حجاجية العلم ترسيخ لمطلب الحوار في الزمن المعاصــر

حجاجية العلم ترسيخ لمطلب الحوار في الزمن المعاصــر
بقلم اشريف مزور 
بات من المؤكد أن العلم من أكثر ظواهر الحضارة الإنسانية تمثيلا إيجابيا لحضور الكائن العاقل في هذا الكون. وقد بات عاملا حاسما في تشكيل العقل والواقع على السواء. وإذا كان العلم على حد تعبير هايدغر Heidegger لا يفكر في ذاته (أي لا يلتفت إلى ذاكرته وماضيه) بالنظر إلى طموح دؤوب صوب مزيد من الكشف والتقدم، فإن فلسفة العلم هي المتكلفة بذلك العبء بالتفكير في خصائصه ومنهجه ومنطقه عبر فرش تاريخي، ألم يقل لاكاتوس Lakatos: "فلسفة العلم بدون تاريخه فارغة، وتاريخ العلم بدون فلسفته أعمى"( 1)، حيث يكافئ بين فلسفة العلم ومنطقه.
من الجلي اختلاف مراحل تأسيس العلم وتطوره عبر الأزمنة، ولئن كانت الرياضيات نموذج المعقولية والصورية قد ارتبطت باليونان (طاليس Thales de Milet، بيتاغورس Pythagore...)، فإن ما نروم الإشارة إليه في هذا المقام هو حداثة العلوم الطبيعية روحا ومنهجا منذ القرن 16م، وبالتحديد مع الإطار الفلكي الكوبيرنيكي الذي زعزع الأستاذية العقائدية التي كانت تمارسها الكنيسة الكاثوليكية في الدين وخارجه باحتكار حقوق العقل في التفحص الحر.
انطلاق العلم الطبيعي في الاشتغال، (مشروع السيطرة على الطبيعة كما نادى بذلك ديكارت Decartes في مقالة الطريقة) حمل منذ بداياته إشكالية متعلقة بالمنهج الكفيل بالكشف عن العلاقات بين الظواهر، ومن المناسب التنبيه إلى أن الخطوة الأكثر أهمية في تاريخ العلم هي عزوفه عن البحث في ماهيات الأشياء وجواهرها والاقتصار على البحث في كيفية حدوثها تجنبا للمتاهات الميتافيزيقية. في ظل هذا الوضع، تباينت المواقف المقاربة لمنطق الكشف العلمي: فمن قائل بضرورة الاعتماد على الاستقراء اعتبارا أن فهم الطبيعة يقتضي الرجوع إلى الطبيعة ذاتها(2 ) عبر شبكة من المفاهيم كالموضوعية والحتمية والوصف والتمثيل (بيكون F.Bacon، برنار C.Bernard، بيير دوهيم Duhem، الوضعية المنطقية...)، إلى زاعم بوجوب اتباع الاستنباط من خلال التأكيد على أهمية الفرضيات العقلية وخيال العلماء في التوصل إلى قوانين علمية استنادا إلى فعالية الرياضيات التي تحولت من مجرد أداة للتعبير عن تعقيد الطبيعة (غاليلي Galilée) إلى وسيلة كشف وتوجيه (إينشتاين Einstein). وعموما انتهى هذا السجال الإبستمولوجي إلى الإقرار بأن النظريات العلمية في ضوء المستجدات الميكرو والماكروفيزيائية هي حاصل حوار فعال بين العقل والتجربة "فلا شيء يحدث تلقائيا، لا شيء يعطى كل شيء يبنى"( 3). واضح إذن أن العلم يتبلور من خلال عمليات بنائية ارتقائية، إذ يصفي ذاته في فعل تصاعده عبر تصويب مستمر للعيوب كحال "الانتخاب الطبيعي" الدارويني الذي يبقى من الكائنات على الأصلح منها، فالمبدأ التطوري في المعرفة يبقي على النظريات الأقل خطأ والأكثر صمودا أمام الروائز التجريبية، (تصور بوبر K.popper). وحيث إن الخطأ يلعب دورا ابستمولوجيا فعالا في تاريخ العلم ولا يزال، فإن النظريات العلمية حقائق نسبية بطابع الرجحان( 4).     
مع القرن 19، وبظهور علم اجتماع المعرفة، بدأ الدارسون يبحثون في المنبع الاجتماعي للمعرفة (فن، أدب، دين، فلسفة، علم)، ومن بين من أسهموا في التنبيه إلى ذلك وجب ذكر ماركس Marx ورفيقه إنجلز Engels اللذين أكدا على أن إنتاج الأفكار في مختلف المجالات المعرفية عملية مرتبطة بالنشاط المادي والاجتماعي للبشر (البنية التحتية تؤثر في البنية الفوقية)، دون أن ننسى مانهايم Mannheim الذي ربط طرديا بين محتوى الفكر وظروف الوجود(5 )، وغير بعيد عن ذلك، ما انفك باشلار Bachelard في مفهومه عن العقبة الإبستمولوجية يبرز وجود عوائق ذات طبيعة نفسية وعاطفية واجتماعية في مسيرة تاريخ العلم (عقبة الاختيار الأول، المعرفة العامية، العقبة الجوهرانية)، أما توماس كوهن Kuhn فلا يعتقد أن مشكلة  العلم تعود إلى عقبات نفسية بقدر ما تعود إلى النموذج العقلي وأسلوب تفكير المجتمع في عصر من العصور، ويتطور العلم عنده بالثورة، أي بالانتقال من نموذج إرشادي إلى آخر (براديكم). وانتصار النماذج الإرشادية على بعضها البعض لا يتم بالبراهين المنطقية والأدلة التجريبية، بل عن طريق حصول النموذج على موافقة المجمع العلمي لأنه السلطة الأعلى التي تحسم المنافسة بين النماذج(6 ). ولعل ما يزكي طروحات سوسيولوجيي العلم هو تأكيد المعاصرين من اتجاهات مختلفة عن لاحيادية العلم والتصاقه بالبراغماتية السياسية بحيث ظهر بوجه إيديولوجي سافر(7 )، كشف القناع عن وهم النظرية الخالصة والوهم الموضوعاتي للعلوم( 8)، بالجنوح نحو التجذير الاجتماعي والأنتربولوجي للممارسة النظرية العلمية التي تثوي في قسماتها تجاعيد المصالح الخفية الخاضعة لبعض الأوساط المتعلقة بالعمل واللغة والسيطرة(9 ). وفي نفس التوجه يطالعنا بول فايرباند Feyrabend بتصور فوضوي عن العلم مفاده أنه لا يحمل أية سمة ملازمة تجعله يسمو عن باقي شعب المعرفة(10 )، ووفقا للموقف الإنسي دافع الرجل عن ضرورة الفصل بين الدولة والعلم (كما تم الفصل بين الكنسية والدولة) تحريرا للعلم من كل سلطة، فقد كتب "إن نقدي للعلم الحديث يكمن في كونه يمنع حرية الفكر"( 11). وزيادة في الإيضاح، يرى موران Morin أن القرن 20 عرف تطورات علمية وتقنية واجتماعية متداخلة ومتفاعلة فيما بينها وعلى مستويات عدة، فإذا كان التطور في المعرفة العلمية في بداياتها (القرن 17 و 18) كان من صميم سيرورة العلم تقنية(12 )، فإن واقع الحال الآن يقتضي اعتبار العلم مؤسسة قوية وضخمة في قلب المجتمع الذي يموله ويراقبه بواسطة سلطه الاقتصادية والسياسية، وهكذا أصبحت السيرورة التفاعلية كالآتي: العلم، التقنية، المجتمع، الدولة، فالتقنيات التي ينتجها العلم تحول المجتمع، ولكن المجتمع التكنولوجي يحول العلم نفسه، وتلعب المصالح الاقتصادية الرأسمالية دورها الفعال في هذه السيرورة( 13).
وانطلاقا من هذه التصورات، نستطيع القول بأن العلم غدا ظاهرة اجتماعية تتغير وتتطور عبر تداخل عوامل داخلية (تخص ما هو علمي)، وخارجية (لها صلة بالشروط المادية لمجتمع ما)، "فالعالم لا يعيش في مختبره معزولا عن العالم الخارجي، ومدفوعا بمجرد الفضول العلمي، بل فرد له قناعاته، ويعيش في محيط له هموم محددة ومشاغل معينة... ومن ثم لا يمكن عزله عما يدور حوله، الأمر الذي يجعل من التفكير العلمي بدوره نشاطا مجتمعا"(14 ). وبما أنه من الصعوبة الحديث عن حياد العلم وموضوعيته المطلقة وحقيقته الدائمة ( الظواهر العلمية باتت تبنى بأدوات وهذا ما يعني أن العالم ووسائل القياس تتدخل في تحديد علاقات معنية بين الأداة وما يقاس)، لزم ربط العلم بمحيطه الاجتماعي، والأخير تفاعلي يحتاج إلى عارض ومعترض، وعليه فالفعالية الحجاجية كفيلة بأن تكشف لنا أن تاريخ العلم ليس بمتصل ولا منفصل، بل هو غير رتيب( 15).
مقتضى ما قلناه أن قبول نظرية ما لا يتم إلا عبر عملية تفاعل بين الحجة والحجة المضادة، وعليه فمنطق الحجاج صار سبيلا لبيان عيوب العلم بل وإثارة الانتباه إلى الطرق التي تؤثر بها حجج الخصم في مصير النظرية ولم لا صقلها وتهذيبها( 16).
يفيدنا إذن منطق الحجاج في ميدان العلم (كيف يتم قبول نظرية ما مؤقتا أو نهائيا ؟ كيف تحدث أزمة ثقة بين العلماء ؟ كيف تؤثر العوامل الخارجية في العلم داخل المجمع العلمي ؟ كيف يتم تحويل مجرى البحث العلمي ؟ ولماذا التركيز في مرحلة زمنية ما على قطاع علمي دون آخر ؟ إلى أي حد يلتزم العلماء بأخلاقيات العلم ؟...) حقيقة كبرى وهي أن العلم ميدان لتنازع موازين القوى في الزمن المعاصر، أي إرادة قوة، تحليل جينيالوجيا تطوره وإرغامات جموح السياسة كفيل بإقرار: ليس هناك نقاء علميا.
كانت غايتنا من التأكيد على انبناء العلم حاليا على الحجاج مزدوجة: بيان الفاعلية الحقيقية للمنظور الحجاجي في حياة الإنسان، وهو شيء قد نبه العديد من الدارسين إلى بعض تحققاته في الزمن الإسلامي الوسيط مع علم الكلام المحتضن للاختلاف والمناوئ لكل أشكال الاحتواء، وكذا إثارة الانتباه إلى أن فلسفة العلوم لم تعد كافية لتفسير الظاهرة العلمية، بل لابد من النظر إليها في محيطها الاجتماعي، وهذا يحدث في زمن تحولت فيه شجرة ديكارت إلى غابة من العلوم يصعب اختراقها والتحكم في طرقها باسم البراءة الفلسفية.
من المتعارف عليه أن ما يميز فلسفة عن أخرى هو إبداعها للمفاهيم أو على الأقل على الاستعمال المبدع لها، وحين نصل إلى ميدان العلوم الجزئية والقطاعات التخصصية نجد شروطا أخرى للنمذجة، قد تكون مثلا هي زخم المعلومات، دقتها، مقدار الحجج التي تسعف في الإقناع، مدى إمكان تحول واستفادة علم من آخر مفاهيميا ومنهجيا (الداروينية يطبقها بوبر Popper في فلسفة العلم، إذ تتنافس النظريات على البقاء طبقا لقدراتها التفسيرية والتنبؤية وغزارتها المضمونية). ولاشك أن المتأمل في المنجز الفكري المعاصر يلحظ حملته النقدية الشديدة اللهجة للتصورات الفلسفية والعلمية الحديثة التي بشرت الإنسانية بتحريرها من المسبقات الغيبية والخرافية(désenchantement du monde بلغة weber) وإدخالها إلى مجال المبادرة لتفجير طاقاتها وإشباع رغباتها، لكن في هذه السيرورة يتحول العقل إلى أداة لاستعباد الإنسان والتحكم في ميولاته ومسلكياته سياسيا واجتماعيا. وهكذا استمرت علاقات القوى المبنية على الخضوع وإقصاء الحرية، برز ذلك بالخصوص في ما آلت إليه الأوضاع عقب الاستعمار وما بعده، إذ ارتفعت أصوات مطالبة بالتشبث بالقيم الثقافية المحلية بالنظر إلى زيف مقولات الحداثة التي جردت باسم مثلها الدول المستعمرة من عناصر هويتها وأصالتها، فكيف يستقيم الحوار في إطار وضع لا متكافئ (جدلية العبد والسيد)؟ هل نحن في إطار وضعية حوارية بين الثقافات أم على النقيض من ذلك في صراع جلي ومقنع أحيانا ؟ أليس من الغفلة ادعاء وجود ثقافة نقية في زمن العولمة والثورة الرقمية، حيث الجدران الثقافية سهلة الاختراق ؟ ألا تشي التطورات في مجال الاتصالات عن بعد بضرورة الحوار والتعاون والتواصل في سبيل إنشاء المعارف وتداولها ؟ ألم يعد التشديد على الحوار وأخلاقياته من قبيل اللامفكر فيه في سياسات الدولة القوية ؟ ألا تقضي النزوعات البرغماتية على كل تطلع نحو فضاء الحوارية ؟ ما الشروط التي تمكن من الانتقال من النقد المونولوجي إلى النقد الحواري ؟ 
من الحقائق الثابتة في نطاق المعرفة الإنسانية أن النقد والحوار أصل من أصول الكشف عن المسكوت عنه واللامفكر فيه في العقول على سبيل التفكيك والتحليل والتأويل. ولنا في اللغات الإنسانية بوصفها مآوي للوجود ما يشهد من داخل انتظامها اللساني على نزوعها الحواري "فالضمائر الشخصية ليست سوى أجلى تعبير عن هذا النزوع لأنها أخص القرائن تعبيرا عن العلاقات الحوارية التي تقوم في لغة من اللغات بين الذوات، ولأنها مما لا يمكن تصور خلو لغة معينة منها( 17)" للإشارة فكل الأسماء في اللغة تحيل على مفهوم Concept وعلى فرد Individu إلا الضمير، فضمير المتكلم مثلا لا يحيل على فرد ولا على كيان خارجي، وإنما يحيل على اللحظة التي يكون المتكلم فيها بصدد الكلام وهي لحظة فعل التخاطب التي يتوجه فيها إلى مخاطب تربطه به علاقة حوارية متبادلة. وبناء على ذلك، وإذا كانت الأنتربولوجيا تعلمنا بأن لكل مجتمع خصوصياته التي تميزه عن كل ما ليس هو، فإن التاريخ يدلنا على أن كل مجتمع منغلق ثقافيا يضمحل( 18) (كحال الاتحاد السوفياتي الذي نعتبره جملة اعتراضية في التاريخ).
وبهذا، ولترسيخ مبدأ التسامح والحق في الاختلاف بين الثقافات، اقترح أحد الباحثين جوازا تحوير القاعدة الأخلاقية الكانطية "يجب أن تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص الأغيار كغاية لا كمجرد وسيلة" إلى ما يلي "يجب على كل ثقافة أن تعامل نظيرتها الأخرى كغاية لا كوسيلة" بحيث يقبل كل نسق ثقافي من خصومه النوع نفسه من الحجج الذي يقبله لنفسه(19 ). ولا نبتدع جديدا في هذا التشديد على الانفتاح الثقافي، إذ التطورات السريعة حاليا في المجال التقني الرقمي كحامل لقيم العولمة (التهام الزمان للمكان) يفصح عن عدم وجود ثقافة صافية، فالثقافات هجينة وبمقدار هجنتها يكون ثراؤها. تاريخ الثقافات كان دوما تاريخ الاستعارات الثقافية والتجارب المشتركة )الكيانات الثقافية متعددة الهوية  polyidentitaires)، ولذا فموقع الثقافة الحقيقي يكمن في حواف الالتقاء بين الثقافات، حيث يكون هناك تجاذب وهجنة وهويات جديدة( 20). ومن هذه الزاوية غدا من المتعذر اليوم الفصل الحضاري والثقافي مما يستلزم تجنب فعلين منفصلين، إذ لا يكفي القيام بالنقد لتأسيس ممارسة حوارية مع الآخر، إذ من شأنه أن يؤدي إلى ما اصطلح عليه بعقدة المؤامرة كمشجب لتعليق مختلف الانكسارات والهزائم( 21). كما أن الاقتصار على النقد الذاتي قد يفضي إلى "مازوشية فكرية" يكون من أعراضها تضخيم الشعور بالذنب والالتذاذ بتأنيب الضمير(22 )، نجاح التفاعل إذن رهين بالإيفاء بالشرطين معا: النقد والنقد الذاتي. 
لا يساورنا شك في مدى الأهمية التي أصبح الحوار بين الثقافات يكتسيها في عالمنا المعاصر بوصفه بديلا حضاريا في مجال تنمية العلاقات بين الشعوب. ولكشف حقيقة الحوار مما قد يحجبها من رواسب التعصب والتنكر والتعتيم، نجيز لأنفسنا تسطير ملاحظتين: تعكس الأولى الجدالات التي أثارها مؤلف صدام الحضارات لهينتنغتون Huntington الذي أهمل الجانب الإيجابي من فكر الأنوار (النزعة الإنسانية، وحدة البشرية والعقل الإنساني) في نفس الآن الذي تشبث بجانبه السلبي المتمثل في النزعة المركزية، وغني عن البيان أنه ثمرة صراع مرير منذ انتصار الرأسمالية في الحرب الباردة على المعسكر الشرقي بعد سقوط جدار برلين، وقد اقترح فيه صاحبه براديكما Paradigme لتفسير العلاقات الدولية حيث تتصادم خمس إلى ثماني حضارات على أساس ثقافي مكسر للحدود الجغرافية...إن الصراع موجه بمنظار المصالح فليس هناك مبادئ ثابتة وصراعات دائمة فالدول-وليس الحضارات- مخلوقات باردة لا تقيم علاقاتها وفقا لمشاعرها ومبادئها، كما أن الصراعات التي تنبأ بها هنتنغتون Huntington- ماكروسكوبيا- حدثت داخل الحضارة الواحدة سواء بين دول وشعوب متقاربة لغويا ودينيا (إثيوبيا واريتريا) ، أو داخل الدولة نفسها (أفغانستان). إن الصراع الدولي يكون مفهوما أكثر حينما يتم التركيز على واقع اللاعدالة ومشكلة الفوارق الاجتماعية محليا وعالميا، وعليه فإحلال ثقافة السلام يتطلب العمل من أجل العدالة فلا حوار بلا عدالة ولا عدالة بلا تضامن( 23). 
أما ملاحظتنا الثانية فتتغيى الوقوف على معنى الحوار ذاته، إذ درج الناس على القول بأنه طريق سلمي يبدأ بعد أن تهدأ الحروب وتسكت المدافع، فمقابل اللامعقول الذي يطبع الحروب، فإن الحوار بعدته الحجاجية كفيل بحل الخلاف وسوء التفاهم.
وفي هذا التبسيط ما فيه من مغالطات وابتسار. يتم الحوار باللغة، والأخيرة مجال علائق القوة، فأن تطلق الأسماء كما يعلمنا النقد النيتشوي معناه أن تكون سيدا، تاريخ البشرية هو تاريخ أسماء تعكس تتابع القوى المستحوذة التي تعطي المعاني وتحدد القيم(24 )، على ضوء هذا الاعتبار لا يتحدد الحوار بآليات منطقية وضوابط أخلاقية (وهو ما بان لنا في جدل الفلاسفة ومناظرة الأصوليين) تضمن نزاهته، بل هو صراع مقنع لتعيين من يطرح الإشكالات ويعين الحقائق(25 ).
ونتيجة لذلك ومن باب المكاشفة الصريحة للنفس، يتعين علينا الإقرار بأن الصراع الذي جعل منه هنتنغتون Huntington عرسه الأكبر لا يتجسد الآن بين معسكرات سياسية ومناطق جغرافية وحضارات، بل بين ثقافتين في الموطن الواحد والفرد الواحد، ثقافة التقليد وثقافة الحداثة التي تتخذ اليوم طابعا عضويا كونيا (سيادة الأحادية والتنميط الثقافي). وما دام الأمر كذلك، كيف السبيل لتعرية الذات من نرجسيتها وأنانيتها وقداستها في أفق  الانتقال من الأنا النخبوي والوحداني إلى النحن التعددي والتواصلي ؟ 
الاتفاق والتداول تقتضيهما المعرفة اقتضاء، ويفرضهما العقل الجمعي إقرارا، إذ بهما نبني إمكانا ولا نرسخ كائنا، وخارج هذا الإطار نروج لعقلانية منكفئة على نفسها، وغير خاف أن الحرية والاختلاف مدخلان أساسيان لكل فعل تواصلي ومنطلقان مركزيان لأية علاقة حوارية مجدية. على هذا النحو لم يتردد هابرماس Habermas  في إبراز قيمة العقل التواصلي بما هو عقل كلي يتجاوز سلبيات العقل الحداثي، ويسعى إلى تشييد أدبيات التواصل بما تقتضيه من إيتيقا النقاش والفاعلية الجماعية والتبرير العقلاني وادعاء صلاحية المعايير والبين ذاتية والمستمع الكوني داخل الفضاء العمومي( 26).
وإذا صح كون لا أحد بمقدوره امتلاك الحقيقة بحكم نسبية ماهيته الإنسانية، صح معه أن الأفكار لابد أن تأخذ طريقها على نحو تداولي وتواصلي بين الأفراد على قاعدة التوافق البين ذاتي بمنأى عن صنوف الانفعال التي تثوي خلفها عقيدة الدوغمائية التي يستحيل معها تعدد الرأي والمذهب( 27). 
من اللازم ألا يستثنى شيء من الحوار، فما هو مبوب تحت خانة المسلمات والمصادرات قد يستحيل إلى وجهة نظر بفضل النقاش والتناظر، إن الاحتكام إلى ثوابت المحاججة الهادئة سبيل إلى فضح الأوهام المزيفة في أنماط شتى من الخطابات الفكرية والأدبية والسياسية. ومتى تحقق ذلك، كان دلالة على حياة العقل وحرية الفكر، فقد كتب هابرماس Habermas "ما هو نموذجي بالنسبة لهذه العقلانية ليست علاقة الذات المنعزلة بشيء ما في العالم الموضوعي القابل للتمثل والاستخدام، بل ما هو نموذجي، على العكس من ذلك هي العلاقة التداولية التي يقيمها الناس القادرون على الكلام وعلى الفاعلية، حينما يتفاهمون بينهم حول شيء معين"( 28).
إن العقل التواصلي بهذا المعنى يعبر عن ذاته داخل فهم لا متمركز للعالم( 29).
كون أخلاقيات المناقشة أصبحت مرجعا لا مفر منه لكل فاعلية تواصلية لا يعني عدم ربطها بالموافقات المحلية لعالم معيش معين، وإرجاعه إلى ما يسميه هابرماس Habermas "محلية أفق تاريخي معطى"(30 ).
ختاما نخلص إلى أن التواصل العقلاني ضرورة يفرضها العصر لتدبير الشؤون السياسية والثقافية والاجتماعية... وبما أن المبتغى هو بلوغ تصورات حداثية للكون والزمن والمجتمع، لزم تنسيق الأنظار الفردية والتقريب بين العقول المتباعدة والمتنافرة، للتناظر في صور الحقائق ووجوهها ودلالاتها وأبعادها.
الهوامش:
1. يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، الأصول، الحصاد، الآفاق المستقبلية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة 1، 2009، ص:039.
 2 - آلان شالمرز، نظريات العلم، ترجمة الحسين سحبان وفؤاد الصفا، دار توبقال للنشر، الطبعة 1، 1991، ص: 16.
 3 -  G. Bachelard, la formation de l’esprit scientifique, Ed. J. vrin. 1972. p: 14. 
 4 - يوسف تيبس، معيار العلم أو القابلية للإبطال، عالم الفكر، العدد 2، مجلد 37، أكتوبر/دجنبر 2008، ص.251.
 5 - رشيد الحاج صالح، "المعرفة العلمية بين العوامل الاجتماعية والبنية المنطقية"، عالم الفكر، العدد 1، المجلد 36، يوليوز- سبتمبر 2007، ص: 39.
6  - توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، مراجعة محمد دبس، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة 1، سبتمبر 2007، انظر الفصل التاسع من ص: 791 إلى ص: 203.
7 - Habermas, La technique et la science comme idéologie, Paris, Ed, Gallimard, 1973, p: 62.
8 - Ibid, p: 141.
9 - Ibid, p p: 154-155.
10  -  بناصر البعزاتي، الاستدلال والبناء، م.س، ص: 15.
11  -  بناصر البعزاتي، الاستدلال والبناء، م.س ، ص: 13. 
 12 -  E. Morin, science avec conscience, Paris, Ed, Fayard 1982. p: 32. 
 13 -  Ibid, p: 33.
 14 -  حسـان الباهـي، "العلم والبنـاء الحجاجـي"، مجلد الحجاج، دراسات نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة، إعداد وتقديم د.حافظ إسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث إربد، الأردن، 2010.الجزء الأول: الحجاج: حدود وتعريفـات، ص: 199.
 15 -  نفسه، ص: 201.
  16-  نفسه، ص: 208.
 17-  محمد الحيرش، "الحوارية أفقا للتفكير"،www.aljabriabed.net. روقب يومه 12/11/2011.
.
18  -  محمد أيت حمو، أفق الحوار في الفكر العربي المعاصر، منشورات الاختلاف، الطبعة 1، 1433هـ/2012م.، ص: 167.
19  -عبد الرزاق الدواي، "في أخلاقيات الحوار بين الثقافات، حول مبدأي التسامح وحق الاختلاف"، www.algomhoriah.net. روقب يومه 12/11/2011.
 20 - هومي بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2006، بيروت، لبنان، ص: 71.
  21-  محمد أيت حمو، أفق الحوار، م.س، ص ص: 132-133.
 22- عبد الرزاق الدواي، "في أخلاقيات الحوار بين الثقافات، حول مبدأي التسامح وحق الاختلاف"، موقع سابق.
 23 -  محمد سعدي، مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، يونيو 2006، ص: 21-22-23-30-33.
 24 - عبد السلام بنعبد العالي، "في الحوار بين الثقافات والصراع بينها". www.aljabriabed.net، روقب يومه 12/11/2011.
 25 - المقالة نفسها والموقع نفسه .
26  - محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس، أفريقيا الشرق، الطبعة2، 1998، ص: 203.
 27 - العياشـي ادراوي، "منزلـة النقد الحـواري من العقل التواصلـي"، مجلة الأزمنة الحديثة عدد 3/4، أكتوبـر2011، ص: 135.
28  - محمد أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، م.س، ص: 211.
  29- نفسه، ص: 212.
 30 - نفسه، ص: 207.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة