إسلام التكفير وتكفير الإسلام، وعلاقتهما بالجهاد!!

إسلام التكفير وتكفير الإسلام، وعلاقتهما بالجهاد!!
29 أكتوبر 2016





جميل أبو العباس زكير الريان، كلية الآداب- جامعة المنيا






تفاقمت في الآونة الخيرة ظاهرة التكفير إلى أن بلغت حدًا يندى له الجبين، وإن كانت هذه الظاهرة ليست وليدة عصرنا الحالي، وإنما ترجع جذورها إلى فترة ظهور الفرق الإسلامية والكلامية التي كفَّرت بعضها بعضًا، وخاصة فرقة الخوارج؛ أولئك الذين غالوا في تكفير أهل الإسلام بالكبيرة والذنب، ومن ثمَّ، اتخذت بعض هذه الجماعات من التكفير دينًا لها.
منذ ذلك الوقت فصاعدًا لم يخل عصر من هذه الجماعة التكفيرية المتطرفة. ولمَ لا؟!، وقد بلغ بالتكفيريين اليوم أن صاروا يُوصِمون كل مخالفٍ لفكرهم المتطرف بالكفر والردة عن الإسلام، وكأنهم قد امتلكوا الحقيقة المطلقة فيما هو محل خلاف واجتهاد.
ولكن إذا أردنا أن نتحدث عن هذه الجماعة بشيء أكثر تفصيلًا، يثيرنا تساؤل: ما المراد بإسلام التكفير، وتكفير الإسلام، وما تاريخ ظهورهما وما علاقتهما بالجهاد الذي ورد في عنوان المقالة؟
أولًا، إسلام التكفير وظهوره في العصر الحالي:
إن مصطلح "إسلام التكفير" من وضعية الباحث، الذي أراد تحديده من خلال إبراز دلالته الوظيفية، وعلى هذا، يقصد به: تبني فرد ما، أو فئة معينة، أو جماعة محددة لمجموعة من الأفكار أو المعتقدات الدينية الموسومة بالإسلام، والقائمة على تكفير كل من لا يتبنها أو حتى يخالفها.
ومن ثمَّ، فقد قوقعوا الإسلام في نطاق ضيق بحيث جعلوا مهمته الرئيسة تكفير المخالف فحسب، وكأن الإسلام لا يعرف شيئًا عن الإيمان، والإسلام، والتوبة، والمغفرة، والرحمة، والتسامح، والسلام،.... وغيرها من القيم الإسلامية النبيلة.
وقد أُطلق على هذه الجماعة المتشددة والمتعنتة في عصرنا الحالي جماعة "التكفيريين" أو جماعة "التكفير والهجرة"، والتي من سماتها التطرف، والغلو، والمغالاة، وادعاء امتلاك العلم والحق المطلق، وعدم تقبل الرأي والرأي الآخر، وإتباع الهوى،...الخ.    
أما عن ظهور جماعة التكفيريين بشكل أكثر وضوحًا في العصر الحديث، فيمكننا القول: إنهم ظهروا في السجون في الخمسينيات كرد فعل لألوان التعذيب التي تعرض لها الإسلاميون المعتقلون، وذلك لأن القائمين على الأمور حينها كانوا يمارسون النظام الديكتاتوري والاستبداد السياسي، ويسجنون الناس ويعذبونهم على آرائهم، ويقمعون الحريات العامة كحرية الرأي وحرية الاجتماع( ). 
وفي الخمسينيات، وفي السجون المصرية جرى هذا النقاش بين المساجين: هل يكفر من لم ينضم إليهم على اعتبار أنهم جماعة المسلمين التي ورد بشأنها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:»تلزم جماعة المسلمين وإمامهم«( ). فقال البعض بكفر من لم ينضم إلى الجماعة، وكان الرأي العام في الجماعة بأنهم جزء من المسلمين وليسوا كل المسلمين فهم "جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين"( ).
هذه الأساليب في التعامل مع الآخر كانت الدافع إلى نشأة فكر التكفير واستئصال الآخر، فلكل فعل خاطئ رد فعل خاطئ، وقد أعُلن عن ميلاد فكر التكفير عام 1967م بعد حرب حزيران في معتقل أبي زعبل السياسي بمصر، عندما طلبت السلطة من المعتقلين تأييدها بالروح والدم في مواجهة الكيان الصهيوني. هنا اجتهد بعض المعتقلين لمنع البلاء عن الباقين فكتبوا صحيفة تضمنت تأييدهم للسلطة في مواجهة إسرائيل ولكن البعض الآخر، وهم الأقل، أشاع أنه يجب مواجهة النظام بكفره وكفر من لم يعلن كفر هؤلاء الحكام( ).
لا يعني هذا، بأي حال من الأحوال أنني أبرر أو أؤيد ما فعله ويفعله أولئك التكفيريون، حاشا لله، وإنما أؤكد أن المسئولية قاسم مشترك بحيث تقع على عاتق هذه الجماعات المتطرفة وتلك الحكومات الطاغية المستبدة؛ التي لا تواجه الفكر بالفكر، والحوار والحوار بالحوار، وإنما تواجه الفكر بلغة السلاح والعنف الذي يؤجج نار الفتنة ويشعلها، بدلًا من أن يخمدها في مهدها.
ثانيًا، علاقة "إسلام التكفير" بالجهاد:
لا شك، أن الجهاد ذروة سنام الإسلام فهو جزء من العقيدة وشعبة من أعظم شعب الإيمان، ولكن أي جهاد نقصد؟ إننا نعني به، الجهاد الذي أمر به الشارع سبحانه وتعالى؛ أي كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وهو ما سوف نتحدث عنه بالتفصيل فيما يأتي.
أما عن جماعة "إسلام التكفير" أو "التكفيريين" أو "التكفير الجهادي" بالأخص فقد ربطت تلك الجماعة بين قضيتين لا ترى لهما فكاكًا، ولا استغناء لإحداهما عن الأخرى؛ وهما قضية التكفير وقضية الجهاد.
فتراهم يكفرون من يكفرون وربما بأدلة من الكتاب والسنة؛ وذلك من خلال ليِّ عنق النص وتطويعه بما يوافق هواهم ومزاعمهم، وإسقاط الآيات والأحاديث في غير موضعها البتة دون مراعاة للتفسير والتأويل، أو ظاهر النص وباطنه، أو الناسخ والمنسوخ، أو إطلاق الحكم وتقييده، وإنما يغلب عليهم التعميم في إصدار الأحكام والفتاوى.
من كل هذا، صار ديدنهم تكفير هذا أو ذاك- سواء أكانوا أشخاصًا أو مؤسسات، أقاموا عليهم الحجة أو لم يقيموها-، من خلال إدعائهم أنهم أقاموا حجتهم بتكفير من يُكفِّرون، عندئذٍ يعلنون وجوب الجهاد ضده، وبالتالي، استباحة دمه وقتله. 
من هنا يتضح، مدى اعتماد هذه الجماعات على مغالطات فكرية دون الوقوف على أرض صلبة من العلم الشرعي الذي يُقدم الأدلة والبراهين الشرعية في نطاقها المطلوب بكل وضوح ويسر. أما أولئك، مدعو "إسلام التكفير" فقد وقعوا في شرين عظيمين: شر الشبهات؛ وشر الشهوات كما أوضحنا.
على هذا، فإن هذه الجماعة المتطرفة أضحت تهدد الأمن والأمان، ليس المجتمعي فحسب، بل والدولي العابر للقارات، ومن ثمَّ، كادت أن تقضي على الأخضر واليابس، بعد أن عاثت في الأرض الفساد، فربطت بين فكرها التكفيري التنظيري وبين قضية الجهاد- كما يفهمونه على هواهم- الذي اتخذ طابع القتل الوحشي.
ثالثًا، تكفير الإسلام:
إذا كنا قد ذكرنا في السابق تلك الفئة المتطرفة إلى أقصى اليمين والتي تُكفِّر كل مخالف لها، نجد على النقيض منها تلك الفئة التي لا تُكفِّر أحدًا أبدًا ولسان حالها، لا لتكفير أحد، وأن مردنا إلى الله إن شاء عذبنا وإن شاء رحمنا- كلمة حق أُريد بها باطل- وكأن كل الناس سيدخلون الجنة ولا يدخل النار أحد. ومن هذا، تجدهم ينتشلون كلمة "كفر" بجميع مشتقاتها من قواميسهم تمامًا.
هنا يراودنا التساؤل الفلسفي؛ هل الكل كافر من وجهة نظر الكل؟ وهل كل البشر مؤمنون؟
نعم، كلنا كافرون!! فالمسلم يكفر بعقيدة غير المسلم وهذا من تمام الإيمان، وغير المسلم يكفر بعقيدة المسلم أيضًا. وفي الوقت نفسه، كلنا مؤمنون! فالمسلم مؤمن بعقيدته، وغير المسلم مؤمن بعقيدته- وإن كانت باطلة من وجهة نظر غيره- حتى الملحد تجده يؤمن بالإلحاد، والكافر يؤمن بأنه كافر!!.
إن كل هذا، يجعلنا نتساءل ما المقصود بـ"تكفير الإسلام"؟
إن المقصود به، الكفر في الإسلام، ويراد به تكفير من كفَّره الله ورسوله، وهو منهج أهل السنَّة والجماعة، ولكن ما معنى "الكفر" أو "التكفير"؟
إذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية نجد أن كلمة "كفر" تعني في اللغة: الستر والتغطية. يقال لمن غطى درعه بثوبه: قد كفر درعه. والمكَفِّرُ:الرجل المتغطي بسلاحه. والكُفر: ضد الإيمان؛ سمي بذلك لأنَّه تغطية للحق. والكفر جحود النعمة، وهو نقيض الشكر. وهو كافر: أي جاحد لأنعم الله تعالى( ).
والكفر في الشرع: الستر وجحود الحق وإنكاره. أي: جحد ما لا يتم الإسلام بدونه أو كماله. والكفر ذو أصول وشعب متفاوتة؛ منها ما يوجب الكفر المخرج من الملة، ومنها ما هو من خصال الكفار.
ويرد الكفر في نصوص شرعية مرادًا به أحيانًا الكفر المخرج عن الملة، وأحيانًا يراد به الكفر غير المخرج عن الملة، وذلك أن للكفر شعبًا كما أن للإيمان شعبًا، وكما أن الإيمان قول وعمل، فكذا الكفر قول وعمل، وهذا يجعلنا ننتقل لأنواع الكفر. 
أنواع الكفر في الإسلام( ):
الكفر في الشرع نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
النوع الأول: كفر أكبر يُخرج من الملة:
 وهو جحد ما لا يتم الإسلام دونه، وهو موجب للخلود في النار، ومخرج من الإيمان، ويكون بالاعتقاد، وبالقول، وبالفعل، وبالشكِّ، وبالترك.
وهذا الكفر خمسة أنواع، هي:
1- كُفرُ التَّكذيب، 2- كفر إباء واستكبار مع التصديق، 3- كفر الشكِّ أو الظن،
4- كفر الإعراض، 5- كفر النِّفاق.
النوع الآخر من الكفر: الكفر الأصغر وهو لا يُخرج من الملة( ):
وهو الكفر العملي ويسميه العلماء (كفرًا دون كفر) وهذا لا يبطل الإيمان، بل ينقصه ويضعفه، ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله عز وجل إذا لم يتب؛ وقد أطلقه الشارع على بعض الذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الكفر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وهو مقتض لاستحقاق الوعيد والعذاب دون الخلود في النار.
ولهذا الكفر صور كثيرة، منها:
1- كفر النعمة، 2- كفر الحلف بغير الله تعالى، 3- كفر قتال المسلم، 4- كفر الطعن في النسب، والنياحة على الميت، 5- الحاكم أو القاضي المسلم يقضي بغير الحق.
وعلى هذا، يختلف الناس في قولهم لكلمة الكفر وكذلك في فعلهم له؛ ويكون موقفنا تجاه من يقول كلمة الكفر أو فعله؛ إما أنه يقولها أو يفعله جهلًا منه فيُطلب منه أن يستتاب، وإما أنه يقولها أو يفعله اعتقادًا فينبغي أن يُقام عليه حد الردة من خلال الدولة وليس من خلال الأشخاص.
رابعًا، علاقة تكفير الإسلام بالجهاد:
لا يُقتل الكافر في الإسلام لأنه كافر؛ طالما أنه لم يكن محاربًا، ويخضع لحكم الإسلام، ويعطي الجزية، ولا يظلم أحدًا حتى لو لم يكن مسلمًا.
على هذا، فقد كان للجهاد في الإسلام معنى مختلف عما جاء به أنصار "إسلام التكفير"، وذلك لأن الأول يقوم بأداء فريضة الجهاد كما أمر الله تعالى، وكما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم.
والأصل في الإسلام السلام، والحرب أو الجهاد هي الاستثناء، وجعلت الحرب صدًا للعدوان وحفظًا للأديان والأبدان والأنساب والأموال.
وقد فرَّق الإسلام بين ديار الإسلام أو السلام، وديار الحرب، ووضع ضوابط للجهاد أو الحرب منها؛ أسباب القتال وتتمثل في: رد الاعتداء، نصرة الضعفاء، بدء الكفار مقاتلة المسلمين، نقض العهد. هذا بالإضافة إلى مبدأ إعلان الحرب ابتداء بعد أن تكون قد فشلت كل وسائل الحل السلمي، ناهيك عن أخلاقيات الحرب قبل، وأثناء، وبعد الحرب كمنهج رباني؛ يلتزم فيه المسلمون تجاه غيرهم، حتى لو لم يلتزم غيرهم به.
من كل ما سبق، يتبين لنا أن الإسلام ظُلم كثيرًا، وشُوهت صورته سواء من أعدائه أو من بني جلدته، فوصف بدين التكفير، والعنف والإرهاب، وهو من كل ذلك براء. كما أن هذه الجماعات التكفيرية، التي أجمع عليها علماء أهل السنة والجماعة، لا تعبر عن الإسلام في ذاته؛ لأن من لم يتمسكْ بالإسلامِ بكمالهِ، فهو غيرُ ممثلٍ لَهُ، وإنما يمثلُ نفسَه. وعلى هذا، فمن الخطأ منهجيًا محاكمة الإسلام كعقيدة وشريعة في ثوب مثل هذه الجماعات المتطرفة سواء التكفيرية أو غيرها.
وأخيرًا، نصل إلى نتيجة مفادها أن الفارق بين"تكفير الإسلام" وبين "إسلام التكفير" هو فارق بين الحق والباطل، أو بين السماء والأرض، أو بين النور والظلام، وخاصة في علاقتهما بالجهاد، فالأول (تكفير الإسلام) منهج رباني، والآخر(إسلام التكفير) منهج شيطاني!!!. 


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة