الفن الشعبي ونقد الفكر الديني ـ جحا نموذجًا

الفن الشعبي ونقد الفكر الديني ـ جحا نموذجًا

                                                       04 فبراير 2019

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر                                         



   يمتاز الفن الشعبي بهامش أكبر للحرية، يُتيح مساحة للنقد السياسي والاجتماعي، ولكنّها حرية تختفي فيها الأسماء؛ لذا كان الحلّ المنطقي هو التخفّي وراء اسم عام يمكن سحبه على كلّ حديث يشتمل سخرية أو نقدّا لاذعًا.
   ربط الباحثون ظهور شخصية جحا بالعصور التي اشتدّت فيها الصراعات القومية، أو التي تتحوّل فيها نُظم الحكم إلى استكمال مقوّمات السلطان في بداياتها؛ حيث يختلّ ميزان العدل، وتبرز تناقضات النُظم الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والمواقف النفسية.
   وفي ضوء هذه المُتغيّرات وما تُفرزه من تناقضات، خاصة في عصور الكبت السياسي والقهر العسكري والقمع الفكري، يُصبح استدعاء الرمز الجحوي محاولة شعبية للتغلّب على تلك التناقضات من جهة، أو مقاومة الانحراف والتسلّط من جهة أخرى.
   ارتبطت نوادر جحا بحياة الناس، وارتكزت على مواقفهم السلبية، بأسلوب مميّز يجمع بين الفكاهة والسخرية والحكمة في آن معّا. ومن بينها بعض الممارسات الدينية الخاطئة، وطُرق التفكير الرجعية في الأمور الدينية.
يُعاني جحا تكرار خطبة الجمعة ورتابتها.. فصعد المنبر وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: "أيّها المؤمنون، هل تعلمون ما سأقوله لكم؟؟" فأجابه السامعون: "كلّا لا نعلم"، فقال: "إذا كنتم لا تعلمون، فما الفائدة من التكلّم؟"، ثمّ نزل من المنبر، وعاد في يوم آخر، فألقى عليهم نفس السؤال، فأجابوه هذه المرة: "أجل، إنّا نعلم"، فقال لهم: "ما دمتم تعلمون ما سأقوله لكم فما الفائدة من الكلام؟"، ونزل، فَحَارَ الحاضرون في أمرهم، واتّفقوا فيما بينهم على أن تكون الإجابة في المرّة القادمة مُتناقضة، قسم يُجيب لا وقسم يُجيب نعم. ولمّا أتاهم جحا في المرة الثالثة وألقى عليهم سؤاله الأول، فاختلفت إجاباتهم بين لا ونعم، فقال: "حسنًا جدًا، مَن يَعلم يُعلِّم مَن لا يَعلم"..
   كذلك فكرة التعامل مع الأحاديث النبوية وقبولها لمجرّد وصولها إلينا عبر سلسلة من ذوي السمعة الطيبة، سخر منها قائلًا: "حدّثني نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله قال: خلّتان مَن كانتا فيه كان من خالصة الله. قالوا: فما هما؟ قال: نسي نافع واحدة، ونسيت أنا الأخرى"..
   وسخر من الفكر الديني للأغنياء، حيث أعطاه أحد الأغنياء خمسمائة درهم وقال له: "أرجو أن تدعو لي عقيب كلّ صلاة من الصلوات الخمس"، فأخذ جحا أربعمائة وخمسين درهمًا منها وأعاد إليه الخمسين قائلًا: "يا سيدي.. إنّ الليل قصير.. كما أنّ لسان السفيه طويل، فعفوًا لأنّي لا أقوم لصلاة الصبح، بل أصلّي الصبح قضاء، فلا حقّ لي بأجرة صلاة الصبح تمامًا، وأستحي من الله تعالى أن آخذها، وبارك الله فيما رزق"..
   وحدث أن كان في المسجد، وكان أهل بلدته يدعون الله في صوت مرتفع.. وجلس جحا ساكنًا لا يتكلم.. فقالوا له: "لماذا لا تدعو الله معنا يا جحا؟"، فقال: "أريحوا أنفسكم، فإنّ الله لا يستجيب إلا من المؤمنين الصالحين أمثالي"..
   مُعاناة أخرى يبدو أنّ جحا قد اختبرها مع التديّن الشكلي البعيد عن جوهر وروح الدين، فقد كان ينزعج بشدّة من فكرة التقرّب إلى الله في أوقات الشدة، فحدث أن هبّت رياح شديدة ذات يوم على بلدته، وجرى الناس إلى المساجد يُصلّون ويُسارعون بالتوبة، وصاح فيهم ساخرًا: "يا قوم، لا تُعجّلوا بالتوبة فإنّما هي زوبعة وتسكن"..
وقد سأله أحد المتحذلقين: "إذا أردت السير مع جنازة فهل أمشي وراءها أم خلفها؟" فردّ جحا: "لا تكن في النعش وامش حيث شئت". ويبدو كذلك أنّ ميل بعض رجال الدين في تعقيد بعض الأمور الدينية شديدة البساطة لم يكن غائبًا عن جحا، فعندما سُئل ذات مرة: "هناك كلب بال على حائط، فكيف نُطهّره؟"، قال جحا: "إذا كنت تريد أن تُطهّر الحائط بالفعل فيجب أن تهدّه وتبنيه سبع مرات"، فقال الرجل: "ولكنه الحائط الذي بيني وبينك"، هنا قال جحا: "أمّا هذا الحائط فقليل من الماء يُطهّره"..
   وانتقد علم الأبراج، فقد سألوه يومًا: "ما هو طالعك؟"، فقال: "برج التيس"، فقالوا: "ليس في علم النجوم برج اسمه التيس"، فقال: "لمّا كنت طفلًا فتحت لي والدتي طالعي فقالوا لها إنه برج الجدي.. والآن قد مضى على ذلك أربعون عامًا، فلا شكّ أنّ الجدي من ذلك الوقت قد صار الآن تيسًا"..
   وعندما جاءته إحدى جاراته وقالت له: "أنت تعلم أنّ ابنتي معتوهة متمرّدة، فأرجو أن تقرأ لها سورة أو تكتب لها حجابًا"، فقال لها: "إنّ قراءة رجل مُسنّ مثلي لا تفيدها، ابحثي لها عن شاب في سنّ الخامسة والعشرين أو الثلاثين ليكون لها زوجًا وشيخًا معًا"..
حدث أن أصيبت ناقة أحد الفلاحين بالجرب، فأخذها إلى جحا وقال له: "اقرأ لي على هذه الناقة لتشفى"، ويبدو أنّ الرجل كان يعاني مما نعاني منه الآن من استفحال ظاهرة العلاج بالقرآن، فأراد جحا أن يعطي للرجل درسًا، فقال له: "إذا أردت أن تبرأ ناقتك، فأضف إلى قراءتي شيئًا من القطران"..
   كذلك، فقد انتقد الفكرة القديمة القائلة بتناسخ الأرواح، حيث كان جالسًا مع بعض أصدقائه يتحدّثون عن التناسخ، وكيف أنّ الروح تنتقل من الإنسان بعد موته إلى أيّ جسم آخر إنسان أو حيوان.. وكان أحد السخفاء حاضرًا فتدخّل في الحوار قائلًا: "وأنا يا جحا مَن تظنّ كان صاحب روحي؟"، فأجابه جحا مُشيرًا إلى حماره: "هذا الحمار"..
   وقد فسّر عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد الضحك ـ السخرية الضاحكة ـ على أنّه حيلة دفاعية من الإنسان تجاه الرقابة، أيًّا كان شكلها، ومحاولة لتجاوز ما هو مُحرّم في المجتمع.
   أيضًا، قال الأديب الفرنسي أناتول فرانس: السخرية والرحمة هما مستشاران جيدان، إحداهما تجعل حياتنا محبوبة بواسطة الابتسامة، والثانية تجعل حياتنا مُقدّسة عن طريق الإبكاء، تلك هي الحياة مليئة بالمتناقضات، الغثّ والسمين، الطيبون والخبيثون، الكاذبون والصادقون، وحاول البعض إسقاط هذه الأقنعة على الوجوه عن طريق السخرية، وهذه موهبة لا تتأتى إلا لقلّة مِمَّن أتوا عمقًا في التفكير والتأمّل، وسعة الخيال، ودقّة الملاحظة، وإرهافًا في الحسّ، وقدرة على التقاط جوانب الضعف والخلل ومواطن التناقض.
إنّ ما قدّمه جحا كوميديا ذكية وواعية، ترفع سقف النقد وحرية التعبير بشكل كبير، وتفتح أبواب النقاش بخصوص القضايا والموضوعات المجتمعية المُلحّة..
   وختامًا، ونحن إذ نناقش فهمنا الديني المقلوب، لا يسعنا إلا أن نذكر جحا حينما ضاع حماره وأخذ ينادي في الناس: "من وجد حماري فليأخذه".. فقالوا: "إذن لماذا تجهد نفسك في البحث والسؤال عنه؟"، فقال: "لأن العثور على المفقود لذة لا تعدلها لذة"..
أهم المراجع
- خليل حنا تادرس، نوادر جحا الكبرى، منتدى مكتبة الإسكندرية، د. ب
- محمد عرفات حجازي، سخرية جحا الإيجابية ونقد القيم، مقال منشور في صحيفة قاب قوسين www.qabaqaosayn.com بتاريخ 10/ 8/ 2018م.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)