فلسفة العبث في "عزلة الكاتب" لمحمد عبد الفتاح

فلسفة العبث في "عزلة الكاتب"
لمحمد عبد الفتاح



بقلم : محمد بعدي




مقدمة:
عندما أنهيت قراءة المجموعة القصصية "عزلة الكاتب" لمحمد عبد الفتاح، ألفيتني أمام عمل يفتح سبلا و دروبا للتيه، لأن الأمر يتعلق بنصوص إشكالية و بمتن لا يقدم نفسه طواعية. نصوص لا تمنح مفتاحا، بل تضعك أمام مفاتيح ... حاولت تجريب أحدها من خلال ما أسميته في العنوان: فلسفة العبث في "عزلة الكاتب"... و أقصد بفلسفة العبث في هذا المقال ذلك النسق من الأفكار المنظمة و المترابطة التي تعبر عن فقدان الدلالة و موت المعنى و تناسل اللامعقول في مختلف مظاهر الحياة... وذلك المنهج النقدي الذي يساءل من خلاله الكاتب مجموعة من الظواهر الإنسانية و يسعى إلى إعادة النظر فيها ربما، أو على الأقل لفت الانتباه إليها بكيفية مباشرة حينا، و بشكل مرموز أحيانا...
1-     قراءة في العنوان و القصة: عبث الكتابة و كتابة العبث
 "عزلة الكاتب" عنوان يمكن أن يختصر المسير في اتجاه استجلاء فلسفة العبث. فالكتابة قد تقتات على العزلة، بل يمكن أن تكون العزلة أحد طقوسها الأساسية، غير أن الكاتب في عزلته و "اعتكافه" ووحدته ينشد لحظات صفاء و نقاء و تطهير لكي يلامس اليقين بعيدا عن أي ضجيج يمكن أن تسببه الموجودات السطحية... و عندما يعتزل الكاتب إنما يريد تحقيق قدر كبير من الانفتاح على الذات أولا، لأن ذلك طريق في اتجاه الانفتاح على الوجود في كليته: وجود الأشياء، ووجود الأغيار، ووجود المعاني... غير أن العزلة أيضا هي عزلة ما بعد الكتابة: صحيح أن الكاتب يكتب أولا لذاته، لكن الذات المفردة لا تتحدد إلا من خلال الوجود- مع و الوجود من – أجل، لذلك يكتب الكاتب أيضا لذوات أخرى، لكن عندما يضيع صوته في فوضى العالم، و ضجيج اللامبالاة تصير العزلة ألما يحكي قصة العجز عن الفعل، و يثير أسئلة معذبة حول جدوى الكتابة و عبثية الكتابة... فلماذا الكتابة؟ و لماذا العزلة؟ ربما لكي يشفى من لوثة "القطيع"... يقول الكاتب في "عزلة الكاتب": " ...يتعجب من هذه الكائنات الضالة الضئيلة. لها وجوه آدمية! غير أنهم يقتلون الإنسان بداخلهم. احذر لا تسلم رقبتك إلى هؤلاء، انعزل على قدر استطاعتك. ص 13".
لماذا يكتب الكاتب؟ أكيد لأنه يفكر و يحيا و يرغب و يستمتع بالكتابة... لأنه إنسان. نقرأ في قصة "عزلة الكاتب": " حاول ألا يفكر في شيء!. قاوم أفكاره، الأفكار تلح على عقله و كيانه. تسري في أعصابه، الأفكار استشاطت غضبا من هذه الرقابة الحمقاء، و عادت تهجم بشراسة على عقل الكاتب، و هو عبثا يحاول أن يطردها..".
إن عبثية الكتابة تتجلى أيضا في هذه القطيعة و هذا الفصام الحاصل بين الفكرة و الواقع، عندما ينتصر الواقع "كاريكاتوريا"، و يقص أجنحة الخيال، و يقلم أظافر حلم الذات، و هي تحلم بنشر ما ستكتب :"كان الحلم يكبر في خياله بنوستالجيا حلقت به حتى أنسته ما يرتبط بهذه الخطوة من تكاليف المطبعة و النشر و التوزيع و فراغ اليد...ص17"...  هذا الواقع العنيد، يرغم الأفكار كي تطير، فتغوص الذات عميقا في تفاهات القطيع...
2-  العبث السياسي
يتمثل العبث السياسي في تلك الانتهازية المقيتة و الوصولية الإجرامية التي يتميز بها بعض من ينتسبون إلى قبيلة السياسيين، و الذين يفتقرون إلى معاني الوطنية و دلالات الغيرية، و الذين يعتقدون أن الله خلق الآخرين "حميرا" ليركبوها... أولئك الذين يظنون أن البلاد لهم وحدهم لا شريك لهم فيها إلا أزواجهم أو أبناءهم أو المقربين... فتراهم يقتسمون خيرات الوطن فيما بينهم، فتترأس الزوجة القطاع النسائي، و الإبن قطاع الشبيبة... و ليذهب الشعب إلى الجحيم.
" يحمل الضفدع حقيبته الوزارية و يمضي باتجاه الوزارة، يشتري سيارة فارهة تسير بذكرها الركبان... ص10 .. ينسى الضفدع طلبته و المدرجات و أجواء الجامعة، و يتفرغ لإدارة مشاريعه الضفدعية الخاصة، يزداد غنج ضفدعته، تهبه حياتها بالكامل، يتقدم و يطلب يدها، يسجل انخراطها في حزبه الضفدعي، يسهر بنفسه على وضعها على رأس القطاع النسائي الضفدعي، يقضي معها عطلة على حساب الوزارة خارج الوطن، تلد له ضفدعا صغيرا، يلقنه تعليما خاصا، يضعه على رأس شبيبة الحزب الضفدعي..."
من العبث السياسي إذن أن نبتلى بسياسيين و أشباه سياسيين يساهمون في تأخيرنا سنوات عن الركب، مع سبق الإصرار و بنية إحداث بالغ الأضرار، ينشرون بدل الصحة السقم، و بدل التعليم تعليبا، و بدل الإعلام تضبيعا...
3-  العبث العاطفي
عندما تسود ثقافة العبث يتسرب اللامعنى لينتشر كبقعة زيت في الدواخل الأجمل التي بها يكون الإنسان جميلا ، و تصيب شظايا اللامعقول الروح، فتتكلس المشاعر و تنتحر العواطف.. و تصير الخيانة رياضة... نقرأ في قصة "الضفدع يطير في الهواء": "قالت مستغربة: لكنني خنتك مع ضفدع آخر... لم يتمكن من صفعها فقد كان يشتهيها، إنها دافئة و حنون، و مشجعة، على أي حال سيقنع بنصفها الآخر فقط، و ستعيش هي في المقابل حياة ضفدعية مزدوجة.. ص 8- 9"..
يتمثل العبث العاطفي في هذا التطبيع مع الخيانة، أو في هذا "الغباء العاطفي" حيث تصبح العلاقة مع المرأة اشتهاء جسديا خالصا لا مكان فيه للإنسانية و العواطف و الأفكار.. حيث تصير المرأة وعاء جنسيا لا يضر معه أن تكون "ملكية مشتركة".
و هو الأمر نفسه الذي نجده في ومضة بعنوان: "حب الكتروني"، حيث يكتب محمد عبد الفتاح:" أضحت زوجته تغار من جهاز الكمبيوتر في الصالة، فقد أدركت بطبعها الأنثوي أن ثمة فراشة تسبح داخله".. هنا يرصد الكاتب تحولا عميقا أحدثته التقنية عندما مكنت الإنسان- هنا الرجل من خيانة زوجته من عمق البيت و أمام ناظريها، عندما صار في مقدوره أن يصطاد فراشات و يعبث بالعواطف من خلال نقرات ليس إلا...
لقد جعلت التقنية من الحب مجرد كلمات يتبادلها عشاق مفترضون مع أول دردشة، و عندما يفترقان ينتهي هذا الحب ليبدأ حب افتراضي جديد خال من المعنى الإنساني و من الدلالة الروحية... يقول الكاتب في "وجبة حب سريعة": "... قصتنا أروع حب الكتروني... حب من أول شات.. و بضربة "ماوس" كان كلاهما يبحث عن قصة حب جديدة... ص60".
4-  العبث القيمي
عندما تهرم القيم و تهجم جيوش التجاعيد غازية محياها، و عندما يشتعل رأس الأخلاق شيبا، فتتشظى و تتفكك و تتعفن... يموت المعنى و يحيا العبث. و هذا ما يعبر عنه الكاتب في القصة الأولى: الضفدع يطير في الهواء، عندما يتحدث عمن كاد أن يكون - في ما مضى- رسولا: "يتقيأ درسه، ينصرف حاملا حقيبته إلى غزواته و نزواته، يعود إلى طلبته من جديد، يتقيأ و ينصرف، يجري لهم اختبارا، يتقيؤون عليه ثم ينصرفون.... لا ينسى و هو يقود سيارته أن يرتكب ما تيسر من المخالفات... ص 9 ". إن المدرس أو المعلم أو الأستاذ يصبح نموذجا للعبث القيمي، إذ يفقد إنسانيته حتى على مستوى أداء رسالته التربوية التعليمية و يصبح من نعته الكاتب منذ بداية القصة بالضفدع، هذه المرة بقرة بما يعنيه ذلك من اجترار و لوك لدروس يغيب فيها الإبداع.. مما يولد جيلا من الأبقار تعيش على الاجترار.. بل إن الأستاذ المربي لا وقت لديه سوى لفتوحاته الجنسية، و لا إبداع يشغل باله غير ذلك الذي يستجيب لمطالب الجزء الأسفل من الجسد... و ما دام العبث بنية واحدة فإن بطل كاتبنا يتعمد ارتكاب المخالفات و التصرف ضد القانون، و كأن هذا الأخير وجد ليطبقه الآخرون، أما هو فيحتاج قانونا يصون خرقه للقانون كما عبر الكاتب ساخرا: "ثم أشار عليهم بكتابة إشارة "انتباه الضفدع يقود سيارته"ص11".
يبلغ العبث القيمي ذروته عندما يتم استغلال الدين للإثارة و التأثير، حيث يتسابق "نجوم القنوات" من الدعاة و الوعاظ للتمثيل و التقتيل المعنوي لشعوب بأكملها تتابع مسلسلات أبطالها شيوخ تحت الطلب. يقول الكاتب في ومضة بعنوان: موعظة "هاي لايف"..:" أرغى مخرج البرنامج الديني و أزبد، وعد و توعد محاولا إقناع الشيخ أن يكون أكثر إثارة في موعظته.. اضطروا لإعادة المشهد..".
5-    خاتمة
ختاما أقول أن ما قمت به ليس قراءة في الكتاب، و إنما هو بعض من شغب على هامش بعض نصوصه. و أعتقد أنه كتاب يغري بسفر أعمق بين ثناياه للكشف عن ما تختزنه كل النصوص، و للبحث في ما بعد الإنسان-الضفدع عن خصائص حيوانات أخرى تسكن أجسادا بشرية و تقيم داخل هذا المتن القصصي مثل القطة ، العنكبة ، القرد ، الحلزون ، الفأر ، الدلفين و الفراشة... و غيرهم كثير...


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)