المنظورية عند نيتشه كوسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية

المنظورية عند نيتشه كوسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية

بقلم: عمر الخضر 

يرى هايدغر أن الكانطية بالرغم من كشفها عن الملامح الأولى لأفول المتعالي أي للعدمية، إلاّ أنها لم تكن قادرة على سبر عمق التمزّق الذي انكشف بين الإنسان والوجود، الأمر الذي نجحت في القيام به الفلسفة النيتشوية من خلال إدخالها لمفهوم القيمة في الفلسفة[1] فضلاً عن اعتبار القيمة بمثابة شروط مختلفة لإمكانيات حياة متعددة بتعدد الأشخاص.
         إن نيتشه يعود إلى تعليمه الفيلولوجي المتأثر بالإغريق ليقرر بأن الأخلاق عليها أن تخضع لإعادة التقييم وفقاً للنموذج الإغريقي لما يسمى ethos تلك الكلمة التي تعني الشخص[2]. فالشخص برأي نيتشه هو أهم من أي نظام فكري أو إجتماعي أو ديني. وكل نظام يضحّي بالشخص هو نظام مرفوض؛ يقول في كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته" أن الإغريق لم يروا الآلهة الهوميرية متموضعين فوقهم كأسياد، أو أنهم متموضعين تحت الآلهة كخدم كما فعل اليهود. لقد نظروا إلى الآلهة على أنها إنعكاس للنماذج الناجحة التي ابتكروها، أي كمثال لهم وليس كنقيض لطبيعتهم الشخصية[3].
         يظهر مما سبق أن قيمة الإنسان عند نيتشه لا تتحدر إنطلاقاً من قوى خارجية سواءً كانت متعالية أم محاثية. كذلك فإن الفعل يبقى دون مستوى الإنسان الذي قام بالفعل ولهذا فإن الأنظمة الفكرية بعامة والفلسفية بخاصة لا قيمة لها بحدّ ذاتها إذا ما استبعد عنها واضعها. ونيتشه يؤكد أن أخلاقيات نكران الذات هي أخلاق الإنحطاط بامتياز[4]. وبما أن كل شخص يختلف بالضرورة عن الآخر فإنه من غير الأخلاقي القول بأن "ما هو جيد لشخص ما، هو جيد لآخر[5].
 وهنا يبعد نيتشه نفسه عن كانط الذي نظر إلى الشخص الأخلاقي على أنه ذلك الذي يتموضع بين حدّين لمفهوم الواجب، الأول: الواجب نحو الذات متمثلاً بالكرامة، والثاني: الواجب نحو الآخرين متمثلاً باحترام حقوهم[6].
     إن الأخلاق الكانطية تستوجب شخصاً عاقلاً قادراً على ضبط نفسه كونه ليس فاضلاً بطبيعته وإنما لا تتحقق فيه الفضيلة إلاّ بإكمال ملكته العاقلة، أما بالنسبة لنيتشه فإن الأخلاق تقتضي نزاهة تجاه النفس. والنزاهة لا تكون بالإلتزام بنظام قيم يفرض علينا من الخارج ، أي من عالم مفارق ، وإنما بالقيام بعملية استجواب للأسس الأخلاقية بمجملها[7].
إن نيتشه هنا يهاجم كانط لأنه برأيه مثال للمفكر الذي قام بأسر نفسه داخل نموذج مفهومي محدد متموضع بين مطرقة اللاهوت المسيحي الذي يمثل أكبر نماذج السلبية ويشجع على العبودية للمفارق، وبين سندان الديالكتيك الهيجلي الذي لا يخلو من لاهوت مبطّن.
         إنها نماذج المثال الأعلى الزهدي التي يعارضها نيتشه بكلمة واحدة،ألا وهي "المنظورية"perspectivism التي تثبت المتعدد والصيرورة بشكلها الهرقليطي. والفرق الأساسي بين الرؤية الشوبنهورية للعالم والصيرورة، وبين التفسير النيتشوي الهرقليطي لها، هو أن التفسير الأول أخلاقي كئيب يحكمه الشعور بالذنب والخطيئة، أما التفسير الآخر فهو تفسير جمالي aesthetic فرح يرى الصيرورة على أنها مباركة وبريئة[8].
         وبالرغم من الفوارق الكبيرة بين التفسيرات البوذية والمسيحية والديكارتية والكانطية والشوبنهاورية للعالم.إلا أن نيتشه وعبر شذرات متعددة يبرز أن في هذه التفسيرات جميعها وجهاً مشتركاً، ألا وهو المثال الزهدي الذي ينكر الحواس ويخاف من فكرة الصيرورة. وهذا الخوف يعتبره نيتشه طريقة عبثية للخروج من دائرة المظهر والتغير والموت، لكنه يبشرنا بأن تلك الدائرة لم تعد مفرغة بل أصبح بإمكان الإنسان أن يخرج منها وأن يحطم التفسير الواحد الذي لطالما كان سائداً ولهذا فهو يعلن أنه "توجد فقط رؤية منظورية، فقط معرفة منظورية"[9].
يعلن نيتشه بفخر أنه أول شخص قادر على إعادة تقييم القيم وإذا سئل عن سبب هذا الزعم فإنه يجيب "لقد غدت لدي اليوم الخبرة التي تمكنني من تحويل زوايا الرؤية"[10]. لكن القول بإمكان تحويل زوايا الرؤية يفترض وجود إمكانيات وافرة وتفسيرات غير محدودة، وهذه الوفرة في الإمكانات والقدرات سوف يظهر فيما بعد على أنها دليل انسجام بين ارادة الإقتدار والمنظورية التي تحكم الحياة بمجملها.
         في مقدمة كتابه "ما وراء الخير والشر" يعلن نيتشه أنه "لن توجد حياة على الإطلاق إلاّ إذا كانت على قاعدة تخمينات ومظاهر منظورية"[11] وهنا يظهر أن نيتشه يستعمل مصطلح منظور للدلالة على خاصية تتصف بها الحياة بمجملها. وبالتالي فإن البشر لا يملكون رؤية موحدة حول الأمور وإنما تنقسم إلى ما يسميه بصريات منظورية للحياة perspective optics of life[12].
         يعبر نيتشه بداية عن اختلاف وتعدد المنظورات كانقسامات متعارضة بين مفاهيم كالسيد والعبد، الديونيزي والمسيحي، الهوميري والأفلاطوني، الروماني واليهودي وغيرها. وهذه الإختلافات ليست مجرّد فروقات بسيطة في الرأي وإنما هي أنماط مختلفة من التفكير والتقييم والرغبة والإدراك. ويشرح أحد الباحثين وجهة نظر نيتشه بالقول "إننا بالضرورة نرى الشيئ من منظور معين، أي من زاوية محددة وكلما كثرت منظوراتنا، كلما زادت الزوايا التي نرى منها الموضوعات وهذا سيؤدي إلى فهم أفضل لما هو عليه الموضوع في الواقع[13].
         إن العالم الحق أي عالم الأشياء في ذاتها الذي تحدث عنه كانط لم يعد وفق منظورية نيتشه ممكناً، لأنه عندما خسرنا العالم الحق فإننا قد خسرنا أيضاً العالم الظاهر[14]، وبالتالي لم يعد ممكناً التفريق بين عالم ظاهر وعالم حقيقي ولم تعد المشكلة عدم إمكان الحصول على معرفة ثابتة ونهائية للعالم باعتبار أنها قد خرجت عن نطاق ومحدودية الوعي ولم تعد معزولة ومستبعدة عن رغباتنا واهتماماتنا، أو اعتبارها تامة بشكل لا يتيح لها الإستفادة من منظورات أخرى[15].
         واقتراح نيتشه بتحويل زوايا الرؤية وتبديلها يسوغ للقول بإمكان الوصول إلى التقدير والإقرار بشرعية الإهتمامات المنظورية التي يملكها غيرنا، حتى ولو كنا نحن لا نشاطرهم إياها.
         كذلك فإنه من الضروري الإشارة إلى أن نيتشه ينكر وجود "كائن" ما وراء الفعل[16] فبالنسبة له توجد وقائع facts فقط بالعلاقة مع منظور معين وأن الكيانات entities التي توجد هي تلك الطبيعية والتي هي بجوهرها كيانات تتحدر فقط بالعلاقة مع غيرها[17].
         إنه إغراء اللغة الذي يجعلنا نضع كائناً وراء الفعل، "الفاعل" هو مجرّد وهم يضاف إلى الفعل، الفعل هو كل شيئ[18]. وإن هذا الوهم برأي نيتشه يشجعه إيمان لاهوتيّ هدفه تحميل المسؤولية والذنب لفاعل يتم عزله عن فعله. وبما أن حاجة اللاهوتيّ للإنتقام هي التي أظهرت العالم على أنه مذنب وأظهرت الفاعل على انه هو الذي يتحمل الذنب لذلك يقرر نيتشه أن حاجتنا هي التي تفسر العالم، وهي التي تجعلنا نرى الموضوعات من منظور معين والأهم من كل ذلك أن دوافعنا هي التي تقرر وقوفنا مع منظور ما أو ضده.
         لكن بما أن دوافعنا مختلفة بالطبيعة فالتفسيرات لا يمكن إلاّ أن تكون في حالة صراع دائم حتى أن الموضوع لا يعود سوى مجموعة من العلاقات يسميها نيتشه مجموع التأثيرات sum of effects[19]، وبالتالي فإن وحدة الموضوع ليست سوى وحدة نسبية[20]. لا سيما أن الوحدة unity ستكون غير ممكنة إذا قصد بها كينونة منعزلة طالما أن الأفراد هم أعضاء في جماعات وثقافات وأعراف وطبقات وأديان وأحزاب سياسية مختلفة.
         كذلك فإن نيتشه يمضي أبعد من ذلك ليعلن من منظور كمّي Quantitative أنه حتى ولو بدا الجسد للبعض وحدة فيزيائية إلاّ أن الوحدة هي أيضاً نسبية علائقية باعتبار أن الجسد هو بنية سياسية أرستقراطية[21] وفي مكان آخر يسميها أوليغارشية[22]. أنها نظام مراتب للأعضاء والجسم السليم هو الذي تكون فيه العلاقة بين الأعضاء والكل في انسجام لا يلغي التراتب.
         أيضاً ينظر نيتشه إلى الجسد من منظور نوعي Qualitative باعتبار أن الجسد والروح واحد، لكن هذه الوحدة تثبت تعدد الجسد كونه بنية إجتماعية تتكون من أرواح متعددة[23]، وهذه التعددية التي تسوغ وجود منظورات وتفسيرات مختلفة هي أمر مرغوب. لا بل هي أهم ما يميّز الإنسان لأن الحيوانات بعامة تحكمها غرائز وقدرات محددة وبالتالي فإن منظوراتها تتميز بضيق الأفق وقدراتها بالضعف والمحدودية. أما الإنسان فإن دوافعه المختلفة ومنظوراته الغير محدودة التي تحرّض على القيام بالأفعال هي التي تجعله سيداً على الأرض. ولذا فعلى الإنسان الأسمى أن يملك أكبر قدر من الدوافع المتعددة لكن مع القدرة على التحكم بها[24].
         لكن نيتشه يعلن بأسى أن معظم البشر لم يستطيعوا التحكم بقدراتهم المتعددة ولم يستفيدوا من هذه التعددية والإمكانات الغير محدودة. فنرى من جهة كيف أساء اللاهوتيون والفلاسفة العقلانيون تفسير هذه التعددية إذ قاموا بالفصل بين النفس والجسد وجعلوا الأولى قيّمة على الثاني فخسروا بذلك إمكانيات هائلة للجسد. وفي المقابل قام العلماء أدعياء الموضوعية بالإعلاء من شأن الجسد على حساب الرغبات والإهتمامات النفسية فأصبح الإنسان جسداً فاقداً للمعنى.
         إن كلا التفسيرين بنظر نيتشه قاصرين كونهما يرفضان تعددية المنظورات ويؤسسان لتعارض صارم وعدائي بين منظور وآخر باعتبار أن تفسيراً وحيداً هو الصحيح وذلك يُلغي بالضرورة التفسيرات الأخرى. لكن السبب الأساس في فشل تلك الاستراتجيات هو في كونها صادرة بالأصل عن أخلاق تتموضع بين معايير الخير والشر، والصحيح والخاطئ وهذا ما جعل إرادة محددة من الحياة ضد الحياة نفسها[25] أو طبيعة ضد شيئ هو أيضاً طبيعي[26]. وهذه الظاهرة الغريبة هي أبرز مظاهر العدمية باعتبارها تعبيراً عن الحالة المرضية للإنسان المتمثلة بنزعة تحقير الحياة.
         يؤكد نيتشه أن بعض الأفراد النادرين توصلهم تلك الدوافع والمنظورات المتعارضة إلى أعلى درجات العظمة: فعند هؤلاء تنتظم وتترتب تلك الدوافع لتضع وحدة مقتدرة تتمكن بموجبها المنظورات رغم اختلافها من التعبير عن نفسها دون كبت أو إقصاء لأي منها لصالح الكل الذي يتمكن عندئذ من الحصول على قدرة رؤية الأشياء والحكم عليها من زوايا مختلفة[27].
         إن هذا الإثبات للمنظورات المختلفة هو الذي يجعل أخلاقاً تتجاوز مفاهيم الخير والشر ممكنة. أخلاقاً تثبت المتعدد والمختلف وترفض التناقضات المزعومة التي تدعي كل واحدة منها معرفة موضوعية أو إثبات صورة واحدة عن الحقيقة دون أي اهتمام بدوافع الإنسان ورغباته[28]. لذلك فإن نيتشه ينكر وجود أو حتى إمكان وجود منظورات متجانسة. فالمنظورات عليها دائماً أن تتصف بالمرونة، وهذا هو السبب الذي جعله يعلن حبه للعادات القصيرة التي لا تدوم[29].
         إن إلغاء صفة الدوام والثبات وتعددية الظروف المختلفة هي التي تمكن الإنسان من الحصول على منظورات جديدة والتخلص من منظورات قد تقف عائقاً أمام تحقيق الذات طالما أنها في جميع الأحوال صيرورة ومشروع لم يتحقق نهائياً بعد، فالذات ليست برأي نيتشه شيئاً معطى وإنما هي ما يضاف ويتم صنعه[30].
 وإذا أراد الإنسان معرفة أكبر بنفسه وبالعالم فما عليه إلاّ أن يغيّر منظوره وأن يستفيد من منظورات أخرى. فالزعم بامتلاك حقيقة مطلقة في ظل هذه الصيرورة هو ضيق أفق وجهل بإمكان تحقق كرامة وقيمة أكبر للإنسان الذي يعمل دائماً على تبديل زوايا الرؤية ويتمتع بميزة التسامح مع الآخرين أصحاب المنظورات "الأخرى".
         إن هذا التبديل سيعمل بداية على إغناء معرفتنا وإثبات أنه لا حدود للطرق التي يمكننا بموجبها أن نفسّر العالم[31]. لهذا فإن الزعم بامتلاك "الحقيقة" كمعرفة نهائية وتامة بماهية شيئ ما يقتضي شرطاً يستحيل تحقيقه ألا وهو : إيقاف الصيرورة والنظر إلى الأشياء جميعها دفعة واحدة ومن كل زاوية ممكنة. ولهذا يعلن نيتشه أنه فقط عندما تقوم كل الكائنات بطرح السؤال "ما هذا"؟ وتجيب عن سؤالها، عندها يمكن الزعم بمعرفة شيئ ما[32]. ويفترض نيتشه أنه إذا ما كان كائن واحد فقط "بعلاقاته الخاصة ومنظوراته للأشياء" مفقوداً، فعندها سيكون هذا الشيئ غير محدد بعد[33].
         لكن ما سبق يدل إلى أنه بالرغم من عدم إمكان التخلص من المنظورية [ بالرغم من عدم طرح نيتشه لهذه المسألة نظراً لفائدة المنظورية وواقعيتها ] إلاّ أنه يمكن عن طريق جمع أكبر عدد من المنظورات وتبديل الزوايا أن نستحصل على منظورات أقَل منظورية less perspectival perspective أي أكثر اقتراباً من الدقة والتحدد. وهذا ما يعنيه نيتشه بقوله أنه "كلما كانت لدينا أعين مختلفة ومتميزة، كلّما كانت الفكرة التي نكوّنها عن الشيئ أكمل"[34].
         انطلاقاً مما سبق لا تعود المعرفة الموضوعية كما زعم السابقون معرفة متقوقعة ضمن منظور محدد ونهائي وإنما تصبح امتلاك المقدرة على الإنفلات من منظور معين يحد من قدرة الإنسان على الإبداع.ولهذا فإن سيد التفسيرات سوف يكون ذلك الذي يمكنه أن يحتمل أكبر قدر من التعددية للتفسيرات المتعارضة والمتنافسة[35]، مع الأخذ بعين الإعتبار بأن هذا التعارض لا يعني تناقضاً ديالكتيكياً بين حدّين.  
         إن فلسفة نيتشه مهمتها الأساسية على حد قول دولوز هي فضح الديالكتيك الذي يجد عنصره النظري في التعارض والتناقض كونه "يعكس صورة زائفة عن الإختلاف...إن الديالكتيك الهيجلي هو تفكير حول الإختلاف لكنه يقلب صورته. فمحل إثبات الإختلاف بما هو كذلك [أي بما هو إختلاف] يحل نفي مايختلف، ومحل إثبات الذات نفي الآخر"[36]. وهذا الإعتقاد بالتناقضات هو السمة العامة للمتيافيزيقا. فبالرغم من أن إيمان المتيافيزيقيين الأصلي هو الإيمان بتضاد القيم "لكن يجوز للمرء أن يشك أولاً إذا كان ثمة أضداد على الإطلاق"[37].
         وبالرغم من تأكيد نيتشه على إنكار التناقضات واعتبارها صادرة عن رؤية سطحية واصطفائية تريد الإنتقام بالدرجة الأولى، إلاّ أنه لا يدعو بالتأكيد إلى بناء منظومة موحدة تساوي بين القيم، وهو يقرر أنه من لا يرى إلاّ التماثل وكل شيئ متساوٍ يتميز بضعف النظر[38]. إن نقد نيتشه الأساسي في كتابه "مولد التراجيدا" هو في محاولة بعض الإغريق إيجاد توليفة Synthesis بين أبولون وديونيزوس مما يلغي الإختلاف والغنى بين منظوراتهم وهذا على حدّ قول ستيفان بايلي ليس سوى توجه نحو العدمية[39].
         إن ما يريده نيتشه هو إعادة بناء التراتب كاختلاف ضروري يضع الفواصل بين القوى الفاعلة التي تجد قيمتها في الإثبات والقوى الإرتكاسية التي تجدها في النفي، لأن القوى الإرتكاسية يقوم عملها على رفض المراتب وعلى إرادة المساواة ونفي الإختلاف[40]. وهذا يدفع إلى قلب المعايير القيمية، أي قلب قيمة القيم بطريقة يصبح معه الإختلاف نفياً ورفضاً للآخر ولهذا فهي ليست سوى صورة مقلوبة للأصل[41].
         هنا يتوجب السؤال عن هذا الأصل وفيما إذا كان ثابتاً أو خاضعاً للصيرورة والتحول، وهذا هو تحديداً سؤال عن طبيعة الحقيقة التي يكشف عنها البحث الجنيالوجي ويزيل أقنعتها.
         يعبر نيتشه في أحد نصوصه الأكثر شهرة عن الحقيقة باعتبارها خاضعة للصيرورة والتحول وبأن الإعتقاد برسوخها وثباتها هو مجرّد وهم، إذ يقول "ما الحقيقة؟ إنها جيش متحرك من الإستعارات،من المجاز المرسل، أو التشبيهات بالإنسان، أو قل بإيجاز، هي مجموعة من العلاقات الإنسانية التي تم التسامي بها بطريقة شعرية وبلاغية، والتي تبدو لشعب ما بعد طول استعمال راسخة وملزمة"[42].
         ما يشير إليه هذا النص هو أن الحقيقة خاضعة للتغير وبالتالي فإن سؤال الحقيقة ليس متجاوزاً للإنسان، ولا ينبغي التساؤل عن ماهية الحقيقة دون طرح السؤال عن ماهية الكائن الإنساني الذي يقوم بطرح هذا السؤال. وإن أهم إنجاز قام به نيتشه بالنسبة لبعض الباحثين هو أنه قام بتحويل الفكر الأوروبي نحو الأخذ بفكرة الصيرورة كمنطلق لفكرة الحقيقة بحيث يصبح من غير الممكن القول بصدق فكرة ما بشكل مطلق وتصلح لكل إنسان في أي زمان ومكان. وبما أن كل شيئ يتطور ويتغير، فلا شيئ حقيقي بصورة أبدية[43].
         وبما أن أحكاماً عن الحقيقة تقتضي معرفة بماهيتها (وإلاّ كان الحكم عبثياً) فإن نيتشه ينسف المفهوم القديم عن المعرفة باعتبارها معرفة بماهيات الأشياء لتصبح عنده إفتراض مقولات وتركيبها على العمليات الفوضوية التي تجعل العالم نافعاً لنا وتعطينا إحساساً بالتحكم، وبالتالي فإن عملية المعرفة قائمة على التبسيط والتعميم[44] وهذه العمومية تعطي المعرفة صفة حقيرة  تعادل السطحية والغباء.
         لقد تبين لنيتشه أن اللغة هي المدخل إلى هذه العمومية وأحد أهم الإنتقادات التي يوجهها نيتشه لشوبنهور هي في كون الأخير قد ركن إلى تحكيمات مسبقة لغوية وجعلها قانوناً عاماً[45]. والحل الذي يضعه نيتشه للخروج من عار العمومية هو إدخال المنظورية إلى نطاق اللغة عن طريق اتباع تقنيات التأويل الجنيالوجي الذي يكشف عن أصول متغيرة متعلقة بدوافع ومكان وزمان وسوسيولوجيا محددة.
 لكن التأويل لا يكتفي بالكشف عن الأصول ومعرفة الإختلافات وإثباتها وإنما هو يفاضل بينها، بعبارة أخرى أنه يقيّم. إن الجنيالوجيا تكشف عن أصل القيم لكن أيضاً تتجه إلى تقييم ذلك  الأصل فتسأل: ما هي طبيعة القوى التي تنتج المعنى؟ وهل توحي بالنبل أم بالإنحطاط والخساسة؟ هل تثبت الحياة رغم تعدديتها؟ أم تنفيها باتباع واحدة من طريقتين: إما نفي الإختلاف عن طريق القول بقيم متساوية لا فرق بينها، أو عن طريق القول بتعارضات ديالكتيكية تجعل التراتب محصوراً بين قطبين محددين بشكل صارم خارج عن الصيرورة وإمكان المشاركة والتداخل بين الحدود.
         إن نيتشه ينتقد الجوهر المحدد القائم بذاته والذي ينكر التعدد والإختلاف. وعلى هذا الأساس يتبلور تصور نيتشه الجديد للقيم. ففي السابق كان كل وجود تقدر قيمته بالقياس إلى المسافة التي تفصله عن "الموجود الأعلى الذي يدعونه عادة المطلق أو الإله"[46].
         أما مع نيتشه فإن القيم أصبحت محاثية للعالم ومتصلة بالإنسان فقط. ولم يعد ممكناً القول بأي شكل من أشكال الديالكتيك الذي وصل إلى حدوده القصوى مع هيجل الذي اعتبر أن كل ما هو عقلاني واقعي، وكل ما هو واقعي إنما هو عقلاني[47].
         إن ديالكتيك هيجل لم يكن برأي نيتشه سوى انطولوجيا دوغمائية تحددها مفردات لا حياة فيها كالجوهر والهوية وغيرها مما لا يعد ولا يحصى من المفاهيم المجرّدة التي تتعالى عن الزمان والمكان. أما نيتشه فيؤكد أن قيم الإنسان هي نتاج أخلاق معينة وعناصر متداخلة ومراحل تاريخية محددة. لذلك فهو يصرّح بأن العيب المشترك عند كل الفلاسفة هو في كونهم "ينطلقون من الإنسان الحالي ويتخيلون أنهم قد بلغوا الهدف من خلال تحليلهم له بشكل غامض فإنهم يتخيلون الإنسان دون قصد وكأنه حقيقة خالدة، يتخيلونه واقعاً ثابتاً وسط الكلّ[48].
         لقد ثبت أن الإنسان هو نتاج فترة زمنية محدودة ولذا فقد أخطأ الفلاسفة في اعتبارهم صورة الإنسان الأخيرة مثلما شكلتها تأثيرات بعض الديانات والأحداث السياسية على أنها هي الشكل الثابت والنهائي الذي يجب أن ننطلق منه[49].
إن معرفة دقيقة بالإنسان تقتضي تركيبة معقدة من المنظورات لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن نيتشه ينكر وجود واقع ما فيقول بزيف ووهمية الواقع كما هو. إذ لو قام بذلك لما أمكن القيام بتقييم تفاضلي ولأصبحت كل التفسيرات على حدّ سواء إما فاسدة كلياً أو على ذات المستوى من المصداقية.
وبالتالي فإن القول بعدم وجود حقائق صالحة لا يمكن قبوله كما لا يمكن قبول الزعم بحقائق مطلقة متعالية. فكلا الأحكام الشكية والمطلقة هما في النهاية أحكامٌ طفولية[50] أما النضج فعلامته المنظورية ولذا يطلب نيتشه من قارئيه أن يعتبروا كل حقيقة، بما فيها حقيقة فلسفته هو مجرّد منظور[51].
         ومع ذلك فمن الخاطئ الإعتقاد بأن دعوة نيتشه هي دعوة لنسبية تافهة ومجرد رأي شخصي، فهي ليست حكماً على طريقة؛ هذا صحيح من زاوية ما، وخاطئ من زاوية أخرى إذ أن ذلك يجعل كل شيئ وضيع[52]. وهدف المنظورية ليس إلغاء إمكانية التقييم وإنما العكس. فالقول بأنه لا شيئ له قيمة بذاته وأنه فقط عن طريق المقارنات تصبح القيم ممكنة[53] هو ما يجعل هذا العصر عصراً مجيداً لكن حزيناً في آن.
إنه الحزن الذي يسببه اتساع الصراعات وكثرة الإمكانات. لكن هذا الحزن يجب أن يحوّل إلى فرح وإثبات للمتعدد وعلى الإنسان على حد قول نيتشه:" أن يفهم المهمة التي يحرّضنا هذا العصر على تحقيقها وهي أن نصبح عظماء قدر المستطاع"[54].
         إن ضرورة المقارنات قد أثبتت لنيتشه أننا لا نميزّ ذاتنا إلاّ من خلال الإختلاف. فعن طريق الإختلاف فقط قمنا كبشر برفع أنفسنا في المرتبة عن عالم الحيوان بداية ثم عن بعضنا البعض[55]. وما سبق يؤكد أهمية نظام المراتب Order of rank ولذلك نرى نيتشه أحياناً ينظر بعين السوء إلى بعض المقولات مثل كرامة الإنسان وكرامة العمل فيقول أنها ليست في الحقيقة سوى مفاهيم من إنتاج العبيد[56]، معتبراً أن تلك المقولات قائمة على الكذب بقصد إلغاء الإختلاف والتراتب. وحماية لهذا التراتب يقرر نيتشه أنه لا يملك الإنسان كرامة إلاّ باعتباره وسيلة في يد العبقري[57].
         والحال أن قول نيتشه السابق يثير الشبهة حول رأيه في الكرامة الإنسانية، لكن قبل التسرع في الحكم يجب إظهار السبب الذي جعل هؤلاء العبيد كاذبين وحينها سوف يتضح أن نيتشه لا ينكر الكرامة الإنسانية بعامة لكنه يكشف عن الدوافع التي تختبئ وراء دعوة البعض لتحقيق هذه الكرامة المشبوهة.
         إن هؤلاء يطالبون بالكرامة بدافع من شعورهم بعقدة اضطهاد paranoia وليس من شعور غرائزي فاعل، ولذلك فإن الكرامة التي ينتقدها نيتشه هنا هي تلك التي ينادى بها بإسم العقل والوعي لأن أصحابها ضعيفو الغريزة[58] وهذه هي أبرز سماتالإنحطاط. فهؤلاء يتخفون وراء قناع الكرامة الإنسانية ويطالبون بها بهدف سرقة بعض من كرامةالنبلاء وإشعارهم بأنهم مذنبون متّهمين إياهم بأنانية محضة كانت الدافع وراء إثباتهم لكرامتهم.
 لكن الأنانية ليست أمراً معيباً حتى ولو صدق إتهام هؤلاء خاصة وأن النفس النبيلة التي تثبت كرامتها وقيمتها لا تحتقر أحداً بالرغم من تأكيدها للفروقات بين البشر. والدليل برأي نيتشه هو أن تلك الأنفس النبيلة "تحترم ذاتها في الآخرين وفي الحقوق التي تتنازل عنها لصالحهم بفعل امتلاءها. إن الأنفس النبيلة تعطي كما تأخذ، إنطلاقاً من فطرة المجازاة الشغوفة والحساسة الكامنة في أعماقها"[59].
         وفي مقابل حفاظ النبلاء على نظام المراتب الذي يصدر عنه تلقائياً إحترام الآخرين، يجد نيتشه أن المشترك عند أصحاب أخلاق القطيع "المعاصرة" سمة مميزة وهي إتهام الآخرين وإلقاء اللوم عليهم، فهؤلاء يبحثون عن الذنب في الآخرين وفي أنفسهم[60]. إنهم يدينون أنفسهم كما في حالة المسيحية، أو يدينون الظروف والآخرين كما في حالة الداعين للإشتراكية[61]؛ لكن المفارقة أن إدانة الذات يمكن أن تكون وسيلة لاستعادة الإحساس بالقوة والقدرة بعد الهزيمة. حتى أن رد الفعل الإرتكاسي يعبر عن إرادة الإقتدار، وما قامت به المسيحية من قلب للأخلاق والحقيقة، ما زال صادراً عن إرادة الإقتدار[62].
         إن ما سبق لا يثبت تناقضاً في إرادة الإقتدار وإنما يثبت تعدديتها ففي كتابه "هو ذا الإنسان" يظهر ديونيزوس والمسيح على أنهما منظوران للشيئ ذاته[63]. صحيح أن ديونيزيوس يمثل أخلاقيات الصحة باعتبار أنه يلغي مفهوم الخطيئة لكن موت يسوع المسيح على الصليب هو دليل على تطبيق مبدأ المحبة التي تمسح الإحساس بالضغينة[64]. وبالتالي فإن القضاء على الخطيئة والضغينة هما وجهان لعملة واحدة ودليل على تجاوز أخلاقيات العبيد مما يجعل أخلاقيات السيد المسيح وديونيزوس على حدّ سواء تجاوزاً لأخلاقيات الخير والشر.
         وما يقوم به نيتشه هو إعادة تقييم الأخلاق انطلاقاً من دوافع أصحابها لذلك فإن التأويلات التي لا تأخذ بعين الإعتبار الغرائز الأساسية التي كانت هي بالأصل الدافع من وراء إنشاء الأنظمة الأخلاقية يجري تفكيكها باتباع بحث جنيالوجي يتجنب الأخذ بتأويل ما على أنه هو وحده الصحيح[65].
 وبما أن شروط بقاء مجتمع ما تختلف عن شروط بقاء مجتمع آخر، فإنه قد وجدت أخلاقيات كثيرة مختلفة ولذلك يمكن للإنسان أن يتوقع أنه ستكون هناك المزيد من الأخلاقيات المتباعدة في المستقبل[66]. وذلك بالرغم من إدعاء أصحاب تلك الأخلاقيات بأنها قد وصلت إلى حقائق نهائية ومطلقة.
         لقد ثبت باتباع أسلوب نيتشه في تبديل الزوايا والمنظورات، أن نقده للأخلاق مرتبط إلى أبعد الحدود بإثباته لها. وهنا تظهر طريقة نيتشه الجديدة في إعادة تقييم القيم والتي تحافظ على الفروقات مع الجميع بين الأقطاب المختلفة في آن. وهو يقول "الذي يريد أن يكون خالقاً في الخير والشر، حقاً، عليه أولاً أن يكون مدمراً ويحطّم القيم"[67].
 إن هذا يؤكد منظورية نيتشه الغير أخلاقية كطريقة للعودة إلى الأخلاق، وأن في إثباته إنما يكمن النفي، وفي نفيه يكمن الإثبات[68]. ولا ننسى ما قاله أندره جيد في نيتشه من أنه من الغباء والهذر إعتبار نيتشه مدمراً، فكل ما يفعله هو البناء بعنف[69].
         بالرغم من إثبات التعددية في المنظورات إلاّ أنه من الممكن بنظر نيتشه تقدير قيمة المنظورات واعتبار بعضها جيداً وبعضها الآخر سيئاً، وذلك عن طريق الكشف التجريبي عن تلك المنظورات التي تكون مضادة للصحة. أي تلك التي تنفي وتمنع القوة الحيوية الخلاَّقة. بمعنى آخر تلك التي تمنع إرادة الإقتدار[70].
         إن التموضع خارج وهم الحكم الأخلاقي وتجاوز مفاهيم الخير والشر لا يعني أن نيتشه ينكر المعايير والفروق بين الجيد والسيىء[71]، فهو لا يدعو إلى إزالة المراتب والدرجات وإلاّ أصبح التقييم مستحيلاً. كما أنه لا يدعو كما فهمه البعض خطأ إلى أخلاقيات "إفعل ما تريد، وكل شيئ مباح"[72]. صحيح أنه عند نيتشه نلامس كسراً لكل الحدود والحواجز التي تقف عائقاً أمام الشخص، لكن المباح هو دائماً المشروط بإثبات الحياة، لأنه خارج الحياة أو على حد قول نيتشة:"خارج الكل لا شيئ هناك"[73].
         وعن طريق التمييز بين قيم إثباتية صحيحة وأخرى مرضية فإن نيتشه ينجح في تجنب الوقوع في فخ الدوغمائية من جهة وتأكيد نسبية مطلقة من جهة أخرى. وطالما أن الصحة وقوة الدفع الحيوية متعلقة بوضع محدد ومعيار متغير في الكم والكيف فإن القول بتأويل وحيد يعمل على تطوير الحياة والصحة يكون صالحاً في كل زمان ومكان سيعتبر أمراً غير ممكن. وبالتالي فإن نيتشه يثبت درجة الصحة كمعيار دون أن يكون ذلك المعيار متمتعاً بالضرورة بصلاحية يونيفرسالية لتقدير صحة أمر ما[74].
         كذلك لا يمكن إنكار أنه بالمعارضة مع أخلاق العبيد فإن نيتشه يفضِّل أخلاق النبلاء. باعتبار أن أخلاق العبيد متأسسة على الضغينة والإنتقام. لكن لا بد من القول بأن هذه الأفضلية تتمتع بحركية وبقدرة على تبديل المراكز وذلك لسببين: أولاً؛ لقد تبين لنيتشه" أن العبد والسيد هي منظورات تكمن على حدّ سواء داخل الذات الواحدة"[75]. وثانياً؛ لقد ظهر بوضوح أن العبد يحصل على إعجاب نيتشه خاصة عندما "يصبح الإرتكاس فاعلاً فيدلّ على حدة ذكاء ودهاء"[76].
 وما سبق يؤكد أن المنظورية ليست عملية زيادة للمنظورات باعتبار أنه توجد فقط رؤية منظورية. فالمنظورات تتفاضل وتتراتب بحيث أن بعضها يكون صادقاً لكن معزولاً عن المنظورات الأخرى، وبعضها الآخر يتعلق بغيرها لكن لا يتمتع بالمصداقية، وبعضها قد يتمتعبالمصداقية ويكون مرتبطاً بغيره لكن لا يثير الإهتمام[77].

         كذلك فإن نيتشه لا يدعي فقط للحصول على أعين أخرى من حيث العدد والكم، وإنما نراه يطالب بوجوب أعين مختلفة[78]، وما يقصده بالإختلاف هنا هو على حدّ قوله "أن نفكرّ بعين لا يفكرّ فيها بتاتاً"[79]؛ وهذا يدل على إشراك التجربة اللاواعية والنفسية في عملية المعرفة.
 صحيح أن السيكولوجيا قد كشفت عن التاريخ الطويل للضغينة المتجذرة في ثورة العبيد، لكن يتطلب القيام بأكثر من البحث السيكولوجي للجنيالوجيا إذا أردنا الشفاء من الآثار السامة التي ما تزال تلك الثورة تنشرها خاصة في ميادين الدين والأخلاق. وهذا الشفاء لا يمكن أن يحصل إلاّ باتباع الأسلوب المنظوري الذي يسمح لنا بالدخول إلى أنماط كثيرة ومختلفة من التفكير[80] واستراتيجيات مختلفة تثبت الحياة.
         إن نيتشه كذلك يفاضل بين المنظورات إنطلاقاً من درجة خلّوها من الزيف والكذب والحقد والضغينة، أي كل ما يسقم الجسد. وتلك هي المنظورات الأقل تحريفاً والتي تعكس الطبيعة كما هي. خاصة وأن نيتشه يأخذ بالتجربة الإمبيرية فينكر إمكان أحكام تركيبية قبلية تجاوز الحواس فيؤكد أن أعضاءنا الحسية يمكن أن تصبح "دقيقة، وفيّة وأعضاء حذرة للإدراك"[81].
         لكنه احياناً يظهر أكثر حسماً فيعلن أن بعض المنظورات هي خاطئة كلياً كالإعتقاد بتعارض القيم ومحاولة كل منها إلغاء الآخر بدل إثبات الذات، خاصة وأن القطبان المتقابلان، شأننا نحن: لديهما الحق بالحياة فبالتأكيد ثمة عالم آخر للإكتشاف[82]. وهذا الحدّ من قدرة الإنسان على الإكتشاف سوف يظهر فيما بعد على أنه هو الذي قد وضع الخطوط العامة للعداء بين نيتشه والمسيحية، لأنها برأيه دعت الجميع إلى الإنخراط ضمن نظام واحد وثابت والأسوأ أن ذلك النظام لم يكن ملائماً لغرائز الإنسان ودوافعه.
        وذلك يلغي الغنى والتعددية في الحياة، الأمر الذي يريد نيتشه إثباته. في حين أن المجتمع المثالي عنده هو المجتمع التعددي الذي تتنافس فيه القدرات والذي يتغير وفقاً للحاجات والدوافع الإنسانية الغير محدودة. ولهذا يقرر نيتشه أنه "من الأنانية اعتبار حكم الإنسان الشخصي على أنه قانون يونيفرسالي، وهذه الأنانية هيعمياءوبخيلة لأنها تخون فكرة أنك كإنسان لم تكتشف نفسك بعد وأنك لم تخلق لنفسك مثلاً أعلى من صنعك"[83].
         هنا يتأكد أن نيتشه ليس عدمياً يريد تدمير الأخلاق بعامة. فهو يؤمن بهدف أخلاقي حتى ولو كان مخالفاً للأخلاق التقليدية. يقول أحد الباحثين: "إن نيتشه يملك برنامجاً أخلاقياً محدداً، وهو حماية وتطوير الحياة والثقافة الغربيين"[84]. وما إصراره على أن يكون غير أخلاقي amoralسوى محاولة تجنب وصف أخلاقه بالدغمائية التي تميزت بها الأخلاق المتيافيزيقية. فهو لا يريد لأخلاقه أن تصبح قانوناً عاماً يتوجب على جميع الناس في كل زمان ومكان الإيمان به والعيش بمقتضاه، وذلك لأن الأخلاق برأيه هي بطبيعتها متغيرة ومتعلقة بعدة أمور معقدة كالمكان والزمان والمجتمع واللغة والطعام والمناخ والمزاج وغيرها.
         كذلك فإن الأخلاق المنظورية لا تستوجب أن تؤخذ على أنها ذات صلاحية يونيفرسالية حتى بالنسبة لقراّء نيتشه فهو يقول: فقط عندما تفقدني فإنك تكون قد وجدتني[85]. إن نيتشه لا يريد أتباعاً لا شخصية ولا كرامة لهم وإنما هو يريد أرواحاً حرّة يكون بمقدورها إعادة التقييم انطلاقاً من الشعور الفخور بذاتها وبكرامتها الإستثنائية.
         إنهم الأرواح الحرّة باعتبارهم قد تجاوزوا حدود الحكم الأخلاقي بين مفاهيم الخير والشر. ويسميهم أحياناً نيتشه بالأوروبيين الجيّدين باعتبارهم أساتذة، وظيفتهم تعليم الآخرين كي يصبحوا أيضاً أرواحاً حُرَّة[86]. يظهر مما سبق أنه ليس الجميع بقادر على أن يكون روحاً حرّة وإنما فقط عند من يملكون استعداداً ومقدرة معينة. وتبين لنا إحدى شذرات نيتشه طبيعة ذلك الإستعداد إذ يقول "إن الأقوياء والشرّيرين قد فعلوا حتى الآن أقصى ما يمكنهم بهدف تطوير الإنسانية... عن طريق إيقاظ حسّ المقارنة والتعارض والإستمتاع بكل ما هو جديد يثير التحدي، وغير مجرّب بعد"[87]. تلك هي إذن أهم صفات الأرواح الحرّة والتي تجعل فكرة الثقافة بمعناها النيتشوي ممكنة.

         الثقافة Culture بحسب نيتشه هي الفكرة التي تجمع من يسميَّهم بالأوروبيين الجيدين على هدف مشرّف، ألا وهو نزع الفضائل من أيدي الرعاع وتخليصها من الأفكار الموروثة الممتلئة حقداً وضغينة[88]. فالضعفاء والمرضى يطلبون معايير أخلاقية مطلقة ويسعون للقضاء على كل معيار أخلاقي مختلف عنهم، وكل عادات أخرى. إنهم يتمنّون القضاء على كلّ اختلاف، على كل ما لا يتطابق مع اسلوب حياتهم الخاص. وبالأخص فهم يتمنون تدمير كل ما يظهر لهم على أنه خيرٌ مما يملكون. ولذلك فالمهمة العظمى للأوروبيين الجيدين تتمثل بإعادة نظام المراتب[89].
         إن ما سبق يعيدنا إلى فكرة نيتشه عن النبيل. لأن فكرة النبيل – كروح حرّة تنسجم تماماً مع فكرته عن المنظورية – التعددية. وكما أن من صفات مجتمع الأرواح الحرّة إثبات الإختلاف والتنوع، فإن "من صفات المجتمع النبيل: ألاّ ترغب في أن تكون المالك الوحيد للحق"[90]. وأنبل العصور عند نيتشه هي تلك التي تميزت بتعدد الآلهة لأن ذلك خير معبّر عن حرية التفكير والعقيدة؛ "وإن قوة خلق عيون جديدة وشخصية، جعلت الإنسان وحده، من بين كافة الحيوانات، يُفلت من رسوخ الآفاق والمنظورات"[91].
         إن ما سبق ذكره هو دليل على أن المنظورية هي السبيل الوحيد الذي تمكن الإنسان بفضله من تجاوز العالم المحدود للحيوان. ولهذا إن أردنا إثبات الكرامة الإنسانية فما علينا إلاّ أن نبدأ بالسماح لكل فرد بأن يحقق أعظم قدراته وإمكاناته[92]. وذلك بعيداً عن الأخلاق اليونيفرسالية المتيافيزيقية التي تجبر الناس على الخضوع لنظام واحد. فالناس بحسب نيتشه: "لا تلزمهم شفقة... ما يلزمهم هو عدالة جديدة!...فالأرض الأخلاقية مستديرة شأنها شأن الأرض الأخرى! لديها كما الأخرى قطباها المتقابلان، والقطبان المتقابلان، شأننا نحن، لديهما الحق بالحياة"[93].
بالرغم من إثبات نيتشه عن طريق التأويل الجنيالوجي عدم إمكان الركون إلى نظرية محددة في المعرفة يمكنها أن تستبعد الأخرى، إلاّ أنه يظهر احتراماً كبيراً للعلم بالرغم من الإنتقاد اللاذع الذي وجهه ً إلى العلماء الذين يدّعون إمتلاك حقائق مطلقة يزعمون وجودها هناك في الخارج بمعزل عن تقييم الإنسان. وهم يدعون للتضحية بكل شيئ "بما فيه الغرائز" في سبيل الوصول إلى معرفة موضوعية صارمة.
         كذلك فقد ذكرت لوسالومي في كتابها عن نيتشه أنه أراد التوجه إلى باريس لدراسة العلوم الطبيعية بهدف البرهنة على صحة نظرية العودة الأبدية[94]. أما الأسباب التي جعلته يميل إلى العلم ويفضله عن غيره من المنظورات، فهو إيمانه أولاً بأن الروح العلمية هي التي سوف تسيطر على المستقبل[95]. وأن الروح العلمية تسعى إلى تخليص الإنسان من التحكيمات المسبقة عند العامّة فتعتبر من أشد الوسائل قدرة على تحرير الإنسان من الأوهام مما يؤمن "نظافة فكرية"[96] تشعر الإنسان بقيمته وكرامته.
         كذلك فإن من أسباب تفضيل نيتشه للعلم على غيره من المنظورات هو في اعتباره وسيلة لمحاربة العقائد الثابتة، الدوغمائية الأخلاقية والدينية التي تصدر بداية عن الإيمان بعالم مفارق يجعلنا نحتقر بالنتيجة هذا العالم ونحقرّ من شأن أنفسنا ومركزنا في هذا الكون. ما يريد نيتشه إثباته أنه عن طريق المنظورية توجد طرق لا حصر لها تمكّن الإنسان من تحقيق كرامة مختلفة، كلٌّ حسب قدرته وتركيبته المعقدة.
         ومشكلة الأخلاق التقليدية هو في أنها "لطالما اعتبرت على أنها هي التفسير الوحيد الذي يمكن للإنسان من خلاله إضفاء نوع من الفخر على نفسه"[97]. في حين أن ما قد تعرّض للإنهيار "بانهيار الأخلاق" ليس سوى تفسير واحد، وليس "أﻠ" تفسير بشكل عام[98].ولهذا كان من الضروري أن يتحول التفلسف تحت مطرقة نيتشه ليصبح على حدّ قول دولوز "فن التفسير التعددي"[99]. لذلك فإن الفلسفة الناضجة هي تلك التي تؤمن بأن للشيئ معانٍ متعددة واحتمالات تفسير وقدرة على التغيّر لا حصر لها.
         ولا ننسى زرداشت إذ يعلن أنه "قد وجدت أشياء كثيرة تعد خيراً عند شعب وتعد حقارة وعاراً عند شعب آخر، وجدت أشياء كثيرة تسمى شراً هنا وتكلّل بالفخر هناك"[100]. إن الشذرة السابقة تظهر أمرين في غاية الأهمية؛ أولاً: حتمية التغير وضرورة احترام المنظورات الأخرى، وثانياً: لغة نيتشه وطريقته في استخدام المصطلحات فهو يعارض بين الخير والفخر من جهته وبين الحقارة والعار من جهة أخرى. وبالتالي فهو ينظر إلى كل الأمور من منظور قيمة الإنسان وكرامته وضرورة تخليصه من العار وتحريره من كثافة وثقل الضغينة.
         إن صاحب الطبع القبيح يشعر بالحقد على من يحقق نجاحاً سعيداً في حين أن من لا يدعي وحده امتلاك الحقيقة يشاطر الآخرين أمجادهم ويشعر تجاههم بالوّد[101]. وهنا يظهر نبل الدعوة إلى المنظورية لأنها تقتضي الرويّة والنظر بعين هادئة ولاَّمة ومتغيرة الزوايا. وهذا بالضرورة يقتضي تعليق الحكم وعدم الإتهام حفاظاً على كرامة الذات وكرامة الآخرين. فالمنظورية نزعة إثبات للمختلف وتطهير للعالم من مفاهيم الخطيئة والعار وعدم إمكان القضاء على المختلف لا بل الإيقان بضرورته. فلا وجود لوحدات أصيلة essential units معزولة عن غيرها، والواقع يثبت عدم وجود "نهر يكون غزير المياه وكبيراً بنفسه، لأن الروافد التي تصب فيه هي التي تجعله كبيراً[102]. وهذا يثبت أن الإنسان مجبر على الإنفتاح على أنماط كثيرة ومختلفة من التفكير.
         إن أحد أهم الأسئلة التي قام نيتشه بطرحها هو عن إمكانية نقل النوع الإنساني من ميدان الأخلاق إلى ميدان الحكمة التي يقتضي الوصول إليها التوقف عن إدانة الآخرين. ومعرفة أن قيمة جدول من القيم وقيمة هذه الأخلاق أو تلك، يجب أن تطرح من أوجه كثيرة الإختلاف[103]،خاصة وأن العالم ليس عالم أشياء في ذاتها وإنما هو عالم علاقات وشبكة لا محدودة من الدلالات وتشابك المعاني[104].
         لقد تبين لنيتشه أن كل شيئ في ميدان الأخلاق كما في غيرها، ناتج عن تطور وهذا يدعو إلى عدم التسرع في إصدار الأحكام والزعم بامتلاك حقائق مطلقة. ومع ذلك فقد تستمر الكراهية الخاطئة لما هو مختلف، لكن نيتشه يؤكد" أن الكراهية ستضعف تحت تأثير المعرفة المتنامية وستنشأ بالمقابل عادة التفهمّ، عادة الحبّ وعدم الكراهية واحترام كرامة الآخرين وقيمهم"[105].
         وفي ظل إنكار الخطيئة والتخلص من الشعور بالذنب، لا يبقى أمام الإنسان إذا أراد إنزال عقاب بأحد إلاّ أن يزدري هذا الأخير ويحقّر من كرامته وقيمته[106] خاصة وأن معيار أخلاق مفارق لم يعد ممكناً.
         لقد تساءل نيتشه في مقدمة كتابه "ما وراء الخير والشر" عن الحقيقة مفترضاً أن الحقيقة امرأة، وهذا السؤال هو إشارة إلى أن الحقيقة لم يتم الفوز بها بعد[107]، ذلك لأن الحقيقة هي بطبيعتها تعددية Multiplicity. ولذلك فإن الفلاسفة الذين تعاملوا مع أفكارهم وكأنها حقائق كبرى يمكن وصفهم على أنهم لا يتمتعون بنزاهة كافية[108]. وقد أنكر هؤلاء "المنظورات"، أي الشرط الأساسي للحياة بمجملها. وكان خطأهم الأكبر هو الزعم بأن فكرة ما يجب أن تحصل على إجماع الكُلّ. في حين أن الفلاسفة الجدد "الأرواح الحرَّة"، لا يريدون أن يتفق معهم الجميع ويقبلوا بمنظوراتهم ويشاطروهم قيمهم[109].
         إن نيتشه يرغمنا على التأويل اللامتناهي على حدّ قول ميشال فوكو[110] وهذه التعددية في التأويلات هي بعامة ثمرة للقول "بموت الإله" أي "موت التفسير الواحد" الماورائي. لذلك فإن هذا الموت على قدر كبير من الأهمية في عملية المعرفة التعددية وفي عملية تحقيق مشروع الذات وتجاوزها لقدراتها وتحصيل أعلى قدرمن الكرامة الإنسانية.
ولذلك نرى أن نيتشه لا يعلن فقط موت الإله لكنه يبدو مصمماً على القيام "بجريمة" قتل الإله لأنها السبيل الوحيد لفتح الباب أمام قدرات وإمكانيات لم تكن ممكنة من قبل في ظل وجود الإله المتعالي المتيافيزيقي؛ خاصة وأن سؤال القيمة قد اعتبر مشروطاً بانبثاق صيغة "أفول المتعالي" والتي ساهمت في صنعه فلسفة الأنوار في مواجهتها للتعصب الديني والدوغمائية السكولائية والثورة الفرنسية التي انتزعت السلطة السياسية من السيد الأعلى صاحب الحكم الإلهي[111].
         إن أهم أسباب سعي نيتشه الدؤوب إلى إجتثاث المتيافيزقيا من الفلسفة هو أسلوبها المنحطّ والمحدود في القراءة والتأويل والذي يتخذ شكل التفسير المقدس للنصوص والتأويل الوحيد الممكن للعالم[112]؛ ونيتشه يريد كشف القناع عن كل سلطة شمولية تمنع إظهار الإختلاف والتعدد وتقف عائقاً أمام تحقيق الذات لإرادتها وكرامتها، محاولاً إعادة الإنسجام بين الإنسان والوجود ومعيداً البراءة إلى الصيرورة التي لا يعود في ظلها ممكناً القول بمفاهيم وتأويلات يُقصى بعضها البعض الآخر، بل يصبح التنوع هو عين العدالة ويصبح "الحب لواحد بربرية لأنه يأتي على حساب كل الباقين. بما فيه حب الله"[113].





[1]- أندلسي. محمد،نيتشهوسياسةالفلسفة،الطبعةالأولى،الدارالبيضاء،دارتوبقالللنشر، 2006،ص 69.
[2]- Thomas H, Brobjer. ‘’Nietzsche’s Affirmative Morality: An Ethics of Virtue. ‘’Journal of Nietzsche studies. Autumn issue 26 (2003):64-87. www.balamand.edu.lb.
[3]- Nietzsche,F.Human All Too Human. Trans. Helen Zimmern& Paul V.Cohn.1sted, London: Wordsworth Classics, 2008,ap114, p 78.
[4]- نيتشه. فريدريك،هذاهوالإنسان،ترجمةعليمصباح،الطبعةالأولى،كولونيا- ألمانيا،منشوراتالجمل، 2006،ص 162
[5]- Nietzsche, F. Beyond good and evil, trans. R.JHollingdale, 6th edition, penguin books, London. 1978, ap 221, p 185.

[6]- Fitzsimons, peter. Nietzsche’s Ethics and Education. 1st. aukland, New Zealand: sense publishers.
[7]- نيتشه. فريدريك،عدوالمسيح،ترجمةجورجميخائيلديب،الطبعةالأولى،سوريا،دارالحوار،2004،ص 43.
[8]- Cox, Christoph. Nietzsche: Naturalism and Interpretation. 1st. Berkeley: University of California Press, 1999. p3.

[9]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،ترجمةحسنقبيسي،الطبعةالثانية،بيروت،المؤسسةالجامعيةللدراساتوالنشروالتوزيع، 1983،الشذرة 12،ص 115
[10]- نيتشه. فريدريك،هذاهوالإنسان،مرجعسابق،ص 17 .
[11] - Nietzsche, F., beyond good and evil, Intro, p 18.
[12]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 11, p 24.
[13]- Cox, Christoph.Nietzsche: Naturalism and Interpretation, p5.
[14]- نيتشه. فريدريك،أفولالأصنام،ترجمةحسانبورقيةومحمدالناجي،الطبعةالأولى،الدارالبيضاء،إفريقياالشرق، 1996،ص34.
[15]- Cox, Christoph.Nietzsche: Nietzsche: Naturalism and Interpretation. 1st. Berkeley: University of California Press, 1999, p5.
[16]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،مرجعسابق،الجزءالأول،الشذرة 13،ص41
[17]- Nietzsche, F., the will to power, trans. Walter Kaufmann and Hollingdale, vintage books, New York, 1986, ap481, p 267.
[18]نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالأول،الشذرة 13،ص40
[19]- Nietzsche, F., the will to power, ap551, p 296.
[20]- ibid, ap 485, p269.
[21]- ibid, ap 660, p348.
[22]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالثاني،الشذرة 1،ص53.
[23]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 19, p29.
[24]- Nietzsche, F., the will to power, ap966, p 506.
[25]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالثالث،الشذرة 10،ص114
[26]- Nietzsche, F., the will to power, ap228, p 132.
[27]- ibid, ap 933, p 492.
[28]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالثالث،الشذرة 12،ص116
[29]- نيتشه. فريدريك،العلمالجذل،ترجمةد. سعادحرب،الطبعةالأولى،بيروت،دارالمنتخبالعربي، 2001،شذرة 295،ص 163.
[30]- Nietzsche, F., the will to power, ap481, p 267.
[31]- ibid, ap 600, p 326.
[32]- Cox, Christoph.Nietzsche: Naturalism and Interpretation, p 6.
[33]- Nietzsche, F., the will to power, ap556, p 301.
[34]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالثالث،الشذرة 12،ص117
[35]- Shrift, Alan D. "Nietzsche’s Hermeneutic Significance." (2004): p45. Web. 28 Mar 2012.           <www.balamand.edu.lb>.
[36]- دولوز. جيل،نيتشةوالفلسفة, ترجمةاسامةالحاج،الطبعةالأولى،المؤسسةالجامعيةللدراساتوالنشروالتوزيع،بيروت، 1993،ص250.
[37]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 2, p 15.
[38]- نيتشه. فريدريك،العلمالجذل،شذرة228،ص143.
[39]- Bailey, Stephen. "Certainly Uncertain: Nietzschean Pessimism for an Optimistic World." Stance.vol 4. (2011): 17. Web. 28 Apr. 2012.
[40]- بلعقروز.عبدالرزاق،نيتشهومهمةالفلسفة،ط1،الدارالعربيةللعلومناشرون،بيروت،2010،ص73
[41]- دولوز. جيل،نيتشهوالفلسفة،مرجعسابق،ص74
[42]- Friedrich Nietzsche, “On Truth and Lie in an Extra-Moral Sense”, in the Portable Nietzsche. Kaufmann. Walter, 6th. New York: penguin books, 1982. 46-47.
[43]- Du Plessis, Louis. "An Optimistic Nietzsche-From Lying Blame to Saying Yes" Phronimon. 3.1 (2001): p 37.
[44]- Robinson, Dave. "Nietzsche and Postmodernism." Aug (1995), <www.balamand.edu.lb>.
[45]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 19, p 42.
[46]- فنك،أويغن،فلسفةنيتشه،ترجمة: الياسبديوي،دمشق،منشوراتوزارةالثقافة، 1974،ص129
[47]- سوفرين،بيارهيبر،زرادشتنيتشه،ترجمةأسامةالحاج،الطبعةالأولى،المؤسسةالجامعيةللدراساتوالنشر والتوزيع،بيروت،1994،ص38
[48]- Nietzsche, F., Human All Too Human. Trans. Helen Zimmern& Paul V.Cohn.1stEd, London: Wordsworth Classics, 2008. Part II, AP 5. P271
[49]- Ibid, p271.
[50]- Robinson, Dave. "Nietzsche and Postmodernism." Aug (1995), <www.balamand.edu.lb>.
[51]- إبراهيم. يسري،فلسفةالأخلاق: فريدريكنيتشة،دارالتنويرللطباعةوالنشر،بيروت،2005،ص92
[52]- نيتشه. فريدريك،العلمالجذل،شذرة 32،ص58
[53]- Nietzsche, F., the will to power, ap260, p 150.
[54]- Nietzsche, F., Human all too human, ap 23. P26.
[55]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 265, p 185.
[56] - Nietzsche, F., The Greek State, Tr.Walter Kaufmann, section 3-5, from http://www.ilovephilosophy.com.
[57]- Ibid.
[58]- Nietzsche, F., the will to power, ap24, p 18.
[59]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 265, p 185.
[60]- Du Plessis, Louis. "An Optimistic Nietzsche -From Lying Blame to Saying Yes " Phronimon. 3.1 (2001): p 44.
[61]- Buccola, Nicolas. Nietzsche's Critique of Socialism," Quarterly Journal of Ideology, Vol. 31, Number 3, (Spring 2009): 1-37.
[62]- نيتشه. فريدريك،عدوالمسيح،مرجعسابق،ص 37
[63]- Impleri, Christopher. "The Duplicity of Singularity" Interpreting Nietzsche. N.p., Autumn 2007,p10.
[64]- .نيتشه. فريدريك،عدوالمسيح،مرجعسابق،ص112.
[65]- Shrift, Alan D. "Nietzsche’s Hermeneutic Significance." (2004): p45.
[66]- Du Plessis, Louis. "An Optimistic Nietzsche -From Lying Blame to Saying Yes " Phronimon. 3.1 (2001): p 43.
[67]- Friedrich Nietzsche, “Thus Spoke Zarathustra”,inThe Portable Nietzsche. Kaufmann.Walter ,6th. New York: penguin books, 1982.228.
[68] - Impleri, Christopher. The Duplicity of Singularity.P10.
[69]- Brians, Paul. The influence of Nietzsche. Washington State University.N.p., Apr 1998. Web. 29 Sep 2012. <http://public.wsu.edu/>.
[70]- Shrift, Alan D. Nietzsche’s Hermeneutic Significance. (2004): p45.
[71]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالأول،الشذرة 17،ص48
[72]- المرجعالسابق،الجزءالثالث،الشذرة 24،ص145
[73]- نيتشه. فريدريك،أفولالأصنام،مرجعسابق،ص 55
[74] - Shrift, Alan D. Nietzsche’s Hermeneutic Significance, p45.
[75]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 260, p 247.
[76]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالأول،الشذرة 13،ص41
[77]- Welshon, Rex. "Saying Yes to Reality" Journal of Nietzsche Studies, Penn State University Press.spring (2009): p 31. 
[78]- نيتشه. فريدريك،أصلالأخلاقوفصلها،الجزءالثالث،الشذرة 12،ص117
[79]- المرجعالسابق،ص 116
[80]- Nietzsche, F., Human all too human, preface. P3.
[81]- Nietzsche, F., the will to power, ap602, p 326.
[82]- Nietzsche, F., the will to power, ap602, p 326.
[83]- المرجعالسابق،شذرة 335،ص 185
[84] - Kimbrell, Gregory. "Nietzsche’s Moral Immoralism."Chrestomathy. 3. (2004): p146.
[85]- نيتشه. فريدريك،هذاهوالإنسان،المقدمة،ص 12
[86] - Kimbrell, Gregory,Ibid, p138.
[87]- نيتشه. فريدريك،العلمالجذل،شذرة 4،ص36
[88]- Nietzsche , F. , Untimely Meditations, Schopenhauer as Educator , in Untimely Meditations, Transl. R. j. Hollingdale, Cambridge University Press,1983,p 160.
[89]- Ibid,p 163
[90]- نيتشه. فريدريك،العلمالجذل،شذرة 82،ص84
[91]- المرجعالسابق،شذرة 143،ص126
[92]- Nietzsche, F., Untimely Meditations, Schopenhauer as Educator, p 163.
[93]- نيتشه. فريدريك،العلمالجذل،شذرة 289،ص158
[94]- Sorgner, Stefan Lorenz. "Beyond Humanism: Reflections on Trans- and Posthumanism." Journal of Evolution and Technology. Vol. 21 Issue 2. (Oct 2010): p3.
[95]- Op.cit
[96]- Nietzsche, F., Human all too human, AP 635. P254.
[97]- Nietzsche, F., the will to power, ap270, p 154.
[98]- Ibid, ap 55, p 35.
[99]دولوز. جيل،نيتشهوالفلسفة،مرجعسابق،ص9
[100]- Friedrich Nietzsche, thus spoke Zarathustra, in the portable Nietzsche, Trans. Walter Kaufmann, penguin books, New York, 1976, p170.
[101]- Nietzsche, F., Human all too human, AP 614. P244.
[102]- Ibid, ap521, p228.
[104]- الشيخ،د.محمد،نقدالحداثةفيفكرنيتشه،الشبكةالعربيةللأبحاثوالنشر،بيروت، 2008،ص356
[105]- Nietzsche, F., Human all too human, AP 107. P70.
[106] - Ibid, ap 133, p86.
[107]- Nietzsche, F., beyond good and evil, preface, p 17.
[108]- Ibid, ap5,p 26.
[109]- Ibid,ap198,p 101
[110]- المزوغي. محمد،نيتشه-هايدغر-فوكو-تفكيكونقد،ط 1،دارالمعرفة،تونس،2004،ص39.
[111]- أندلسي. محمد،نيتشهوسياسةالفلسفة، دار توبقال للنشر, الدار البيضاء ,2006،ص 66.
[112]- المرجعالسابق،ص26
[113]- Nietzsche, F., beyond good and evil, ap 67, p 72.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس