هل يمكن حقا أن نعيش حياة سعيدة... ؟

هل يمكن حقا أن نعيش حياة سعيدة... ؟
بقلم: ضيف الله الشيخ - الجزائر
لا شك أن الحديث عن السعادة كان ولازال بالنسبة لوجود الإنسان هو الغاية القصوى ولو أنه لم يكن مطروحا في العصور القديمة كمفهوم فقد أصبح في عصرنا من بين أهم المواضيع تداولا وأكثرها إثارة للجدل فهناك الطرف الأول من البشرية وهم أولائك الذين يعتقدون أن السعادة تشترى بالمال وكأنها قطعة ثمينة يمكن إقتناؤها من أحد محلات المجوهرات وهؤلاء هم الأغلبية، وأما الطرف الثاني وهم الذين يظنون أن السعادة تتطلب قدرا من العزلة واللامبالاة و الزهد والرضى وهؤلاء هم إما متدينون جدا وإما أشخاص فاشلون يتخذون من ذلك سلوى الخائب أو وضعية دفاع في حالة ما إذا تم لومهم عن كونهم كذلك .إن كل تلك الإدعاءات تبقى مجرد تصورات وافتراضات لا يثبتها الواقع المعاش فالعالم ليس مادة فقط والانسحاب منه بشكل مطلق ليس ممكنا إلا إذا قرر الإنسان الانتحار . إن كل ذلك يجرنا إلى السؤال الجوهري :" كيف يمكن أن نصبح سعداء "
قبل أن نتحدث عن الكيفية لابد أولا أن نتفق عما تتضمنه كلمة سعادة وعن حدودها، بعبارة أبسط "هل يمكن أن تصبح السعادة نمط حياة أم أنها تمثل فقط حالات طارئة خلال أوقات نادرة ،هل هناك حقا ما يمكن تسميته ب "حياة سعيدة" ؟.
في محاولتنا للإجابة عن ذلك لابد أن نأخذ مثالا عن ذلك الشخص الذي يجد نفسه فجأة في لحظة معينة قد أصبح سعيدا، حينها يود لو أن الحياة تستمر بذلك الشعور بلانهاية، وقد يعبر عن سروره قائلا بكل ثقة: إن الحياة جميلة وما إن تنقلب الأحوال حتى تصبح هاته الأخيرة في نظره أقبح الشرور والبلايا.
يبدو من هذا أن السعادة التي نقصدها تمثل أوقاتا عابرة في الحياة، فإذا صح ذلك كيف يمكننا تمديدها إلى آخر العمر، كيف يمكن أن نصبح سعداء ؟
لنكن أكثر دقة ونقول إن ما نقصده ب "حياة سعيدة" يمثل في الواقع "حياة متوازنة".
إن الأمر وما فيه يتعلق بكيفية رؤيتنا وفهمنا لمكونات الحياة إذ أننا نظن أن كل ما يحدث لنا من متاعب هو مؤامرة تحاك ضدنا ونغفل إن كل ذلك هو طبيعة الحياة ومجرى الأمور، أننا غالبا ما نشتكي لأننا نأخذ المشاكل بشكل شخصي ولو تأملنا قليلا من زاوية عليا سنتفطن أخيرا إلى انه قد تم اختيارنا عشوائيا لنفوز بشيء ما أو أن نخسر آخر، و لو أننا افترضنا أن الحياة لعبة كبيرة فسيكون من الأمانة أن نشبهها بلعبة النرد .
يقول الفلاسفة الرواقيون إن الحكمة ليست في الشكوى مما يجري بل في محاولة فهمه والتأقلم معه، علينا أن نمارس قدرا من المرونة والاجتهاد في التعامل حتى نعي أن ما كنا نظنه مشكلة ليس في الأخير سوى حقيقة حتمية.
إن السعادة هي تمرين مستمر في فهم الحياة بكل تناقضاتها وفوضويتها وليس الأمر يتعلق بما نملك أولا نملك لأننا في الأخير نملك شيئا ما والمسألة تتعلق بكيف نخلق معنى بذلك الشيء الذي نملك وكيف نتصالح معه ولو بدا بالنسبة الآخرين تافها، حينما عرض الإسكندر الأكبر على الحكيم ديوجين الذي كان يستلقي عاريا قرب النهر أن يعيش معه في القصر رد عليه ديوجين ساخرا " ابتعد من أمامي فإنك تحجب عني نور الشمس". إن ذلك قد يبدو جنونا بالنسبة للكثيرين و لكنه كل السعادة بالنسبة لديوجين الحكيم، سعادتنا لا تقاس بما نملك في البنك بل بما نملك في أعماقنا، الغنى والفقر أشياء معنوية، إنها رموز تأويلية لحالات نفسية، السعيد في هاته اللحظة هو الذي يستطيع أن يخلق من كل هاته الفوضى التي تقدمها الحياة معنى ما، السعادة هي الانغماس الكامل في اللحظة الحالية، وتأهب و اجتهاد وفهم مسبق لكل طارئ قد يأتي، التعاسة جزء من طبيعتنا البشرية، أما السعادة فاجتهاد مستمر وتأمل وسمو مندفع نحو سماوات الحكمة .



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي