جون ديوي والفلسفة الشعبية

جون ديوي والفلسفة الشعبية
نويل ماكافي
ترجمة: ناصر الحلواني                                                    بتاريخ 22 ماي 2019
ــــــــــــــــــ
تستمد الفلسفة عافيتها بنفسها عندما تتوقف عن أن تكون أداة للتعامل مع مشكلات الفلاسفة، وتصبح منهجا، ينميه الفلاسفة، للتعامل مع مشكلات البشر.
جون ديوي (1916-1917، MW 10:46)
مدخل
إن كتابة فصل عن جون ديوي والفلسفة الشعبية يجب أن يبدأ بشرح لمصطلح الفلسفة الشعبية. لكن، كما سنرى، تلك هي المشكلة التي كُتب هذا الفصل للإجابة عنها؛ هل أُنجزت الفلسفة لأجل جمهور العامة، أو لغايات عامة؟ هل تهدف إلى تثقيف الجمهور أم التعلم معهم؟ هل تؤدي ممارسة الفلسفة إلى الحفاظ عليها، أم أن ممارستها تؤدي إلى تحولها؟ لذا، فبدلا من تقديم تعريف أولي، سأشرع في تتبع استخدامين لمصطلح الفلسفة الشعبية: أحدهما، كنظرية شعبية، والثاني، كممارسة.
أولا،  هناك تلك الفكرة عن الفلسفة الشعبية، باعتبارها وجهة نظر، تمت مشاركتها على نطاق واسع، حول السياسة. في عام 1955 عنون والتر ليبمان كتابه "الفلسفة الشعبية" وفيه: (1) يندب ضعف الرؤية المشتركة لما يجب أن تكون عليه الديموقراطية الأمريكية، و(2) طوَّر الأفكار الرئيسية لما يمكن أن تكون عليه الفلسفة الشعبية القوية: أي فلسفة شعبية قائمة على نظرية القانون الطبيعي، والتمدن. هنا "الفلسفة الشعبية" هي نوع من المذهب السياسي، فلسفة متماسكة، يمكن مشاركتها على نطاق عريض، بالتعبير الدارج: هي مثيل للأيديولوجيا، رغم أن هذا المصطلح يتم تجنبه؛ بسبب طابعه الماركسي (ستيثام 2002, 4). يبحث ليبمان، وأتباعه في مجال العلوم السياسية، عن فلسفة سياسية يمكن مشاركتها على نطاق واسع، أو، مرة أخرى، بالتعبير الدارج: مهيمنة. الفلسفة الشعبية النموذجية، التي ستبدو طبيعية كالهواء الذي نتنفسه، بالطريقة التي تكون عليها الأشياء فعلا.
يستمر هذا الاستخدام لمصطلح الفلسفة الشعبية، في مجال العلوم السياسية، إلى اليوم، وبشكل ملحوظ في عنوان كتاب لمايكل ساندل "سخط الديموقراطية: أمريكا تبحث عن فلسفة شعبية". يقول مايكل ساندل: "أعني بالفلسفة الشعبية؛ النظرية السياسية الكامنة في ممارستنا،  الافتراضات عن المواطنة، والحرية، التي تنم عن حياتنا العامة" (ساندل 1996، 4). رغم أنه يستخدم اصطلاح ليبمان، إلا أن ساندل يدعي أن كتابه يتحدث عن نوع مختلف جوهريا من الفلسفة الشعبية: فهي ذات طابع جمهوري، وليست ليبرالية، وتشاركية، وليست أقلية. ترتكز نظرة ليبمان على أن المواطنين ليسوا في حاجة للقيام بالكثير من أجل أن تعمل الحكومة النيابية، ولكنهم، على الأقل، في حاجة إلى الاشتراك في البنية الأساسية للمجتمع. يجادل ساندل لأجل دور تشاركي أكبر للمواطنين، ويتطلب ذلك أيضا توجها مشتركا. يبقى أن هذه الفكرة عن الفلسفة الشعبية كنوع من المذهب السياسي، ليست، على الأقل بنحو مباشر، موضوع هذا الفصل.
بدلا من ذلك، سينصب اهتمامنا هنا على الفكرة الثانية للفلسفة الشعبية، التي انبثقت من حركة المنح الدراسية العامة، التي بدأت حوالي عام 1990، لإصلاح الانفصام الظاهر بين التعليم العالي والحياة العامة (براون و ويت 2015، وساندمان 2016). وكما كتب إرنست بوير، وكان حينها المدير التنفيذي لمؤسسة كارنيجي لتطوير التعليم: "لقد اعتُبر الحرم الجامعي مكانا لتأمين عمل دائم لهيئة التدريس، ومكانا يحصل منه الطلاب على شهادات اعتمادهم، وما يجري هناك لا يُعتبر ذو علاقة بالعديد من مشكلاتنا الاجتماعية" (بوير 1990). أو، كما كتب دافيد براون قائلا:
حتى هؤلاء الأساتذة، الذي يطالعون مفاهيم "السياسة" و "السلطة" في كل نص، وفي كل معهد، وبرغم ذلك يردون على انتقاداتهم بأشد الأساليب تزمتا. إنهم يقومون بالتفكيك، ولا يتواصلون مع جمهور  أكبر. إنهم يعملون فقط من أجل نيل استحسان أقرانهم، وليس من أجل الجمهور. من الجلي أنهم يحصلون على مكافآت مقابل عملهم الأكاديمي، لكن القليل منه يكون مفيدا لجمهور الناخبين، الذي أوجد منحهم الدراسية. (براون و ويت 2015، 7).
من أجل معالجة هذه المشكلة، يتساءل بوير عما إذا كان ممكنا "للعمل الأكاديمي أن يرتبط، بنحو أكثر فعالية، بمشكلاتنا الاجتماعية، والاقتصادية، والمدنية الملحة". كما نادى المؤرخ توماس بيندر "بانفتاح المجال الفلسفي ... الذي صار متمحورا بشكل كبير حول نفسه" (بيندر 1993 ـ 143).
قامت العديد من مجالس العلوم الإنسانية بجهود مشتركة، للعمل على زيادة انخراط العلوم الإنسانية في الحياة العامة (فينينجا وماكافي، 1997). وعند نهاية التسعينيات، أسس مجموعة من الباحثين جمعية "تصوُّر أمريكا Imagining America" لتكون رائدة في هذه الجهود. وجاء في موقعها على الشبكة:
    مع نهاية التسعينيات، كان النقاش الوطني حول الغاية المدنية من التعليم العالي قد ترسخ، وكان قد أعيد تنشيطه في العقد المنصرم. وكانت المراكز التي تم إنشاؤها حديثا للتعليم والمشاركة المجتمعية، تعمل على تعزيز التزام التعليم العالي بالمشاركة. مع ذلك، فقد غدت قيم المعاملة بالمثل، وتبادل المنفعة، متعذرة التحقق، في بعض الأحيان، وكانت العلوم الإنسانية، والفنون، والتصميم ضعيفة التمثيل.
تم اطلاق جمعية تصوُّر أمريكا في مؤتمر البيت الأبيض عام 1999،  الذي افتتحه مجلس ألفية البيت الأبيض، وجامعة ميشيجان، ومؤسسة الزمالة الوطنية وودرو ويلسون. ويعكس اسم تصور أمريكا موضوع شعار مجلس ألفية البيت الأبيض، الذي يركز على تجديد المشاركة في كافة نواحي الحياة في الولايات المتحدة: "شرف الماضي، وتصور المستقبل". (https://imaginingamerica.org/about/).
اليوم ، صار لدى كل كلية وجامعة، في أنحاء البلاد، مكتب للمشاركة العامة، ومبادرات في مجال المنح الدراسية العامة، وحاليا، علم الإنسانيات الرقمية [الذي يدرس علاقة الإنسان بالتكنولوجيا من الجوانب الاجتماعية والتعليمية والإنسانية]، وحملات لسد الفجوة، من خلال العمل المدني، بين المجتمع المدني غير الأكاديمي، والمجتمع الجامعي من الأكاديميين. تبذل الكثير من المجالات الأكاديمية جهودا في مجال المشاركة العامة، ومن بينها مؤسسات، مثل: المجلس الوطني للتاريخ العام، ومسارد مرجعية لعلماء الاجتماع الشعبيين، ونشرات أدبية للعلوم الإنسانية المدنية، ومؤخرا، مؤتمر ومؤسسة للفلسفة الشعبية.
في حين كانت الفلسفة متأخرة قليلا في مباشرة العمل العام، ففي مستهل القرن العشرين، أسست جمعية الفلسفة الأمريكية (يرجع الفضل الكبير لدعم وتمويل جون لاكس) لهذا الغرض بالذات، لجنة دائمة للفلسفة الشعبية (كنت أحد أعضائها الأوائل). أما الآن، فإن لدى اللجنة الدائمة للفلسفة الشعبية موقعها الإلكتروني الخاص بها  (https://www.apaonline.org/group/public)، وهو موقع نشط للغاية، يعقد عدة دورات في اجتماعات الأقسام المختلفة للجمعية الفلسفية الأمريكية، ويجري مسابقة سنوية لمقالات الرأي. إن فهمها للفلسفة الشعبية يتميز بالرحابة "إيمانا بأن حضور الفلسفة، على نطاق كبير، في الحياة العامة مهم لكلا من المجتمع والحقل الفلسفي، فإن المسئولية الأساسية، التي تقع على عاتق اللجنة، هي العثور على، وخلق الفرص اللازمة لإظهار القيم الشخصية، والفائدة المجتمعية للفلسفة".
وقد انبثقت من أعمال اللجنة مشروعات عديدة أخرى، من ضمنها: شبكة الفلسفة العامة (http://publicphilosophynetwork.ning.com) ومؤتمراتها الكبرى الثلاثة (حتى الآن)، التي تجمع الفلاسفة الذين يقومون بالعمل في نطاق واسع من المجالات، من تدريس الفلسفة في السجون، إلى العمل الدولي حول مشكلة التغيرات المناخية.
أصناف الفلسفة العامة كممارسة
يشارك من يمارسون الفلسفة الشعبية في أنواع مختلفة من الأنشطة، من بينها التدريس في أماكن عامة، الكتابة الموجهة لعامة الجمهور، وغير ذلك، من الفاعليات المذكورة في صفحة لجنة الفلسفة الشعبية في الجمعية الفلسفية الأمريكية:
1 . تنظيم ودعم برامج لشرح القيمة الشخصية، والفائدة الاجتماعية للفلسفة، مثل تقديم سلسلة محاضرات ملائمة، وعرض برامج إذاعية وتلفزيونية للفلاسفة.
2 . تنظيم ودعم برامج لشد انتباه العامة إلى الفلسفة والفلاسفة، مثل حفلات توقيع الكتب.
3 . تأسيس روابط بوسائل الإعلام الوطنية والمحلية.
4 . إعداد نشرات أخبار مناسبة لاجتماعات أقسام الجمعية الفلسفية الأمريكية، وللوقائع الأخرى ذات الأهمية الفلسفية.
5 .   العمل كقناة تيسر إيصال وسائل الإعلام والتساؤلات الأخرى إلى الأشخاص المتخصصين في المجال.
6 . إنتاج، أو المساعدة في إنتاج، الوسائط السمعية والمرئية، القادرة على جذب انتباه الناس إلى الفلسفة، واكتساب تأييدهم لها.
 7 . تشجيع أعضاء الجمعية الفلسفية الأمريكية على المشاركة في نقاشات عامة، حول القضايا المهمة، بالاستعانة بتلك الوسائل مثل مسابقات مقال الرأي.
8 . إجراء اتصال مع السياسيين، والقائمين بالخدمة الاجتماعية، والمفكرين، لتزويدهم برؤية كاملة عن المساهمات التي يمكن للفلاسفة القيام بها.
9 . إيجاد قضايا مشتركة مع معاهد الدراسات الأخلاقية، والمؤسسات الأخرى، لتعزيز مشاركة الفلسفة في نطاق جماهيري أكبر.
لكن، إذا سألت الفلاسفة عن المعنى الفعلي لمفهوم "الفلسفة الشعبية"، فسنتلقى العديد من الآراء شديدة التباين، بداية من كونها شيء يساعد على التثقيف، أو حتى مجرد وسيلة للترفيه عن الجمهور، وصولا إلى كونها شيء لازم للمساعدة على تعزيز وتحويل كلا من الحياة العامة والفلسفة نفسها. إلى جانب هذا التنوع في الآراء، هناك التنافس. على سبيل المثال: أجبت مؤخرا على تساؤل، وَرَدَ في إحدى المدونات، عن معنى الفلسفة الشعبية بما يلي:
إذا أخذنا بوجهة نظر غير نخبوية، وأخرى غير متعالية، في الفلسفة، ونضيف إليهما قدرا أكبر من وجهة نظر ديوي في الجمهور، فسنحصل على ذلك النمط من الإجابة: الفلسفة الشعبية تساؤل جمعي (الفلاسفة بمساعدة الجماهير) حول أساس مشكلاتنا، وما الذي يجب القيام به للتخفيف من حدتها. ما يقلقني أن الأفكار حول الفلسفة الشعبية باعتبار أنها تهدف إلى تعليم الجماهير، لا تفهم حقيقتها. يجب على الفلسفة الشعبية أن تغير ما لا نعرفه عما يعرفه الجمهور. يجب أن يتغير عملنا ـ يجب أن نشارك بقدر أكبر في العالم ـ إذا ما كنا سنؤدي عملنا من وجهة نظر عامة. ثم افترض البعض أنه من غير المجدي تتبع المشكلات، وآخرون افترضوا أننا، من ناحية أخر، قد تجاهلنا  مشكلات تبدو كبيرة في الأفق. ويترك ذلك مجالا واسعا لفلاسفة آخرين، لمعالجة أمور قد تبدو اليوم غير ذات قيمة، ويمكن، في الغد، أن تكون ذات قيمة كبيرة. ولنذكر، في هذا الصدد، الصيرورة الفلسفية لوايتهد، وعاطفة سبينوزا...
عند هذه النقطة، رد فيلسوف آخر لم يذكر اسمه:
نويل، أعتقد أنه يجب تفريغ "الفلسفة الشعبية" من البعد السياسي، بقدر الإمكان. إن "دورات المياه العامة" هي دورات مياه يستخدمها العامة،  و "الحديقة العامة" هي حديقة ينتفع بها الجمهور، و"العروض الموسيقية العامة" هي عروض أوركسترالية يحضرها الجمهور، ويستمتع بها. المسألة هي: ما إذا كانت دورات المياه، أو الحدائق، أو  العروض الأوركسترالية تؤدي خدمة جيدة للجمهور، أم خدمة سيئة. بالمثل، يجب أن يعني مفهوم "الفلسفة الشعبية": أن تكون الفلسفة مهيأة لتعامل الجمهور معها واستخدامها. أما إذا كان المفهوم خاصا بمجموعة فرعية من الفلسفة، يمكن له التعامل معها واستخدامها، ونسميها "الفلسفة الشعبية"، فأعتقد أن تشوشا هائلا سينتج عن ذلك.
وبدلا من التواني مع هذا التشوش، فإنه يقترح أن نلتزم بالمفهوم الوصفي البسيط للجمهور. غير أن قراء هذا المقال عن ديوي، يمكنهم، ببساطة، تصور أن اختزال مفهوم "الجمهور" إلى مستخدمي الحدائق، أو دورات المياه ، سوف يثير غضب ديوي. إضافة إلى ذلك، كما عرضت آنفا، فإن أيا ما يفعله المرء في مجال الفلسفة، فهو في ذاته أمر مهم للغاية.
وجهة نظر ذلك الفيلسوف المجهول شائعة، لكن هنا، مع ديوي، فإني أرغب في دحض هذه الفكرة، لعدة أسباب: إن تصورا وصفيا لمفهوم الجمهور، لن يكون نخبويا واستعلائيا فحسب، بل إنه سيؤدي إلى تقويض الديموقراطية، ويغفل التحولات الانعكاسية للفلسفة. هي تصورات وصفية بمعنى أنها مجرد واصف، يشير إلى أولئك المتلقين، لما يكون من سلع منتجة لأجل الجمهور، سواء كانت دورات مياه، أو طرق، أو حفلات أوركسترالية. ليس للجمهور دور، بوصفهم جمهورا، في إنتاج تلك الخدمات المقدمة لهم، بل هو أمر نخبوي واستعلائي، بمعنى أن اختيار السلع وإنتاجها متروك للخبراء،  الذين يزدرون ما يمكن أن يساهم به الجمهور في إنتاج السلع. لذا، كما ذكرت آنفا، فإن الفكرة الوصفية عن الجمهور، تخضع لنموذج العلاقة الرأسية للخبير، من الأعلى إلى الأدنى، لإنتاج معرفة متخصصة، في مقابل العلاقات الأفقية، التي تميز الديموقراطية. وأخيرا، فإن تلك الفكرة الوصفية، تحرم الجمهور من أي دور في التحول الحاصل في المجال الفلسفي.
من الوجهة التاريخية، فقد سادت تلك الفكرة النخبوية. لننظر في فلسفة أفلاطون الشعبية، في الصورة المجازية للكهف، يقدم أفلاطون ما يمكن أن يكون الصورة الأقوى ـ والأكثر إشكالية ـ للدور الذي يقوم به الفيلسوف مع العامة. فبعدما عاين الفيلسوف ضوء الحقيقة، بالمعنى الحرفي، والحقيقة المطلقة للأشياء، يغامر بالعودة إلى كهف التجربة والخطأ للحياة الإنسانية اليومية، لتنوير أولئك المنتشين بالظلال والصور. لكن، كما ذكر أفلاطون حينذاك، وكما يذكر العديد من الفلاسفة الآن، لم يكن الجمهور يشعر بالامتنان لهذا لتنوير، فهم يفضلون المشاهد الزائفة والأوهام على الحقيقة، وهو ما يشكل سببا أساسيا في عدم قدرة العامة على حكم أنفسهم بنحو جيد. من الأفضل أن يحكمهم فلاسفة متنورين، بدلا من ترك الجمهور وشأنه. من وجهة نظر أفلاطون، فإن الفلاسفة يقومون بدور المصلحين للنزعات السيئة للعامة.
إذن، كيف كان ديوي سيجيب؟ ذلك هو موضوع فصلنا هذا، وسيستدعي التخمين، لأن هذا المفهوم، كان في عصر ديوي، كما لاحظت، يستخدم للإشارة إلى أيديولوجية مشتركة، وليس إلى أسلوب لممارسة الفلسفة. لكني أعتقد أنه بمقدورنا أن نجمع معا بوضوح، ما الذي كان ديوي ليعتقد، باستقصاء ما كان يعتقده حول ركني عبارة  الفلسفة الشعبية ـ الجمهور والفلسفة ـ  ومن ثم، نقوم بتركيبهما معا.
إعادة بناء ديوي للفلسفة
"إما الفلسفة التي هجرت حمايتها للحقائق، والقيم، والمثل الثابتة، فسوف تجد لنفسها مسارا جديدا" (الأعمال المتأخرة 1929، 4:248)
في جل أعماله، وبخاصة في كتابيه "إعادة بناء الفلسفة"(1920)، و"البحث عن اليقين" (1929)، يطور جون ديوي موقفا سياقيا مناهضا للتأصيلية في المعرفة الفلسفية (كادلك 2007)، وهو مناهض للتأصيلية بمعنى: أنه يقدِّر الخبرة، ويقلقه القول بمعرفة، أو حقيقة متعالية/ ترانسندنتالية، وسياقيا، بمعنى: أنه يرى أن البحث الفلسفي متصل دوما بالخبرة الإنسانية المعاشة، وبالتاريخ.
إن إعادة ديوي لبناء التاريخ هو، بشكل كبير، قدحٌ في الموقف الفلسفي الذي اتخذه أفلاطون، ومعظم ما تلاه من تراث فلسفي؛ إذ نظر أفلاطون إلى الفلسفة كبحث عن الحقائق المطلقة، التي لا يعتريها التغير، القابعة ما فوق وما وراء العالم الحسي الظاهري، الذي يعيشه الناس. يرى ديوي أن "مهمة، ومشكلات، وموضوعات الفلسفة، تتولد عن ضغوط وتوترات الحياة الاجتماعية، حيث ينشأ شكل معين من الفلسفة، وبالتالي، مشكلاته الخاصة، التي تتنوع وفقا للتغيرات الجارية في الحياة الإنسانية، في حركتها الدائمة، مما يشكل، في بعض الأحيان أزمة، ونقطة تحول في التاريخ الإنساني" (1920 الأعمال الوسطى 12:256)
وبنما ينظر أفلاطون، وكانط، وآخرون إلى الفلسفة كسيدة العلوم، وأنها حَكَمٌ على ما هو واقعي وحقيقي بالفعل، أراد ديوي إفساح مجال للعلم، معتبرا أن الفلسفة تقوم بدور ضابط اتصال بين الاكتشافات العلمية والحياة الاجتماعية. وبدلا من البحث عن الحقائق والواقع المطلقة، على الفلسفة أن تنشغل ببحث "الشئون الإنسانية، ومن ثمَّ الأخلاق" (1920 الأعمال الوسطى 12:266).
بالنظر إلى الفلسفة على هذا النحو، فإننا نحرز شيئا جديدا:
ما فقده هذا التفسير من منظور العلم، تمت استعادته من منظور إنساني. وبدلا من الصراع بين الخصوم حول طبيعة الوجود، أصبحنا بإزاء صدام إنساني للغايات والطموحات الإنسانية. وبدلا من المحاولات المستحيلة لتجاوز الخبرة، فلدينا سجل مميز لجهود إنسانية لصياغة موضوعات الخبرة التي يرتبط بها عاطفيا. وبدلا من التأمل الحيادي والمحض إلى الطبيعة المطلقة للأشياء في ذاتها، لدينا صورة حية لاختيار المفكرين لما يرون أن تكون عليه الحياة، وإلى أي الغايات كانوا سيجعلون البشر يوجهون أنشطتهم الذكية.
 لذا، ينظر ديوي إلى الفلسفة باعتبارها ممارسة أصيلة في الحياة الاجتماعية للإنسان وفي التاريخ، غير أنها، في الوقت ذاته، تشارك بعمق في البحث حول الكيفية التي يجب أن تعاش بها الحياة، وما الذي يجب علينا القيام به، وما نوع الفعل المتصف بالذكاء والإنتاجية، وما الذي لن يتصف بذلك. الفلاسفة ليسوا مشاهدين محايدين، بل مشاركين في الحياة الاجتماعية.
يكتب ديوي، بعدما كشف المفارقة في أن الفلسفة التي أريد لها أن تكون في مرتبة تعلو ذلك كله، فإذا بها تشتبك عميقا بالأحوال الاجتماعية، أن ما كانت تقوم به الفلسفة طوال الوقت، بنحو مستتر، يجب أن تقوم به علنا وقصدا. ربما يكون ذلك هو "المسار الجديد" الذي اقترحه ديوي لاحقا.
"من المسلم به أن الفلسفة، وراء ستار تعاملها مع الوجود المطلق، كانت مشغولة بالقيم السامية الكامنة في التقاليد الاجتماعية، وأنها نشأت من تصادم الغايات الاجتماعية، ومن صراع التقاليد الموروثة ... إن مهمة الفلسفة في المستقبل هي بيان أفكار الناس تجاه الصراعات الاجتماعية والأخلاقية السائدة في عصرهم. إن هدفها، أن تصبح، بقدر ما يمكن إنسانيا، أداة للتعامل مع هذه الصراعات" (1920الأعمال الأخيرة 12:94).
حول مفهوم الجمهور
الجمهور الشبح عند ليبمان
نشأت فلسفة أفلاطون الشعبية كرد فعل، وكمقابل للتجارب الديموقراطية الأثينية، ودعت إلى تصحيح العجز الظاهر لعدم قدرة الجمهور على حكم نفسه بحكمة. في عصر ديوي، بعد أفلاطون بأكثر من ألفي عام، وبعد الثورة الشعبية في القرن الثامن عشر، التي أسفرت عن الحكم الديموقراطي، كانت فلسفة أفلاطون الشعبية ما تزال فاعلة، في ثنايا إجراءات جيمس ماديسون ـ أبو الدستور الأمريكي ـ للحماية من التشرذم، وفي البنى النيابية، وفي صعود طبقة جديدة من الخبراء والمتخصصين، الموثوق في قدرتهم على التعامل مع تعقيدات المجتمعات الحديثة. هكذا حافظ الحكم الديموقراطي على قدر يسير من إرث أفلاطون، الذي بقي في جزء كبير منه، إذا استخدمنا عبارة وايتهيد، مثل حاشية على فلسفة أفلاطون السياسية. في الديموقراطيات الليبرالية، تحرص الحكومة البرلمانية على ألا تجعل الديموقراطية مباشرة، أي إنها تنشر ثقافة الاحترافية والتخصص، وتعتبر المواطنة فاعلية للهواة، مجرد رحلة يقوم بها المواطنون إلى صناديق الانتخابات، كل عامين، ويكون ذلك هو المدى العام للمشاركة السياسية للمواطنين. وهذا ما يجب أن يكون، يقول المعلق السياسي والتر ليبمان، أحد واقعيي أوائل القرن العشرين، مقتفيا، بنحو جيد، أثر فلسفة أفلاطون السياسية، مدعيا أن المواطن "الحائز للأهلية" الذي تدعيه الديموقراطية، لا يكاد يكون موجودا. وبسبب أن الجمهور لا يحوز وسائل وسيطة تساعده في معرفة الأفضل له، فإن المجتمعات الحديثة تحتاج إلى طبقة نخبوية من الأوصياء لإدارة الأمور، والخبراء ليسوا أناسا عاديين، مما يعني الحاجة إلى خبراء في العلوم الإنسانية، ومن ضمنهم الفلاسفة.
ضمَّن ليبمان نقده في كتابيه، واسعي الانتشار: "الرأي العام" (1922)، و"الجمهور الشبح" (1929)، وعلى صفحات مجلة الجمهورية الجديدة . يرى ليبمان أن الناس متشعبون للغاية، ومنشغلون عن شهود المشاكل العامة، وأن ما نسميه الجمهور، بحسب قولته الشهيرة، هو مجرد شبح. ونحن نستحضر الجمهور الشبح لنشعر أن لدينا ديموقراطية حقيقية. فقد تأمل ما حوله، فلاحظ أن الناس غير قادرين على استيعاب تعقيدات المشكلات التي تؤرقهم، وبنحو أكبر، غير قادرين على إيجاد حلول لتلك المشكلات، هم بالكاد يدركون ما يجري، مثلهم كمثل أحد مشاهدي المسرح، الذي يصل عند منتصف الفصل الثاني، ويغادر قبل إسدال ستار النهاية، ولا يبقى إلا بقدر ما يتمكن من معرفة من هم الأشرار، ومن هم الأبطال.
أيضا كان هناك، كما ذكرت عالمة الاجتماع والسياسة الأمريكية ثيدا سكوتشبول، العديد من النشاطات غير الحكومية، مثل الأعمال الخيرية، التي يقوم بها متطوعون، والتي سرعان ما تحولت إلى ميدان خاص بمؤسسات تُدار باحترافية وتخصص، أزاحت عن المواطنين، بشكل فعال، أية واجبات تزيد عن مجرد البقاء مطلعين بما يكفي للإدلاء بصوتهم في انتخابات لا تحتاج كثير ذكاء.
الحل الذي ارتآه ليبمان، وقد ذكر خطوطه العريضة في كتبه، التي نشرها في عشرينيات القرن الماضي، أن تقوم جماعة من النخبة، من صانعي القرار، وعلماء الاجتماع، بأعمال الحُكم. وكما أشارت أليسون كادليك، فإن ليبمان لم يكن معاد تماما للديموقراطية، هو، بالتأكيد، لا يماثل أفلاطون في ذلك، فقد رأى دورا ما للجمهور: الصراخ في وجه القادة الخبراء، حين يستغلون العمل لأجل مصالحهم الخاصة، بدلا من العمل من أجل مصالح الشعب، وأن يقترع على عزلهم من مناصبهم، إذا لزم الأمر. تؤكد كادليك أن "معادلة ليبمان الخاصة بالديموقراطية، بلا شك قصيرة النظر، فالتصويت للقائمين بالإدارة، إذا سارت الأمور بشكل جيد، والتصويت لغيرهم، إذا ساءت الأمور، لا يقوم بالضبط على الازدراء النخبوي لشان الجماهير"(91). لقد أراد أن يكون هناك دور، ولو محدود، للجمهور.  ولكن على هذا الدور ألا يقترب من محاولة معالجة التعقيدات الهائلة للمجتمع الحديث، وإلا "فإن طلبنا من مواطن عادي أن يجرب أي أمر يقارب حكم الذات، يشبه أن نطالب منه "الإبحار بسفينة فوق اليابسة"".(كادليك 2007-92).
نظرية جون ديوي في الجمهور
أخذ جون ديوي، تحفظات والتر ليبمان تجاه الجمهور، على محمل الجد، فقدم أطروحة مغايرة مفعمة بالحيوية؛ في كتاب "الجمهور ومشكلاته"، الذي نشره عام 1927. فبينما يدعو ليبمان، مع واقعيين آخرين، إلى تكوين طبقة من الأوصياء، تقوم على حل مشكلات الجمهور، انشغل ديوي بفهم وإعادة تشكيل مفهوم الجمهور. وهو يعرِّف الجمهور، ببساطة، بأنه كل "الذين يتأثرون بشكل غير مباشر وجدِّي بالإيجابيات والسلبيات" الناتجة عن "الأعمال الجماعية الإنسانية" لمجموعة معينة من البشر (ديوي 1954-27، 34-35). فإذا كان هناك تأثيرات لمجموعة معينة على الجماعة ككل، تعد هذه الجماعة جمهورا سياسيا. لا شك أن بعضا من أفعال الناس لها نتائج على كل المجتمع، ولكن المشكلة تبرز حين لا يجد الجمهور ذاته، حينما يتعرض للغياب ولكن ليس بشكل تام. في بداية القرن العشرين، ذكر ديوي، في كتابته، اكتشافه مدى التعقد والصعوبة في فهم أنواع المشكلات التي تواجه الجمهور. عندما تتضخم المشكلات، ويصبح من الصعب التكهن بعواقبها، فإنها تسبب في انحسار الجمهور. في عصر ديوي، كما في عصرنا، انتحب المراقبون بسبب عدم اكتراث الجمهور بالمشكلات الاجتماعية، ولا مبالاته. لكن يمكن فهم اللامبالاة، كما ذكر ديوي، بشكل أفضل، باعتبارها "بيِّنَة على أن الجمهور شديد التحير لعدم قدرته العثور على ذاته" (ديوي 1954، 123).
في الوقت الحالي، فإن الكثير من العواقب يتم الإحساس بها بأكثر من فهمها، لكن لا يمكننا القول أنها معروفة، من حيث مصادرها ـ لأنها ليست كذلك ـ من جانب أولئك الذين عايشوها... ومن ثم، يكون الجمهور غير محدد المعالم، وعاجز عن التعبير عن نفسه (ديوي 1954، 131).
يمكن للجمهور أن يجد ذاته، أو بالأحرى، أن يحقق ذاته، بالتآزر معا لمناقشة المشاكل الملحة، ولتحديد مصادر المشكلات، ليرى الكيفية التي تتفاوت بها، تلك المشكلات، في تأثيرها على الآخرين، محاولا الوصول إلى تقرير ما يجب عمله. قد تنشأ من قلب هذه العمليات، التي تصل في مجملها إلى ما نطلق عليه التشاور الشعبي، رأي عام لديه معلومات حول ما يجب فعله. لهذه المعلومات وضع خاص. يصفها ديوي كما يلي: "إن الرجل الذي يرتدي الحذاء هو أفضل من يعرف أنه ضيِّق، وأين موضع الضيق فيه، حتى إذا كان صانع الحذاء الخبير أفضل في الحكم على كيفية إصلاح هذا العيب"([1])  الجمهور نفسه هو أفضل من يفهم المشكلات العامة. ربما نشرك الخبراء، أو موظفي الحكومة، في إصلاح المشكلات، لكن يبقى الجمهور وحده هو الأفضل في تحديد المطلوب لمعالجتها، وما إذا كان العلاج ناجحا.([2])
ويقترح جون ديوي الآتي:
·       على الشعب، من أجل أن يجد ذاته، أن يكون قادرا على الفهم التام لما يترتب من آثار عن الأعمال الإنسانية.
·       يحتاج الشعب إلى أن يكون قادرا على معرفة "ماذا يصنع بـ" العلاقات التي سيدركها، ويحتاجون إلى معرفة ما الذي يمكنهم فعله، وما الذي ستترتب عليه أعمالهم من آثار.
·       يحتاج الناس فرصا أكبر وأفضل للتلاقي معا، في أماكن واقعية، حيث يمكنهم اللقاء وجها لوجه. إذا بقيت المعرفة محتجزة داخلهم، فلن يمكنها المساعدة في تغذية الجمهور كجمهور.
الحل الذي يطرحه ديوي، له ثلاثة محاور متداخلة: أولا: ليجد ذاته، يحتاج الجمهور أن يكون قادرا على إدراك الآثار المترتبة عن الأعمال الإنسانية، وأصول تلك الأعمال. المثال اليوم، أنه من المقبول (1) أن هناك احتباسا حراريا عالميا، يسبب اضطرابا في المناخ، والنظم البيئية، والبيئات. (2) أن هذا التغير ناتج عن استخدامنا غير المسبوق للوقود الأحفوري [البترول والفحم والغاز الطبيعي]، وإلى القرارات السياسية، والسياسات الطبيعية التي تعزز الاعتماد على هذا النوع من الوقود، بالإضافة إلى ممارسات الصناعات التي تتربح من ورائه. وبحسب رؤية ديوي، فإن أحدا لن يكتشف تلك العواقب وحده، وإنما يكون ذلك بمشاركة الآخرين ببحثهم عن كيفية تأثرهم بهذه الأحداث.
يرى ديوي أنه لكي يتمكن الجمهور من القيام بمثل هذه الارتباطات، ومن ثم، اتخاذ قرارات سياسية صحيحة، فإنه في حاجة إلى مستوى ذكاء مرتفع ـ ليس في دقائق الجيولوجيا والأرصاد الجوية ـ وإنما ذلك النوع من الذكاء الذي يتطلبه "الحكم على توجه المعرفة " التي يتوصل إليها علماء الجيولوجيا، وعلماء الأرصاد الجوية. (ديوي 1954، 208-209). من وجهة نظري، بقدر ما يكون التشاور العام متعلقا بالغايات، وبتقرير نوع الجماعات السياسية التي يرغب في تشكيلها،  فإن المتشاورون يحددون "ما الذي يفعلونه بـ" وقائع معينة، على ضوء غاياتهم وأهدافهم الأعم. في النهاية، هم في حاجة إلى معرفة الوجهة التي يبتغونها، وأن يكونوا متهيئين لذلك، كجماعة سياسية، مع الأخذ في الاعتبار كافة القيود، والعواقب، والخيارات التي يفاضلون بينها، والقيم المتضاربة، والأهداف، والتضحيات اللازمة، التي يتطلبها تشاورهم. مثل هذا الذكاء ليس ميزة خاصة بالخبراء، أو بالمواطنين، وإنما يحوزه المجتمع ككل. وهو ما اسميه معرفة عامة.
تصل بنا تلك النقطة الأخيرة إلى المحور الثالث للحل الذي يقدمه ديوي، لإيجاد هذا النوع من الذكاء، أو المعرفة العامة، فينادي ديوي بـ "إعادة تشكيل الأحوال الاجتماعية بنحو عملي"، أي: إعادة ارتباط الناس  بجماعاتهم المحلية ، حيث يمكن لحوار مباشر أن يتحقق. (ديوي 1954-211)، إن دافع ديوي هنا ليس حنينا إلى المدينة الأرسطية، أو إلى الفضيلة الجمعية، وإنما إلى ملاحظة تجريبية يرى بحسبها أن أفكار أي فرد تظل "واهنة وغير تامة" إلى أن يتحقق "التواصل معها، ومشاركتها، وأن تُبعث في التعبير عنها" (ديوي 1954-215).
العلامات والرموز، واللغة، هي وسائل التواصل، التي يتم بواسطتها التبشير والحفاظ على التشارك الأخوي للخبرة، لكن الكلمات الثرية في الحوار، عند التواصل المباشر، تتسم بالحيوية، بعكس الكلمات المحدودة المعنى والجامدة في الخطاب المكتوب. إن البحث المنهجي والمستمر، في جميع الأحوال المؤثرة في الجمعية ومطبوعاتها، شرط مسبق لخلق جمهور حقيقي، لكن هذا البحث ونتائجه، في نهاية الأمر، ليسا إلا أدوات. إن تحققهم الفعلي يتم خلال العلاقات المباشرة، ووسائل التبادل المباشرة. المنطق في تحققه هو تكرارات المعنى الأولي لكلمة: حوار. (ديوي 1954، 218).
في الفقرة السابقة، يشير ديوي إلى أهمية التواصل اللفظي، وهو ما يشير إليه منظرو السياسة بالتشاور الجماهيري، وبفضل هذا التخاطب الشعبي، يصبح ممكنا "التشارك الأخوي للخبرة"، أو فهم الظواهر السياسية، كظواهر يحس بها ويدركها الجمهور. يلاحظ ديوي أنه عندما يقوم الناس بالتشارك في بحث الأمور السياسية، فإنهم يخلقون معرفة متزايدة حول هذه الأمور، وحول أنفسهم كجمهور. لكن ذلك لا يحدث كمجرد نتيجة لجمع شذراتهم المعرفية معا. فما أن يتبادل الناس الحوار، ويبدأون في إدراك أصول وتأثيرات المشكلات العامة، حتى يشرعوا في تشكيل وتحديد هويتهم كجمهور، كعناصر فاعلة لديها القدرة على تحديد مسار، وتوجيه العمل الشعبي.

فلسفة ديوي الشعبية
في غضون تعاملي مع الموضوعين، كلا على حدة، تداخل علاج ديوي للفلسفة، وموقفه حول الجمهور، معا. يجب إن يكون المسار الشعبي، في النهاية، هو تحسين الأحوال الاجتماعية، ومن بين ذلك: التفكير النقدي في ما يكون من عقبات على الطريق، وأي نهج هو ما يجب اتباعه.
لئلا يحسب الفيلسوف أن معظم العمل العام يقع على عاتق الجمهور، أشار إلى الحاجة إلى الذكاء الذي، بحسب ديوي، لا يوفره غير الجمهور. وبهذا التفكير المذكور يقوم الجمهور بتعيين المشكلات التي تؤثر في الناس مجتمعين، بتتبع أصول تلك المشكلات، والتواصل والتشاور معا حول ما يجب فعله، وحث مؤسسات الحكم على اتباع البرامج التي وضعها الجمهور.
تتقارب الفلسفة والجمهور عند ديوي، ليس من جهة المفاهيم النظرية بالنسبة للفيلسوف، وإنما بالنسبة للجمهور كذلك. في خطاب له حول الديموقراطية كمنهج حياة،  أشار ديوي إلى الكيفية التي يمكن بها للجمهور أن يقوم بوظيفة معرفية، وأن يجمع المعارف المطلوبة لمعالجة المشكلات العامة ([3]) . "إن أساس الديموقراطية هو الإيمان بقدرات الطبيعة البشرية؛ الإيمان بالذكاء الإنساني، وبقوة الخبرة الجماعية والتشاركية، ولا يُعتقد أن مثل هذه الأمور تكون كاملة، ولكن إن مُنحت الفرصة، فسوف تنمو، وتكون قادرة على القيام ، بنحو إيجابي، على توليد المعرفة والحكمة، اللذين  يتطلبهما توجيه العمل الجمعي" (ديوي 1986، مجلد 11). لأن الناس يعرفون أين موضع الضيق في الحذاء، فيكون بإمكانهم تحديد المطلوب لمعالجة المشكلات.
بسبب وجود الكثير من العقبات الاجتماعية والمادية، في سبيل تكوين الجمهور، يحتاج الناس إلى حلفاء في عملهم العام، هنا يمكن للفيلسوف أن يقدم يد العون، بالتعاون مع الجمهور، لمساعدتهم في تعيين تلك العقبات، والعمل معهم من أجل التغلب عليها. بملاحظة عمل الفيلسوف العام، مشاركا الجمهور، يمكننا تحديد أنواع الممارسات التي تقوم بها الفلسفة الشعبية، ويمكن أن تعتبر ممارسات ديموقراطية، وذات نفع اجتماعي، وأيها ليس كذلك، إلى جانب: أي أنواع الممارسات قد تكون حسنة النية، ولكنها وخيمة العاقبة. في تقرير عام 2013 لمؤسسة كيترينج، حول الفلسفة الشعبية، تلخص شارون ميجر بعض المفاهيم العامة، الخاصة بأدوار الفلاسفة في الحياة العامة، وتتضمن:
·       دور الخبير.
·       دور الناقد/المثير للإزعاج (سقراط)
·       دور ضابط الاتصال الشعبي (ديوي)
·       دور المقدم لمهارات نافعة مثل التشاور
·       دور المواطن
·       دور المرشد للمواضع والتصورات غير المألوفة
من أجل تقييم ذلك، قامت بتقديم خمس أطروحات عن الفلسفة الشعبية، أرى أنها موافقة تماما مع منهج ديوي البراجماتي:
1.       يجب على الفلسفة الشعبية أن تتميز بالقابلية على التغير، بمعنى: أن لا يقتصر هدفها على أن تكون سببا في جلب فائدة  الفلسفة العامة  للجمهور، ولكن أن تكون قادرة على أن تغير نفسها. تقتبس شارون ميجر كلمات ليندا ألكوف: "إن الجمهور هو الميدان الذي يتم فيه العمل العقلي، حيث تبرز المشكلات ليتم معالجتها، وحيث يتم اكتساب المعرفة والخبرة، بما يساعد على معالجة العديد من القضايا ... إضافة إلى ذلك، فيمكن أن  تتلقى مردودا فعالا، يتعلق بمواقف الفرد، بما يمكِّن من اقتراح التعديلات المطلوبة". لهذا أيضا، فإن الدور المنتحل للمنتقد اللحوح أو الناقد، يمكن أن يباعد بين الفيلسوف والجمهور.
2.       لا ينبغي النظر إلى الفلاسفة الشعبين باعتبارهم "خبراء"، إذ تخشى شارون ميجر أنه يكون مغريا، في عصر التكنوقراط، شغل دور الخبير المالك للمعرفة المحصَّنة، إنما يهدف الفلاسفة الشعبيون إلى توفير الترياق اللازم للخلاص من منهج التفكير التكنوقراطي، علاوة على ذلك، ينبغي على الفلاسفة أن "يفكروا بصورة نقدية في أدوارهم بين أنماط مختلفة من الجمهور"، وكذلك، أن يتخذوا موقفا حاسما تجاه أي مطالبة بالحيادية أو الموضوعية. (ميجر 2013،10). وأيضا، فإن الفلسفة لا تدور حول امتلاك إجابات صحيحة، بل توجيه أسئلة جيدة. وكما ناقشت آنفا، فإن إصلاح ديوي للفلسفة يهدف إلى الإطاحة بادعاءات الحقيقة المطلقة، والبحث عوضا عن ذلك، عن الذكاء الشعبي الموجود بالفعل. إن اتخاذ الفيلسوف دور الخبير، يقوض، بنحو تام، فهم ديوي للبحث الاجتماعي.
إضافة إلى ذلك، يحفظ ديوي موضعا للخبير، ليشغله، فقط، بعدما يتكون الجمهور، ويبدأ في تحمل عبء بحثه. يبقى الخبير في خدمة الجمهور، يوفر له المعلومات المطلوبة للمعاونة على اتخاذ قرارات حكيمة. يرى ديوي، إقرارا منه بأن المشكلات الاجتماعية المعاصرة تنطوي على تعقيدات لا يدركها الشخص العادي، أن هناك حاجة إلى ما يملكه الخبير من معرفة. حيث أن المشكلات المعاصرة تنطوي على أمور تقنية "يمكن معالجتها بالبحث في الوقائع، وحيث أنه بحث يحتاج إلى إمكانات خاصة ممن يجريه، فلا يمكن الاستفادة من نتائجه إلا بواسطة فنيين متخصصين". (ديوي 1954، 125). غير أن حل المشكلات ليس مسألة أمر واقع، بل مسألة مصلحة، وقيمة، وغاية، وما يحدث أن "طبقة الخبراء ضرورية، لذا تم عزلها عن الشؤون العامة، لتصبح طبقة تقتصر على انشغالاتها الخاصة، ومعرفتها الخاصة، والتي هي بالنسبة للأمور الاجتماعية ليست معرفة على الإطلاق". (ديوي 1954، 207). الأمور الاجتماعية أو الشعبية تتطلب ما اسميه معرفة عامة، تتضمن فهما لكيفية تأثير السياسات في احتياجات الجمهور واهتماماته. "لا يمكن لحكومة يديرها الخبراء، ولا تسمح للجماهير بإعلام الخبراء باحتياجاتهم، إلا أن تكون حكومة أقلية، تدور حول مصالح الأقلية"(ديوي 1954، 208).
3.         تتطلب الفلسفة الشعبية عملا تعاونيا متشابك المجالات. تطرح ميجر عددا من الأسباب لذلك:
أولا: إذا كنا نعمل على علاج مشكلات، ترتبط بأفراد جمهور أو جماهير، فلا يمكن لعملنا، إذن، أن ينحصر في ميدان الفلاسفة. خاصة، في الحالات التي يعمل فيها الفلاسفة على قضايا متعلقة بالديموقراطية، والمجتمع المدني، والمشاركة، فمن الأهمية بمكان، أن تشتمل الممارسات الفلسفية على المثُل العليا للتشاركية والديموقراطية ... وفيما يتعلق بذلك، إذا اتفقنا على أن الفلسفة الشعبية قابلة للتطور والتغيير، فيلزم أن يكون الفيلسوف الشعبي منفتحا للحوار مع الآخرين ، والتعلم منهم. ثانيا: إذا ما اتفقنا على أن كثيرا من المشكلات، في المجال المدني، هي "مشكلات كؤود" بمعنى أنها هائلة، وغير واضحة المعالم، ويتورط فيها، أو تؤثر في عدد كبير من الناس، كما أنها تتشابك مع عدد من المشكلات الأخرى، "مشكلة الفقر ترتبط بمشكلة التعليم، ومشكلة التغذية بمشكلة الفقر، والاقتصاد بالتغذية، وهكذا"، تطلَّب العمل التعاون مع الآخرين، والمشاركة المتداخلة بين المجالات المختلفة. هناك أنواع معينة من المشكلات، لا يمكن التعامل معها إلا بالعمل لعام ـ ومواصلة العمل. إن الجمهور الذي يمكنه العمل بفاعلية، هو المطلوب بشدة، حينما تواجه الجماعات ... مشكلات "كؤود" ... وبسبب الاعتماد المتبادل بين الناس، والمشكلات الاجتماعية، يحتاج من يمارسون الفلسفة الشعبية إلى استراتيجيات تستلزم نهجا تعاونيا، يسهل النقاش والتشاور حول كيفية تعريف المشكلة، بحيث تكون مفهومة لدى الجميع، ومن ثم، كيفية العمل معا، من أجل الوصول إلى حلول عملية فعالة.
4.        يجب على الفلاسفة الشعبيين أن يتعاهدوا تقييم عملهم، وأن يكونوا مستعدون للمحاسبة من جانب شركائهم من الجمهور. في حين أن معظم الأعمال الفلسفية لا تتطلب أي تعاون، "إذا فهمنا الفلسفة المشاركة في الحياة العامة باعتبار أنها ممارسة فلسفية يقصد بها بعض الجمهور تحقيق مصالح مدنية، فعلى الفلاسفة المشاركون في الحياة العامة تحمل مسؤولية عملهم، وأن يأخذوا نقد وتقييم العامة لهم على محمل الجد" (شارون ميجر 2013، 12).ومجددا، مع ديوي، المعرفة الفلسفية مشروع اجتماعي. يتضمن استمرارا للتعلم، والتفكير، والتعليم، والإصلاح الذاتي.
5.       تتطلب الفلسفة الشعبية أن نعمل على جعل الفلسفة أكثر شمولا، وأكبر في تمثيلها لفئات الجماهير المختلفة. ربما لم يكن ذلك من الاهتمامات الأساسية في فكر ديوي، ولكن يبدو أنه يترتب على أفكاره حول الكيفية التي يجد بها جميع أعضاء جماعة أنفسهم جمهورا. وأحسب أنه يترتب أيضا على مسألة أن أي جهد لمعالجة المشكلات الفلسفية يجب أن يسأل: لحل هذه المشكلة، من نحتاج، أيضا، لوجودهم على منضدة البحث؟ وإن لم يكونوا موجودين على المنضدة، فلماذا؟ كيف يمكننا أن نجمع الكل معا؟
إذن، فمن تلك الأدوار المحتملة، والمذكورة آنفا، نرى واضحا أن أدوار الخبير، والناقد/ المنتقد اللحوح، لا تتفق مع فكرة ديوي عن الفلسفة الشعبية، أما الأدوار التي تتفق معها، فهي:
·       دور ضابط الاتصال العام (ديوي)
·       دور المقدم لمهارات نافعة مثل التشاور
·       دور المواطن
·       دور المرشد للمواضع والتصورات غير المألوفة
أعتقد أنه بمقدورنا إضافة دورين آخرين، أحدهما: اقترحه جرامشي: المثقف العضوي؛ شخصية ترى عملها متجذرا في المجتمع ، وتهدف إلى التعامل مع اهتمامات هذا المجتمع. غير أن هذا المثقف العضوي يحتاج إلى أن وضع أفكاره موضع التدقيق الشعبي، والمناقشة، وألا يتصرف أبدا كبديل للجمهور. الثاني: هناك حاجة إلى ممارسة نقدية براجماتية، التي شارك بها ديوي أثناء فترة الكساد، لتحديد وإيجاد بدائل (ربما مصاغة للتشاور العام) لأنظمة تشويه التواصل، وللعقبات أمام تحقيق سياسة عامة ونظام اجتماعي. (كادليك 2007، 2013).
إذن، إذا أخذنا في الاعتبار موقف ديوي من السياسة العامة، سيكون بمقدورنا بيان أي أنواع الممارسات للفلسفة الشعبية يتصف بأنه ديموقراطي، وأيها ليس كذلك. ولتوضيح الاختلاف، يبين (الشكل 1) الفرق بين الفكرة الأفلاطونية للفلسفة الشعبية، وبين الفلسفة الشعبية الأكثر ديموقراطية.
 (شكل 1) تنويعات من الفلسفة الشعبية في لمحات عامة جدا.

الواقعي
البراجماتي
استلهامات
أفلاطون (وكذلك: رسل، وليبمان)
ديوي (كذلك وارندت)
الطابع
نخبوي
ديموقراطي
الأهداف
التعليم
البحث
الأهداف
نمو ثقافي محدود
مساعدة الجمهور في البحث عن ذاته
الأهداف
التسلية
الانخراط
الأهداف
مناقشة أفضل
تنامي الديموقراطية
الاتجاه
من أعلى إلى اسفل/رأسي
تعاوني / أفقي
الاتجاه
محترف إلى هاوي
مواطن إلى مواطن
المتعلم
الجماهير المهتمة
كلا من الجمهور والمجتمع الفلسفي
مفاهيم الجمهور
دقيقة
كثيفة

شاهد
عامل

هواة
عاملون
الموقف تجاه الجمهور
التعالي
الاحترام
دور الفيلسوف
ملوك
مواطنون
أساليب العمل
تعميم القضايا الفلسفية
صياغة المشكلات العامة بحيث يتمكن الجمهور من الاختيار والفعل
أساليب العمل
بيان كيفية نظر الفيلسوف إلى المسألة
ادراك ما يعرفه الجمهور حول المسألة ليتمكن الفلاسفة من التفكير فيها بنحو أفضل
أساليب العمل
فعل ما قام الفلاسفة بفعله
إعادة التفكير فيما نفعله
بحسب ديوي
الدفاع عن الوضع الراهن
يستهدف التغيير

أرتدى الكثير من الفلاسفة، خلال القرن الحالي، ثوب الفلسفة الشعبية، لكن ما يدعو للحزن، أن كثيرا منهم يظن أن الهدف هو تقديم الفلسفة في عروض جماهيرية، أو إذاعة مناقشاتهم على نطاق واسع، أو أن يشيد بهم الجمهور باعتبارهم شخصيات ثقافية عامة. يحاول الكثير من الفلاسفة حسني النية المساعدة على تطوير الجمهور، ومعاونتهم في التفكير بنحو عقلاني أكثر، وإجراء مناقشاتهم على نحو أكثر تشاركية. (أي: مثل الفلاسفة)، وأن يكون تفكيرهم نقديا، وأن يتعرفوا على المغالطات المنطقية، والتصويت ضد السياسيين الفاسدين، والسياسات الخاطئة، وتأييد السياسة الصالحة، والحجج السليمة، وربما، أيضا، فهم حقيقة وجود الإله أو الخالق، والحق والباطل، والعلم والخرافة. لسوء الحظ، فلا شيء من ذلك هو من عمل الجمهور في النهج الديموقراطي المتشدد، الذي يغتصب دور الجمهور في تحديد مشكلاته، وأسبابها، والحلول الممكنة، كما يستبعد أي حاجة إلى التشاور والاختيار الشعبيين.
من وجهة نظر ديوي، فإن العمل العام الأكثر أهمية، والذي يمكن للفلسفة القيام به، هو مساعدة الشعب على أن يجد ذاته. بإمكان الفلسفة الوقوف إلى جانب الجمهور، لمساعدة الناس على تحديد المشكلات، والبدء في إدراك كيفية تأثير تلك المشكلات عليهم. لاحظ ديوي عمليتين إضافيتين، يتطلب الأمر حدوثهما: يحتاج الجمهور أن يكون قادرا على إنتاج معرفة بما يمكنه القيام به، من أجل معالجة تلك المشكلات، معرفة يمكنها أن تتخذ شكل الرأي العام، حكم عام، أو إرادة شعبية؛ معرفة قادرة، بشكل مثالي، على المساعدة في تشكيل سياسة شعبية. وثانيا: يحتاج أفراد الجمهور إلى القدرة على التواصل معا، لخلق هذه المعرفة العامة. " إن البحث المنهجي والمستمر، في جميع الأحوال المؤثرة في الجمعية ومطبوعاتها، شرط مسبق لخلق جمهور حقيقي، لكن هذا البحث ونتائجه، في نهاية الأمر، ليسا إلا أدوات. إن تحققهم الفعلي يتم خلال العلاقات المباشرة، ووسائل التبادل المباشرة. إن المنطق في تحققه هو تكرارات للمعنى الأولي لكلمة: حوار"([4])
يمكن للفلاسفة مساعدة الجمهور على إيجاد ذاته، أو بتعبير أدق، على صنع ذاته، بالاجتماع معا للنقاش حول المشاكل اليومية الملحة، لتحديد مصادر تلك المشكلات، ليروا كيف أن تلك المشكلات تؤثر بنحو متفاوت في الآخرين، من أجل محاولة التقرير معا ما الذي يجب عليهم القيام به تجاه ذلك. لتلك المعلومات حالة خاصة، يصورها ديوي كما يلي: "الرجل الذي يرتدي الحذاء هو أفضل من يعرف أنه ضيق، وأين موضع الضيق فيه، وحتى إذا كان صانع الأحذية الخبير هو أفضل من يحدد الكيفية التي يعالج بها تلك المشكلة"([5]) إن مفتاح الفلسفة الشعبية هو تذكُّر أن المشكلات العامة يتحقق الفهم الأفضل لها بواسطة الجمهور نفسه. ربما يحتاج الأمر إلى تجنيد الخبراء أو الحكومات لإصلاح المشكلات، ولكن يظل الجمهور هو الأفضل في تقدير ما يحتاجه علاجها، وما إذا كان العلاج ناجحا.([6]) 
يصعب القول عن أي فاعلية معينة إن كانت شعبية أم لا، فللمضمون والسياق أهميتهما. يمكن لأحد الفلاسفة أن يكتب مقالا ينصح فيه الجمهور بالموافقة على موقف معين، ويمكن لفيلسوف آخر أن يكتب مقالا يعرض فيه منظورا جديدا لمشكلة قديمة. المقالة الأولى قد لا تكون ذات فائدة كبيرة للديموقراطية، أما الثانية فذات فائدة. قد يعقد أحد الفلاسفة جلسة للقراءة في إحدى المكتبات ليبيع المزيد من كتبه، ويعقد فيلسوف آخر جلسة مماثلة لإجراء نقاش. كذلك هنا، فإن الثاني هو الأكثر ديموقراطية. تتضمن الفلسفة الشعبية: صياغة للقضايا من أجل إعدادها للتشاور الشعبي (مثل: بعض الأعمال حول التغير المناخي)، والعمل مع الجماعات لمعالجة المشكلات (مثل: العمل في السجون)، وتعديل طريقة فهم الفلسفة للمشكلة (مثل: حول قضايا العنصرية، والجنس، والإعاقة)، والفلسفات النقدية التي تسعى إلى تحديد من تم تهميشهم، وهناك حاجة إلى وجودهم للمشاركة. هناك الكثير من العمل للقيام به.
لو قدَّر ليبمان الحل الذي قدمه ديوي في قضية الجمهور الشبح، فلعله لم يكن يوجه كثير اهتمام إلى الحاجة إلى "الفلسفة الشعبية" التي تربط الجمهور معا، في حالة وطنية مدنية، بمجتمع ديموقراطي هش للغاية. الفلسفة الشعبية التي يتوق إليها ليبمان توفر النظام والاستقرار، وتضمن أن كل شخص سيؤدي وظيفته، وأن القادة من الخبراء المتخصصين سيؤدون دورهم في إرشاد سفينة الدولة على خير وجه. لقد أراد شعبا يكون قادرا على تمييز ومعرفة الحمقى والأنذال الذين يتولون دفة الأمور، ومن ثم يقوم بالتصويت لإخراج هؤلاء المحتالين من السلطة، لكنه لم يتمكن من رؤية دور أكبر للجمهور يتجاوز ما طرحه. أما ديوي فلم يكن في حاجة لأي نوع من أيديولوجيات الهيمنة لربط الناس بالدولة، وإنما أراد دولة يؤلفها الشعب، خلال نزاعات وتحولات تاريخية، وبدلا من الاعتماد على الخبرة، بحث عن طريقة لتنمية الذكاء الشعبي. وفي هذا المشروع، سيؤدي الفلاسفة دورا جيدا، في تثقيف الشعب.
بعضا من أفضل الأعمال المعاصرة حول الفلسفة الشعبية، تم اختيارها وترتيبها في مجلة الفلسفة الشعبية، وهو موقع على الشبكة خاص بالمنح الدراسية العامة: http://publicphilosophyjournal.org/ . كذلك، تعقد مجموعة الفلسفة والمدينة مؤتمرات في أنحاء العالم، تجمع فيها أعضاء المجتمع الدولي من الباحثين، وتهتم بالقضايا المدنية http://philosophyofthecity.org/ . بالإضافة إلى ذلك، فإن شبكة الفلسفة الشعبية تعقد مؤتمرا كل عامين.  



([1]) Ibid., 207.
([2]) Noëlle McAfee, “Public Knowledge,” Philosophy and Social Criticism, 30:2, 139-157.

([3]) For a more sustained reading of Dewey’s work on democracy being a way of life, see Stuhr 2003, pp. 45--74.
([4]) Ibid., 218.
([5]) Ibid., 207.
([6]) Noëlle McAfee, “Public Knowledge,” Philosophy and Social Criticism, 30:2, 139-157.


المصادر التي تم الاقتباس منها:
Bender, Thomas. 1993. Intellect and Public Life: Essays on the Social History of Academic Intellectualism in the U.S. Baltimore: Johns Hopkins Press.
Brown, David W. and Deborah Witte, eds. 2015. Higher Education Exchange (2015). Dayton: Kettering Foundation.
Dewey, John. 1986. The Collected Works of John Dewey, Later Works. Carbondale, Ill.: Southern Illinois University Press.
Kadlec, Alison. 2007. Dewey’s Critical Pragmatism. Lanham, MD: Lexington Books.
Lippmann, Walter. 1922. Public Opinion. New York: Harcourt, Brace and Company.
_____. 1925. The Phantom Public. New York: Macmillan.
_____. 1955. The Public Philosophy. Boston: Little, Brown and Company.
McAfee, Noëlle. 2000. Habermas, Kristeva, and Citizenship. Ithaca: Cornell University Press.
_____. 2008. Democracy and the Political Unconscious. New York: Columbia University Press.
Meagher, Sharon. 2013. “Public Philosophy: Revitalizing Philosophy as a Civic Discipline.” Report to the Kettering Foundation. January 13, 2013.
 http://api.ning.com/files/C*75Xw4bA4cU7vHOHS-zlLRmkdBskXa9IzuVBCJKtjhmSgMrQy8tWTu1s9vqumPuG2gyJfaPzwWJ1Tu4*NoJIUVYUXtPpC37/KetteringreportfinalcorrectedFeb2013.pdf
Sandel, Michael. 1996.  Democracy’s Discontent: America in Search of a Public Philosophy. Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press.
Sandmann, Lorilee R., ed. 2016. Journal of Higher Education Outreach & Engagement: 20th Anniversary Issue. Volume 20:1. Athens, GA: The University of Georgia.
Statham, Jr., E. Robert. 2002. Public Philosophy and Political Science: Crisis and Reflection. Lanham, MD: Lexington Books.
Veninga, James F. and Noëlle McAfee, eds. 1997. Standing with the Public: The Humanities and Public Life. Dayton: Kettering Foundation Press.
Westbrook, Robert B. 1991. John Dewey and American Democracy. Ithaca: Cornell University Press
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المصدر الإنجليزي للمقال : https://www.academia.edu/32991711/Dewey_and_Public_Philosophy)
تعريف بكاتبة المقال:
نويل مكافي  Noelle McAfee: أستاذ الفلسفة ومدير برنامج دراسات التحليل النفسي بجامعة إيموري. وعضو في هيئة التدريس في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي والجنس ؛ مرشح في معهد التحليل النفسي بجامعة إموري ؛ والمحررة المشاركة لمجلة كيترينج. يقع عملها في تقاطع الذاتية والحياة العامة ، معتمداً على نطاق واسع على الفلسفة الاجتماعية والسياسية ، والنظرية النقدية ، والنظرية النسوية ، والبراغماتية الأمريكية ، والفلسفة القارية ، والتجارب الجديدة في وسائل الإعلام العامة والديمقراطية التداولية. وهي مؤلفة لثلاثة كتب ومحررة مشاركة لثلاث كتب أخرى. يحمل عنوان كتابها الحالي "الخوف من الانهيار: وعد الديمقراطية في أوقات معادية للسياسة".


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)