عندما يرتبط الابداع ب"المؤخرة": محاولة في نقد العقل السينمائي المغربي

عندما يرتبط الابداع ب"المؤخرة":
محاولة في نقد العقل السينمائي المغربي



بقلم : محمد بعدي


يثير المنتوج الفني في المغرب عددا من التساؤلات المتعلقة بالهوية و القيمة و الحرية، نظرا للدور الحطير الذي يلعبه على مستويات عدة... و في كل مرة يظهر شريط إلى العلن نجد أنفسنا امام جدل جديد بخصوص المضامين على وجه التحديد... خصوصا و أن جل مخرجينا ولوا وجوههم شطر مواضيع محددة لا تصح السينما في نظرهم، ربما، إلا بها.
لنتفق في البداية على أن الفن إبداع... و على أن الابداع يتطلب ذكاء متقدا، و موهبة فذة، و خيالا خلاقا. و لنسائل مخرجينا: أين هو الذكاء الفني؟ و أين هي الموهبة الفنية؟ و أين هو الخيال الفني؟ و ما هي الهوية التي يفترض أن يمثلها العمل الفني؟ و ما هي القيم التي يدافع عنها؟
مناسبة هذه التساؤلات ترتبط ب"العمل الفني" غير "النبيل" الذي أنتجه نبيل عيوش بعنوان "الزين اللي فيك"... لقطات من الفيلم تعطي صورة واضحة تسمح ببعض الأسئلة و الملاحظات النقدية...
لعل من الأسئلة الأساسية التي ينبغي على العقل السينمائي الاجابة عنها هو السؤال المتعلق بحدود الحرية في العمل و الانتاج السينمائي. هل توجد حدود في الفن؟ هل ينبغي أن يكون خاضعا لقواعد ترسم جغرافيا الحركة في المجال؟ هل ينبغي أن يكون العمل الفني عموما خاضعا للرقابة و الوصاية؟ ألا يشكل حضور القوانين و الرقابة خنقا و قتلا للابداع؟ ماذا سيتبقى للفنان المبدع عندما نمارس عليه نوعا من الحجر على ما ينتج؟ و بالمقابل ألا تعتبر الحرية المطلقة طريقا إلى التسيب و الفوضى؟ ألا يمكن لإطلاق العنان أن ينتج العبث و بالأحرى العفن؟
بداية لا بد من التأكيد على أن سؤال الحرية لا يتعلق فقط بالمجال الفني السينمائي، و إنما هو سؤال فلسفي يرتبط بالسلوك البشري بشكل عام. و هو سؤال يمكن أن يطرح بالصيغة البسيطة التالية: هل الإنسان حر؟ نستطيع الإجابة بأن الإنسان حر فعلا، و لكن ليس بشكل مطلق... لماذا ؟ لأن الإنسان صاحب فكر و إرادة و اختيار مما يجعله حرا و فاعلا... لكنه ينتمي إلى واقع اجتماعي معقد يجعل حريته نسبية.. و الأمر نفسه يمكن قوله بخصوص السلوك الفني. إنه سلوك حر، لكنه بالتأكيد لا ينبغي أن يكون حرا بشكل مطلق، ما دام الفنان لا يعيش منعزلا في جزيرة، و إنما ينتمي إلى واقع اجتماعي ثقافي قيمي يتقاسمه مع آخرين.
لنأخذ النموذج الذي قدمه عيوش على سبيل المثال لا الحصر، و لنركز على معطيات أساسية فيه و هي: العري، الكلام النابي، الدعارة، الخمر... بالطبع نعرف جيدا أن واقعنا يعج بمثل هذه الظواهر. لكن أين تبدأ و أين تنتهي الحرية في مقاربة مثل هذه الظواهر؟ و ما هو الحد الفاصل بين الابداع و ما ليس إبداعا بخصوصها؟ الأكيد أن من يمتلك ضميرا حيا يحز في نفسه أن تصبح الدعارة رياضة وطنية و الشذوذ سلوكا طبيعيا، و يزعجه أن يرى أبناء و بنات الوطن يدمرون زهرة شبابهم بالخمر و المخدرات... و يسعى بالتالي إلى مقاربة الظاهرة و اقتراح علاجات لها. لكن السؤال الكبير هو : كيف؟ هل من خلال إعادة عرضها و من خلال نقلها من الفضاء المغلق إلى الفضاء العام؟
إن الحديث عن مقاربة سينمائية يعني تقديم منتوج مؤسس على ذكاء فني، و موهبة فنية و خيال فني، كما سلف القول .. و على رؤية ذات قيمة إنسانية تجيب عن السؤال: من نكون {الهوية} و ماذا نريد {القيمة}؟ لا يبدو لي أن هنالك ضرورة منطقية، أو واقعية، أو أخلاقية، أو فنية حتى... تبرر العري و عرض مؤخرات تتلوى بغباء، و تبرر توظيف كلام يمتح من مرجعية "ماخورية" صرفة... سيقول بعض المخرجين بأن هذا موجود في الواقع و بأنهم ينقلون هذا الواقع... لكن: أين الابداع إذن؟ أين الخيال الفني؟.... أليس في نقل الواقع حرفيا استغفالا و "استحمارا" للمشاهد؟ ثم ما فائدة نقل واقع يعرفه الكثيرون أو على الأقل يعرفه القليلون؟ هل الهدف هو أن يعرفه الجميع و أن يطبع معه الجميع؟ أعتقد أن المخرج الذكي فنيا هو من يضيف لمسة إبداعية على عمله، و يمتلك القدرة على التخيل و الإيحاء... و بدل أن يصور المشهد مباشرة يوحي إليه و يترك للمشاهد إمكانية التخييل. إن المخرج الذكي هو من ينقلنا من عري الطبيعة إلى رمزية الثقافة...
ما لا يفهمه العقل السينمائي الفقير إلى الذكاء الفني و البعيد عن الواقع المغربي هو أن من تمارسن الدعارة طوعا أو كرها لا تجاهرن بهكذا سلوك، و لربما "تحاضرن في الشرف"... و من يتداولون كلاما بذيئا لا يفعلون ذلك إلا في مقامات محددة... و ليس في الأمر أي نفاق و لا ازدواجية في الشخصية، "فلكل مقام مقال" كما يقال. فهؤلاء و أولئك يدركون أنهم يأتون سلوكا مرفوضا أخلاقيا و دينيا و اجتماعيا... لكنهم صاروا مثل مدمن على التدخين يعرف الداء لكنه يعجز عن التوقف... لذلك فالمخرج الذكي حقا و الذي يحمل رسالة حقا هو من يقرأ الواقع جيدا و يقاربه بمنظور تربوي يعالج الأعطاب بالبحث في الأسباب... أما المخرج الغبي و المعاق فنيا فهو من يضيف إلى الأعطاب أعطابا، و إلى الأسباب أسبابا...
في اعتقادي إن ما يحكم العقل السينمائي المغربي ليس له خلفية مرتبطة بالبعد الفني الجمالي، و إنما خلفية تحكمها الايديولوجيا و الخصومة السياسية... و إلا فما السبب وراء هذا السعار و التهافت على مواضيع بعينها؟ لنأخذ الدعارة كمثال. لماذا لا تتفتق عبقرية مخرجينا في مقاربة جغرافيا الدعارة في المغرب و علاقتها بالسلطة السياسية؟ ألا نجد مدنا لا يذكر اسمها إلا مقترنا بالدعارة؟ فلماذا يستعصي هذا الطابو على التكسير أيها المخرجون الصناديد؟ ألا توجد دعارة خمس نجوم توفر لها الحراسة الأمنية أكثر مما توفر لمؤسسات الدولة؟ فلم لا يقترب منها المخرجون الشجعان إلا لممارسة الدعارة التي يقتاتون عليها في أفلامهم المزعومة؟ لذلك فحضور الموضوع في العقل السينمائي المغربي هو حضور إيديولوجي هدفه التكتيكي هو استفزاز و احراج الحكومة التي يقودها "الملتحون"، و هدفها الاستراتيجي هو ترسيخ الهوية الحداثوية "الجهادية" التي تقطع الصلة مع عناصر الهوية الثقافية المغربية إرضاء للأم "فرنسا".
عندما يرتبط الابداع ب"المؤخرة"،و تكون "المؤخرة" في المقدمة... تكون السينما في المؤخرة، و يكون العقل في المؤخرة، و يكون البلد في المؤخرة... 
  

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة