الجنسانية العربية والحداثة الغربية

الجنسانية العربية والحداثة الغربية
د علي محمد اليوسف
توطئة:
من المتعذّر الاحاطة الشاملة بالكتابات والدراسات التي تناولت موضوعة الجنسانية، كلازمة انسانية بيولوجية غريزية فطرية رافقت وحفظت بالصميم الوجود البشري من الاندثار منذ وجد الانسان في عصور موغلة بالقدم، وتعاقب دور الجنس في تحولات متنوعة مؤثرة وكبيرة، كعامل محرّك للتاريخ والاديان. وتعددت الدراسات الفلسفية والعلمية والتاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية التي تناولت الواقعة الجنسية وتأثيرها في الحياة القديمة والمعاصرة. لعل أعلاها كعبا نظريات فرويد التي ليس سهلا دحضها حين جعل مركزية الوجود الانساني تدور في فلك الجنس منذ الولادة وحتى المماة..
نحاول في هذا المبحث طرح مقاربة دراسة الجنس من منظورين بعيدا عن تلك التناولات:
الأول منظور الأخلاق الجنسية المتعالقة مع منظومة القيم الاخلاقية السلوكية والاعراف السائدة مجتمعيا بمعنى الاخلاق بمفهومها القيمي القانوني.
والثاني منظور التعالق الجنسي كسلوك مجتمعي مع الحداثة والمعاصرة في الحياة سلبا أو إيجابا.  
وما يهمنا في المجتمعات العربية الاسلامية هو قصدية مدى إمكانيتنا كشف أن يلعب الجنس دورا مؤثرا في ردم هوّة تخلفنا عن الحداثة أو تحفيز تقدمنا منها خطوات وتحقيقها في حياتنا كسلوك مجتمعي منتج نظيف، بعدما أصبحت لدينا إشكالية تجديد الفكر الديني(نقد ومراجعة التراث العربي- الاسلامي) بؤرة مركزية في التجاذبات الفلسفية - الثقافية في كيفية توظيف تلك المراجعة النقدية لموروثنا الفكري الديني في مسعى تحقيق نهضة حداثية تجديدية عندنا تأخرنا كثيرا عن أدراكها في حياتنا ومجاراة العصر بها.
  نعيش منذ نهايات القرن التاسع عشر اشكالية المسألة الجنسية التي لا تقل خطورتها وأهميتها، من نفس منطلق محاولة استحضار إصلاح ونقد الفكر الديني ومراجعته التثويرية بربطه بالمعاصرة  في محاولتنا اعتماد توظيفه عامل تنشيط  الحداثة لدينا في ممارستنا نقد الفكر الديني الوضعي في جنبة، ومسعى أن يكون (الجنس) ومنظومته الاخلاقية وتنظيمه في حياتنا عامل يقظة تنويرية تقدمية في حياتنا، لا مصدر انحلال أسري وتدهور وإعاقة لتقدمنا النهضوي من جنبة أخرى، ونسعى تماما لإعطاء مراجعة وتجديد الفكر الديني والتراث عموما مثل هذا الدور في حياتنا وفي تلمسنا تحقيق نهضة تمدينية، وأملنا أن يضطلع  تنظيم الاخلاقية الجنسية الاسرية والعامة بمثل هذا الدور أيضا.
وربما في هذا المجال الضيّق نستطيع حصر الدراسات الجنسية التي سنرفضها لاحقا فهي لا تناسبنا كمجتمعات محكومة أخلاقيا، ممثلة في منحيين يخصان الجنس في مجتمعات لا تحكمها اخلاق الدين كما هو الحال عندنا لذا لا نأخذ بهما ولا يشكلان عندنا أضافة يمكننا الافادة منها، كما يتعذّر علينا  حتى محاولتنا إدماجهما تلفيقيا معا، لأننا غير معنيين بذلك التلفيق غير الضروري لنا لأننا لسنا بحاجة الى تمرير انحرافات الجنس وتفكك الاسرة فهو(إشكالية الجنس) من خصائص افرازات الحضارة الغربية فقط، لها مبررات اجتماعية ثقافية معزولة عن سعينا ومحاولتنا أيجاد منفذ خاص بنا أن كان ذلك متاحا متيسرا لنا وأمامنا في معالجة أهمية ودور الجنس في تقدم حياتنا والمحافظة على حشمة تقاليد وأعرافنا الجنسية الخاصة بنا كأمة عربية إسلامية وليس المقصود من ذلك الدعوة الى تنظيم الجنسانية العربية بفروض التدين الديني الوضعية فليس هذا المقصود.
منهجان لدراسة الجنسانية:
المنحى أو المنهج الأول: الذي يشمل دراسة الجنس(فلسفيا، تاريخيا، علميا، ثقافيا، نفسيا) في المجتمعات الغربية، نجده في سحبنا تلك الدراسات وإلباسنا نتائجها البحثية، واقعنا الأخلاقي العربي الإسلامي الذي فيه الكثير من التعسّف والمحاذير التي تصطدم مباشرة مع أمانة المنهج العلمي، قبل وجوب الإخلاص لواقع حال مجتمعاتنا وخصائصنا الأخلاقية، من حيث أن تلك المباحث أخرجت التقائنا بها من منطلقات دراسة الجنس، كمعطى بايولوجي غريزي انساني وتكوين فسيولوجي متمايز في توزيعه بين فروقات بايولوجيا المذكر والمؤنث، الذي طبع تاريخ الجنسانية البشرية، والتي تنعدم فيه التمايزات والفروقات الجوهرية في أهمية أن يكون(الجنس) مؤثرا سلوكيا وأخلاقيا ومبعث تجديد حداثوي للحياة لدينا، المنتفية الحاجة لها أساسا عند غيرنا, فالعلم والمعرفة  في (أوربا وامريكا ومعظم دول العالم) حققتا لهم الهدف في تجاوزهم كلا من  ثنائية (الدين والجنس) أن يسهما في تحقيق القفزات الحداثية والحضارية التي حصلت عندهم. كما حققت لهم المساواة الجنسية بين الرجل والمرأة غريزيا وليس بايولوجيا.
بداية كان تجاوز الدين في فصل تدخل الكنيسة في شؤون العلم والحياة للناس في القرن الثامن عشر الميلادي، والثانية أن الجنس وأهميته جاء لاحقا نتاجا للحضارة الغربية وليس خالقا ومساهما تكوينيا لها.
أهمية ثنائية (الدين – الجنس) كعاملي نهضة عندنا معدومة أصلا كما هي معدومة الحضور في تفاوت الاسباب واختلافها بيننا وبينهم، ويرافقها انعدام انتاج مؤثرات العلوم ومؤثرات التطور المعارفي الكبير في جميع المنظومات التكوينية لإنتاج نهضة تقدمية خاصة بنا كطموح نريد استحضاره وبلوغه في مستقبل حياتنا لا وجود له إلا بحضور مدنية الاستهلاك الحضاري التي نحيا العصر بها اليوم ومن خلالها فقط.
وفي محاولة تلخيصنا لهذه الدراسات المتشّعبة نجدها لا تخرج عند كثير من الفلاسفة الغربيين العظام مثل سيجموند فرويد وكانط وشوبنهاور وأتباعهما في نزعتهم التشاؤمية، فهم يعتبرون الجنس انحطاطا للطبيعة البشرية، وأن الرغبة الجنسية منافية للأخلاق حتى لو كانت ضمن نطاق الزواج، وهدف الانجاب، وأن الجنس إذا لم يتقيّد بصرامة الأعراف الاجتماعية السائدة فانه سيؤدي الى انحدار البشرية والحضارة نحو الانحلال. (إلى هذا الحد كلام فرويد يخدمنا) لكن نجد فرويد ينحى بتطرف يناقض أهمية تنظيم الجنس في الحياة قائلا: وكل قيد ديني أخلاقي مجتمعي أو تقاليد وأعراف، هو قيد باطل للجنس ومدمّر لطاقة الانسان وهو كبت غير مشروع (1)، وبهذا يكون فرويد أول فيلسوف وعالم نفس طبّي شرعن طبيعية ممارسة الاباحية الجنسية التي اجتاحت العالم بجنون غير مسبوق في القرن العشرين وما تلاه.
على العكس من هذه التشاؤمية السوداوية، نجد الفلاسفة المتفائلين يتقدمهم افلاطون وبراتراند رسل وفوكو، يذهبون أن النشاط الجنسي يمثل إضافة (بعد) آخر من أبعاد الإنسان يكمّل وجودنا كبشر، وأن الدافع الجنسي ينقلنا الى شكل أعلى من السعادة والرضا، والجنس آلية طبيعية تربط البشر وتوّحدهم، لأن العلاقة الجنسية إشباع الذات وإرضاء الآخر معا.(2) قد لا نقع  بمفارقة  القول أن هذا التفاؤل  المنظّم  للجنس يخدمنا أكثر من أطلاق فرويد عنان الاباحية لكننا لا يمكننا استنساخها.
المنهج أو المنحى الثاني :من دراسة الجنس هو ما نجده عندنا، المنطلق من نزعة المجاراة فيما تتركه فينا فلسفات ودراسات الجنس الغربية من إبهار، ورغبة في التقليد النزعوي ولكن بالاعتماد على مرجعية الجنس في (حكايات ألف ليلة وليلة) وأخواتها، الروض العاطر في نزهة الخاطر، طوق الحمامة، رشف الزلال من السحر الحلال، مباهج القلوب في غرائبيتها وما تحمله من إدهاش يعزّز هوس القراءة الترفيهية الاستهلاكية في تقليب صفحات المتعة الإيروسية النظرية للجنس في الكتب، كمثل قراءة الشعر الماجن أو الروايات الجنسية الخليعة كجواز مرور حصد الإقبال القرائي منقطع النظير لها.. فهم الأدب للجنس هو غير الفهم الحضاري الذي نبتغيه.
أي أن تلك الدراسات العربية الاسلامية القديمة والحديثة الغربية (نوعا ما) أهملت تناول الجنس كواقعة تمثّل اشكالية وجودية أخلاقية، ترتبط من حيث التوظيف المطلوب والمراد منها (بهدف سيسيو- تحديثي)، بوثيق الارتباط والصلة بإشكالية تكوين مظلّة أشمل منها عندنا هي علاقة (التراث والمعاصرة) التي كثر الجدل حولها منذ ما يقرب القرن كاملا ولم تحسم نتائجها في التوظيف لنهضة عربية حضارية وبقيت حبيسة التنظير في المراجعات النقدية التي تراوح مكانها.
وأفضل تعبير عن هذا المنحى  في تناول الجنس كمادة قرائية للمتعة والترفيه نجده في كتاب مالك شبل (الجنس والحريم/ روح السراري) فهو من جهة يحاول مجاراة وتقليد تناول الجنس كموضوع فلسفي في دول المغرب العربي باهتمام فلاسفة فرنسيين وأوربيين، ومن جهة ثانية فهو يتوفر على متعة القراءة الترفيهية لا علميتها الأخلاقية المطلوبة عندنا في كشف أبعاد الجنس الحضارية، حين أختار المؤلف المجتمع العربي المغاربي المعروف بنزعته (الاسلامية الدينية) عيّنة لموضوع دراسته، بما يعزز مرجعية الجنس في العادات والتقاليد والعرف الاحتشامي الأخلاقي المشبوب، والمشبوه أيضا باختراقات جنسية كبيرة مستترة، كما في جميع المجتمعات العربية / ازدواجية الممارسة الجنسية في السر والعلن.
وبالإحالة إلى القديم في الكتابات والمؤلفات العربية والاسلامية الجنسية كمادة ترفيهية بعيدة عن مقتضيات البحث العلمي وآثاره الفكرية والثقافية، وتلبيس سيسيولوجيا البحث عباءة القديم بما يحتويه من إمتاع قرائي شبقي استهلاكي لا أكثر، الجنس لذّة غريزية فقط غير مقيدة ولا منظمة بعرف أخلاقي مستمد من خصوصية الدين وخصوصية المجتمع.
لم يطرح مالك شبل في مؤلفه المذكور(الجنس) إشكالية حضارية يتطلبها الواقع العربي كمعالجة أخلاقية لنهوض حضاري، في موازاة إشكالية إصلاح الفكر الديني في حياتنا المعاصرة وتكافلهما معا، بل طرح سيسيولوجيا الجنس في العادات والتقاليد الاجتماعية والأخلاقية في المغرب العربي كسرد إمتاعي لممارسات وعادات جنسية فولكلورية شعبية تختزل إشكالية الجنس بالعادات والتقاليد الفولوكلورية في الزواج والختان وما شابهها التي هي تقاليد جنسية وليست مواضيع تهتم بإقامة نهضة تقدمية في الحياة.
بين فوكو وبورديو
بضوء التمهيد الذي سقناه سابقا يمكننا الآن الإشارة الى كتابات ميشيل فوكو 1926 – 1984 في أشهر مؤلف فلسفي له حول تاريخ الجنسانية ثلاثة أجزاء، ذهب في الجزء الاول (إرادة العرفان) 1976 إلى ربط الجنسانية بأركيولوجيا التاريخ وحفريات المعرفة مرورا بعصر الفلسفة اليونانية القديمة والهلنستية الرومانية، وفي المسيحية وما قبلها في العهد القديم، محاولا الاجابة عن تساؤل يهمنا نحن اليوم بالصميم هو: لماذا يشكّل السلوك الجنسي والأنشطة والمتع المتعالقة به موضوع انشغال أخلاقي؟
لا نغالي إذا قلنا أن الإجابة عن هذا التساؤل هو صميم ما نحتاجه ونبحث عنه لمجتمعاتنا العربية الإسلامية، في أجابتنا الذاتية الخاصة بنا نحن وليس بما يجيب فوكو عوضا عنا عنه أن جاز التعبير، فهو يجيب بما يرضي نزوعه الفلسفي الخاص بالمجتمعات والحضارة الاوربية لا بما نحتاجه نحن كمجتمعات شرقية لم تعرف من الحضارة غير النزعة الاستهلاكية منها بعد في حاضرها و في مستقبلها المنظور.
إجابتنا نراها في تسليط الضوء على التساؤل المشروع الجوهري، هل أن الجنس أصبح اليوم عندنا كما هو الحال مع الفكر الديني، إشكالية وجودية في إعاقة أو تسريع تقدمنا نحو تمدينية معاصرة، في حال إمكاننا وضع الجنس ضمن منظومة أخلاقية مجتمعية نظيفة محتشمة، تمتلك كل مقوماتها في قيم شغّالة مصدرها تشريعات الدين المعتدل من جهة، ووصاية القوانين الوضعية الرقابية العادلة في حمايتها ورعايتها (الجنس- الزواج) كعرف أخلاقي تقليدي يحمي الممارسة الجنسية من السقوط في الابتذال والإباحية والتفكك الأسري من جهة ثانية؟!
بهذا التفريق في أن يكون الجنس عامل تحديث نحو معاصرة ننشدها في حياتنا، أم يكون عامل انحطاط يحملنا إلى انفلات جنسي كما في الغرب، يغذّي ويلتقي عندنا عوامل التردي والانحلال في مجمل اشتمالات حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية، هو ما نسعى حضوره ويمكّننا من العثور على ما هو خاص بنا ومفيد لنا.
وبالعودة الى فوكو نجده في تقصّيه وتشعّب الاجابات بما يمتلكه من ثراء فلسفي معرفي عمد ربط الممارسة الجنسية المرتذلة غربيا أساسا بتاريخ السلطة والمصّحات وقوانين الحظر الوضعية غير الانسانية التي سادت ردحا طويلا من عمر التاريخ الأوربي، بما تحمله تلك الممارسات الجنسية الطبيعية والشاذة، من خرق بعضها النظام الأسري والمجتمعي التي تجاوزها فوكو متعمّدا قاصدا من منطلقات إدانته لها في متراكمها التاريخي الذي يتقاطع مع نزوعه البحثي ولا يماشيه أو يخدمه في توكيده الغلمانية وأنواع الشذوذ الجنسي الذي كساه بمنطلقات حقوق الانسان والحرية الاجتماعية في أشباع الجنس والنزعات الجنسية المكبوتة والمحاربة عبر العصور.
وعمد فوكو في دوغمائية فلسفية وقبلية معرفية إلباس التاريخ الجنسي رؤاه المنحرفة جنسيا حين سعى بمثابرة وجهد كبير إيجاد تدعيمات تاريخية في تمريره انحرافات وشذوذات الجنس، تحت مسوغات عاطفية وإنسانوية مرجعيتها (البيولوجيا، الفسلجة وعلم التشريح، علم النفس الطبي، الاجتماع، السلطة، وفي المصحات والعزل والسجون.
في هذا المتراكم البحثي المعرفي والثقافي أستطاع فوكو تطويع حقائق الجنس في اعتبارها إشكالية بيولوجية غريزية إنسانوية قبل أي اعتبار آخر لا يهمه ولا يعنيه، في عدم أدانته شذوذاتها، أو في محاولة تهذيب تلك الممارسات الشاذة في منظومة أخلاقية شاملة، وسعى ما وسعه الجهد إنقاذ الاباحية الجنسية بدءا من مراحلها التاريخية القمعية، ومراحلها التسفيلية، الاستلابية المجتمعية وسحبها الى مراتب ومصاف حرية التعاطي الجنسي الفردية، وضرورة إشباع الغرائز الإيروسية الإنسانوية للجنس، المفتقدة للمشروعية في القمع خلال وطيلة أحقاب زمنية تاريخية، وأنه حان الوقت أعادة الاعتبار المفقود لها وتجويزه تلك الخروقات الجنسية الشاذة على أنها من مسلمات الطبيعة الغريزية الإنسانية، لا يتوجب التقاطع المجتمعي معها، ولا تحشيد المؤسسات الدينية أو السلطة المدنية بوجوب رفضها ومحاربتها، وليس من حق السلطة والقانون الوضعي محاسبتها أو ألجامها وإيقافها عند حدودها المقبولة اجتماعيا بما يحفظ الجنس من الابتذال الاباحي.
ويشير تاريخ حياة فوكو أنه في أيامه الأخيرة أراد وضع آرائه الفلسفية الجنسية موضع التطبيق، حيث أنخرط في ممارسات جنسية مثلية أعتبرها على حد تعبيره، (الخلق الحقيقي لإمكانية الرغبة التي لم يكن يحظى الناس بها في الماضي) وأدت الى أصابته بالإيدز ووفاته.
النموذج الثاني في دراسة الجنسانية هو عالم الاجتماع الفيلسوف الفرنسي بيار بورديو (1930- 2002) في مؤلفه (الهيمنة الذكورية) فقد ذهب الى دراسة الجنس (بيولوجيا)، في مقارنته تضاريس اختلافات الجسد الذكري والانثوي فسيولوجيا وظائفيا، وتشريحيا طبيّا، وتوظيف التمايزات والفروقات الجسدية الجنسية بدءا من اختلاف بيولوجيا الأعضاء التناسلية، وهيمنة الذكورة في الحياة الزوجية الاسرية، والبيت، والعمل، والعلاقة مع الآخرين، والاختلافات النوعية في السلوك والممارسات الاجتماعية، بما يمنح الرجل ويكسبه شرعنة الافضلية على المرأة، بحكم تمايز بيولوجيا  الجسد وما تجرّه وراءها من تبعات التمايز والاختلاف على مختلف الصعد الاسرية والمجتمعية، والانفراد والهيمنة الذكورية، ليس على صعيد علاقة (فوق- أسفل) جنسيا وحسب، ولكن في انسحاب النتيجة التنافسية في أعلاء شأن الذكر على الانثى وعجز المجاراة في جميع مفاصل الحياة تقريبا. العلاقة التي يشوبها الكثير من الإجحاف بحقوق المرأة انسانيا واجتماعيا وحقوقيا.
إن في اختلاف بيولوجيا الجسد – الجنس الفيزيائي الذكوري والانثوي الذي يكرّس هيمنة الرجل (هذا خارج الدعوة الحضارية بالحقوق المتساوية للجنسين وتحقيقها ضمن ميادين ومستويات عديدة في أوربا وامريكا وبلدان العالم الكثيرة) تكون مساحة استقبالها عندنا مجتمعيا وسلطويا أكثر من مقبول ومرحّب به، في جميع المجتمعات العربية الإسلامية تقريبا، وما ينفرز عنها من ممارسات الافضلية الذكورية على صعيد فروقات بايولوجيا الجسد والجنس مع المرأة، واستخدام هذا التمايز في مجالات المعيشة والعمل ومرافق التعامل مع الحياة.
ويغذّي ويعمّق هذه الواقعة المكتسبة نزعة الأفضلية، المتراكم التاريخي التقاليدي والاعراف المستمدة من الموروث الطويل تاريخيا في المتجذّر الوجداني والسلوكي وفي مصدرية ومرجعية الاسناد الديني وقوانين واوامر السلطة والحكم الانفرادي الوراثي المستبد والهيمنة الإطلاقية الذكورية الاحادية غير المتنافسة على مفاصل الحياة والسلوك على مدى قرون طويلة.
لذا يأتي مؤلف بورديو (الهيمنة الذكورية) مطابقا تماما لمسرح اشتغاله لواقع الجنسانية في المغرب العربي، الذي يصح تعميمه على أقطار الوطن العربي الاسلامية بلا أدنى تحفّظ عليه في المفصح عنه أو المخفي المستور.
لم نجد في هذا المؤلف، رغم أن كاتبه  فيلسوف وعالم اجتماع متمّيز، أية انتباهة لافتة لأهمية نقل دراسة الواقعة الجنسية من ميدان سيسيولوجيا الممارسة الجنسية الى سيسيولوجيا الاخلاق والسلوك الجمعي الذي يعزز الالتزام العام بأخلاق الجنس الطبيعية المحتشمة على الاقل ما يهم منها مجتمعاتنا الشرقية العربية سيسيولوجيا جنسانيا.
في غياب هذا الربط المفقود الذي أشرنا له، الذي لا يقلل من أهمية ثيمة الكتاب في وصوله نتيجة هي تحصيل حاصل موجود في مجتمعاتنا / الهيمنة الذكورية وما يترتب عليها من ممارسات أخلاقية متمايزة ليس على صعيد الجنس وحده بل في مجمل الحياة كما ذكرنا سابقا.
كيف نفهم اشكاليتنا في الجنس؟
بأي فهم ومعنى والى أي مدى يمكننا الحكم على أخلاقيات الجنس، أن تكون مرتكزا في تعميمنا لها على أخلاقيات السلوك المجتمعي العام المعلن، في حال توفرنا على الضبط المطلوب ألا تصبح العلاقات الجنسية عوامل تردي وانحلال مجتمعي وأسري عندنا؟
وما الفرق الذي يمكننا الافادة منه في مقارنتنا إشكالية الجنس عندنا وإشكاليتها في المجتمعات الاوربية والامريكية ومعظم دول العالم على وفق منظور(السيسيولوجيا) الذي ذكرناه في أعلاه؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الطرح يحوي افتعالية / مقارنة الاشكالية الجنسية بيننا وبين الغرب الاوربي أنها ليست في محلها، وأنها تسطيح مقارن في انعدام اوجه مقارنة الاختلاف المحسومة مسبّقا لصالحهم، وليس في صالحنا نحن. وهو خطأ... كيف؟
الاشكالية الجنسية في الغرب انتهت الى نتيجة أنها استنفدت نفسها جنسيا إباحيا، ولم يعد لديها ما تدّخره وتنافس به غيرها. فهي وصلت مراحل متدنية جدا في الإباحية الجنسية التي لا ينفع معها المعالجة في تصحيح السقوط النهائي. وإن زوايا الرصد والمعاينة من قبلنا لإشكاليتهم الجنسية وفروقاتها الكبيرة بيننا وبينهم، لا تتكافأ (نوعيا وقيميا) مع إشكاليتنا التي هي في مراحلها الاولى المستترة بعد، وإمكانية وقدرات التصحيح عندنا موجودة وليست ميؤوس منها كما هي عندهم. إن الاباحية الجنسية في أمريكا وأوربا خرجت ان تكون مخرجا لتنظيم المجتمع أخلاقيا سوّيا.
الانحدار الجنسي في أوربا وامريكا انحدار مفزع ومؤرق برأيهم هم وليس برأينا نحن الى حد ان وصف ذلك أحد المهتمين بهذا الشأن بقوله: أن تفاقم الاشكالية الجنسية التدميرية في أمريكا والغرب تمثل قنبلة نووية، يهدد انفجارها المستقبلي افناء البشرية.
ورغم كل ما ذكرناه قد يبدو أنه  مصادرة فكرية بحثية نظرية من قبلنا في حسم مقارنة تحتاج الى توضيح أكثر، يدخلنا ببعض التفاصيل، أننا نجد وبشكل عام معلن ان الجنس في المجتمعات الغربية انحدر وينحدر اليوم بمتواليات رياضية نازلة في الاباحية والانحلال السلوكي والخرق العام للنظام الاخلاقي والقيمي الأسري السوي، ما رتّب انحلال تماسك الاسرة، وتراجع الزيجات، انفلات التربية الاسرية وفقدان السيطرة بحكم القانون، في البيت والمدرسة، ممارسة الشذوذات الجنسية المثلية الذكورية والسحاقية الانثوية وحمايتها قانونا، زنا المحارم، الديوثية، تعاطي المخدرات وهكذا.
يقابل هذا الانحدار البشع في الجنس، تصعيدا (قيميا) في السلوك الاخلاقي العام عندهم، بمتوالية تصاعدية مناقضة لمتوالية الانحدار الجنسي الإباحي، تعبيراتها تفشّي سلوكيات وقيم العلم والتحضر والحداثة، إعلاء قيم المساواة والعدالة والديمقراطية في الحقوق والواجبات، النزاهة والصدق والإخلاص، حقوق الانسان والمرأة، حرية المعتقد، وحرية الممارسات الفردية، الى غيرها من قائمة طويلة عريضة تقاطع جميعها التسفيل الامتهاني للجنس لديهم. ولا ننفي أن يكون هناك خروقات غير مقننّة، أنه ليس كل من يمارس التسفيل والانحطاط الجنسي، يكون حريصا على ممارسة التصعيد الإعلائي الاخلاقي القيمي في السلوك والحياة. فقد يمارس العديدون إباحية التسفيل والانحطاط الجنسي بالتماهي مع ممارسة الخروقات في السلوكيات والقيم العامة التي ادرجنا بعضها, في ما ذكرناه مفارقة غريبة فعلا.
لكن لو نحن جربنا سحب هذه المعادلة السبق لنا ذكرها على مجتمعاتنا العربية – الإسلامية، ومحاولتنا تطبيقها، لوجدنا أن مرتكز أخلاقنا الجنسية وغير الجنسية مستمدة من ثنائية ( فقه الدين – السلطة الحاكمة) وفي تنظيم الحياة برمتها، وفي مجال الجنس تمارس تلك الثنائية دورها التحريمي الانضباطي الاخلاقي الذي يحول دون السقوط في الانحدار التسفيلي الانحطاطي – هذا على الاقل في المعلن المتداول والمتواضع قبوله مجتمعيا – في تطويق انتشار الاباحية الجنسية وتفكك النظام الاسري الاخلاقي المتين. والمحافظة على الشرف الشخصي والتقاليد الاخلاقية السلوكية المجتمعية.
في مقابل هذا التعالي الاخلاقي المكابر عندنا في العلن ماذا نجد من خروقات واختراقات عميقة غائرة في السر والكتمان على صعيد الممارسة الجنسية. وماذا نجد بخلاف الغرب عندنا من تفريط مذهل بكل قيمة اخلاقية على صعيد سيسيولوجيا الحياة والسلوك الجمعي العام. في عجز ايقاف التردي الاخلاقي في السياسة والاقتصاد والثقافة وميادين الحياة، فلا وجود لقيم الصدق والنزاهة والامانة ومصلحة المجتمع في جميع مفردات التردي البشع في حياتنا، وفي تقاطعها المعيب مع كل مقومات التقدم ومجالات التحضر من حولنا التي تحاصرنا.
اننا هنا لا نتخطى ازدواجية المعلن في تقاطعه الاختراقي مع المستور، بان فواحش الجنس غير المعلنة عندنا هي نفسها فضائح الاباحية الجنسية في أوربا وامريكا المعلنة التي ندينها، لا فرق بين اباحية معلنة ليس فيها محظور أو إدانة أسرية أو مجتمعية أو سلطوية، وإباحية تمارس في السر داخل الغرف المقفلة وأسرار وخفايا السرير.
الفارق أن الإباحية الجنسية غير المعلنة عندنا يقترن فيها التسفيل الانحطاطي الجنسي مع الانحطاط السلوكي المجتمعي الاخلاقي العام. (يوجد استثناءات لذلك). على صعيد العمل والوظيفة والمؤسسة وتقديم الخدمات وغيرها، وهو ما لا نجد مشابهاته في المجتمعات الغربية، فالجنس خارج معادلة الشرف المهني عندهم. فشرف أداء الواجب الوطني والعملي في الحياة اليومية عندهم يتم بمعزل تام عن ممارسة الفرد لحرياته الشخصية الاجتماعية.
وحيثما وضعنا نحن الجنس ضمن وصاية ومدركات (الدين – العقل) نجد يلازم ذلك انحدار كبير في اخلاقيات المجتمع وتدني قيم البناء المجتمعية. إن ما يشكل في المجتمعات الغربية، عيبا او خللا في منظومة البناء الحضاري، نجده لدينا لا يوازي الخلل الذي نتعمده في تعطيل بنانا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الغش والفساد والكذب والتزوير.
قضية تردي أخلاق الجنس لدينا، مع تردي مجمل أحوالنا الأخلاقية والسلوكية العامة، أصبحت قضية مركبة في أن يكون الاختراق في أحدهما يكمله ويعاضده مفردات التردي والاختراقات في الجانب المتم الآخر وهكذا، حتى تكتمل حلقات التردي والانحلال التدريجي في هياكل المجتمع البعيد عن أدنى معيار أخلاقي متحضّر يحكم الحياة وينظّم شروط وواجبات وحقوق الفرد وحقوق المجتمع.
خاتمة:
نخلص من هذا بمجمله أن التسفيل الجنسي الاباحي في أوربا والعالم تقريبا، منعزل تأثيره عن سيسيولوجيا القيم والسلوكيات الاخلاقية والمهنية التي تنظم شؤون الحياة المتحضّرة لديهم، وهذه الممارسات غير مستمّدة لا من وصايا وتحريمات الدين، ولا من رفض قيم العلم والاعراف الاخلاقية لها، اذ كلما انحدرت تلك المجتمعات جنسيا، ارتفعت وتسامقت في تحضّرها في توفير ضرورات الحياة اليومية، ومتطلبات معيشتهم في الرفاهية والسعادة والعيش الكريم. بعيدا ان تكون هذه المعادلة اشكالية تقرر مصير وموقع الفرد في المجتمع. طبعا من غير المعقول انه لا توجد خروقات في تلك المعادلة، لكنها عديمة التأثير بالمنحى الأخلاقي والسلوكي المتمدن العام. نريد العكس عندنا في اهمية ووجوب ان يكون للتربية الجنسية والاخلاقية دورها المؤثر الكبير في بناء مجتمعات متقدمة، تتكافل مع كل قيم بناء الشخصية الفاعلة المنتجة التي تمتلك المعاني الكبيرة في تعاملها مع الحياة.
 بقينا عصور طويلة من تاريخنا نفهم الاخلاق انها (جنس ومتعة فقط) يتحدد موقعه ومجال اشتغاله من تحت حزام بنطلون الرجل وسرّة بطن المرأة، وكل ما عداها من خروقات جائز حلال، وفهمه غيرنا أن ما فوق حزام البنطلون وسرّة بطن المرأة  تكون  ممارسة الأخلاق خارج الابتذال الجنسي عندهم الذي ندينه في العلن ونمارسه في السر.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)