جوهر الفلسفة المثالية في مراتب المعرفة الكمالية..! (1/2)

جوهر الفلسفة المثالية في مراتب المعرفة الكمالية..! (1/2)




يونس عاشور*




..... تلك هي الطريقة المُثلى التي تَعَلَمْتُمْ من خلالها مَعْرِفَة الأخلاقْ وابتعدتمْ عن الشقاقِ والنفاقِ فيما بينكم بفضل وعيكم ومستوى رُقّيكم في طريقتكم لماهية التفكير العقلاني وقد كان لكم الفضل في توحيدِ كلمتكمْ بالنأي عن الفرقة أو الافتراق إن جاز التعبير، ولم يكن أحد منكم يتطلع إلى مركزيةِ الذات أو الانكفاء والانعزال الذاتي أو التفكير بالطريقة الذاتيّة في الأمور الشخصانيّة/ الأنويّة فقط، بل كانت لكم رؤى وتطلعات وقوى ومرتكزات تتناصحوا فيما بينكم بكلمة حق وقول فصل ومنطق أصل يُرجع الأمور إلى قاعدتها ونصابها ويضعها في موضعها الصحيح نحو الإنصاف والعدل والتوافق والابتعاد عن الوحل، وحل الهيمنة والتسلط على الآخر.
إنها قيمكم الوضاءة التي أنرتم بها الطريق للأجيال فكنتم عند حسن ظنكم وصدق قولكم وأخلاق أعمالكم الإنسانية التي تنبثق من الضمير ، الضمير الإنساني ، الضمير الحي، الضمير المتطلع إلى معاني وقيم الإنسان بصفته إنسان يستحق الإنصاف وإيلائه بحبوحة العيش الرغيد والهناء السعيد فيكون بذلك في أسمى غايات النبل وافق العزة والكرامة التي يتطلع إليها كل إنسان ويطمح لها كل ذي عقل مستنير  يستشعر بمعنى الأهداف الغائية للحياة الإنسانية الحقيقية.
قد تتساءل أخي العزيز عن ماهية الطريقة المثلى ؟!! التي افتتحنا بها كلمتنا هذه.!
الطريقة المثلى هنا هي تلك الطريقة التي تنطلق من صفة التفكير الناجع ومواصفات الإنسان الناجح الذي يسعى بكل ما أوتي من فهم وعلم ومعرفة أن يوظفها لخدمة الآخر من بني جنسه ، فيكون بذلك قد أصاب الهدف والتفكير معاً لينتهي به المقام إلى خلق جيل واع متطلع إلى مبادئه وأسسه وغاياته الحياتية التي ترتكز على كل معاني المعرفة ومبانيها التي من خلالها تكون خادمةً للإنسان ، المعرفة هنا ليست المعرفة السطحية أو المعرفة العلمية الخالية من التوجه الروحي والحسي والظني والاستدلالي واليقيني وإنما عبر إخضاع هذه المفاهيم إلى جوهرها الفلسفي لتحقيق مفهوم مراتب المعرفة الكمالية بأن تكون متجهةً نحو الكمالات واليقينيات والأهداف الكبرى للحياة الإنسانية.
إن ذلك ينطلق من سمو النفس وصفاء العقل وبهاء الروح ورقي الذات لتكون مترجمةً لحقيقتها وأصلها الجذري بأنها روح خيّره ونفس سامية متصفةً بعقلية راقية في الذوق والعطاء الذي يرشدنا نحو الصراط المستقيم ذلكم هو المقام المتمثل في ماهية الطريقة التي نحن بصددها.
ما أجمل الروح حينما تكون محبّة للناس وتعمل لأجل الناس وتخاف على مصالح الناس وتعمل على تأسيس مؤسسات أمنية تكون حارسة ويقظة من اجل إرساء الأمن على أرواح الناس لهو طموح يتطلع إليهِ كل ذي عقلٍ لبيب واع لأهداف الإنسانية المحقة.
لا تتمثل الطريقة في مجموعة من الشكليات والكفيات والاستعراضيات التي قد نراها من هنا وهناك ويكون البعض بذلك مقتنعاً بغير علم مما قد يراه ، هذا النوع من الطريقة قد يكون مؤقتاً في الفعل والقول لأنه لا يفي بالغرض النهائي لأن توجهه توجهاً مصلحياً خالياً من المصداقية وما يلبث إلا وأن تساوره الشكوك والريبة.
الطريقة التي نحن نطمح إليها أخي العزيز هي طريقة العمل بصمت وتفان بصدق وإخلاص تتوجه مباشرة نحو الآخر ، المباشرة هنا هي المباشرة التي يستشعر بها الإنسان من خلال ما يلمسه بحيث تكون معالم الأمور لديه حقيقية وظاهريةً وواقعيةً تقوم بتأدية الطلب وتقديم الخدمات للإنسان وبالتالي تكون مخرجاتها ومنجزاتها ومكاسبها تحقق له الرضا والقناعة وقبول الرأي والرأي الآخر أيضا إن وجد عندما تكون في مستوى الرقي نحو إنجاز مختلف الأعمال وإيصالها برغماتياً وعملياً إلى يد الإنسان آنئذ تكون الفائدة القيمية حاضرةً في جوهرها وقوة في أدائها وعملها لا تنفذ وكأن هذا الطرح ينبئنا بضخامة عمل يكرّس وجود الذات ويجعل منها ذاتاً استعلائية وكمالية في قمم المقدمات والحضارات البشرية مؤهلة لأن تكون حاكمة بالعقل والمنطلق المفاهيمي وجوهر الفعل المنطلق من ماهيات وعلاقات فلسفية تربط احتياجات الإنسان بالفكر والعلم والمعرفة الناتج عن تأمل وإعمال للعقل والفكر بشكل دائم ومستديم.
سنستعير مصطلحاً فلسفياً لتتويج هذا المقال ووضعه في قالبه المنطقي وهو مصطلح الجذمور نشبه تفرع الأعمال الحقوقية لإرضاء النفس البشرية بعمليات وحيثيات وكيفيات لا متناهية تعمل عملها وتفعل فعلها نحو الإتمام والإكمال والترويض والتهذيب والتثقيف وكل معاني كمالات المعرفة ، فهل نكون يا ترى؟!
لقد تسنّم الفلاسفة في التاريخ القديم مناصب جمّة بحيث استفاد الناس من علومهم وفلسفاتهم ومعارفهم التي أسسوها في عقولهم هي في حقيقة الأمر من اجل إرساء تربية الذات بمفهوم الرقي والازدهار النابع من الوعي المعرفي الذي يدفع بالإنسان نحو تأسيس مدن وحضارات أُطلق عليها وقت ذاك بـ "المدن الفاضلة" والآن يتكرر لدى الفلاسفة الجدد أسئلة كثيرة وملِّحة حول مشكلة إيجاد صيغ أخرى فيما يخص تكرار نسخ تكون متوافقة ومتطابقة إلى حد ما كطرح مفهوم دولة الحق والقانون أو الدولة المدنية أو الدولة السياسية الحديثة التي تكون معالمها وآفاقها منسجمة مع متطلبات حاجات الإنسان المعاصر وإذا كان ذلك المنطق سيرى النور على المنظور القريب أو البعيد فستنعم  النفس البشرية بألف خير وستسمو نحو الآفاق والتطلعات الجديدة التي تقوم على منطق العدل والقانون والدستور.!
بالعودة إلى مراتب المعرفة الكمالية يمكن لنا استعرض وشرح مختزل لمفاهيم تلك المراتب الكمالية على ضوء النظرية الأفلاطونية حسب ما ذكره الأستاذ صاحب الربيعي في دراسته حول مراتب المعرفة عند الفلاسفة:
1-المعرفة الحسية: عبارة عن إدراك صور المحسوسات، وتعتبر أدنى مراتب المعرفة وأولها.
2-المعرفة الظنية: هي الحكم على المحسوسات من خلال مقارنتها بعضها ببعض، واستنباط قواسم مشتركة بينهما. وهي إما صادقة وإما كاذبة.
3-المعرفة الاستدلالية: هي ما يحصل عليها العقل بواسطة الجدل والفرضيات، وتكون مقدمة للوصول إلى اليقين إذا ما استندت إلى فرضيات صادقة.
4-المعرفة اليقينية: هي أرقى مراتب المعرفة وأقصاها، لأنها إدراك للمثل وتعقل لمعرفة الحقيقة المطلقة.
يتبين من تشخيص ((أفلاطون)) لمراتب المعرفة ومدلولات كل مرتبة، إن هناك تحديداً دقيقاً لمستوى المعرفة حيث أشار إلى أن المعرفة الحسية هي أدنى مراتب المعرفة كونها لا تعطي دلالات كافية للوصول إلى المعرفة. ومن ثم تطرق إلى المعرفة الظنية، وهي شكل من أشكال الفروض البحثية وما يتوجب دراسته ومقارنته وثم استنباط أسسه المشتركة لتحقق من صدقه وعدم صدقه. وأعطى أهمية للمرتبة الثالثة للمعرفة، كونها تستدل من خلال مناقشة نتائج الصدق من عدم الصدق المعرفي باستخدام سُبل الجدل والاحتكام إلى العقل للوصول إلى النتيجة النهائية. ومن ثم الاحتكام للنتيجة النهائية في المرتبة الرابعة من المعرفة، كونها الأرقى من حيث الرتبة لأنها تصادق على النتيجة الأكثر صدقاً للوصول إلى الحقيقة المطلقة.
مصطلح جوهر الفلسفة المثالية بدا يشق طريقه مؤخراً في القاموس الفلسفي المعاصر بما يحمل من دلالات متعددة وأبعاد متجددة في الطرح والإغناء والاستيفاء على مستوى كليّة الموضوعات النظرية القابلة للمناقشة في موضوعات مراتب المعرفة وما تتضمنه من حلول تثري بدورها الجانب النظري والمعرفي وتكون هي الحَكَمْ في إعطاء الرؤية الصحيحة للأمور.
 * متخصص في الشأن الفلسفي المعاصر.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي