الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف

               الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف
                                                                                         10 أكتوبر 2019


د علي محمد اليوسف                                      



توطئة
 يمكننا تعريف الحقيقة المعرفية من جملة تعريفات عديدة متنوعة لها أنها نسق فكري منّظم في تعبير اللغة لمعرفة حقيقة الوجود الانساني بالحياة وحقيقة موجودات الطبيعة من أشياء..
ويعرّف لايبنيتز حقيقة الأشياء المدركة واقعيا بأنها هي (ما يمكننا تحديده بالكامل)، أي ما يمكننا الإحاطة بأدراكه كاملا بصفاته ومحاولة معرفته ماهويا، ويقصد لايبنيتز بذلك حقيقة وجود الأشياء المدركة في تطابقها مع التعبير اللغوي عنها في الصفات الظاهرة البائنة خارجيا، ومطابقة تصورات الذهن الفكرية عنها واقعيا.. وبذلك لا يذهب لايبنيتز بعيدا عن الفهم الإشكالي الميكانيكي الذي يرى الحقيقة الواقعية هي مدركات العقل الحسّية التي يتطابق فيها الوعي مع إدراكها الواقعي في تعبير اللغة عنها.. وحقيقة الأشياء الإشكالية هو ما تدركه الحواس وتوصله في تطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان في مدركات الحواس المنقولة للذهن....
وحقيقة الشيء عند هيوم والمناطقة التجريبيين الأنجليز هو ما يدرك بالحواس ويتناوله الذهن داخله بالاستيعاب بما يرده ويصله عنه من إحساسات تقوم بتنظيم نفسها ذاتيا بالعقل.. ولا يقر هيوم بآراء كانط أن ما يقوم العقل بتخليقه بمقولاته المعرفية عن الأشياء في حقيقة وجودها الأنطولوجي لا يكتفي بإدراكات الحواس المنقولة له فقط بل يعاملها تفسيرا وعلاقات بغيرها.. فكل إدراك يكون قصديا وليس هناك إدراك من أجل الإدراك الميكانيكي للشيء فقط.. وهذا النوع من معرفة الحقائق الإدراكية إنما يكون نسبيا على الدوام تبعا للتغيرات الطارئة على المدركات في صفاتها وحقائقها منها ماهوية تلك المدركات..
أما مطلق الحقيقة فهي لا تخرج عن كونها استدلالا معرفيا متغيرا مستمرا على الدوام غير مدرك ولا يمكن الاحاطة به ثابتا ويبقى وسيلة لمعرفة حقائق أخرى.. أكثر منها حقيقة يمكن إدراكها ومعرفتها كاملة كما يرغب لايبنيتز في تعبيره معرفة حقيقة الشيء هو إدراك الإحاطة الكاملة به في التحديد له بالذهن والفكر، ولا يمكن التعبير اللغوي عن مطلق الحقيقة معرفيا بل استدلالا حدسيا...فالذي لا يدركه العقل لا يكون موضوعا حقيقيا للمعرفة... والحقيقة المطلقة تحولات وتغييرات لا يحكمها الإدراك الزماني - المكاني الساكن كما يجري الحال مع مدركات الاشياء المادية في العالم الخارجي في ثبات إدراكها النسبي...
في تناقض مثالي أكثر تطرفا مضادا لأفكار لايبنيتز يذهب ديفيد هيوم (1711- 1776) (أنه لا يوجد قيمة موضوعية للقوانين العامة، والعالم الحقيقي إنما يقوم على الاعتقاد فقط).. إن هيوم من شدة إيمانه اليقيني المثالي في مناوئته المنهج المادي في التفكير الفلسفي بضراوة، يذهب بأن كل معارفنا الادراكية عن الاشياء هي فعاليات ذهنية صرف ينتج عنها أفكار تعبّر عن مدركات الحواس والعقل، وينكر هيوم وجود قوانين عامة تحكم الإنسان والطبيعة والموجودات بموضوعية لأنها غير مدركة كموضوعات حسّية واقعية مباشرة.. ولأن تلك القوانين العامة لا يمكن للعقل البشري إدراكها حسّيا واقعيا كما هو الحال في إدراكات غيرها من الاشياء والموجودات في الطبيعة.. إذن فهي ليست لها قيمة موضوعية ولا فائدة حتى من إدراكها حسب فهم هيوم.. وكل ما لا يقوم العقل بخلقه بالفكر ويتمّثله بالذهن لا وجود له في عالم الأشياء الخارجي، فمثلا تماشيا مع هذا الخطأ يمكننا القول أنه قبل اكتشاف نيوتن قانون الجاذبية لم يكن هناك قانون جاذبية يحكم موجودات الأرض وكواكب المجموعة الشمسية وعوالم الكون لأن قانون الجاذبية لا يمتلك واقعة موضوعية يمكن للحواس والعقل إدراكه كحقيقة متعينة ماديا وليس كقانون كوني تبنى عليه العديد من النظريات العلمية التي لا يمكن دحضها... عليه يكون قانون الجاذبية حسب ادعاء هيوم لا يمتلك موضوعية وجوده وإدراكه في العالم الواقعي ولا ما يترتب عليه من كشوفات واختراعات علمية إعجازية تقوم عليه؟؟
ومثل ذلك نقول عن قانوني الزمان والمكان في الطبيعة.. قانوني الإدراك الزماني والمكاني يحكمان الإنسان والطبيعة ويعملان بمعزل عن إرادة الإنسان في إدراكهما وفي عدم إدراكهما على السواء لكن لا يمكن لعاقل إنكار وجودهما الحدسي في ظواهرهما.. ويبقى قانونا الزمان والمكان غير مدركان موضوعيا كمتعينات أنطولوجية محسوسة مباشرة بمعنى أوضح الزمان والمكان ليسا موضوعي إدراك بل هما وسيلتي استدلال إدراكي لغيرهما.. وليس بمستطاع عاقل مفكر إنكار مؤثرات هذين القانونين على إدراكنا للأشياء سواء في العالم الخارجي أو في الذهن... وليس كافيا الحكم أنهما غير موجودين لأن العقل يعجز عن إدراكهما كحقيقة حسية واقعية موضوعية والاحاطة بهما حالهما حال موجودات الطبيعة المادية التي لا حصر لها؟؟
لا يكفي بحسب مجاراة هيوم في رأيه المثالي الابتذالي الخاطيء نفي وجود كل شيء لا يدركه العقل بالذهن مباشرة، فهذه سذاجة في الحكم على إنكار وجود الأشياء والعالم الخارجي لأننا عاجزين عن إدراكها.. فالوجود معطى انطولوجي طبيعي بدهي لا يحتاج إدراك العقل لإثبات وجوده.. وإلا كنا نحتاج البرهنة على بديهية وجود الإنسان على الأرض، كون العقل لا يمكنه إدراك وجود إنسان سوى الماثل أمامه فقط وما لا يدرك العقل وجودهم من البشر يكونون غير موجودين.. هذا ما فعله بيركلي وهيوم ولوك في نكرانهم وجود شيء اسمه مادة، ووجود شيء اسمه العالم الخارجي وحتى وجود شيء اسمه العقل بالمنظور المعرفي..
ربما نستبق الأمور كثيرا ونحن نحاول عرض الحقيقة البراجماتية، أن هيوم في افكاره المثالية المغالية وفي تكريسه أهمية الإحساسات وأفكار الذهن المعبر عنها تجريديا يكون ابتذاليا فلسفيا في ابتعاده عن المفهوم البراجماتي في فهم كلا من الحقيقة والوعي والفكر المتعالق بهما كمثل ابتعاده عن التفكير المنهجي المادي.. فالفهم الفلسفي البراجماتي يرى الأفضلية والأسبقية لإدراك حقيقة الأشياء، هو في مدى تطابقها مع أفكار اختبارية (تجريبية) تسعى نحو تحقيق (منفعة) تطبيقية ولا قيمة حقيقية تمتلكها أفكار تعبيرية لغوية عن شيء لا تقوم على مبدأ ارتباطها بالتجربة العملانية في بلوغ صحة وصدق وصوابية تلك الأفكار التي تحددها التجربة فقط وليس الاقتناع العقلي بصحتها فقط كما يرى هيوم، ولا أهمية ولا قيمة تترتب على إدراك الأشياء في تطابق الفكر التعبيري عنها أن تكون صائبة وصادقة بمجرد الاقتناع الشخصي بصحتها.. وإدراك الشيء ومعرفته لا يمنحه حقيقة أنه صادق وصائب بقرار واعتقاد من صاحبه كما يذهب ويريد له هيوم..
كانط وفلاسفة الوضعية المنطقية الجديدة
وضع كانط أفكاره التي كانت اللبنات الصلبة التي أوقعت الفلاسفة المناطقة الانجليز الجدد في تطرف مثالي ابتذالي لدى بيركلي وهيوم ولوك، في إنكارهم وجود المادة والعقل والعالم الخارجي معتمدين مقولة كانط التي تبدو صحيحة ومتماسكة منطقيا ظاهريا ( أن الاحساسات مصدر مقولات العقل ومن دونها يكون العقل فارغا )(1) الصحيح الذي لا يمكننا تخطئته في عبارة كانط هذه أن العقل (يتوقف) عن إصدار مقولاته بلا مادة خام تنقلها له الحواس هي إحساسات مواضيع إدراك العقل.. لكن مع هذا يبقى العقل غير فارغ محتفظا باستعداد فطري ومكتسب في خزين من الذاكرة والخيال تجعل غياب الإحساسات عنه أمرا ثانويا في الحكم على فراغ العقل من دون ورود الإحساسات له عن طريق الحواس، العقل فاعل وشغّال في معالجته موضوعات عديدة في الذهن يستمدها من الخيال وخزين الذاكرة ليس مصدرها الحواس ولم يستلمها مادة خام تنقلها له الحواس ولا يكون فارغا بدون الاحساسات... تفكير العقل بالأشياء وإصدار مقولاته بشأنها لا يقتصر على ما تنقله الحواس له من إحساسات فقط.. بل فيما يستطيعه الخيال والذاكرة من إمداده بمواضيع تفكير لا تنضب ولا حصر لها.. كما أن العقل مسؤول عن الاجابة عما يرده من إشعارات تخص جسد الإنسان ليست الحواس مصدرها كما في شعور الإنسان بالجوع والعطش والجنس والعواطف والوجدانات وغيرها كثير..
من الملاحظ في جنبة أخرى لتوضيح مفهوم كانط، أنه كان خطأه بمقولته مصدره الأساس مقولة ديكارت وجود جوهرين اثنين أولهما جوهر (العقل وماهيته الفكر)، والثاني جوهر (المادة وماهيتها الامتداد).. لذا يكون كانط عن غير قصد مسّبق مؤسس الابتذالية المثالية المنطقية التي تداولها الفلاسفة الانجليز بداية القرن التاسع عشر في اعتبارهم الأفكار العقلية هي الواقع الخارجي لعالم الاشياء ومن دون تلك الأفكار لا وجود لعالم خارجي.. مستمدين هم ومن قبلهم كانط فكرتهم من مقولة ديكارت أن جوهر العقل وماهيته الفكر فقط ... والإحساسات المنقولة إلى العقل حسب كانط هي التي تملأ العقل ومن غيرها يكون العقل فارغا؟؟
 لو عدنا لعبارة كانط نجد المعنى اللغوي الدال الظاهري للعبارة يلتقي مع مقولات المناطقة الجدد أن ما تنقله الحواس من إحساسات لمدركات العقل هو ما يمثل وجود العالم الخارجي بالذهن، وما لا تدركه الحواس ولا تنقله للذهن غير موجود في الواقع المادي باستقلالية عن الإنسان سواء أدركته الحواس والذهن أم لم يدركانه، متناسين حقيقة جوهرية مادية لا يمكن نكرانها بمزاجية ذاتية هي أن موجودات العالم الخارجي معطى أنطولوجي يسبق إدراك العقل والحواس له، ويسبق تعبيرات اللغة عنه.. وليس مهما إثبات وجوده من عدمه في ارتباط إدراكنا له علة ومعلول أو سبب ونتيجة... فالوجود عالم قائم بذاته في استقلالية تامة عن إدراك أو عدم إدراك الإنسان له...
إن في محاكمة أفكار كلا من ديكارت وكانط بمنهج الفهم البراجماتي الفلسفي، يكونان كلاهما بأفكارهما خارج قوس اهتمام البراجماتية بضوء أن البراجماتية لا تؤمن بالوعي أساسا وسيلة إدراك الموجودات، ولا تهتم كيف يتم ويكون الوعي، ولا تعترف بأهمية علاقة الفكر بالواقع بل الأهم من كل هذا ليس الوعي والإدراك وإنما هو مبدأ التجربة العملانية لكل فكرة  لتبيان صدقها وصواب تطبيقها العملاني عن زيفها.. فما يقوله ديكارت أن العقل ماهيته الفكر.. وما يقوله كانط أن العقل من غير الاحساسات فارغ، لا يخرجان بحسب المنطق البراجماتي عن أنهما يقومان بتوصيف علاقة العقل بالإدراك واللغة على وفق آلية غير واقعية ولا تطبيقية في الميدان المجتمعي الحياتي، كما تستهجن البراجماتية أن كل شيء يتم بالذهن المجرد والفكر التوصيفي بدلالة تعبير اللغة في إثبات وجود المادة والعالم الخارجي... وبالتالي تكون النتيجة أننا أمام فلسفة أفكار مجردة وليس فلسفة واقع حياة نعيشها تحقق لنا منفعة وجدوى..
وربما يتبادر إلى ذهن البعض أنه طالما كانت الذرائعية البراجماتية تؤمن بواقعية الفكر وماديته وليس تجريديته عن الواقع ومثاليته فهي بالمحصلة تلتقي مع الفلسفات المادية منها الماركسية مثلا أيضا!ّ! والحقيقة أن الفارق بين الاثنين كبير جدا والاختلاف بينهما بما لا يمكن مقارنته، وأبسط فرق بينهما أن مفهوم تحقيق المنفعة في الفلسفة البراجماتية لا تمنع من تحقيقها للرأسمالي حتى لو كانت على حساب غمط حقوق الفقير والاقرار البراجماتي المجحف بوجوب تفاوت مستوى معيشة الطبقات الاحتماعية، فالبراجماتية تدين ضمنيا جهل الطبقات الفقيرة المقهورة عدم قدرتها أن تجني منافعها باختيارها لحقائق وتفكير الحياة الصائبة العملية التي تؤدي الى كسب منافع لها.. بينما مادية الفلسفة الماركسية على سبيل الاستشهاد تقوم على تحقيق المنفعة المجتمعية للطبقات المحرومة الفقيرة المسحوقة من ظلم نظام الرأسمالية ولا تقر بأن جهل الطبقات الفقيرة في انتهاج حقائق الحياة الصحيحة المجدية هو سبب فقرها وتخلفها.. فهذا قفز فوق حقيقة أن بؤس الفقراء وجهلهم هو ناتج استغلال الرأسمالي للضعفاء الفقراء.. وليست المسألة تكمن في ذكاء الرأسمالي وجهل المستغل الفقير بسبب جهله.. فالفقر والجهل بالمفهوم الماركسي نتيجة وليس سببا..
 وليفريد سيلارز واللغة
 وليفريد سيلارز 1912 – 1989، فيلسوف أمريكي يعتبر من المطّورين الأساسيين لمفهوم الواقعية النقدية، وله بصمات على تغييرات الفلسفة الأمريكية واتجاهاتها، وكان له تأثير كبير على هيدجر وكارناب....
لنرجع قليلا للوراء عندما أطلق ديكارت مقولته (جوهر العقل ماهيته الفكر) في القرن السابع عشر فهو لم يوهم كانط ولا المناطقة الأنجليز بالإيغال الخاطيء في مثالية أفكارهم الفلسفية وحسب بل امتد الأمر الى فيلسوف آخر أمريكي هو وليفريد سيلارز الذي ذهب إلى القول وبتطرف كان له تداعيات خاطئة قوية على كل من فنجشتين وجاك دريدا..  سيلارز في مقولته الصائبة قال (أن الوعي كله شأن لغوي وبدايته هو اللغة) لا نستطيع الجزم بثبات قاطع أن هذه المقولة مستمدة من ديكارت مرورا بالمناطقة الانجليز أنها كانت محور تفكير فنجشتين ومن بعده دريدا اللذان ذهبا الى أن مرتكز إشكاليات الفلسفة هو (اللغة) وأن حل مشاكل الفلسفة العالقة إنما يكمن في حل معضلات ومخاتلة وأخطاء اللغة في تعبيرها القاصر عن الأفكار.. وقد انسحبت هذه الأفكار ليس في الانصراف عن معالجة معضلات الفلسفة الحيوية بضوء معطيات واقع الحداثة وما بعد الحداثة إلى أن تكون فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات منهجا تحليليا مفلسا على مستوى النقد الأدبي الذي أدخل النص الادبي في مجاهل ومتاهات علم اللغة واللسانيات وليس مباحث فلسفة اللغة، ومعالجة النصوص بما هي أدب صرف يقوم على النحو والصرف والبلاغة والاستعارة والمجاز وليس فلسفة آراء معرفية أداتها التعبيرية اللغة.. وهو ما قامت عليه تفكيكية دريدا ومن قبلها بنيوية دي سوسير وجان بياجيه وبارت في علم اللغة حيث أصبحنا أمام فكر لغوي فلسفي تجريدي لا يلتقي مباحث الفلسفة الحيوية بل أكثر هو عمل وبإصرار متعمد على تغييبها... فتفكيكية دريدا ليست فلسفة معرفية بل هي في أبعد الأحكام إيجابيا عليها لا منهجية نقد النصوص في عملية التقويض المستمر الى ما لانهاية.. وهذه تقوم على تفكيك اللغة بما هي لغة فقط خالية من دلالة المضمون ومحمولات المعنى.. في إلغاءها المرجعية والثبات والعقل باعتبارها جميعها مثابات ارتكاز ميتافيزيقة علينا مغادرتها..
وبعيدا عن منطلقات البراجماتية التي لا تعترف بما يقوله سيلارز الذي كان في منتهى إجادته التعبير الفلسفي في تلخيصه الوعي كله أنه شأن لغوي.. وبعيدا أيضا عن الفهم البراجماتي الذي لا يعترف بشيء اسمه (وعي)، الا أن سيلارز كان صائبا تماما في عبارته ولا يتحمّل أخطاء غيره بتفسيرها حسب أهوائهم من بعده كما فعل دريدا في التفكيكية مثلا وفاتيميو في العدمية والى حد ما دي سوسير في البنيوية.. فجميع الفلسفات المثالية والمادية التي تعتمد العقل أو المادة أو الفكر أو الحواس أو الحدوس وغيرها تلتقي في مصب واحد هو ما قاله سيلارز أن تفسير العالم كله هو لغة بداية ومنتهى.. لكن أي نوع من اللغة؟ ووفق أية آلية يعمل الوعي والإدراك لغويا؟، وما هو الهدف القصدي وكيف يتحقق تفسير العالم الخارجي وحتى النفسي باللغة؟ الى آخر ذلك من أسئلة متناسلة عديدة لا تدين مقولة سيلارز الإشكالية بل تدين التفسيرات الخاطئة لها من بعده.. لقد أعاد سيلارز الاعتبار الى مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته اللغة.. لكن لم ينج ويخلص المناطقة التجريبيين الانكليز من شراك الأخطاء التي وقعوا بها التي لم ينصبها لهم سيلارز فهو جاء بعدهم وحاول تصحيح أخطائهم.. احتمال كبير أن ما أراد التعبير عنه سيلارز كان صائبا من حيث أن الوعي قاصر تماما في بدايته الإدراكية للأشياء، أنه يمثل اللغة التي تنقل مقولات العقل المنظمة للإحساسات في الذهن، أيضا يعتبر فهم سيلارز للوعي وتفسيره العالم لغويا باعتباره آلية إدراك ووسيلة إدراك وليس تحقيق نتائج إدراكية هي هدف كل إدراك، صحيح الوعي هو شأن لغوي، لكن عجز سيلارز توضيح غاية الوعي الإدراكي وقصديته في عدم تحقيقه هدفا معلوما أو متوخى مطلوبا يمثل ثغرة كبيرة جدا في صحة تأويل مقولته.. أن النجاح الذي يحسب لسيلارز هو تكريسه مبدأ عدم وجود ادراك لشيء خارجي مادي من غير تعبير لغوي عنه, وهو ما قاله هيدجر بعبارة أخرى مشابهة ما معناه معرفة العالم تبدأ باللغة... والاخفاق بهذا الطرح من وجهة نظر براجماتية أن الوعي والادراك اللغوي للأشياء لا يعني المعرفة التامة بالأشياء اذا كانت صحيحة صادقة ومثمرة أم كانت لا معنى لها.. كما أن من المهم إدانة سيلارز براجماتيا في أن صحة توصيف العقل إدراكه للأشياء ليس سببا كافيا لمعرفتها وجني المنفعة منها، ومعرفة الأشياء بالفكر ليس مهما قدر الحاجة الى وضع تلك المعرفة تحت اختبار التجربة والتطبيق في الحياة العملية لمعرفة أن تكون صادقة وهادفة ذات جدوى منتجة ونافعة.. الفكر الصحيح المتسق بالعقل واللغة لا قيمة له براجماتيا من غير تجربة عملية تؤكد أهميته وصوابه وصدقه في التطبيق.. وأهمية تعبير اللغة هو في جعل المدركات الخارجية واقعية، لكنما لا يؤكد أهميتها بالمنفعة ولا يحدد صوابها إذا كانت صادقة أم كاذبة إلا بالتجربة وحدها..
سقراط والعقل الإدراكي
اعتبر سقراط قبل ديكارت وكانط (العقل علّة وسبب كل شيء، وليس مجرد استعارة مجازية على أنه مرآة الواقع ) (2)
هنا يؤكد سقراط أن العقل ليس وسيلة إدراك محايدة ميكانيكية لموضوعات إدراكه، وإنما تعبيره ينطوي على أن العقل يمنح مدركاته علة وسبب وجودها ومعرفتها.. كما يمنح العقل لمدركاته الواقعية مقولاته التخليقية الجديدة لها، وبهذا الفهم يكون سقراط استعار عقيدة بروتاغوراس (العقل خالق النظام وهو علة وسبب كل شيء) والتي هي تكملة نسقية فلسفية مضافة لمقولته الصائبة (الإنسان مقياس كل شيء) (3).. هذا التمهيد السقراطي في تعالق حقائق الأشياء والموجودات كمدركات موضوعية للعقل، ومحاولة نقلها بالتناص مع الفلسفة البراجماتية عند أقطابها الثلاثة، تشارلز بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، يضعنا أمام آراء عرّاب البراجماتية وليم جيمس حول مفهوم الحقيقة البراجماتية.. ماهيتها وكيفية الحصول عليها....
وليم جيمس والحقيقة البراجماتية
وليم جيمس 1842- 1912 لا يقر بأهمية إدراك العقل للأشياء ويعتبر ذلك ثانويا بالقياس الى أهمية تحقيق قصدية وهدفية الادراك ليس على صعيد الشخصانية في الاشباع الادراكي كما هي في فلسفة جون سيرل الذاتية الفردانية، ويرفض جيمس تحديد أدراك الحقيقة لتحقيق هدف انفرادي يغفل فائدة المجموع، لذا يحدد جيمس الحقيقة الصادقة الصائبة براجماتيا بما يلي:
-         كل حقيقة لا يحدد صدقيتها وصوابها الادراك العقلي لها، وإنما تحدد ذلك التجربة في التطبيق انها صائبة صادقة وحق ونافعة..
-         ليست كل الحقائق المدركة عقليا والمعبر عنها بالفكر هي صائبة حتى في مقبوليتها العقلية على صعيد إدراك الفرد لها وقناعته بها. فالاقتناع الشخصاني بالصواب لفكرة ليس كافيا لاعتمادها قبل مرورها بالتجربة والاختبار..
-         لا تكون الحقيقة صادقة وصحيحة مالم تكن نافعة، ولا تكون نافعة إذا لم تكن صادقة بالتجربة.(4)
صدق الحقيقة عند وليم جيمس ليس في تجريبيتها مختبريا مثلما يجري في العلوم الطبيعية وإنما الصحة والمصداقية والصواب هو في نجاح الفكرة أنها الحقيقة باختبار مرورها بالتجربة الاجتماعية الميدانية التطبيقية بنجاح.. والحقيقة المعرفية التي لا تكتسب مصداقيتها بالتجربة المجتمعية لا معنى لها ولا قيمة لها... ويحضرني هنا تعبير براجماتي لرئيس جامعة هارفارد الأمريكية سامرز قوله: إن حقيقة صادقة صحيحة واحدة في التطبيق تعادل عندي ألف نظرية ونظرية مكتوبة على الورق..
وصدق الحقيقة عند جيمس (أنها تمثل الافضل لاعتقادنا العملاني بصدقها، وليس صدق تمثيلها الواقع.)(5) ولا صدق قناعة شخص أو مجموعة اشخاص بها.. وصاغ جيمس نظريته البراجماتية في صدق الحقيقة مفادها أن صدق تصوراتنا لا تكمن مقبوليتها والتسليم بصحتها وصوابها أنها تتطابق مع الواقع وتتماثل بالفكر مطابقة تامة معه.. فهذا ليس كافيا لنمنح إدراكاتنا الأشياء صدقها وصوابيتها، والصدق الحقيقي لأية فكرة هو اختبارها في تجربة تطبيق تحقيقها المنفعة بالحياة، كما يعتبر جيمس صدق تصوراتنا لا يكون (سكونيا)، أي لا يكون من حصة الاقتناع الذاتي بها، ولا يكون سكونيا فكريا تجريديا في مطابقة الواقع وتماهيه معه، ولا تكون سكونية في عدم تداخلها المتخارج مع الواقع.. فالتصورات بنظره لا تمتلك صدقيتها الذاتية من خلال قناعة مدركها أو قناعة مجموعة من الناس بها أنها صحيحة بمجرد مطابقتها لحقيقة الاشياء في وجودها الخارجي المتعين إدراكيا.. والسبب في ذلك حسب تعليل جيمس أن الواقع لا يمتلك خصائص الصدق الجاهزة قبل اختبار التجربة العملانية على تلك التصورات مؤكدا ذلك بقوله ( أن المعرفة عن الأشياء والواقع ليست جاهزة – كي يدركها العقل – بل هي أبنة التجربة )(6) لكي يدرك العقل منفعتها التي هي تأكيد صدقها.. بمعنى هنا يؤكد جيمس صدقية الحقيقة هو ناتج التجربة البعدية وليس جاهزية الاقتناع الادراكي بها قبليا قبل التجربة..
وأراد جيمس أكثر من ذلك في تأكيده معنى التجربة أن صدق الحقيقة ليس معزولا منفصلا عن وعي الضرورة بأهميتها في معرفة واقع الأشياء على حقيقتها وصدقها، والصدق هو صدق الفكرة عن الواقع التي لا تكون صحيحة من غير مرورها باختبار تجربة المنفعة العملانية معبرا عن ذلك (كل ما هو نافع صادق أو حق، وكل صادق أو حق يكون نافعا) (7).
الشيء الأكثر إشكالية جدلية مريبة في فلسفة وليم جيمس البراجماتية هو أنه ينكر وجود شيء يطلق عليه فلسفيا (الوعي)، الذي يفصح عن نفسه بصورة تجليات تصوراتية فكرية مادية أو جوهرية كناتج مدركاته الأشياء.. في حين عنده (أن الواقع الوحيد هو التجربة التي يمكن الركون اليها في اختبار كل شيء، ومعرفة كل الذوات العارفة صاحبة الوعي والموضوعات المعروفة المدركة).(8)... بعبارة توضيحية مكثفة جدا انه لا توجد معرفة قبلية ولا بعدية (قبل) التجربة يمكننا الأخذ بها واعتماد صحتها وصدقها...
وليم جيمس والوعي القصدي
وليم جيمس ينسف مفهوم الوعي ليس عن سذاجة فلسفية تدينه بحسب ما نادى به قصديا كلا من هوسرل وهيدجر وسارتر.. فثلاثتهم كانوا متفقين في خروجهم على ديكارت في الكوجيتو الذي يقول أن الوعي الادراكي يكتسب ذاتيا بالتفكير المجرد في اثبات الوجود.. وقال فلاسفة الوجودية بالوعي الحقيقي القصدي انما يكون في تحقيقه هدفا والا يكون وعيا فارغا بلا مضمون ولا معنى... وبنفس المنحى جاءت فلسفة جون سيرل في الوعي القصدي...**  
وليم جيمس يعتبر الوعي الشخصاني الإشباعي كما هو عند جون سيرل بمثابة تضليل لإفراغ مدركات حقائق الاشياء من قصديتها الاجتماعية الشمولية في التطبيق الميداني بالحياة، وهو ما ينطبق بالإدانة البراجماتية على مفهوم جون سيرل بما أطلق عليه الوعي الشخصاني الاشباعي الهادف للوعي بالأشياء.. فالوعي عند سيرل هو الوعي الادراكي الذي يحقق منفعة قصدية ينشد تحقيقها.. والوعي الفردي الشخصاني تكون قصديته ترافقه معه في الذهن مسبقا ويسعى لاشباعها، وهو نفس التعبير الذي سبقه به هوسرل...
وليم جيمس لم يسبق عصريا جون سيرل الذي هو فيلسوف معاصر لم يجايل وليم جيمس في عصره.. لكنه طوّر بصورة غير مباشرة الوعي القصدي عند أقطاب الوجودية من غير تسميتهم، وفلسفة جون سيرل في الوعي هي امتداد متطور لوعي الذات القصدي في الوجودية..
لكن البراجماتية تشترط في كل وعي أدراكي محققا منفعة أن يكون وعيا ادراكيا مدّعما بتجربة سابقة عليه.. وعي الحقيقة وإدراكها حسب جيمس أن تكون تلك الحقيقة صادقة صائبة للجميع وليست مرهونة بصدقيتها لفرد في وعيه الانفرادي لها حتى وأن أمتلك الوعي الادراكي الانفرادي هدف إشباع منفعة قصدية كما يفهمهما جون سيرل في فلسفته.. وحتى حين يكون الوعي شخصانيا فرديا تحكمه الضرورة الادراكية في تحقيق المنفعة سلفا في الذهن... الشيء الآخر المهم براجماتيا أن قناعة الفرد بأصالة الحقيقة وصدقها لا يمنحها تفويضا مقبوليا جماعيا أنها حقيقة أصيلة تمتلك صلاحية الافادة منها في كل الظروف ومختلف التوظيفات الميدانية التطبيقية.. فوعي الفرد الصائب لا يلزم عنه مماثلة وعي المجموع بالنسبة لإدراك حقيقة واحدة تمثل موضوعا مشتركا لهم..
وفي المنحى البراجماتي ذاته يذهب ريتشارد رورتي في أدانته ما أطلق عليه الخطأ الشائع بالفلسفة (أن الصدق يعني التطابق مع الواقع)(9) ويقصد تطابق فكر التعبير اللغوي عن الشيء مع وجوده في صفاته الخارجية البائنة.. مؤكدا أيضا على أن الصدق يكون صدق التجربة العملانية في الواقع والحياة التي تحقق المنفعة.. ورورتي فيلسوف براجماتي تمثل فلسفته امتدادا طبيعيا لفلسفة الرواد الثلاثة الأوائل للبراجماتية بيرس، وديوي، وجيمس.. وسنأتي مستقبلا على بعض آراء رورتي الفلسفية في مقالات قادمة أخرى..
                                    
الهوامش
*** لمزيد من التوضيح لأفكار فلسفة جون سيرل حول الوعي الذاتي القصدي يراجع مقالتنا المنشورة على مواقع المثقف وكوة وفيلوبريس بعنوان (الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل )
1.ريتشارد رورتي - الفلسفة ومرآة الطبيعة– ت: حيدر حاج اسماعيل- ص 16
2.نفس المصدر السابق نفس الصفحة
3.نفس المصدر السابق ص 19
4.نفس المصدر السابق ص 21 بتصرف
5.نفس المصدر السابق ص 27
6.نفس المصدر السابق ص23
7.نفس المصدر السابق ص 21
8.نفس المصدر ص 24 بتصرف
9.نفس المصدر ص 27 بتصرف




تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)