الإيمان والعقل أو الدين والفلسفة

"الإيمان والعقل أو الدين والفلسفة؛ إشكالية العلاقة بين الاتصال والانفصال من منظور هيرمونيطيقي"

6 أبريل 2016
جميل أبو العباس زكير بكري
مدرس مساعد، كلية الآداب، جامعة المنيا
جمهورية مصر العربية
rayanabbass@mu.edu.eg

ملخص البحث:
إن كثيرًا من الفلاسفة والمفكرين حين عرضوا لقضية العلاقة بين الدين والفلسفة وقعوا في خطأ الخلط؛ فوضعوا الأديان جميعًا في بوتقة واحدة، حتى تم وصف دين ما بما في غيره من الأديان الأخرى، في الوقت نفسه الذي كان لكل منهم، أي المفكرين والفلاسفة، مفهومه الخاص عن الفلسفة. لذا، جاءت هذه الدراسة متمثلة في التساؤل الرئيسِ: هل ثمة إشكالية هيرمونيطيقية بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة لا زالت قائمة في فكرنا المعاصر؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب، فما السبيل إلى حلها؟.
أما عن التساؤلات الفرعية للدراسة فهي: إشكالية المفهوم، ما المقصود بها؟ ما معنى الإيمان وما معنى العقل؟ وما تاريخ العلاقة بين الإيمان والعقل؟ وهل لا تزال تلك الإشكالية في الفكر الفلسفي العربي المعاصر رهن ما ينبغي أن يكون، أو أنها خرجت إلى حيز ما هو كائن؟ وهل من الممكن التوفيق بينهما دون الوقوع في براثن الإفراط والتفريط؟ وما هي الكيفية التي يتم من خلالها ذلك؟
وسوف نستخدم المنهج التاريخي التحليلي عند عرضنا لتاريخ فكرة ما وتحليلها، بالإضافة إلى المنهج النقدي فيما يتعلق بالفكرة التي تستوجب النقد. أما بالنسبة لأدوات البحث؛ فتتمثل في التحليل العقلي للأفكار ومدى قبولها أو رفضها من خلال الأدلة والبراهين العقلية في كلتا الحالتين.
الكلمات المفتاحية:
الدين، الفلسفة، الهيرمونيطيقا، التوفيق، العربي، الغربي.

مقدمة:
تعد إشكالية العلاقة بين الإيمان والعقل، أو الدين والفلسفة؛ من الإشكالات القديمة الحديثة، والتي لا تخلو من زمان ولا مكان إلا وبدت تطفو على السطح بشكل أو بآخر. وقد أرَّقت هذه القضية عددًا لا بأس به من المفكرين والفلاسفة، وازدادت حدة الصراع في عصرنا المعاصر، وخاصة مع تفاقم النعرات وحدتها ما بين مؤيد لتلك العلاقة ومعارض لها. ليس هذا فحسب، بل وأصبحت الاتهامات تُكال جزافًا من قبل أنصار هذا الرأي أو ذاك حتى أصبح وصم المخالف بالتكفير أمرًا لا مندوحة عنه، من ناحية، أو وصفه بالتخلف، والرجعية، والراديكالية من ناحية أخرى.
ومع هذا الانشقاق الرهيب، كان لا بد من طرح الإشكالية في ثوب جديد يعمل على محاولة رأب صدع تلك الفجوة ومعالجتها من منظور عصري يتفق وجميع الإمكانات المطروحة على الساحة الفكرية، والدينية (الإسلامية)، والعلمية المعاصرة. ناهيك عن أن فك طلاسم هذه الإشكالية يتطلب مجهودًا مضنيًا من أجل بلوغ حقيقة تحوي بين طياتها عناصر التشرذم والاختلاف، بحيث تستقيم مع صحيح الدين وسليم العقل.  
 لذا، جاءت هذه الدراسة متمثلة في التساؤل الرئيسِ: هل ثمة إشكالية بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة لا زالت قائمة في فكرنا المعاصر من منظور هيرمونيطيقي؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب، فما السبيل إلى حلها؟. أما عن التساؤلات الفرعية للدراسة فهي: إشكالية المفهوم، ما المقصود بها؟ ما معنى الإيمان أو الدين، وما معنى العقل؟ ما إشكالية العلاقة؟ إشكالية من وجهة نظر منْ؟ وإشكالية بين أي دين وأي عقل؟ وما تاريخ العلاقة بين الإيمان والعقل؟ وهل لا تزال تلك الإشكالية في الفكر الفلسفي العربي المعاصر رهن ما ينبغي أن يكون (التنظير)، أو أنها خرجت إلى حيز ما هو كائن (التطبيق)؟ وهل من الممكن التوفيق بينهما دون الوقوع في براثن الإفراط والتفريط؟ وما الكيفية التي يتم من خلالها ذلك؟ وما مصدر الدين وما مصدر العقل؟
وسوف تكون الإجابة عن هذه التساؤلات في ضوء المنهج التحليلي عند عرض أية فكرة ودراستها، بالإضافة إلى المنهج التاريخي عند تناول تاريخ وجذور فكرة ما وعرضها، كما سيتضح في ثنايا البحث وذلك على النحو التالي:
أولًا_ إشكالية المفهوم، ما المقصود بها؟
لا يستطيع الباحث، عند الحديث عن الإيمان والعقل أو الدين والفلسفة، أن يَغُضَّ الطرف عن وظيفةٍ رئيسةٍ يراها في غاية الأهمية والدقة؛ أعني بها توضيح المقصود ببعض المصطلحات الشائكة التي تثير الكثير من الشبهات، ولاسيما من ناحية تعدد معاني اللفظ الواحد ودلالاته، والذي يجعلنا بالضرورة نقع في مأزق الاختلاف، وذلك لأن الباحث قد يقصد معنى معين أو دلالة ما للفظ أو المصطلح في حين يفهمه القارئ بمعنى آخر مختلف عنه تمامًا. ومن ثمَّ، اختلاف دلالة اللفظ أو المصطلح من فرد لآخر أو من عصر لآخر.
ليس هذا فحسب، بل إن فهم أو تفسير اللفظ ودلالته بصورة خاطئة يكون سببًا في أخطاء كثيرة تنتج عنه. وفي ذلك يقول "فوستيل دي كولانج([1])":(إن لدراسات الكلمات أهمية بالغة في علم التاريخ. فاللفظ الذي يُفسر تفسيرًا خطأً يمكن أن يكون مصدرًا لأغلاط فاحشة)([2]). وفي ذلك، أكد "ليو شتراوس" ([3]) على ضرورة فهم المصطلحات والمفاهيم التي يُكتب بها النص، ضمانًا لحصول القارئ، أو المفسر، أو حتى الشارح للنص على أفضل استيعاب ممكن لما يقوله صاحبه([4])؛ لأن مثل ذلك قد يساعد على فهم الرسالة التي يريد المؤلف أن ينقلها للآخرين([5]).
لهذا، اهتم الباحث بضرورة قراءة النص وفهمه من منظور العصر الذي كُتب فيه هذا النص، وليس من منظور أي عصر أخر؛ وخاصة فيما يتعلق بإشكاليتنا موضع البحث، أعني، تلك العلاقة بين الدين والفلسفة. ومن ثمَّ، كان اهتمامنا بـ "الفهم الذاتي المسبق" الذي يكون في ذهن المفسر عندما يذهب لتفسير أو فهم نص من النصوص، فدون هذا الفهم المسبق سوف يبقى النص سرًا مغلقًا لا نستطيع فك طلاسمه([6]).
وهنا نستطيع القول: إنه لكي "يفهم" المرء ينبغي أن "يفهم سلفًا"، أن يكون لديه موقف استباق.. هذا هو ما يعرف بـ "دائرة الهيرمونيطيقا": فالمرء لا يسعه أن يعرف إلا ما هو مؤهل لمعرفته. .... وفي معرض تفسير "جادامر" لـ" هيدجر" يتناول الأول في كتابه "الحقيقة والمنهج" مسألة المعرفة المسبقة في مواجهتنا مع النصوص. فيقول إننا لا يمكن أن نقرأ النص إلا بتوقعات معينة. أي بإسقاط مسبق. غير أن علينا أن نراجع إسقاطاتنا المسبقة باستمرار في ضوء ما يمثل هناك أمامنا. وبإمكان كل مراجعة لإسقاط مسبق أن تضع أمامها إسقاطًا جديدًا من المعنى. ومن الممكن أن تبزغ الإسقاطات المتنافسة جنبًا إلى جنب إلى أن تغدو وحدة المعنى أكثر وضوحًا ويتبين كيف يمكن أن تترابط الرموز والعالم. .. وبالتالي يقول جادامر:" وإدراك أن كل فهم لابد له من أن يشتمل على بعض "التحيز" أي "المعنى المسبق" هو ما يمنح مشكلة الهيرمنيوطيقا زخمها الحقيقي([7]).
  ليس هذا فحسب، بل تناول بعض المفكرين والفلاسفة قضية العلاقة بين الإيمان والعقل، أو الدين والفلسفة، وكان منشأ الخلط أو سوء الفهم له، أنه يقصد في كتاباته دينًا بعينه، أو يضفي معنى أو دلالة للإيمان يعتنقها هو، في الوقت ذاته الذي كان يقصد بالعقل أو بالفلسفة مفهومًا خاصًا به. لذا كانت الحاجة ضرورية لبيان المعنى المقصود بالمصطلحات موضوع الدراسة، أولى هذه المفاهيم "الإيمان" أو "الدين"، و "العقل" أو الفلسفة" فما المقصود بهذه المفاهيم، وهل تختلف دلالاتها اللغوية من فيلسوف لآخر ومن عصر لآخر؟.
ثانيًا_ ما معنى الإيمان و الدين؟
لا شك، أن مصطلح الإيمان مثله مثل مصطلح الدين؛ وذلك لأنهما من المصطلحات الشائكة التي تحمل أكثر من دلالة. مما أدى هذا إلى الالتباس بالنسبة للعديد من الدارسين والباحثين، ورجال الدين والفلاسفة والمفكرين. لذا، كان لزامًا علينا محاولة كشف اللثام عنهما ومعرفة أصل المصطلحين ودلالتهما اللُغوية والاصطلاحية. 
أ_ معني الإيمان:
يستخدم الكثير من الباحثين والفلاسفة كلمة "الإيمان" على إطلاقها دون تحديد المراد بها، وإن كان الغالبية منهم يتناولونها بوصفها التسليم المطلق بما جاء به الوحي. لذا أردنا الوقوف على معنى المصطلح لسبر أغواره وفك طلاسمه.
أولًا: معنى الإيمان لغةً:
جاء في معجم المعاني الجامع، وفي المعجم الوسيط:
إِيمَان: مصدر آمَن، دخَلَ الإيمَانُ إلَى قَلْبِهِ: الاعْتِقَادُ بِالَّلهِ وَرُسُلِهِ. والإيمانُ: التَّصدِيق([8]). والإيمان، التصديق بالقلب، تقول آمنت بالشيء أي صدقته واعتقدته، ومعنى الاعتقاد هو القبول والاقتناع، لا بل هو التصديق الذي يطمئن له القلب من دون أن يؤيده، أو يكذبه برهان منطقي، أو مشاهدة حسية([9]).
وقد جاء في المعجم الفلسفي أن الإيمان اعتقاد راسخ لا يقل في قوته عن اليقين، ولكن يمكن نقله عن طريق البرهان، يعتمد أساسًا على الثقة وطمأنينة القلب أكثر مما يعتد على الحجج العقلية([10]). والإيمان أصلها: العقد، عقد القلب= التصديق. وهو الاعتقاد بالله وبمحمد رسول الله بالقلب، والنطق به باللسان، والعمل بما لا يناقض ذلك= تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح([11]).
ثانيًا: معنى الإيمان في الاصطلاح:
اختلفت آراء الناس في تعريف الإيمان أو مسمى الإيمان إلى أقوال، خلاصتها([12]):
1_ قول جمهور أهل السنة والجماعة أنه اعتقاد، وقول، وعمل.
2_ قول الخوارج أن الإيمان قول واعتقاد وعمل. هم يوافقون أهل السنة بالتعريف لكنهم يخالفونهم في أن العمل إذا زال بعضه زال باقيه، فيزول بزواله الإيمان.
3_ قول المعتزلة، وهم يوافقون الخوارج في تعريف الإيمان ـ وأهل السنة كذلك ـ لكنهم يوافقونهم في مسألة زوال الإيمان بزوال بعضه أو بعض العمل. فقولهم كقول الخوارج، لكنهم يخالفونهم في اسمه في الدنيا، وإن اتفقوا على حكمه في الآخرة.
أما المرجئة فكانوا طوائف؛ منها من قال: إن الإيمان قول وتصديق فقط، ومنها من قال: إنه الإقرار باللسان فقط، ومنها من قال: إن الإيمان هو المعرفة([13]).
إن هذا التعدد في تعريفات الإيمان وغيره الكثير، لا يكون عند أصحاب الديانات المختلفة، وإنما عند أهل ملة واحدة وهي الإسلام. ناهيك عن اختلاف التعريف ذاته بالنسبة لأصحاب الديانات الأخرى ومذاهبها المختلفة سواء السماوية منها أو الوضعية والطبيعية!!!
على الرغم من هذا، إلا أنني أرى أن للإيمان معنيان: أحدهما؛ الإيمان بالمعنى العام، ويعني أن كل البشر مؤمنون، من يؤمن بهذا الدين أو ذاك، بل إن من لا يؤمن بهذا المعتقد أو ذلك الدين، إلا أنه يؤمن بأنه لا يؤمن، وبعبارة أخرى مؤمن باللا إيمان. أما المعنى الأخر؛ فهو الإيمان بالمعنى الخاص، وفيه يكون صاحبه مؤمنًا بدين ما، في الوقت نفسه الذي يكفر بكل ما سواه، مثل: من يؤمن باليهودية، أو المسيحية، أو الإسلام.
ب_ معني الدين:
أولًا: معنى الدين لغةً:
في الفكر اليوناني واللغة اللاتينية تحديدًا، فقد جاء لفظ Religio، كما يرى ج. لاشلييه، أنها تعني في اللاتينية الإحساس المصحوب بخوف وتأنيب ضمير، بواجب ما تجاه الآلهة. ولم يكن لدى القدماء سوى كلمة Religions ديانات. وعند لوكريس، تعني كلمة Religio المفردة دينًا ما، الدين بوجه عام([14]).
أما في اللغة العربية فقد جاءت لفظة "الدين" بمعانٍ متعددةٍ منها على سبيل المثال لا الحصر:
1_ عرف الرازي الدين لُغويًا فقال: الدِّينُ بالكسر: العادة والشأن. ودَانه يدينه دِينًا، فدان بالكسر: أذله واستعبده (فَدَاَن).2_ الدين بمعنى: الجزاء والمكافأة، يقال: دَان يدِينه دَينًا أي جازاه، ويقال: كما تُدينُ تُدَانُ، أي كما تُجازِي تُجازَى بفعلك وبحسب ما عملت. وقوله تعالى: أَئِنَّا لَمَدِينُونَ الصافات:53  أي لمجزيون محاسبون، ومنه (الدَّيَّان) في صفة الله تعالى. 3_ الدين بمعنى: الطاعة والانقياد.4_ الدين بمعنى: الخضوع والاعتقاد([15]). والدين: العبادة، والطاعة، والحساب، والتوحيد. واسم لجميع ما يتعبد لله عز وجل به([16]).
وعلى هذا، يكون الدين في اللغة: مشتق من الفعل الثلاثي: (دان)، وهو تارة يتعدى بنفسه، وتارة باللام، وتارة بالباء، ويختلف المعنى باختلاف ما يتعدى به، فإذا تعدى بنفسه يكون (دانه) بمعنى ملكه، وساسه، وقهره وحاسبه، وجازاه. وإذا تعدى باللام يكون (دان له) بمعنى خضع له، وأطاعه. وإذا تعدى بالباء يكون (دان به) بمعنى اتخذه دينًا ومذهبًا واعتاده، وتخلق به، واعتقده. وهذه المعاني اللغوية للدين موجودة في (الدين) في المعنى الاصطلاحي؛ لأن الدين يقهر أتباعه ويسوسهم وفق تعاليمه وشرائعه، كما يتضمن خضوع العابد للمعبود وذلته له، والعابد يفعل ذلك بدوافع نفسية، ويلتزم به دون إكراه أو إجبار([17]).
ثانيًا: معنى الدين في الاصطلاح:
الدين في الاصطلاح: اختلف في تعريف الدين اصطلاحًا اختلافًا واسعًا حيث عرفه كل إنسان حسب مشربه، وما يرى أنه من أهم مميزات الدين([18]).
ففي الفكر الغربي، نأخذ على سبيل المثال لا الحصر، تعريف "إميل دوركايم" للدين بأنه:" منظومة متماسكة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأمور مقدسة، أي منفصلة، محرمة، وهي معتقدات وممارسات تجمع في إيلاف أخلاقي واحد، يدعى جامعًا، كل الذين ينتمون إليه". في حين عرفه "إريك فروم" بأنه:" أي مذهب للفكر والعمل تشترك فيه جماعة ما، ويعطي للفرد إطارًا للتوجيه وموضوعًا للعبادة. كما عرف "كانط" الدين بأنه:" معرفة الواجبات كلها باعتبارها أوامر إلهية". أما "هيجل" فقد عرفه بأنه:" الروح واعيًا جوهره، وهو ارتفاع الروح من المتناهي إلى اللامتناهي([19]).
أما في الفكر العربي، فقد عَرَّف العلماءُ الدينَ بتعريفاتٍ مختلفة نشير إلى أنه : "اسم لجميع ما يُعبد به الله".أو: "وضع إلهي لأولي الألباب يتناول الأصول و الفروع". أو:"ما يدان به من الطاعات مع اجتناب المحرمات" أو:"وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات قلبيًا كان أو قالبيًا، كالاعتقاد و الصلاة "([20]).
و لو أردنا أن نُعرِّف الدين بتعريف جامع و مختصر قلنا: الدين:"معرفة وطاعة حسب النهج الإلهي"... فالدين: معرفة وطاعة؛ معرفة بأصول الدين وقبولها، وطاعة في فروعه([21]). وهناك أيضًا، من عرفه بأنه (الشرع الإلهي المتلقَّى عن طريق الوحي) وهذا تعريف أكثر المسلمين([22]).
يلاحظ على هذه التعريفات قَصرُهُا الدين على الدين السماوي فقط، مع أن الصحيح أن كل ما يتخذه الناس ويتعبدون له يَصِحُ أن يسمى دينًا، سواء كان صحيحًا، أو باطلًا([23]). وعلى هذا كان الاختلاف حول تعريف الدين سببًا في نشأة الخلط والاختلاف أيضًا.
ثالثًا_ ما معنى العقل وهل هو واحد أو متعدد؟
إن المتتبع لمعنى العقل منذ تاريخ الفكر الإنساني، يجد أن له معانٍ متعددة ومختلفة؛ فقد اختلف معناه في الفكر اليوناني عنه في الفكر المسيحي والإسلامي، عنه في العصر الحديث والمعاصر.
لذا، فإن مفهوم العقل لا يحيل في الواقع على فكرة بسيطة، بل على مجموعة من الأفكار؛ لأن العقل جزء من موضوع واسع تجادل العلماء والفلاسفة حوله كثيرًا هو موضوع "النفس ووظائفها". أضف إلى ذلك أن مفهوم العقل ليس إنتاجًا ثقافيًا بسيطًا. فلقد تناوله، من قريب أو من بعيد، أغلب المثقفين القدامى والقروسطويين. فنحن نجده عند اليونان القدامى، وعند المسلمين المشارقة والمغاربة، وعند اليهود والمسيحيين وعند الهنود، [وعند المحدثين والمعاصرين] وغيرهم([24]).
 وإن كان هذا لا ينفي أن اللفظ قد تضمَّن معاني ودلالات متعددة أيضًا في الحقبة الزمنية الواحدة.
ففي الفكر اليوناني؛ فقد جاء لفظ اللوغوس logos  بمعني العقل، وهو من الأصل اليوناني “log” الذي يظهر في الفعل “legw” وهذا الفعل معناه "يضع" وأصبح بمعني "يختار – يُميز – يُجمع" ثم أصبح "يقول أو يتكلم" وعلي ذلك فلفظ الكلمة أو اللوغوس يعني "تجميع الأفكار التي في العقل وكذلك الكلمات التي تعبر عن الأفكار". لفظة اللوغوس: تتضمن مدلولين, المدلول الأول، بمعني الصورة الخارجية وهي تعبر عن الفكر الداخلي, المدلول الأخر، الفكر الداخلي نفسه. وهي تعبر عن الكلام الباطني أو كلمة اللسان وكلمة العقل. ومن ثم، يتضح أن مفهوم اللوغوس في الفلسفة اليونانية له استعمالان, الاستعمال الأول، في مفهوم (الكلام – الحديث – النطق – التلفظ – الإعلان), والاستعمال الأخر، هو كحقيقة ميتافيزيقية كمصطلح فلسفي و لاهوتي ارتبط بكينونة العالم والكيان الإلهي. فاللوغوس عند هيرقليطس هو القانون الكلي للكون([25]).
 وفي ذلك يقول "بول تلش Paul Tillich":" إن اللوغوس يعني الكلمة"، غير أنه يشير أيضًا إلى معنى كلمة من الكلمات، إلى البنية العقلية التي توضحها أو تكشف عنها كلمة من الكلمات، ولهذا فإن اللوغوس يمكن أن يعني أيضًا القانون العام للواقع. أما بالنسبة للرواقية فإن اللوغوس هو القوة الإلهية الحاضرة في كل شيء موجود([26]).
نتيجة لما سبق، يتضح أن أول من استخدم مفهوم اللوغوس في الفلسفة اليونانية "هيراقليطس" ثم الرواقية، وبعد ذلك عند فيلون والغنوصية. وقد كان للفظ أكثر من معني علي مر العصور فقد استخدمها كل مفكر بمعني يختلف عن الآخر([27]).
وفي العصور الوسطى المسيحية، ساد الاعتقاد_كما يرى بول تلش_ بأن العقل البشرى حقيقة قائمة لا شك فيها, ويقوم هذا العقل على أساس ثالوث من المعرفة، والإدراك، والإرادة, وهى الأركان الثلاثة التي تلقي ضوءًا ساطعًا على الحقيقة والمعرفة. اللوغوس في الفلسفة المسيحية: هو الله ذاته وهو الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس كلمة الله، عقل الله باعتباره أن الله وحده ثالوثية فالله ذات ... لقد كان اللوغوس في الرمزية اليهودية والفلسفة الإغريقية عبارة عن مبدأ كوني للخلق. ومع ذلك فهو غير مناسب لأن اللوغوس هو عبارة عن مبدأ عام، في حين أن "يسوع" عبارة عن واقع عيني. فحياته عبارة عن شخصية عينية يصفها هذا المصطلح. وهذا ما عبَّرت عنه المفارقة الكبرى للمسيحية: لقد أصبح اللوغوس جسدًا. فهنا نجد مثالًا دقيقًا لكيفية تبدل معنى مصطلح من المصطلحات، بكل المضامين التي تلقاها من الماضي، عند التعبير عن الرسالة المسيحية. إن الفكرة التي مؤداها أن اللوغوس أصبح جسدًا لا يمكن أن تُشتق من الفكر الإغريقي. ولهذا أكد آباء الكنيسة مرارًا وتكرارًا أنه بينما فلاسفة الإغريق امتلكوا فكرة اللوغوس العام، فإن ما كان وقفًا على المسيحية وحدها هو أن اللوغوس أصبح جسدًا في حياة شخصية"([28]).
 أما عن مفهوم العقل في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، فقد جاء اللوغوس بمعني ملكة القصور أو قوة العقل نفسه ويظهر ذلك في فلسفة ديكارت وكانط([29])، وقد اتخذ مفهوم العقل في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة معانٍ متعددة؛ فقد عرفه بعض الفلاسفة كالتجريبيين مثلًا بالعقل التجريبي، في حين انطوى مضمونه على العقل المثالي عند المثاليين، في الوقت الذي تم قصره على العقل المادي فقط كما عند الماديين...الخ. وبالتالي لا توجد ثمَّة هوية محددة، أو تعريف جامع مانع لمفهوم العقل.
أما معنى العقل في الفكر العربي؛ فلنبدأ أولًا بعرض موجز لتعريفه في اللغة العربية:
فقد جاء مفهوم "العقل" لغةً بمعنى: قيل هو "الحجر، والجمع عقول، والعاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها أن يمسكها ويمنعها، وعقل الشيء أدركه على حقيقته وفهمه وتدبره، وقيل: العقل التميز الذي يميز الإنسان عن الحيوان([30]). وقال "ثعلب" (292هـ):" العقل أصله الامتناع، يُقال عقلت الناقة الناقة، إذا منعتها عن السير"، ولربما كان هذا معناه عند "المحاسبي"([31]).
 وقيل: العقل "نقيض الجهل، عقل يعقل عقلًا فهو عاقل والمعقول ما تعقله في فؤادك، والعقيلة المرأة المخدرة المحبوسة في بيتها وجمعها عقائل([32]). وقيل: العقل هو "العلم والحجر، وهو قوة المهيأ لقبول العلم، وبه يستنبط العاقل الأمور([33]). والعقل هو الحابس من ذميم القول والفعل، فيقال رجل عاقل وقوم عقلاء وعاقلون، ورجل عقول إذا كان حسن الفهم وافر العلم([34]).
أما العقل اصطلاحًا: فقد ذكر العلماء تعريفات كثيرة عن العقل ومنها:
إن العقل "جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقًا ببدن الإنسان، وقيل: العقل نور في القلب يعرف الحق والباطل، وقيل: هو جوهر مجرد من المادة يتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف([35]). وقيل: العقل هو قرَّة النفس بها تستعد للعلوم والإداركات، وقيل: العقل ما يُعقل به حقائق الأشياء ومحله الرأس وقيل: محله القلب([36]).
أما تعريف علماء علم الكلام للعقل فقد اختلفت هي الأخرى عن تعريفات باقي العلماء فقد عرفه "الأشعري" على أنه: العلم ببعض الضروريات الذي سميناه بالعقل بالمكلة. وقد عرف "القاضي عبد الجبار" العقل بأنه:" العلم بوجوب الواجبات العقلية واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات أي: الضروريات التي يحكم بها بجريان العادات من أن الجبل لا ينقلب ذهبًا". وقال "الإمام الرازي":" والظاهر أن العقل صفة غريزية يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وهي الحواس الظاهرة والباطنة([37]).
وكما أن الفلاسفة والمفكرين قد اختلفوا حول معنى العقل، كذلك اختلفوا حول ماهيته؛ فقسمه بعضهم إلى أنواع مختلفة، ففي الفكر الغربي هناك من اعتبره مادة وسماه المخ _منذ العصر اليوناني وحتى عصرنا الراهن_ مثل: الماديون في قولهم:( إن العقل بكل بساطة هو الجهاز العصبي المركزي، أو بتعبير أقل دقة وإن يكن أكثر تهكمًا، إن العقل هو المخ)([38]). وعلى العكس فقد أسماه المثاليون بالجوهر الروحاني، وقد عدد "أرسطو" أنواع العقول، وقد تأثر به على العديد من الفلاسفة على مدار التاريخ. وبالمثل في فكرنا العربي والإسلامي، فعلى سبيل المثال، فقد قسَّم "الماوردي" العقل إلى قسمين: العقل الغريزي، والعقل المكتسب([39]).
يتضح مما سبق، وجود إشكالية هيرمونيطيقية حول مفهوم العقل، لذلك اختلف حول تعريفه ودلالته في العديد من الفلسفات السابقة إن لم يكن كلها. وخلال هذه المسيرة التاريخية لمفهوم العقل شهد هذا الأخير تغيرات أساسية، سواء في معناه أو في تطبيقاته. ولا يزال هذا المفهوم حتى اليوم موضع بحث كما تدل على ذلك المؤلفات التي تظهر من حين لآخر في الساحة الثقافية بشكل عام، سواء في الشرق أو في الغرب([40]).
ما المقصود بالفلسفة؟
في الفكر اليوناني؛ فإن الأصل اللغوي لكلمة فلسفة Philosophia وهي كلمة يونانية، مركبة من مقطعين "فيلو Philo" ومعناه "محبة" أو "سعي إلى"، و "سوفيا sophia" ومعناه "حكمة" أو "معرفة"، ومن ثم فإن الفلسفة وفقًا لمعناها الاشتقاقي تعني "محبة الحكمة" أو "السعي إلى المعرفة"([41]).
أما عن المعنى الاصطلاحي للفلسفة، فقد اختلف باختلاف المذاهب والعصور؛ فقد حصر "سقراط" مثلًا مهمة الفلسفة في دراسة الحياة الأخلاقية، في حين جعلها "أفلاطون" و"أرسطو" دراسة للكون وكل مناحي الحياة الإنسانية ومحاولة الوصول للحقيقة. أما في العصور الوسطى فقد اهتمت بالبرهنة على صحة القضايا الدينية، كوجود الله، وخلود النفس. وفي العصر المعاصر، رأى "وليم جيمس" أن هدف الفلسفة هو تحقيق المنفعة العملية فحسب، في حين جعلها "كارل ماركس" العمل على تغيير العالم، كما اعتبرتها الوضعية المنطقية تقتصر على المعرفة العلمية، كما ظهرت إلى جانب هذه المذاهب مذاهب فلسفية أخرى كثيرة كانت جميعها تسعى إلى تعريف الفلسفة تعريفًا خاصًا([42]).
أما عن معنى الفلسفة في الفكر العربي والإسلامي؛ فقد عرفها "الكندي" بأنها:" علم الأشياء الأبدية الكلية أنياتها ومائياتها وعللها بقدر طاقة الإنسان"([43]). والأمر نفسه، ينطبق على العديد من فلاسفة الإسلام؛ فلم يخرج تعريف الفلسفة عن هذا الإطار اليوناني, فالكندي و"الفارابي" و"ابن سينا" و"ابن رشد" يُجمعون على كون الفلسفة هي علم المبادئ الأولى والكُلية للوجود. ورأوا أن السبيل لهذه المعرفة الميتافيزيقية هو العقل, وإذا ما اصطدم العقل بالنقل لزم تقديم العقل, وقد تأثروا جميعًا بأرسطو ومصنفاته التقليدية بخصوص العلوم, إذ تأتي الفلسفة على رأس الهرم العلمي([44]).
 على الرغم من هذا، إلا أنه وُجد في المقابل بعض فلاسفة الإسلام الذين أخذوا منحى مغايرًا عن الانصياع للفكر اليوناني كما فعل "الغزالي" مثلًا. "فقد كان مفكرًا دينيًا من طرازٍ عالٍ لا شك بذلك ولا ريب، ومناقشًا متكلمًا قوي الحجة، أراد أن يجعل من الدين مادة أو قاعدة تسيطر على كل ما عداها من العلوم بما فيه الفلسفة... إن مباحث الغزالي التي اعتبرها بعضهم فلسفية لم تكن سوى أطروحات كلامية استهدفت التغطية على الفلسفة وتحويلها إلى ما يسمى فلسفة دينية بحتة" وفي كتابه "تهافت الفلاسفة" والذي يرد فيه على أكثر القضايا التي عرض لها الفلاسفة ويكفرهم لأنهم يقولون على حد قوله:" بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم بالجزئيات"، كما انتقد اعتقادهم القائل بِقِدَم العالم وفي مبدأ الفيض العقول، وأن الحشر للأجساد فقط"([45]).
من هنا يتضح، مدى تعدد الرؤى حول تعريف الفلسفة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، كل حسب انطلاقاته ومذهبه الفكري.
لهذا، فإننا إذا نظرنا إلى تعريفات الفلاسفة السابقة للإيمان والعقل سنجد أنهم متفقون، وإن بدا ذلك بشكل ظاهري، فيما بينهم حول أن ثمة إشكالية رئيسة بين الإيمان والعقل؛ قد ترجع إلى أسباب عديدة ومتفاوتة، ولكن من ناحية أخرى، سنتوصل إلى أنهم مختلفون فيما بينهم أيضًا فيما يتعلق بماهية الإيمان أو الدين، وكذلك ماهية العقل أو الفلسفة، وقد خلع كل واحد من هؤلاء معني ومفهومًا، أو دلالة لكل من الدين والفلسفة منبثقة من ظروف العصر، المختلفة في كثير من الأحيان، الذي عاشه كل من هؤلاء.
وعلى هذا، فإنه بمجرد ذكر كلمة الدين في علاقته بالفلسفة نجد المتكلم يتحدث عن الدين وفي ذهنه الدين الذي يعتنقه هو؛ فاليهودي يضع في اعتباره الديانة اليهودية، والمسيحي يجعل نصب عينيه الديانة المسيحية، وكذلك المسلم ينظر لكلمة الدين على أن المقصود بها الدين الإسلامي، ليس هذا فحسب، بل ويضع كل واحد من هؤلاء في اعتباره المذهب أو الطائفة التي ينتمي إليها. فالمسيحي ينظر للدين في علاقته بالفلسفة من زاوية المذهب الكاثوليكي أو البروتستانتي أو الأرثوذوكسي، والمسلم يعرض له من منطلق مذهبه الصوفي، أو المعتزلي، أو الأشعري، أو الشيعي، أو السني، على أقل تقدير. ومن ثمَّ، نشأ الخلط وسوء الفهم، وبالتالي ظهرت الإشكالية.
رابعًا_ ما تاريخ العلاقة بين الإيمان والعقل؟
عند الحديث عن تاريخ العلاقة بين الإيمان والعقل، نجد ثمة اتجاهين متضاربين؛ أحدهما، أنصار الاتجاه القائل بعدم وجود علاقة بينهما. والآخر، هم أنصار الاتجاه الذي يقول بوجود علاقة بينهما. ولا يعني ظهور أحد هذه الاتجاهات في حقبة زمنية بعينها عدم وجود الاتجاه الآخر في الحقبة نفسها، وإنما قد يظهر الاتجاهان معًا في فترة ما ولكن مع فارق زيادة نفوذ أحدهما على الآخر.
(أ) رأي أنصار الاتجاه الأول:
ظهر هذا الاتجاه في بلاد اليونان وخاصة مع ظهور السوفسطائيين([46])، دعاة التنوير آنذاك، الذين مهدوا لثورة فكرية عارمة اتخذت من العقل مناط بلوغ الحقيقة من أجل هدم العادات والديانات البالية. فهذا "بروتاجوراس" زعيم الحركة السوفسطائية 490 ق.م، يُتهم بالإلحاد بسبب قوله: (لا أستطيع أن أعلم إن كانت الآلهة موجودة أو لا، فإن أمورًا كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم، أخصَّها غموض المسألة وقصـر الحياة البشرية), وحُكم عليه بالإعدام، ولكنه هرب ومات غرقًا([47]).
ليس هذا فحسب، بل إن إن المصير الذي لاقاه "أنكساغورس" و"سقراط" ليدل على أن الجمود الديني كان في أثينة أقوى منه في المستعمرات، وذلك لأن انفصال هذه المستعمرات من الناحية الجغرافية قد حطم بعض قيود التقاليد القديمة([48]).
أما في العصور الوسطى المسيحية، فعلى الرغم من أن السمة الغالبة على روح هذا العصر آنذاك هي جعل العقل في خدمة الدين ومن ثم التوفيق بينهما، إلا أنه كان هناك منْ حرَّموا محاولة أدنى توفيق بينهما. ولعل خير مثل على أولئك أنصار المذهب الكاثوليكي المسيحي، وظهور ما يسمى بـ"محاكم التفتيش" التي كانت تعمل على محاسبة المخالفين للمسيحية وكانت تصفهم بـ"الهراطقة".
أما في العصر الحديث؛ حيث بدايةً العلمانية وفصل الدين عن شئون الحياة بما فيها الفلسفة والسياسة والعلم...الخ. وقد اقترنت حركة النهضة الحديثة بظهور الإصلاح الديني، ومن ثمَّ استقلال الفلسفة عن اللاهوت ([49]).
وبالنسبة للعصر المعاصر؛ وخاصة في العالم الغربي، فقد ظهرت العلمانية، وإن كان ثمة دعوات أخرى تخالفها، وازداد الصراع ما بين الدين والفلسفة. ومع سيطرة المادة والتكنولوجيا، أضحت العلمانية لا تلبي حاجات الإنسان الفطرية التي تحتاج إلى الدين كي تستمد منه غذاءها الروحي. لذا، ظهرت دعوات جديدة منها؛ "ما بعد العلمانية"، و "ما بعد الحداثة"، و "ما بعد التكنولوجيا"، و "العودة إلى الإيمان"، و "الحاجة إلى الدين...الخ([50]).
  لهذا، يمكننا أن نتساءل على أي أساس أقام هؤلاء، أي من يؤمنون بعدم وجود علاقة بين الفلسفة والدين، دعواهم فيما ذهبوا إليه؟
في حقيقة الأمر، ليس من شك أن أنصار الاتجاه القائل بعدم وجود علاقة بين الإيمان والعقل، الذي يكاد أن يكون عليه شبه إجماع، تبريرهم في ذلك مرده إلى الاعتقاد باختلاف طبيعة كل من الإيمان والعقل وذلك من خلال:
إن طبيعة الإيمان تختلف عن طبيعة العقل، وذلك لأن الإيمان يقوم على التسليم، قبل بدء العمليات العقلية، الذي يشمل المسلمات والمصادرات وشتى أنواع الأفكار المفترضة. ناهيك عن التصديق الغيبي بالوحي. في حين أن العقل لا يخضع للمسلمات وإنما يتساءل عن نشأتها وكيفيتها. ففي الفلسفة مثلًا يُبذل جهدًا كبيرًا لتجنب التسليم مقدمًا بأي شيء ما لم يكن ضروريًا ضرورة مطلقة. بل إن الفيلسوف يبذل جهدًا أعظم للاحتراس من المسلمات الخفية أو اللاواعية. ويشعر بأن وجود مسلمات غير معترف بها هو إحدى العقبات الكبرى في وجه التفكير الواضح، ومن ثم فهو يسعى على الدوام إلى تطهير فكره من أي أثر لها. وعلى العكس من ذلك، اللاهوتي الذي يخضع للعديد من المسلمات دون تعقل لها، ولعل فكرة وجود الله هي المسلمة الكامنة من وراء كل تفكير([51]).
 وكذلك المنهج؛ فمنهج الدين قلبي، ذو أصل من نوع إلهي أو خارق للطبيعة، فهو نتيجة للوحي، الذي يدل بدوره على أية وسيلة يتلقى بها الإنسان مباشرة اتصالًا من العالم الخارق للطبيعة... وإذا كان المفكر الديني يستخدم المنطق والعقل، فإنه يستخدمهما لإضافة أدلة عقلية إلى ما يقبله هو على أساس الإيمان. وإذا ظهر تعارض أو تناقض بين وحي الإيمان وثمار العقل، فإن الأخيرة تخضع للأولى. على العكس من منهج الفلسفة؛ فإن للعقل والمنطق دورًا رئيسًا، فالفيلسوف على استعداد تام (بل هو حريص كل الحرص) على صياغة نظرة إلى العالم تُرضي مطالب الرأس والقلب معًا، أما إذا لم يكن هناك مفر من التضحية بأحدهما، فهو في الأغلب يضحي بأشواق القلب([52]).
بالإضافة إلى أن الدين قطعي في أحكامه من خلال إلزام أتباعه بما جاء به الوحي دون أدنى تساؤل عقلي. في حين أن الفلسفة تحاول أن تستشرف كل غيب، وتشرئب إلى كل مجهول، بهدف البحث عن أصل كل شيء وكنهه، وسببه وعلته، وسره وحكمته. وهي لا تكتفي بالظواهر، بل تريد النفوذ إلى البواطن، ولا تكتفي بهذا العالم المحسوس، بل تريد أن تعرف ما وراءه، وما كان قبله. وكأن دأبها وديدنها السؤال عن العالَم، ما هو، ومتى خُلق، وممَّ خُلق، ومن الذي خلقه، وكيف خلقه؟.. إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي، سعيًا وراء معرفة المبادئ الأولى لكل شيء. ولذلك قالوا في تعريف الفلسفة:(إنها النظر في حقيقة الأشياء)، وقالوا:(إنها علم المبادئ الأولى)، ويعرفها الشيخ "أبو النور الموزون السمرقندي" بأنها:( محاولة العقل إدراك كُنْه جميع المبادئ الأولى)([53]). وبهذا تتجاوز الفلسفة اللاهوت في نطاقها ومدى تحليلها لأية مشكلة تبحثها([54]).
بيد أن، أنصار هذا الاتجاه قد وقعوا في خطأ التعميم، وخاصة حين جعلوا الأديان جميعًا؛ السماوية، والطبيعية، والوضعية، والإلحادية...الخ تنصهر في بوتقة واحدة وكأنها دين واحد، في الوقت نفسه الذي قدموا للفلسفة والعقل وكأن لهما تعريفًا جامعًا مانعًا واحدًا.
(ب) رأي أنصار الاتجاه الأخر:
وهو رأي أولئك الفلاسفة الذين حاولوا التوفيق والتقريب بين الإيمان والعقل، ومن بين هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، بـ"فيثاغورث" الذي مزج بين الحكمة والدين حتى أنه قال :"لا حكيم إلا الله، وإنما الإنسان فيلسوف". وعلى الرغم من أن كل فلاسفة اليونان تقريبًا قد آمنوا بقدرة العقل، فكانوا يعالجون كثيرًا من المشكلات اللاهوتية بالأدلة المنطقية والبراهين العقلية،... إلا أننا نلاحظ مع ذلك أن "أفلاطون" و"أرسطو" قد أخذا بالمعتقد التقليدي الذي كان ينسب الألوهية إلى السماء والكواكب، كما أنهما قد حاولا أن يلتمسا في الكثير من الأساطير الدينية بعض آثار التفكير الفلسفي وكأنهما أخذا على عاتقهما أن يوفقا بين الفلسفة والديانة الشعبية([55]).
ولم يلبث الرواقيون إلى أن فطنوا إلى ما وراء الأساطير، والخرافات، والطقوس، الدينية من معانٍ رمزية فحاولوا أن يفسروا الديانة الشعبية تفسيرًا فلسفيًا. وذهبوا إلى أن سائر المعتقدات الدينية والطقوس الشعبية إن هي إلا صور متنوعة لحقيقة واحدة، مادام من شأن العقل الكلي أن يتجلى على أشكال عديدة مختلفة بحسب اختلاف عقول الناس. ولم تلبث الفلسفة اليونانية في عهد "أفلوطين" أن وقعت تحت تأثير الديانات الشرقية بفكرتها عن الخلاص أو النجاة، فنشأت منذ ذلك الحين مشكلة العلاقة بين العقل والنقل ومدى تأثير المسيحية على الفلسفة([56]).
وعن طريق فيلون ويوحنا، وأفلوطينس، وأوغسطين، غلب أفلاطون أرسطو، وتعمق في أبعد أغوار اللاهوت الكنسي، وأخذت الثغرة القائمة بين الفلسفة والدين تضيق شيئًا فشيئًا، ورضى العقل مدى ألف عام أن يسير في ركاب الدين([57]). بهذا فقد تم استخدام الفلسفة في العصور الوسطى كأداة للتوفيق بين العقل والنقل أو بين الحكمة والشريعة. أما عن العصر الحديث أو ما يسمى عصر النهضة فقد ظهرت العلمانية كما أشرنا من قبل وانفصل الدين عن العلوم بما في ذلك الفلسفة. وفيما يخص العصر المعاصر الغربي فقد باتت تظهر محاولة التوفيق بين الإيمان والعقل تارة، وتخبو تارة أخرى حتى في البلد الواحد والحقبة الزمنية الواحدة.
مما سبق، لعرضنا وجهة نظر أنصار كلا الاتجاهين من منظور الفكر الغربي نستطيع أن نقول: لقد دأب الكثير من المؤرخين والفلاسفة على الوقوع في الخطأ في التعميم، خاصة فيما يتعلق بقضيتنا حين يتم تعميم كلمة "الدين" و "الفلسفة" على كل العصور، في الوقت الذي كان يُقصد فيه مذهبًا بعينه في حقبة ما. فعلى سبيل المثال: فقد عاني الأوربيون من اضطهاد الكنيسة فاضطروا لعزلها عن الحياة حتى تستقيم، فظهر مفهوم الدولة المدنية في سياق فصل "الكاثوليكية"عن الدولة، وهنا تجدني أركز علي الصياغة؛ فالفصل لم يكن بين الدين والدولة، بل بين الكاثوليكية والدولة، وهو ما عبر عنه ديورانت نفسه  بقوله:"إن الجدل الذي أهاج مشاعر الطبقات المفكرة في نصف القرن الذي سبق الثورة الفرنسية لم يكن مجرد صراع بين الدين والفلسفة، بل كان بالدرجة الأولى بين الفلاسفة والمذهب الكاثوليكي المسيحي كما وجد في فرنسا آنذاك، إنه الغيظ المكظوم في قلوب الفرنسيين لقرون طويلة من جراء ما لطَّخت به الديانة سجلها من الوقوف في وجه التقدم والمعرفة والاضطهادات والمذابح"([58]).
إن هذا يوضح كيف كان المذهب الكاثوليكي، وليس الدين المسيحي في مجمله، في صراع مع الفلسفة حيث بلغ ذروته في العصر الوسيط. وإن كان هذا لا يعفي بعض المذاهب المسيحية الأخرى كالبروتستانتية مثلًا.
سادسًا_ تضايف الإيمان والعقل في الفكر العربي المعاصر بين الوهم والحقيقة:
بالنسبة للحديث عن علاقة الدين بالفلسفة من منظور الفكر الشرقي وخاصة العربي الإسلامي فلا نستطيع الحديث عن الفكر العربي المعاصر دون القيام بعرض تاريخي موجز يوضح فيها جذور وإرهاصات علاقة الدين (الإسلام) بالعقل (الفلسفة) على مختلف العصور.
أ_ في بداية عصر النبوة:
لم يكن ثمة تعارض البتة بين الإسلام والعقل في عصر النبوة؛ وذلك لأن عقل المسلم الذي اهتدى به للإسلام آنذاك لم تخالجه الانشطاطات الفكرية المتطرفة، وإنما كان على فطرته وسليقته السليمة، وكيف أنه خرج من ضلال الكفر، الذي لا يستقيم والفطرة السليمة، إلى نور الإسلام الذي لا يأمر بشيء إلا والعقل يستحسنه ويقبله، وما ينهى عن شيء إلا والعقل يستقبحه. بهذا فقد تم درء تعارض العقل مع النقل لأن الأول يتسم بالسداد والتوفيق المنبثق عن نور الوحي. بناءً على هذا، لم يكن ثمة انفصال البتة بين صحيح النقل وسليم العقل.
ب_ علاقة العقل والنقل في العصر الوسيط الإسلامي:
لقد بلغت جدلية هذه العلاقة أقصى مداها في العصر الوسيط العربي الإسلامي تحديدًا، وذلك مع تزايد الفتوحات الإسلامية واعتناق الكثيرون من أصحاب الديانات الوثنية للإسلام، وقد كانت في أذهانهم تساؤلات فلسفية كان لابد من إيجاد إجابة لها من منظور الدين الإسلامي.
لقد شغل موضوع التوفيق بين العقل والنقل جميع فلاسفة العصر الوسيط الغربي والشرقي. إلا أن هذه التوفيقية عند الفلاسفة قد تمت على شكل تراتبي في كفتي ميزان؛ أي بين كفة العقل وكفة النقل. فعلى سبيل المثال: كانت التوفيقية عند "الكندي" قد مالت قليلًا إلى كفة النقل، أما "الفارابي" و"ابن سينا" فقد مالا إلى كفة العقل؛ وكان ذلك بسبب تأثرهم الكبير بالفلسفة اليونانية. أما "ابن باجة" فقد جعل طريق العقل في المعرفة أهم من طريق النقل، وبالنسبة لـ"ابن طفيل" فقد ذهب في هذا الموضوع إلى أن العقل يؤيد النقل([59]).
أما "ابن رشد" فقد انتهى به الأمر إلى أن العقل والنقل أختان توأمان لأن كليهما يصلان إلى حقيقة واحدة. وهو يرى أن العقائد الدينية إذا فسرت تفسيرًا رمزيًا سوف تتفق مع ما يكشف عنه العلم والفلسفة. وفي عام 1194 أصدر الأمير "أبو يوسف يعقوب المنصور" أمرًا بإحراق جميع كتب "ابن رشد" إلا عددًا قليلًا منها في التاريخ الطبيعي، وحرِّم على رعاياه دراسة الفلسفة، كما أُعدم "ابن حبيب" لدراسته الفلسفة([60]).
جـ_ أما في عالمنا العربي والإسلامي الحديث والمعاصر:
في هذا الجانب، نعود إلى سؤالنا الرئيس، هل لا تزال إشكالية الدين(الإسلام) والفلسفة في الفكر الفلسفي العربي المعاصر رهن ما ينبغي أن يكون، أو أنها خرجت إلى حيز ما هو كائن؟ وهل يمكن التوفيق بينهما؟ وكيف؟
في الواقع، فإنه في عصرنا الراهن قد ازدادت حدة الصراع بين الدين(الإسلام)_ بتعبير أدق بين المتدينين_، والفلسفة_ المتفلسفة_ من ناحية، وكادت أن تخبو من بعض النواحي الأخرى. فعلى الصعيد الأول؛ ظهر أصحاب التيارات التغريبية المختلفة من العلمانيين، واليساريين، والملحدين العرب...الخ، والذين عرضوا لآرائهم التي تدعو إلى ضرورة القطيعة التامة ما بين الإسلام والفلسفة متأثرين في ذلك بروح الحضارة الغربية، ومن أمثال أولئك؛ "سلامة موسى"، و"شبلي شميل"، و"فؤاد زكريا"، و"محمد أركون" وغيرهم.
وعلى العكس، ظهر أنصار الاتجاه الآخر وهم أولئك الذين دعوا إلى محاولة التقريب والتوفيق بين الإسلام والفلسفة، في الوقت نفسه، الذي حددوا فيه مهمة الفلسفة أو العقل بحيث لا تخرج عن إطار النص؛ أي أن دعوتهم انحصرت في نطاق القرآن الكريم والسنة النبوية. ومن بين هؤلاء: "محمد رشيد رضا"، و"عبد الحليم محمود"، و"محمد عمارة"، و"طه عبد الرحمن"، وغيرهم.
إذا نحينا جانبًا هذا الصراع الفكري الذي يقبع في دائرة ما ينبغي أن يكون من خلال السجالات، والمجادلات الفكرية بين هؤلاء وأولئك فيما يتعلق بإشكالية العلاقة بين الإسلام والفلسفة، سنجد أن هذه الإشكالية قد خرجت إلى مستوى ما هو كائن من رحم هذه الصراعات. فقد ظهر على أرض الواقع أولئك الذين يرفضون الدين(الإسلام) جملة وتفصيلًا؛ دون أدنى علم مسبق بماهيته ومكنونه وقضاياه، ناهيك عن عدم البحث فيما إن كانت نصوصه ضد العقل أو لا!!!. بل بلغ الأمر إلى أنهم خلعوا عليه كل ما تتصف به الديانات الغربية من نقائص وشبهات.
ليس هذا فحسب، وإنما ظهرت على النقيض دعوات رفض الفلسفة على إطلاقها، بل وتحريمها أيضًا من قِبل بعض الجماعات التي لم تتريث في أن تعالج الإشكالية بشيء من الحكمة والحصافة. ومن ثمَّ، ظُلمت الفلسفة، في الوقت الذي أُسيء فيه للدين(الإسلام)!!!!. وبهذا لازال الصراع بين الدين والفلسفة قائمًا، يشتد حينًا ويخفُ حينًا أخر تبعًا للظروف السياسية، والاجتماعية التي تمر بها الدول العربية.
لذا، فإن شُبَه الخلاف بين الدين والفلسفة راجعة إلى [سوء الفهم الهيرمونيطيقي] وكذلك الخرافات التي لحقت بالدين، أو إلى الإدعاءات الفلسفية التي يَدَّعيها من يزعمون أنهم حكماء وليس لهم من الحكمة نصيب، وقد جنت هذه الأباطيل على الدين والفلسفة وباعدت بينهما([61]).
وبين هذا وذاك، كان موقف "محمد عبد الهادي أبو ريدة"، وغيره أيضًا، الذي كانت الميزة الرئيسة لفكره الفلسفي؛ أنه جمع على صعيد واحد بين لغة العقل ولغة الوحي، بحيث كان لديه سلام داخلي بين منطق الوحي ومنطق العقل، ورأيه في هذا أن الواحد منهما يكمل الآخر ويكتمل به. الوحي خطاب موجه إلى العقل، والعقل مناط التكليف.
والسؤال الآن؛ هل من الممكن التوفيق بين الدين(الإسلام) والفلسفة بوصفها حب الحكمة وإعمال العقل؟ وما هي الكيفية؟
الإجابة، نعم يمكن التوفيق بينهما، لذا فقد جاءت محاولتنا لتقديم إجابات عن التساؤلات السابقة، كي يمكننا الوقوف على حل فلسفي يجمع شتات هذه الاختلافات، ونرى أن هذا الحل يتمثل في عدة نقاط: منها على سبيل المثال لا الحصر؛ ضرورة أن نحدد معنى المصطلح ودلالته، فمتى زال اللبس والغموض تلاشت الإشكالية تمامًا وأقتُلعت من جذورها. ومن ثمَّ، ماذا نقصد بكلمة الإيمان وفي أي دين، ومن ناحية أخرى ماذا نعني بكلمة العقل. بالإضافة، إلى أننا إذا تناولنا الدين الإسلامي (قرآن وسنة)_ بوصفه إيمانًا_ وعلاقته بالعقل النظري المجرد والعقل الشرعي؛ نجد أنه لا يرفض العقل النظري على إطلاقه، وإنما يضع له ضوابط تحد من انحرافه وانزلاقه في هاوية التطرف وهو ما يطلق عليه العقل الشرعي.
لا شك، أن الإسلام (القرآن والسنة)_ وليس إسلام المتأسلمين الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه وعن القرآن إلا رسمه فألغوا دور العقل جملة وتفصيلًا_ هو بحق دين العقل والحكمة؛ أليس الله القائل: )وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ([ سورة البقرة: 129]، وكذلك )أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ([ سورة يس: 162]، وقوله تعالى )انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ([ سورة الأنعام: 65]، كما قال تعالى:)وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا([ سورة البقرة:269]،  وغيرها الكثير والكثير. بالإضافة إلى الأحاديث الكثيرة التي تحث على الحكمة والعقل، وفي ذلك يقول الرسول():» ‏مَا اكْتَسَبَ رَجُلٌ مِثْلَ فَضْلِ عَقْلٍ يَهْدِي صَاحِبَهُ إِلَى هُدًى، وَيَرُدُّهُ عَنْ رَدًى، وَمَا تَمَّ إِيمَانُ عَبْدٍ، وَلاَ اسْتَقَامَ دِينُهُ حَتَّى يَكْمُلَ عَقْلُهُ«([62]). ناهيك عن دعوات الإسلام لاستعمال العقل في القياس، والاستنباط، والاستدلال، والاجتهاد، والفقه، ومعرفة علم مقاصد الشريعة.
بيد أن، المشكل هو كيف نخرج بالإنسانية من دين الشعائر إلى دين العقل؟ من دين تاريخي خاص بشعب دون آخر، إلى دين عقلي هو كوني لكل الشعوب؟ ربما يحمل كل شخص دينين في قلبه، أحدهما عقلي والآخر طقوسي. دين يحكيه وآخر يفكر فيه. وإن أحد رهانات الفلسفة هو أن تجعل الدين الذي يُحكى إلى الأطفال قابلًا للتحول إلى مفهومات خُلُقية في عقولهم، بالتالي قابلًا للفهم. لذلك علينا أن نميز بين إيمان دُغمائي يُقدم نفسه بوصفه علمًا جازمًا متكبرًا متغطرسًا على غير العالمين، وبين إيمان مُتفكِّر يخجل من الانزلاق في أي نوع من الأفكار المفارقة التي تتخطى حدود عقولنا ([63]).
وفي خِضَم، إجابتنا عن الكيفية التي يتم فيها التوفيق بين الدين والفلسفة، يمكننا القول: إنه يمكننا الخروج من مأزق عدم التوفيق إلى نور التوفيق بينهما، إذا ما آمنا بقيمة العقل وأهميته في الدين، إلى جانب الإقرار بمحدوديته، كما قال بذلك "كانط"، لأنه الإنسان مخلوق ناقص بالنسبة للكمال الإلهي، ولو كنا بالعقل نعرف كل شيء وندرك كنه الحقائق الدينية والدنيوية، لما أرسل الله إلينا الرسل بالوحي. وإنما بسبب قصره وعجزه جاء الوحي ليرشده ويهديه، وإذا قلنا: من الذي أودع فينا العقل؟ أليس الله؟ ومنْ مصدر الدين؟ أليس الله؟ إذا كان الاثنان مصدرهما واحد وهو الله سبحانه وتعالى فكيف لهما أن يكونا متضادان ومتصارعان!!! وعلى هذا، فللعقل النظري أن يُطلق العنان في التفكر، والتدبر، والإبداع، والإنتاج، دون الخروج عن معية العقل الشرعي. مع الأخذ في الاعتبار، أن العقل البشري في حاجة إلى ضوابط_غير ضوابطه الذاتية_ تمنعه من الانحراف مع أصحاب الأهواء، ضوابط من مصدر أعلى منه وأحكم، وأعلم بحقائق الأمور([64]).
وعلى هذا، يتضح أن السبب الرئيس في الخلاف بين الدين والفلسفة راجع إلى منشأ القضايا، الذي يكون العقل عند البعض والوحي عند الأخر، فأصل قضايا الدين من الدين، وأصل قضايا الفلسفة من الإنسان. والذين رموا في العالم الإسلامي إلى التوفيق بين الفلسفة وبين الدين فيما يرجع للمسائل القائمة من الوجهة التاريخية والاجتماعية أو لمعارضة بعض آيات القرآن يدعون بالمتكلمين إذا كان أساس نظرهم الدين أو الفلاسفة إذا كان أساس مبدأهم الفلسفة. وقد أرادوا أن ينسقوا بين الفلسفة وبين الدين فيما يخص المسائل المشتركة، مثلا: هل العالم أبدي لا بداية له؟ هل للعالم خالق؟ هل يمكن لماهيته تحديد؟ هل السماء حية؟ ما هي أسباب حركاتها؟ هل تعرف نفوس السماوات الجزئي؟ ما هي طبيعة النفس؟ هل البعث وسائر الخوارق ممكنة؟ كل موضوعات التهافت راجعة لهذه المسائل([65]).
وبالرجوع إلى صحيح الدين، وسليم العقل أو العقل الفطري غير المشوش، نتوصل إلى الإجابات الشافية عن هذه التساؤلات من خلال الوحي، وفي الوقت نفسه من خلال دعم أدلة الوحي بالأدلة العقلية، خاصة عند محاولة إقناع غير المسلمين. ففيما يتعلق بقضية هل للعالم خالق مثلًا؟ نجد القرآن الكريم ملئ بالآيات التي توضح أن للكون خالق، ومبدع فصلَّ كل شيء تفصيلًا بقدرته وحكمته سبحانه وتعالى. وفي الوقت نفسه، لا تتنافى هذه الآيات مع العقل السليم الذي يعجز عن أن يقدم دليلًا واحدًا يثبت فيه عدم وجود خالق لهذا الكون، بل العكس هو الصحيح، إذ أن العقل يُقَدم الأدلة والبراهين على وجود الخالق لهذا الكون؛ والتي منها أنه لا ينبغي لعاقل يرى هذا النظام في الكون ثم يقول: إنه جاء عبثًا، وإنما يقِر أن لهذا الكون المُنَظَم مُنَظِم نَظَمه، وهو ما يسمى بدليل النظام في العالم. ناهيك، عن دليل العليِّة وكيف أن لهذا المصنوع من صانع أتقنه، وكذلك، دليل العناية الإلهية وغيره.
ورغم كل ما سبق، إلا أن إشكالية العلاقة بين الدين والفلسفة ستظل مثارًا الجدل والنقاش ما لم يتم تحديد بداية معنى المصطلحات موضع البحث ودلالتها. وعلى هذا فإن الإشكالية تمتاز بالحل المفتوح كقولنا: أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة؟!!!

المراجع:
_ القرآن الكريم.
 (1) فوستيل دي كولانج: (1830_1889) مؤرخ فرنسي، ألف "المدينة العتيقة" 1874، وهو دراسة رائعة في تأثير الدين في تطور المدن الإغريقية وروما. ولكن أعظم كتبه "تاريخ النظم السياسية لفرنسا القديمة" (6 مجلدات 1882_1892)، وقد وجه الفكر إلى تفسيرات جديدة لتاريخ أوائل العصور الوسطى.
(2) لانجلو اوسينوبوس: المدخل إلى الدراسات التاريخية، في كتاب: النقد التاريخي، تأليف، لانجلو اوسينوبوس، وبول ماس، وإيمانويل كانط،، ترجمة عن الفرنسية، عبد الرحمن بدوي، الطبعة الرابعة، الكويت، وكالة المطبوعات، 1981،  ، ص117.
(3) ليو شتراوس: فيلسوف سياسي معاصر، ولد في 20 سبتمبر 1899م لأبوين يهوديين متدينين في مدينة "كيرشهاين Kirchhain" فى ألمانيا، في إقليم "هيس Hesse" القريب من ماربوغ Marburg،  توفي 1973م بالولايات المتحدة الأميركية.
(4) ناثان تاركوف وتوماس ل. بانجل: "ليو شتراوس وتاريخ الفلسفة السياسية، في كتاب: تاريخ الفلسفة السياسية: من جون لوك إلى هيدجر، المحرران: ليو شتراوس وجوزيف كروبسي، ترجمة: محمود سيد أحمد، ومراجعة: إمام عبد الفتاح إمام، جـ2، ط1، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2005، ص621.  
(5) يوجين ف. ميللر: ليو شتراوس وصحوة الفلسفة السياسية، في "أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة" أنطوني دي كرسبني وكينيث مينوج المحرران، ترجمة: نصار عبد الله، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص 63.
(6) جميل أبو العباس زكير: فلسفة السياسة عند ليو شتراوس، رسالة ماجستير غير منشورة، إشراف: محمد أحمد السيد، كلية الآداب جامعة المنيا، 2014م، ص 27.

(7) عادل مصطفى: فهم الفهم مدخل إلى الهيرمنيوطيقا، نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2007، ص ص،18،17.
(8) انظر: معجم المعاني الجامع، ومعجم الوسيط. الإيمانhttp://www.almaany.com/ar/dict/ar-a/
(9) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، الجزء الأول، 1982، ص 187.
(10) إبراهيم مدكور(تصدير): المعجم الفلسفي، عن مجمع اللغة العربية، القاهرة، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية،1983، ص29.
(11) محمد رواس قلعة جي، وحامد صادق قنيبي: معجم لغة الفقهاء، عربي انجليزي، بيروت_لبنان، دار النفائس، الطبعة الثانية، 1988، ص 74.
(12) علي بن عبد العزيز الشبل: الإيمان عند السلف ومخالفيهم، شبكة الألوكة للنشر والتوزيع، 2014، ص ص،35،36.
(13) علي بن عبد العزيز الشبل: الإيمان عند السلف ومخالفيهم، شبكة الألوكة للنشر والتوزيع، 2014، ص ص،35،36.
(14) محمد عثمان الخشت: مدخل إلى فلسفة الدين، القاهرة،  دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001، ص ص 14،13.
(15) محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: مختار الصحاح، بيروت، مكتبة لبنان، 1986،  ص91.
(16) الطاهر أحمد الزاوي: مختار القاموس مرتب على طريقة مختار الصحاح والمصباح المنير، ليبيا_ تونس، الدار العربية للكتاب، د.ت، ص 224.
(17) http://www.dorar.net/enc/adyan/5.
(18) Ibid.
(91) محمد عثمان الخشت: المرجع السابق، ص ص 18:15.
(20) ما معنى الدين وما المقصود به في المصطلح الإسلامي؟ http://www.islam4u.com/ar/almojib/
(21) المرجع نفسه.
(22) http://www.dorar.net/enc/adyan/5.
(23) http://www.dorar.net/enc/adyan/5.
(24) عبد السلام بن ميس: قصة تنقل مفهوم "العقل" حتى القرن 13م، مجلة فكر ونقد، العدد 27، مارس 2000، رئيس التحرير، محمد عابد الجابري.  http://www.aljabriabed.net/n27_03benmis.htm
(25) عبد الرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة، الطبعة الأولى، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984، الجزء الثاني، ص ص 372،371.
(26) وهبة طلعت أبو العلا: العقل الإنساني ومشكلاته، رحلة في أعماق بول تلش، المنيا، دار الهدى للنشر والتوزيع، 2005، ص 30.
(27) نفسه.
(28) بول تلش: تاريخ الفكر المسيحي، من جذوره الهلينيستية واليهودية حتى الوجودية، ترجمة، وهبة طلعت أبو العلا، الجزء الأول، القاهرة، مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة، 2012، ص ص 62،61. 
(29) نفسه.
(30) ابن منظور: لسان العرب، القاهرة، دار الدين، الطبعة الثانية، 2003، ص 458.
(31) الحارث بن أسد المحاسبي: العقل وفهم القرآن، قدَّم له وحقق نصوصه، حسين القوّتلي، الطبعة الأولى، الأردن، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1971، ص 140.
(32) الخليل بن أحمد الفراهيدي: العين، مادة عقل، بيروت، دار المعارف، الطبعة الثانية، د.ت.، ص159.
(33) محمد مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، الطبعة الثالثة، بيروت، دار مكتبة الحياة، د.ت.، ص 25.
(34) أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الطبعة الأولى، لبنان، دار الفكر، 1976، ص 69.
(35) السيد الشريف الجرجاني: التعريفات، القاهرة، دار الحلبي، الطبعة الثانية،1980، ص197.
(36) علي شلق: العقل في مجرى التاريخ قبل الإسلام وبعده، بيروت، دار المدى، الطبعة الأولى،1984، ص25.
(37) محمد علي التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، 1158هـ، ص 1200.
(38) وليم كارتر: عناصر الميتافيزيقا، ترجمة، وهبة طلعت أبو العلا، المنيا، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2012، ص 43 وما بعدها.
(39) أبو الحسن الماوردي: أدب الدنيا والدين، تحقيق، مصطفى السقا، تقديم، عبد الحكيم راضي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009، ص ص 45:43.
(40) عماد البليك: العقل بين التخييل والتأويل، مقال، بمجلة سودانيل، رئيس التحرير، طارق الجزولي، السودان، 2015، تم الدخول: 29/2/2016.
http://sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=81518:2015-05-05-13-15-30&catid=34&Itemid=55
(41) حسين علي: ما هي الفلسفة"، القاهرة، دار النهضة العربية، 2007، ص 17.
(42) حسين علي: المرجع السابق، ص ص 21،20.
(43) الكندي: الرسائل الفلسفية، تحقيق، محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، دار الفكر العربي، 1950، ص173.
(44) صارغون: تعريف الفلسفة، نظريات فلسفية، تم الدخول 28/2/2016. http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/filosofi/filo-0039-2.htm
(45) عارف تامر: الغزالي بين الفلسفة والدين، لندن، رياض الريس للكتب والنشر، 1987، ص ص 73:70.
(46) السوفسطائيون: كلمة Sophist لم يكن لها معنى سيئ في أول أمرها، بل كانت تدل في الأصل على ما نعنيه نحن اليوم بكلمة "أستاذ" أو "معلم"، ثم لحق هذه اللفظة التحقير في عهد "سقراط" و "أفلاطون"، ولم يكن لها معنى مُحِط بالكرامة حتى قام النزاع بين الدين والفلسفة فأدى إلى هجوم المحافظين عليهم.
انظر: حسين علي: ما هي الفلسفة"، القاهرة، دار النهضة العربية، 2007، ص ص 96،95.
(47) عبد المنعم الحفني: موسوعة الفلسفة والفلاسفة، القاهرة، مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية، 1999، ص 283. 
(48) ول وايريل ديورانت: قصة الحضارة؛ حياة اليونان، ترجمة، محمد بدران، الكتاب الثاني، بيروت، 1954، ص 2281.
(49) حسين علي: المرجع السابق، ص 108.
(50) انظر: هنري لينك: العودة إلى الإيمان، ترجمة، ثروت عكاشة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010، ص ص 32:13.
(51) هنترميد: الفلسفة أنواعها ومشكلاتها، ترجمة، فؤاد زكريا، القاهرة، مكتبة مصر، 1969، ص ص 38،37.
(52) المرجع نفسه، ص 35.
(53) نديم الجسر: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، الطبعة الثالثة، بيروت، دار العربية، 1969، ص26.
(54) هنترميد: المرجع السابق، ص 35.
(55) زكريا إبراهيم: مشكلة الفلسفة، الطبعة الثالثة، القاهرة، مكتبة مصر، 1967، ص ص 137،136.
(56) المرجع نفسه، ص 137.
(57) ول وايريل ديورانت: قصة الحضارة؛ قيصر والمسيح، ترجمة، محمد بدران، بيروت، 1954، ص 4003.
(58) ول وايريل ديورانت: قصة الحضارة؛ عصر فولتير، ترجمة، محمد بدران، الكتاب الثاني، بيروت، 1954، ص 12495.
(59) كيورك مرزينا كرومي، وسامي محمود إبراهيم: إشكالية علاقة العقل والنقل بين الغزالي وابن رشد، مجلة كلية العلوم الإسلامية، العدد (15)، العراق، 2014،  ص 17.
(60) ول وايريل ديورانت: قصة الحضارة؛ عصر الإيمان، ص ص 4806:4802.
(61) إبراهيم مدكور: فلاسفة الإسلام والتوفيق بين الفلسفة والدين، مجلة الرسالة، العدد 142، 1936.
(62) أخرجه ابن المجبر في العقل وعنه الحارث بن أبي أسامة.
(63) فتحي المسكيني: كانط: دين العقل الكوني أو كيف يكون إيمان الأحرار، مقدمة الترجمة العربية، إيمانويل كانط: الدين في حدود مجرد العقل، الطبعة الأولى، بيروت، جداول للنشر والتوزيع، 2012، ص ص، 18،15.
(64) محمد قطب: مغالطات، الطبعة الأولى، القاهرة، دار الشروق، 2006، ص 58.
(65) علال الفاسي: العلاقة بين الدين والفلسفة، مغالطات، مجلة دعوة الحق، العدد السابع، المغرب.
. http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/75






تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)