إشكالية تعريف الفلسفة

 ذ أحمد زكرد
" ما الفلسفة؟" سؤال يطرحه كل من يسمع اسم الفلسفة؛ العامي وحتى المختص، لكن لا أحد يستطيع تكوين فكرة واضحة أو الإجابة عن هذا السؤال، وحتى لو قدموا إجابات عن سؤال ما الفلسفة؟ فسيظل الجواب يحتمل الصواب والخطأ، لأنه في الفلسفة لا يمكن وصف هذه الإجابة بأنها صحيحة ولا بأنها خاطئة، وبهذا المعنى فتعريف الفلسفة جزء لا يتجزأ من الفلسفة نفسها؛ أي أن سيرورة الإجابة عن سؤال "ما الفلسفة؟" لا تنتهي، فمثلا أفلاطون عندما عرف الفلسفة، فهو بالأحرى أعطى تعريفا لفلسفته هو، وكذلك الشأن بالنسبة لأرسطو ...إلخ. هذا يدل على أن لكل فيلسوف تعريفه الخاص أو بلغة مارتن هايدجر:" أن هناك معانٍ للفلسفة بعدد الرؤوس التي تتفلسف."  أي أن كل فيلسوف يبدع التعريف التي ينساق مع فلسفته، ومن هنا قد نفهم تعريف جيل دولوز للفلسفة بقوله: "الفلسفة هي نحت وإبداع للمفاهيم (التصورات) والتفكير بواسطتها1"؛ بمعنى أن الفلسفة ما هي إلا ترجمة لروح عصرها، لأن كل فيلسوف مهموم بحاضره؛ أي أنه مهموم بنحت المفاهيم التي تفرض وجودها في حاضره، في هذا الصدد يتبادر إلى ذهني تعبير كارل ماركس:" أن كل فلسفة هي الخلاصة الروحية لعصرها."  
هكذا فتعريف الفلسفة دائم الانفلات ما نفتأ نحدده حتى نجده في مكان آخر يحمل معنى آخر يترجم فلسفة عصره أو بيئته ( الفلسفة بنت بيئتها)، وهذا يدل على  أننا لا ندرس الفلسفة كما ندرس أي علم من العلوم، بل إنما ندرس فلسفة الفلاسفة ؛ أي أفكار و نظريات  لرجال عاشوا عبر التاريخ، وكأننا بهذا نقول ما قال هيجل :" فالفلسفة ما هي إلا تاريخ الفلسفة " والواقع أن الفلسفة و تاريخ الفلسفة لا يمكن الفصل بينهما، فكل تعريف للفلسفة مشروط بفلسفة صاحبه، فإذا كان لكل فيلسوف رؤيته الخاصة حول الأحداث و التحولات التي شهدها عصره، فإن ذلك حتما سيؤثر على تصوره الفلسفي.
هذا ما يحتم علينا في مجازفتنا هاته لتعريف الفلسفة أن نتفلسف، أو بتعبير ما رتن هايدجر:" عندما نسأل ما الفلسفة؟ فالهدف هو أن ندخل في الفلسفة وأن نقيم فيها أي أن نتفلسف."
بمعنى أن التساؤل عن الفلسفة يتضمن بالضرورة نشاطا فلسفيا تأمليا لا يحوم حول الفلسفة قصد تحديدها بل يقحم الفكر في خضم الممارسة التأملية؛ ومن تم فكل تعريف للفلسفة هو بمثابة المرآة التي تعكس فلسفة صاحبه.
في ظل هذه الصعوبات التي تحول دون تعريف كامل للفلسفة، وكما قلنا ذلك راجع لعدم وجود فلسفة واحدة. معناه أن كل ما يمكننا فعله هو إعطاء نماذج من التعاريف تختلف باختلاف الفلاسفة أنفسهم واختلاف العصور التي عاشوا فيها، وبالتالي فإننا سنجد أنفسنا نؤرخ لتطور مفهوم الفلسفة عوض تقديم تعريف له، وهذا ما جعلنا نُعَنون هذا المقال ب "إشكالية تعريف الفلسفة ".
في عملية التقصي هاته داخل زقاق التاريخ للوقوف عند التعاريف التي قُدمت للفلسفة نجد أنفسنا أمام لحظة البداية مع الفيلسوف الإغريقي فيتاغورس (572-497ق.م) حيث يعتبر أول فيلسوف أعطى تعريفا لفلسفته حين قال: "الفلسفة هي محبة الحكمة لذاتها:" وهذا التعبير كان لحظة حاسمة في تاريخ الفلسفة، حيث سيعتبر فيتاغورس نفسه "محبا للحكمة" وذلك تواضعا أمام عظمة الآلهة، يقول: "من الغرور أن يدعي الإنسان لنفسه الحكمة، واسم الحكيم لا يليق بإنسان قط بل يليق بالآلهة وكفى الإنسان شرفا أن يكون محبا للحكمة وساعيا وراءها"  
ومن هذا الأمر اشتق اسم فلسفة أو philosophia   التي تتكون من قسمين. فيلوس Philos وتعني المحبة (amour)، وصوفيا Sophia وتعني الحكمة (sagesse)، أي محبة الحكمة amour de la sagesse، ويكون الفيلسوف Philosophos هو محب الحكمة.
لعل المعنى الإتيمولوجي واضح بما فيه الكفاية ولا يختلف اثنان على ذلك. لكن على المستوى الاصطلاحي يختلف كما سلف الذكر لذا سندرج على بعض تعاريف الفلاسفة للفلسفة على سبيل المثال لا للحصر، لن نبتعد كثيرا سنبدأ مع (أب الفلسفة) سقراط 468-399 ق.م الذي اعتبر الفلسفة هي دراسة الحكمة، وذهب الى أن الحياة التي لا يتم فحصها (تأملها) غير جديرة بأن يحياها الإنسان. لكن سيتسع معنى الفلسفة مع افلاطون 427-347 ق.م وأرسطو بحيث أصبحت الفلسفة دراسة للكون وكل مناحي الحياة الإنسانية. يري أفلاطون: أن الفلسفة عنده هي "عِلم الحقائق المطلقة الكامنة وراء ظواهر الأشياء"، ذلك لأن حقيقة العالم عنده ليس كما نعتقد، فما نراه بأعيننا لا يمثل الحقيقة، وإنما هو مجرد ظلال وصور مشوهة عن العالم الحقيقي (عالم المثل) الذي يمكن إدراكه بالعقل وليس بالحواس، وقد مَثّل ذلك في (أسطورة الكهف / أنظر كتاب الجهورية لأفلاطون ترجمة فؤاد زكريا الصفحة 246 إلى 250) ليوضح هذا التباين بين عالم المحسوسات وهو عالم زائف وعالم المعقولات (المثل). في حين يرى تلميذه أرسطو أن الفلسفة هي علم المبادئ والعلل الأولى للوجود، أو هي علم الوجود بما هو موجود. ذلك لأنه كان يفكر في الأسباب التي تقف وراء الظواهر.
بعد هذا الثلاثي الأسطوري في تاريخ الفلسفة (سقراط، أفلاطون، أرسطو)، ستتجه الفلسفة لمذاهب ونحل مختلفة فمثلا عند المدرسة الابيقورية بزعامة مؤسسها ابيقور 341-270 ق.م كانت الأخلاق عندهم محور الفلسفة وغايتها لذلك يعرفوا الفلسفة "بأنها الحكمة العَمَلية التي توفر السعادة بالأدلة والأفكار". أما المدرسة الرواقية بزعامة زينون 336-264 ق.م يشبه الحكمة بحقل أرضه الخصبة العالم الطبيعي سياجه المنطق وثماره هي الاخلاق.
أما في العصر الحديث وكنتيجة للانقلاب على تراث القرون الوسطى (غياب العقل وسيطرت النقل)، الذي بدأ في عصر النهضة وتوسع أكثر في عصر الحداثة، فإن الفلسفة عادت لما كانت عليه من قبل، وأصبح التفكير العقلي هو الدعامة التي تستند عليها المعرفة البشرية، إذ أن ديكارت 1596 – 1650: "يشبه الفلسفة بشجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها علم الطبيعة وأغصانها الكبرى المتفرعة من هذا العلم هي: الطب والميكانيك والأخلاق2".  كما قلنا أن تصور كل فيلسوف للفلسفة لا ينفصل عن الأحداث التاريخية السائدة في عصره، هذا ما لمسناه في تعريف ديكارت حيث أنه عايش التطورات العلمية التي شهدها أروبا خلال القرن السادس عشر والسابع عشر...
أما التعريف الذي اعطى شوبنهاور Schopenhauer للفلسفة بقولة: الفلسفة هي القدرة على الاندهاش أمام الواقع "بمعنى أن الفلسفة تولد من رحم الاندهاش؛ فالفيلسوف هو ذلك الرجل الكبير الذي حافظ على دهشته الطفولية.
وكرد فعل على الغلو في الأخذ بالعقل والاعتماد عليه بشكل مطلق في العصر الحديث، ظهرت اتجاهات كثيرة في الفلسفة المعاصرة تنادي بضرورة الحد من الثقة المفرطة في العقل، بعد أن تأكد لهم أن العقل معرض للخطأ وأنه يتأثر بالعواطف والعقائد، بل ظهرت آراء سلبته كل قدرة على قيادة البشر، وأصبح بدوره مُسير من طرف قوى أخرى. مثلا (البراجماتية) التي يرى أحد أعلامها وليام جيمس: أن هدف الفلسفة هو تحقيق منفعة عملية؛ أي أنها ليست بحثا في مشكلات نظرية وقضايا تأملية، بل هي تفكير على نحو يحقق للإنسان النجاح في حياته العملية. وكذلك ذهب كارل ماركس 1817 – 1883 إلى القول بأن الفلاسفة قد دأبوا على تفسير العالم بطرق شتى ولكن مهمة الفيلسوف في اعتقاده هي العمل علي تغير العالم وتعديل النظم القائمة و تخليص الإنسان من الظلم و طغيان الخرافة. يقول: "لم يعمل الفلاسفة حتى الآن سوى على تفسير العالم بطرق مختلفة. لكن الهدف هو تغييره".
كما ظهرت إلى جانب الفلسفة البراجماتية والماركسية مذاهب أخرى كالتحليلية و الوضعية المنطقية و الوجودية ... وكانت جميعها تسعى إلى تعريف الفلسفة تعريفا خاصا بها، فكانت الفلسفة الوجودية مثلا تستهدف انقاذ الفرد من براثين الجماعة وسيطرة التاريخ ...

أمام هذا التميز والتمايز في تعاريف الفلسفة، يقودنا الى استنتاج أن مسألة تعريف الفلسفة تبقى موضع النقاش بين الفلاسفة، أو بمعنى آخر فتعريف الفلسفة يفترض إقامة فلسفة.

المراجع والمصادر:

الفلسفة في العصر المأساوي الاغريقي، فريديرك نيتشه
ما الفلسفة؟،جيل دولوز وفليكسيس غتاري
ما الفلسفة؟، مارتن هايدجر
محاضرات في فلسفة التاريخ، هيجل
خطاب في المنهج، روني ديكارت
العالم كإرادة و تمثل، أرثور شوبنهاور
مدخل جديد الى الفلسفة، عبد الرحمان بدوي
تاريخ الفلسفة اليونانية، ماجد فخري
تطور الفكر الفلسفي، تيودور اويزرمان
1-   la philosophie n'est ni contemplation, ni réflexion, ni communication. Elle est l'activité qui crée des concepts
2- Toute la philosophie est comme un arbre, dont les racines sont la métaphysique, le tronc est la physique, et les branches qui en sortent sont toutes les autres sciences, la médecine, la mécanique et la morale



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)