ماهية العقل بضوء نظرية المعنى

ماهية العقل بضوء نظرية المعنى
                                           18 ماي 2020

د علي محمد اليوسف



تفريق
لا بد لنا من التفريق بدءا ما المقصود بالعقل؟
هل هو العقل الفلسفي أو الخطاب الذي يطلق عليه (اللوغوس) أو هو بتعريف أفلاطون (العقل ذلك الجوهر الذي ماهيته توليد الافكار) اللغوية التي نتعامل بها في فهمنا العالم من حولنا ومعرفة ذواتنا وقضايانا الانسانية في تعبيرنا الادراكي العقلي اللغوي عنها، وهو نفس المعنى والتعبير الذي يذهب له ديكارت في تعريفه العقل جوهرا ماهيته ملكة التفكير لغويا، وأنكر ديكارت على العقل أن يكون كينونة تكوينية بيولوجية أو معنى إدراكيا ماديا فيزيائيا وإنما هو جوهر (لافيزيائي) ولا مادي خالد يلازم الجسم يشبه ملازمة النفس للجسد في خلودها بعد الانفصال عنه بالموت كجوهر فيزيائي فان (فاني) يطاله العدم ولا يطال خلود النفس ولا يطال العقل بالفناء.
واعتبر ديكارت العقل جوهرا لا ماديا منفصلا عن الجوهر المادي الذي هو الجسم. كما ذهب في تطرّفه التجريدي لخلود العقل بعد فناء الجسم اعتباره العقل والنفس جوهرا غير فيزيائي واحدا يلازم الجسم في حياته وينفصل عنه بعد مماته. وحين تبنى ديكارت مقولته العقل ليس فيزيائيا ولا ماديا فإنما يكون أراد بذلك أن العقل ليس هو الدماغ. ومن المهم ذكر أن بارمنيدس تبنى واحدية العقل والجسد أنهما جوهر واحد وليس ثنائيتهما كجوهرين منفصلين كما فعل ديكارت، وأكد مقولة بارمنيدس هذه اسبينوزا في القرن السابع عشر ولا تزال نظريته تلك يعمل بها في المجالين العلمي والفلسفي.
طبعا العلم الطبيعي علم وظائف الاعضاء أو الفسلجة تحديدا يفهم معنى العقل في دلالة أخرى مغايرة للفهم الفلسفي وعلوم اللغة واللسانيات غير التي نتداولها في الكلام الدارج في عدم التمييز بين العقل كملكة توليد للغة وبين العقل المقصود به بيولوجيا الدماغ، فعلم الطب البشري يعرّف معنى العقل ويتعامل معه على أنه (الدماغ) وتحديدا المخ من حيث تركيبته البايولوجية الفسلجية العضوية الموجودة في جمجمة الانسان العجينة التي تحتوي المخ والمخيخ والنخاع الشوكي.
وبهذا المعنى المادي الفيزيائي البايولوجي الفسلجي للدماغ يكون الدماغ محكوما بالفناء والعدم كباقي وكمثل كل أعضاء جسم الانسان البيولوجية المادية وموجودات الطبيعة من ضمنها الانسان كاملا جسدا وروحا ودماغا ولا صحة لمقولة لا يشمل الفناء العقل الفلسفي باعتباره جوهرا لاماديا ماهيته الفكر واللغة.... والعقل هو مجموع الخصائص المستقلة المنبثقة عن الدماغ والتي لا يمكن حصرها بها والعقل ليس جوهرا مستقلا حسب تعبير ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
ولكن موت الانسان وفنائه الجسمي - النفسي هو موت الدماغ والعقل معا وفنائهما سواء من حيث كونهما ماهية تفكير لا مادي أو من حيث كونهما عضوين فسلجيين في منظومة الإدراك العقلي يمّثلان شيئا واحدا من الناحية البيولوجية يفنيان كليهما بموت الانسان وفنائه الجسدي ولا وجود لعقل خالد تحت أي مسمى أو معنى. وليس هناك من خلود للنفس ولا خلود للعقل يعقب موت الجسم باستثناء الفهم اللاهوتي الديني الذي يرى خلود الروح. وهو ما لا يؤكده العلم ولا تأخذ به الفلسفة المعاصرة.
لذا يكون حضور العقل هنا في مقالنا بمعنى (اللوغوس) الخطاب اللغوي التجريدي في التعبير عن مدركات العقل وهو جوهر فلسفي غير بيولوجي وغير متعين ماديا - فيزيائيا كباقي الموجودات والأشياء في عالمنا الخارجي المحيط بنا ويحتوينا وليس هو الدماغ (المخ) الذي تحتويه الجمجمة الذي تكون دراسته من اختصاص طب علم النفس والدماغ ووظائف الاعضاء والجملة العصبية، ومن المهم التذكير أن هذه الخاصية للدماغ لها روابط قوية مع مفهوم الفلسفة للوعي العقلي في توليد اللغة والفكر. وما يعنينا من العقل في هذا المجال هو العقل الفلسفي، الجوهر المنفصل عن الجسد الذي ماهيته توليد الافكار وخاصيته المميزة اللغة والذكاء.
وحين نذهب الى أن العقل جوهر غير فيزيائي لا مادي فأننا سوف لا نذهب مع نظرية ديكارت بأنه جوهر خالد يشبه النفس الخالدة ولا يفنى بفناء الجسم الجوهر الفيزيائي المادي المختلف عن الجوهر العقلي اللافيزيائي اللامادي للعقل.
وبعض علماء اللغة المحدثين حين يعتبرون العقل عضوا بايولوجيا من أعضاء تكوين جسم الإنسان. وبهذا يتم الادماج بين العقل الفلسفي كوعي ولغة وفكر وبين العقل البيولوجي كعضو في جسم الانسان وظائفه لا حصر لها. ومن غير المتاح المتيّسر التحدث عن ماهية العقل الفكرية اللغوية بمعزل عن ماهية العقل كوظيفة بيولوجية متعالقة مع  الجسم والنفس.
فهذا الفهم التجريدي اللغوي الفلسفي يقوم على أن العقل هو فاعلية الفكر واللغة في التعبير الصوري المجرد عن العالم والاشياء فقط. ويلاحظ أن غالبية الفلاسفة الذين تناولوا بالدراسة العقل يمزجون بين العقل كونه فعالية فكرية توليدية (خطاب) تجريدي لغوي وبين العقل (الدماغ) كعضو مادي بيولوجي فسلجي مدرك مثل باقي أعضاء ومكونات أجهزة الجسم الاخرى.. الدماغ الذي يحتوي مليارات الخلايا العصبية التكوينية له وارتباطها بمنظومة الحواس عبر الجهاز العصبي والذهن والوعي الانساني القصدي. ولا زالت النظريات العلمية لا تلم الماما كاملا بكيفية عمل هذا الجهاز الفريد في تعقيداته الاعجازية سواء العقل غير الميتافيزيقي المجرد أو الدماغ العجينة المادية (المخ) البيولوجية كعضو في جسم الانسان الحي.

الوعي والعقل
وبالصدد نفسه المتعالق مع مفهوم فلسفة العقل وما معنى العقل وما هو؟ نجد بعض الفلاسفة من مفكري فلسفة العقل المعاصرين أوقعوا انفسهم في إشكالية مستدامة لا خلاص ولا مهرب من مواجهتها تلك هي علاقة (الوعي) بالعقل وعلاقتهما المترابطة كليهما بالفكر واللغة , وكيف نفهم هذه الاشكالية بضوء أن ميزة العقل الانساني هي الوعي القصدي الذكي الهادف الذي يختلف عن وعي الحيوان العشوائي، ولمّا كان الوعي غير فيزيائي ولا مادي ولا معنى ادراكي حسّي له يحدّه شأنه شأن العقل المرتبط وظيفيا به لكنه لا ينوب عنه ولا يمّثله تماما... فالوعي القصدي الذكي ليس هو العقل بل هو حلقة أساسية في سلسلة المنظومة الادراكية للعقل التي تبدأ بالحواس والادراك والوعي والذهن والاعصاب وتنتهي بالدماغ.**
 إشكالية الوعي الانساني عند الفلاسفة هي كيف يستطيع العقل اللامادي أدراك ما هو مادي في العالم الخارجي؟ وكلاهما العقل والوعي لا ماديان بالفهم الفلسفي والعلمي على السواء في اقتصار وظيفتهما على توليد الفكر واللغة، الوعي الذي هو الآخر مثل العقل لغزا لا ماديا محّيرا في تمكينه الدماغ المادي والوعي اللامادي من أدراك وفهم الاشياء والموجودات المادية وغير المادية في الطبيعة والانسان ومعالجتها.. لكن من الصعب تحديد ما هو الوعي وما معناه وماذا يعني الوعي للعقل واللغة وما وظيفته في منظومة الادراك العقلي؟ وكيف ينشأ الوعي الذي هو لا مادي من العقل المادي (الدماغ)؟
اليوم مع ظهور فلسفة اللغة وعلم اللغة واللسانيات ونظرية المعنى عامة وهيمنتها بشكل طاغ على مباحث واهتمامات الفلسفة التقليدية الأخرى، ظهرت الاهمية الاستثنائية للنظر بدراسة الوعي فلسفيا بعد أن جرى ركنه بالظل واعتباره مبحثا من مباحث الميتافيزيقا التي لا فائدة من الخوض في دراسته ومناقشة أبعاده الفلسفية.
والسبب بذلك أنهم لم يستطيعوا لحد الآن معرفة ماهو الوعي وما المقصود منه وكيف يمكننا تناوله فلسفيا في عجز العلم معرفته فسلجيا (وظائفيا)؟ لكن أصبح الوعي في الفلسفة عندهم اليوم منذ النصف الثاني من القرن العشرين ركنا أساسيا من مباحث فلسفة العقل المعاصرة بتعالقها مع فلسفة اللغة في نظرية المعنى ولا يمكن الغاؤه من المعادلة التي تتداخل علاماتها الدلالية موزّعة على العقل والوعي والفكر واللغة.
جلبرت رايل وفلسفة العقل
يشير الباحث الأكاديمي والمترجم الفلسفي المصري صلاح اسماعيل في إحدى محاضراته التصويرية - السمعية على الانترنيت الى أن مؤسس فلسفة العقل هو الفيلسوف الانجليزي جلبرت رايل (1900 –1976) صاحب كتاب مفهوم العقل الصادر عام 1949 ورغم أهمية الكتاب الكبيرة في عالم الفلسفة لم يترجم الى العربية كما يذكر الباحث.
وكان رايل من أشد المتحمسين لأفكار الفيلسوف النمساوي لودفيدج فيتجنشتين (1889 – 1951) ومن أشد المعادين وليس المعارضين لديكارت وبظهور كتاب رايل هذا ظهر مصطلح فلسفة العقل الحديثة المرتبطة بأوثق العرى مع فلسفة المعنى في اللغة وهو ما يدعو له ويؤيده الأستاذ صلاح إسماعيل...
كانت ثنائيات ديكارت (العقل – الجسم) (الجسد – النفس) (الخير – الشر) وهكذا راسخة ومسّلم بها قرونا طويلة منذ القرن السابع عشر وقبله والى وقت قريب في القرن العشرين تلك هي أن جوهر الفلسفة ومهمتها الاساسية منصّبة على الاهتمام بمبحث الابستمولوجيا(المعرفة) الفلسفة الاولى.. التي أثارت حفيظة رايل في مهاجمته ديكارت ومقولته بشدة في اعتباره العقل جوهرا لا فيزيائيا خالدا منفصلا عن الجسم مهمته تزويدنا بالمعرفة (الابستمولوجيا) في توليد ماهيته اللغوية.
كما أراد ديكارت ترسيخ هذا المعنى بإطلاقية لا تناقش صحتها وصفها رايل بتضليل ديكارت لنا قرونا طويلة، رغم عدم امتلاك ديكارت معنى محددا للعقل الذي يقصده أساسا.. فالعقل عند ديكارت هو المفهوم الذي لا يمكننا معرفته الا بمعرفتنا ماهياته في الوعي والفكر واللغة التي هي منتج وصفات عقلية وظيفية لا تمّثل فهما ما هو العقل الذي بات لغزا محيّرا لا يمكن الالمام التام به وكذلك هو الوعي.
وكما تغاضى ديكارت عن الاجابة على الاشكالية التي أشرنا لها في سطور سابقة اشكالية الوعي - العقلي عند الإنسان، هي كيف للوعي العقلي الذي هو لا فيزيائي ولا مادي وغير متفق على دلالته الفلسفية وما هو معناه بالضبط وماذا يعني؟؟ أن يكون وسيلة العقل في معرفة الأشياء المادية والتعبير عنها؟
جلبرت رايل في كتابه مفهوم العقل الذي رد به على مفهوم ديكارت للعقل أنكر بضراوة شديدة ثلاثة مسائل جاءت على لسان ديكارت واتخذت صفة التسليم المطلق بها طيلة قرون في تاريخ الفلسفة وهي:
-         الأولى أن العقل جوهر غير فيزيائي منفصل عن جوهر الجسم ماهيته توليد الأفكار واللغة التي بهما يفهم العقل عالم الاشياء والموجودات، وهي مقولة سارية المفعول منذ عهد أفلاطون وأكد التسليم بها ديكارت وأستنسخها فلسفيا.
-         الثانية أن العقل وظيفته الاساسية هو تزويدنا بالمعرفة (الابستمولوجيا) أضافة لمهمته تزويدنا باللغة في التعبير عن مدركاتنا الحسيّة والخيالية بالفكر واللغة ولا توجد للعقل وظيفة غير أدراكنا ومعرفة العالم من حولنا.
-         العقل والنفس هما جوهر واحد، وهذا الجوهر خالد يبقى بعد فناء الجسد.
جلبرت رايل أنكر أن يكون العقل (شيئا على الاطلاق) ولا دلالة فلسفية تحدده أي العقل لا شيء بل هو مفهوم مجرد حاله حال مبحث الوجود وهي إرهاصة فلسفية ترجع أصولها الى الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر في أنكاره وجود شيء يسمى العقل. وما نسميه عقلا هو مجموعة ادراكاتنا للأشياء وكيفية فهمها ومعالجاتنا لها.
كما ولم يهتم رايل كغيره من الفلاسفة السابقين عليه والمجايلين له التمييز أذا ما كان العقل فيزيائيا أم غير فيزيائي، لكنه لم يهمل أهم ركيزة أعتمدها في فلسفة العقل تلك هي أن مصدر أفكارنا اللغوية التوليدية الصورية التجريدية هو العقل، وأنكر رايل مقولة ديكارت أن يكون العقل جوهرا لافيزيائيا منفصلا عن الجسم.
وهو رأي سليم في تفسيرنا أن رايل كان يعتبر فيزيائية الجسم تحتوي لا فيزيائية العقل التي لا يمكن الفصل بينهما كجوهرين متلازمين بعلاقة أحدهما بالآخر وبغير هذا التفسير لا يبقى للعبارة السابقة استقامة مفهومية معقولة وصحيحة لدى كل من رايل ومن قبله ديكارت..
كذلك نحصل على نفس النتيجة في لا أمكانية فصل العقل كجوهر ليس غير فيزيائي كما يفهمه ديكارت، وإنما نفهم العقل جوهرا فيزيائيا من الناحية الوظيفية الفسلجية الطبية العلمية كدماغ فيكون بهذا المعنى جوهرا متعالقا بالجسم لا ينفصل عنه سوى بفناء الجسم بالموت حاله حال النفس أو الروح التي لا وجود ولا معنى لها بعد فناء الإنسان. ومثلها هي عدم أمكانية فصل النفس كجوهر غير فيزيائي عن الجسم كجوهر فيزيائي وكلاهما يطالهما العدم والفناء هذا باستثناء الفهم الديني حول خلود النفس (الروح) في فناء الجسد بعد الموت التي تبعث في يوم الحساب (الدينونة) في تعبير اللاهوت المسيحي وبهذا المعنى يكون جلبرت رايل أيضا صائبا في نقده لديكارت.. .
كما عارض رايل Rayle  المفهوم الفلسفي السائد أيضا عند ديكارت وغيره من فلاسفة أعقبوه لأكثر من قرنين أن تكون معارفنا مستمدة من الادراكات العقلية حصرا بمعنى جوهر العقل يقوم على تزويدنا بالمعرفة الابيستيمية فقط، وقال رايل أن العقل هو استعداد سلوكي يمليه توليد الافكار واللغة التي أعتبرها ميزة العقل التي تكاد تكون الخاصيّة الوحيدة التي تساعدنا معرفة شؤون الحياة والسلوك.
فاللغة سلوك معرفي يقودنا الى المعرفة وليست المعرفة قيمة ناجزة قائمة بذاتها يكون ادراكها الوحيد علميا فقط لا يخلو من لغة هي المعادلات الرياضية والعلامات الرمزية المختبرية التي هي الاخرى لغة غير الابجدية الصوتية في اللغات قاطبة.
وذهب رايل أيضا في تخطئته لديكارت أن يكون مبحث الابستمولوجيا هي وظيفة وملكة العقل الاولى وأنها الفلسفة الاولى مؤكدا على أن الابستمولوجيا بهذا الفهم القديم الكلاسيكي لا معنى لها خاصة مع ظهور فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات والعقل والمعنى أذ أصبح جوهر الفلسفة منذ منتصف القرن العشرين هو المبحث الفلسفي الاول نظرية (المعنى) في فلسفة وعلوم اللغة التي هي سلوك عقلي لا أكثر.
وانتهى رايل الى أنكار أن يكون العقل مصدر معارفنا (الابيستمولوجية) التي تراجعت أهميتها كمبحث مركزي من مباحث الفلسفة. وعلى ذكر الفلسفة الاولى فقد كانت الميتافيزيقا هي الفلسفة الاولى في مبحث الوجود عند أفلاطون، وأعقبتها الابستمولوجيا الفلسفة الاولى عند ديكارت في القرن السابع عشر، تلاها فلسفة الدين هي الفلسفة الاولى في العصور الوسطى الأوربية، لتأتي فلسفة اللغة والعقل لتحتل مكانة الفلسفة الاولى في القرن العشرين والى يومنا هذا حسب توصيف تراتيبية الباحث صلاح اسماعيل.
رايل وفلسفة اللغة عند فينجشتاين
كما ألمحنا كان رايل مناصرا عنيدا لأفكار فتجنشتين في فلسفة اللغة والتحول اللغوي، التي هي أولا وأخيرا فلسفة (المعنى). التي سادت منذ منتصف القرن العشرين وبقيت فاعلة مستمرة الى اليوم.ومن المعلوم أن العديد من الفلسفات التي توزعت في أوربا وامريكا في القرن العشرين كانت تستقي منطلقاتها الفلسفية من معين محورية فلسفة العقل ونظرية (المعنى) في التحوّل اللغوي مثل الوضعية المنطقية الألمانية حلقة (فينا) والتحليلية المنطقية الانجليزية حلقة اكسفورد والفلسفة البنيوية والتفكيكية وأخيرا التأويلية (الهرمينوطيقا) في فرنسا والمانيا وأنتقل تأثير هذه الفلسفات لأمريكا في محاولة بناء فلسفة أحيائية حداثية للفلسفة الامريكية الام البراجماتية العملية العتيقة (pragmatism  ) بضوء فلسفة العقل وعلوم اللغة والمعنى.. وجميع هذه الفلسفات كان ارتباطها بفلسفة العقل واللغة شديدا بين ناكر للعقل ومؤيد لفاعليته ودوره وحضوره في مباحث الفلسفة المعاصرة.
لقد تراجع الاهتمام بمبحث الابستمولوجيا في الفلسفة المعاصرة في القرن العشرين بل صار معظم الفلاسفة يعتبرونها من مباحث الفلسفة الميتافيزيقية التي لا فائدة منها. ولم تعد تمتلك تلك الهالة المعرفية التي تستحقها، وهذا ما قام به فلاسفة اللغة أمثال فينجشتين ورايل ورورتي وكارناب وأوستن وكواين وسانتيانا وعديدين غيرهم اعتبروا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا تجاوزته الفلسفة المعاصرة بلا رجعة.
وكانت مقولة جلبرت رايل الصاعقة قوله (العقل لا شيء على الاطلاق ) صادمة في أنكار العقل بضوء سباحة الفلسفة المعاصرة في بحيرة فلسفة اللغة ونظرية المعنى وعلوم اللسانيات وفلسفة العقل والوعي ومعناه، وتوقيت مقولة رايل في النصف الثاني من القرن العشرين تختلف عن توقيت وأهمية مقولة ديفيد هيوم(1711 -1776) نهايات القرن الثامن عشر في إنكاره وجود شيء يدعى العقل اذ لم يكن وقتذاك معروفا تلك العناية الفائقة في فلسفة اللغة والمعنى  كما هو الحال بعد منتصف القرن العشرين في انعطافة التحوّل اللغوي لذا عندما أطلق هيوم عبارته لاوجود للعقل كانت مقولته في عصر شهد انعطافة منطقية تجريبية حديثة قادها جون لوك وهيوم وبيركلي ومور في محاولتهم تثوير وأحياء آراء فرانسيس بيكون ونزعته العلمية التجريبية (1561 – 1626) التجريبية في أعلاء قيمة العلم في القرن السابع عشر الذي كان ديكارت مساهما مهما فيها ايضا.
جلبرت رايل ومقولات ديكارت عن العقل
نستطيع القول بضوء فلسفة العقل واللغة عند رايل في رده على ديكارت أن:
-         العقل ليس جوهرا منفصلا عن الجسم كما قال ديكارت ولا أهمية يكتسبها العقل بهذا الانفصال التعسفي عن الجسم، وأن العقل ليس غير فيزيائي مادي يشبه النفس في اكتسابهما الخلود المزعوم بعد فناء الجسد، بل العدم الذي يطال فناء الجسد يطال العقل والنفس على السواء.
-         ماهية العقل هو التفكير في أنتاج وتوليد الافكار واللغة ووظيفة العقل الفلسفية هو ملاحقة فائض (المعنى) في مباحث اللغة وعلوم اللسانيات وليس مهمته تزويدنا بوسائل اكتسابنا المعرفة (الابستمولوجيا) على مختلف المستويات وفهمنا العالم خارج نطاق نظرية المعنى التي تقوم على فلسفة اللغة.
-         العقل عند رايل (استعداد سلوكي) وليس مصدرا وحيدا في اكتساب المعرفة كما كان راسخا في معتقد الفلاسفة منذ عصر ديكارت في محاولة مجاراة النزعة العلمية التي لقيت اهتماما فلسفيا كبيرا في القرن السابع عشر.
كيف تستهلك اللغة العقل؟
عليه يبدو غريبا قولنا أن يكون العقل بهذا التوصيف الفلسفي الجديد عند رايل وفي محيط وأجواء تبنّي الهوس المحموم بفلسفة اللغة والمعنى وعلومها واللسانيات والتحول اللغوي والتأويل، أصبح العقل سلسلة لغوية من التجريد تستهلك ذاتها كموّلد ذاتي للأفكار يستهلك العقل ذاته في توليده اللغة بها ومعها أيضا.. فلا يمكننا تصور اندثار اللغة الاستهلاكي من غير اندثار العقل التوليدي التجريدي لها، في ملاحقة فائض المعنى اللغوي المطلوب على الدوام وباستمرارية لا تتوقف من ممارسة التفكيك والتحليل والتأويل، وملاحقة المعنى هي خاصية لغة العقل الجوهرية وماهيتها داخليا وليس خارجيا أي ليس هناك مؤثر على ملاحقة المعنى لغويا سوى النص الماثل فقط كما يذهب له جاك دريدا، ولا معنى لمؤثرات الواقع الخارجي على فلسفة المعنى واللغة...
وبهذا يكون توليد العقل للأفكار في ملاحقة وتصنيع المعنى المضاف يعني اندثار العقل تدريجيا كوعي فكري لغوي واستنفاد طاقته التعبيرية الصورية في التجريد قبل موته السريري المحتوم في العدم الفيزيائي الذي يلحق الجسم ككل من ضمنه العقل المفكر حتى لو كان جوهرا غير فيزيائي فموت جسم الانسان يعني فناء النفس والعقل معه. ولا أهمية ولا معنى يبقى للعقل أن يكون جوهرا منفصلا خالدا كما أراد له ديكارت.
جلبرت رايل رغم مقولته المتطرفة الصادمة (العقل لا يعني شيئا أبدا) فهو على حد تعبير الأستاذ صلاح اسماعيل لم يكن يعادي الميتافيزيقا متماهيا مع سلفه فينجشتين في عدم معاداتهما الميتافيزيقا صراحة كليهما، في نفس الوقت الذي لم يكن فيه يجاري رايل المنطقية التجريبية والتحليلية الحديثة (حلقتي فينّا واكسفورد) في عدائهما المستميت للميتافيزيقا معتبرين أن العالم كله ومعه الانسان هو تكوين من طبيعة فيزيائية أولا وأخيرا.. رغم وجود وجهات نظر فلسفية جادة تعتبر الانسان جوهرا ميتافيزيقيا والفلسفة جوهر وتعبير ميتافيزيقي بالصميم أيضا لن يندثر ولا يموت في تاريخ الفلسفة ماضيا وحاضرا ومستقبلا....
كما رغب فلاسفة اللغة وخاصة الفلسفة التحليلية الانجليزية المتأخرة على يد اوستن ورايل ورورتي الأمريكي وبراتراند رسل شيخ الفلاسفة الانجليز وفلاسفة العالم المعاصرين أن يجعلوا الفلسفة تحليلا علميا تسنده الرياضيات وعلوم الفيزياء حصرا في محاولتهم تخليص التحليل اللغوي من متاهة الركض وراء المعنى اللغوي بما هو هدف غير متحقق على صعيد إخراج مباحث اللغة من التوهان الموغل في قواعد اللغة وكيفية تعلم الطفل اللغة وهل اللغة ملكة فطرية توليدية صرف أم هي ملكة توليدية تنمو وتتطور في السلوك الاجتماعي للفرد وغير ذلك من مباحث استولدتها ظاهرة التطرف في التحول اللغوي الذي ترجمته تتويجا كلا من الفلسفتين التفكيكية والتأويلية اللتين غرقتا في مستنقع نظام اللغة بما هو نظام لا علاقة له بنظام الواقع الخارجي المصنوع انسانيا.
إذا تماشينا مع التحليلية المنطقية الانجليزية التي أنضم لها فينجشتين مؤخرا أبّان تواجده بوظيفة استاذ للفلسفة في جامعة أكسفورد، فهؤلاء الفلاسفة اعتبروا الفيزياء والكيمياء والرياضيات أصل العلوم الطبيعية جميعها وأن كل قضية أو مسألة لا يمكن التحقق المنهجي العلمي منها تعد باطلة لا معنى ولا قيمة لها....
الهوامش
ملاحظة: أود الاشارة الى أن بعض افكار هذا المقال مستمدة من سماعي على النت فيديو مسجلا لمحاضرة استاذ الفلسفة المصري صلاح اسماعيل وقد اشرت لذلك خلال أسطر المقال وبعضها تجاوزت الاشارة له لأنه تعبير خاص بي.
*** طبعا هناك من علماء اللغة المعاصرين من يعتبر العقل الفلسفي (اللوغوس) وليس الدماغ فقط هو عضو بيولوجي مادي ولي تعقيب على هذا الراي في مقال قادم أكثر رغم توضيحي الفارق بينهما في سطور هذه الورقة.            


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)