الحق و العدالة 1

الحق و العدالة
مقدمة
يعتبر مفهوم الحق من المفاهيم المشحونة بالدلالة و المعنى، بحيث تختلف دلالته باختلاف مرجعياته... إنه يشغل حيزا كبيرا في الحقل الفلسفي، و يعبر "ابيستيمولوجيا" عن الحقيقة المطلقة، و "أنطولوجيا" عن الوجود المطلق، و "أكسيولوجيا" عن القيم المطلقة... إنه يمثل قيمة القيم و أسمى ما يتطلع إليه الانسان. إن الحق هو كل ما يمكن أن يتمتع به الانسان من امتيازات، و يفرض على الآخرين احترامها.
و مفهوم الحق يتفاعل مع مفاهيم الواجب، العدالة، المساواة و الانصاف... و يتحدد وفق ما هو مشروع و قانوني.
1 – الحق بين الطبيعي و الثقافي
الإشكال : ما هو الأساس الذي يقوم عليه الحق: هل ما هو طبيعي أم ما هو وضعي؟ و بتعبير آخر: ما هو مصدر الحق : هل هو الطبيعة أم المجتمع؟
-         التصور السوفسطائي : يتأسس التصور السوفسطائي من خلال التأكيد على أن أساس الحق هو أساس طبيعي ، و يتمثل في القوة، و هذا ما يجسده قول غلوكون : " إننا لا نمارس العدالة إلا رغما عنا لعجزنا عن ارتكاب الظلم"، إن الحق هنا يتوافق مع القدرة، بحيث يتحدد حسب ما تمتلك الذات من قوة، و هذا معناه أن الإنسان لديه الحق في التصرف وفق ما يستطيع حفاظا على ذاته و تحقيقا لمصالحه و دون مراعاة للآخرين... إن الطبيعة لا تعرف حقا سوى حق القوة و لا قانون سوى قانون الغاب. إنه موقف يتأسس على اعتبار الإنسان كائنا شريرا بطبعه، ميالا إلى العنف المتأصل في فطرته، و بالتالي فالحق يعبر عن الحرية المطلقة في السلوك و التصرف وفق إملاءات الغريزة التي لا تنصت سوى لصوت القوة. إن الإنسان يمكن أن يتمتع ب"حقوقه" بقدر ما يمتلك من قوة.
-         تصور ج ج روسو : يتأسس التصور التعاقدي مع روسو على رفض نظرية الحق الطبيعي كما تمت الاشارة إليها مع السوفسطائيين، و في هذا السياق يقول روسو : " إن القوة لا تخلق الحق ، و لا خضوع إلا للقوى المشروعة". لا يمكن إذن حسب هذا التصور أن نؤسس الحق على القوة، لأن القوة قدرة مادية متلاشية مع الزمن، و يمكن أن تظهر قوة أقوى منها، كما أن القوة تتطلب وجود من يخضع و ينصاع ، غير أن الانصياع هنا لا يكون بإرادة و طواعية، بل يكون بفعل الإكراه و الجبر و الإلزام، و بالتالي لا يمكن ضمان ولاء من يكون مكرها. و هذا ما يتطلب البحث عن أساس ثابت يضمن الخضوع بإرادة و حرية، و هذا ما يمكن أن يتضمنه الخضوع للقوة المشروعة، أي قوة القانون الذي يكون مؤسسا على التزامات لا إكراه فيها، مما يجعل القانون صالحا كأساس يقوم عليه الحق، خصوصا عندما يكون القانون خادما للإرادة العامة و مستمدا من القيم الأخلاقية. إن الحق هنا يتأسس على التعاقد الاجتماعي المبني على قوانين بعيدة عن القوة و العنف..

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة