الأسد و الضباع

بقلم : محمد بعدي
منذ أحداث 11 شتنبر في الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت مفاهيم جديدة في الخطاب السياسي و  الإعلامي الغربي و توابعه، و من بين هذه المفاهيم ذلك الذي مضمونه " إن لم تكن معي فأنت ضدي"، حيث تم تصنيف الدول عالميا ضمن خانتين: ضد الإرهاب، و مع الإرهاب". منذ ذلك الوقت صار هذا التصنيف موضة يلجأ إليها بمناسبة و بغيرها لتحديد المواقف...
في هذا السياق يمكن قراءة الخطاب السياسي و الإعلامي حول الوضع في سوريا منذ بدايته و حتى بداية نهايته. حيث طرح الموضوع بصيغة : من ليس مع "الثورة" فهو مع النظام، و في أحيان كثيرة يختزل النظام في رئيسه.
هل ما يحدث في سورية ثورة؟ و هل ما حدث في تونس، مصر، ليبيا، و اليمن ثورة؟ لا أعتقد ذلك. أولا لأنه من المبكر جدا الحديث عن ثورة بمعناها السوسيولوجي، لأن المخاض لم ينتته بعد، و لأنه لم يحدث أي تغيير جذري على مستوى الأهداف و الغايات المرجوة، على المستوى الاستراتيجي، فالوضع يراوح مكانه. ثانيا، تحتاج الثورة إلى قيادة رشيدة، قادرة على خلق وضع جديد و ببيئة جديدة تؤمن التغيير و تحتضنه و تنميه، و تمنح الجماهير الثقة في المستقبل...
بالنسبة للوضع السوري، فالأكيد أنه توجد  تراكمات على المستوى الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي... مثلما هو الأمر بالنسبة لجميع دول النادي العربي "المتخلف"، و توجد ديكتاتورية سياسية، و يوجد قمع و كبت سياسي... بمعنى أن النظام ليس ملائكياّ، و هل توجد أنظمة ملائكية؟؟ لكن الأكيد أن "انتفاضة السوريين" لا تشبه "انتفاضات" غيرهم، و أن التدخل الخارجي لا ينكره إلا من كان "أعمى" البصر و البصيرة، و أنها عكس جميع " الثورات" انطلقت من الحدود و الهوامش، لا من العاصمة و المركز...
و على فرض أن النظام قمعي و متسلط، و أن هناك شعبا "يعاني"، فهل يمكن اعتبار التدخل التركي و السعودي و القطري... تدخلا إنسانيا؟ أين هي الإنسانية و أين هو الضمير الأخلاقي أمام ما تقوم به إسرائيل؟ لم لا يتحرك العربان، و لم لا يرسل و لو صاروخ واحد  ليدافع الشعب المقهور المستباح العرض عن نفسه؟ ثم ماذا عن شعب البحرين؟ أم أن الانتماء المذهبي يسقط الإنسانية و الأخلاق؟ كيف يمكن الاقتناع بأن "الأعراب" يدافعون عن الحرية و الديموقراطية و حقوق الإنسان في سوريا، و الإنسان عندهم نوعان: أمير مبجل أو عبد مهان؟
إن "ثورة" تدمر بلدا عريقا، من أجل إسقاط  نظام، لا تستحق هذا الإسم.. "ثورة" تعيد البلاد سنوات إلى الوراء من أجل الإطاحة بشخص واحد هي ثورة غبية، حتى و لو كان هذا الشخص هو الرئيس... إن "الثورة" التي لا يقودها العقل، و إنما تتحكم فيها الغريزة، هي ثورة فاشلة و لو نجحت. و بناء " الثورة" على أساس قيمي ،أخلاقي، سلمي و آمن أفيد من تأسيسها على خوض حرب مدمرة و إن حالفها النجاح، إنها ثورة تولد سفاحا، و هي لذلك تكون لقيطة مجهولة النسب..
ألم يكن من الأجدى و الأنفع أن تقف "العربية" السعودية، و قطر "العربية"، و تركيا "الاسلامية"... بالمال و الإعلام لفرض حوار قبل به النظام و دعا إليه؟ و العلماء؟ ألم يكن ممكنا الاحتكام إلى مبادئ الدين لحقن الدماء، بدل إراقتها بهذا الشكل الفظيع؟ أنسمي ثورة هذا التقاتل الذي يودي بحياة علماء في قامة العالم الجليل محمد سعيد رمضان البوطي؟
لست مع الأسد و نظامه عندما يكون ديكتاتورا دمويا يواجه الصدور العارية بالحديد و النار، و الحناجر المتعبة بالبتر و الدمار... لكن حتما لست ضد الأسد عندما يثبت أنه اجتمع عليه الضباع، و أن بلدا عمره آلاف السنين يشترى و يباع.




تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة