثيرا للضحك... الهدف إذن هو الإضحاك، هو خلق جو مشحون بالفرجة و التسلية و الفكاهة... بالنسبة للمشاهد، و أحيانا حتى بالنسبة للضحية أيضا... نجد نموذجا لذلك في "الكاميرا الخفية" عند الغرب، حيث يكتشف "الضحية" المقلب الذي تعرض له فيضحك لأنه ينظر إلى نفسه بمنظار الغير إليه، فيكتشف حقيقة سلوكه و رد فعله.
و إذا كانت "الكاميرا الخفية" منتوجا غربيا يحضر عندنا على سبيل التقليد، فإن ما يثير حقا هو أننا عندما نقلد نبالغ في التقليد، نبدع في المبالغة فنزيد عن الحد و نتجاوزه... لذلك عندما قلدنا "الكاميرا الخفية" أبدعنا في المبالغة فتجاوزنا حد الإضحاك لنصل إلى نقيضه، لأن "الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده"، تجاوزنا الإضحاك إلى "الإرهاب" و "الإرعاب"... و لعل القاسم المشترك الذي حققنا من خلاله "الوحدة العربية" هو "الكاميرا الخفية"، إذ يجد المشاهد نفسه، بدل أن يسقط على قفاه من فرط الإضحاك، يضع يده على قلبه خوفا على ضحايا مقالب "الكاميرا الخفية": استحضر هنا النموذج المصري خصوصا "رامز توتنع أمون" حيث تقفل الأبواب على الضحية داخل مقبرة فرعونية مظلمة مع تسليط أصوات مرعبة و حيوانات مثل الأفاعي و الطيور عليه، مما يجعله يعيش رعبا حقيقيا لا أعتقد أنه يضحك المشاهد بل يمكن أن يرهبه هو أيضا... أما الابداع المغربي في "الكاميرا الخفية" فيمكن استحضار نموذج قناة ميدي 1 حيث مقالب تدعو إلى الشفقة على هذا المستوى القيمي المتدني... عندما توضع امرأة بسيطة مريضة كبيرة السن في موضع اختطاف طفلة صغيرة مع ما يرافق ذلك من حضور أمني بلغة استنطاقية فظة أحيانا، أو عندما تستثمر مواضيع الجن و الشعوذة بأسلوب سوقي مستفز و مثير للرعب... او عندما توضع فتاة مقبلة على أول تجربة عمل في موقف المشاهد لجريمة قتل، حيث يعمد "المجرم" للدخول إلى مكتبها و استفزازها بلغة عنيفة فيها الكثير من التخويف و الترهيب و البلادة أيضا... كل هذه الأمثلة و غيرها مما لم تتح لنا فرصة مشاهدته، يضعنا أمام حقيقة أن منتوج "الكاميرا الخفية" كما يقدم في قنواتنا العربية عموما و المغربية خصوصا هو منتوج "متسخ" و "ملوث" لأنه بعيد كل البعد عن فلسفة "الكاميرا الخفية" كما نظر لها وصنعها مبدعو الغرب و من تبعهم بإحسان من العرب، حيث تقوم هذه الفلسفة على أساس فني جمالي يخاطب في الإنسان ملكة الذوق الفني، و ينمي لديه الحس الإبداعي، و يخاطب عواطفه بلغة مهذبة تسمو بالمشاعر و تهذب النفس... بعيدا عن هذه الفلسفة التي يشتغل وفقها هؤلاء الفاشلين من مخرجينا الذين يتأبطون كاميراتهم و يعيثون تصويرا  لما تيسر من "الرداءة"... و هم يرهبون و يرعبون الضحايا و المشاهدين، و ينزلون بالفن إلى الدرك تحت الأسفل دون أن يرف لهم جفن. بل إن الأمر وصل بالبعض إلى حد "فبركة" و تمثيل مشاهد "الكاميرا الخفية" بشكل فيه القليل من الإبداع و الكثير من الغباء...



مقالات أخرى للكاتب:
من "الانتقال" الديموقراطي إلى "الانتقام" الديموقراطي
"التلوث" السياسي في الوطن العربي
موازين... طريقنا إلى التقدم!!
"الشباطيزم" أو فلسفة العبث السياسي
جهاد النكاح أو الدعارة الحلال
الأسد و الضباع
الفيديو كليب و إدماج المرأة في التعرية
الكفاءة التربوية و فلسفة التخلف السياسي
لأجل نيني : أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟
المعرفة بين " الداودي " و " الداودية "
أعداء العربية
ماذا خسر المغرب بوفاة الشيخ ياسين؟

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)