في الأسس الفلسفية لنظرية المعرفة

في الأسس الفلسفية لنظرية المعرفة :
جدل المعرفة النسبية والمعرفة المطلقة
 = قصة موسى والخضر في القرآن الكريم =
الدكتورة بتول  قاسم ناصر
          نسعى في هذا البحث الى قراءة القرآن الكريم  قراءة تنطلق من النظرة الكلية الشمولية والطرح الفلسفي للقضايا وتتجاوز النظرة المحدودة والتجزيئية . وهذه الدعوة طرحت في ساحة البحث الفكري الإسلامي المعاصر وممن طرحها السيد محمد باقر الصدر في ( التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ) .  ويتم ذلك في نظر السيد الصدر من خلال إعادة  قراءة الفكر الإسلامي في ضوء مستجدات العصر وإعادة قراءة للقران لا تعتمد التفسير الحرفي ، ومن خلال اعتماد مبدأ الاجتهاد المفلسف الذي يعني بحثا مستمرا وينطلق من حقيقة أن الفكر ليس معطى مرة واحدة ومنذ البداية وهذا يحتم بالضرورة اللجوء الى الاجتهاد واعتماد التفسير الموضوعي للقرآن وهو التفسير الذي يجده  السيد الشهيد يوسع نطاق الرؤية الإسلامية ويساعد على اكتشاف مكنونات القران الكريم لأنه ذو باطن عميق ولا يقف عند حدود الظاهر. وهو لا يرى للطريقة الأخرى في التفسير التي يصفها بالتجزيئية مثل هذه القدرة  لأنها تقتصر على التفسير اللغوي وطاقاته ليست طاقات لامتناهية إزاء  نص مطلق يمثل كلمات الله التي لا تنفد . المفسر التجزيئي دوره سلبي يتناول النص المحدد آية او مقطعا ويحاول أن يصل الى المفهوم في ضوء ما يسعف به اللفظ دون أية افتراضات او اطروحات مسبقة ، فهو يسجل في تفسيره بقدر ما يفهم من النص. ويخالفه في ذلك المفسر الموضوعي فهو لا يبدأ من النص بل من خارجه ويركز على موضوع من موضوعات الحياة الاجتماعية او العقائدية او الكونية ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الانساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمته من حلول وما طرحته من أسئلة . ويطرح بين يدي النص مثل هذه المواضيع المشبعة بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية ليبدأ معه عملية حوار تستنطق مواقفه المحددة  إزاء هذه الموضوعات . فالمفسر لا يجلس ساكتا يستمع ويتلقى فقط بل يحاور ويستفهم مستعينا بكل ما ترفده  به إمكانات العقل البشري ليستكشف الأفكار التي بإمكانه أن يستلهمها من النص . هذا التفسير يبدأ من الخارج من الواقع وينتهي بالقرآن الكريم وهنا يلتحم القران الكريم بالحياة والواقع ويتواصل مع المعرفة الانسانية . أما التفسير التجزيئي للقران فهو عملية منعزلة عن الحياة منفصلة عن تراث البشرية وعطائها الفكري . وهكذا تبقى للتفسير الموضوعي قدرته على العطاء المتجدد والإبداع ويكون التعامل معه ضرورة شرعية وعلمية وواقعية . و هنا يتضح الفرق بين هذا المنهج الشمولي التعبدي والمناهج الأخرى.  ولقد فتح السيد الصدر آفاق الفكر الإسلامي على الفلسفة باسم الاجتهاد وجرده من التبعية الخاوية للفلسفة الغربية وصاغ مفاهيمه المعرفية حسب متطلبات الدين(1).
 إن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم قد يكون ضرورة تقتضيها حقيقة أن القران الكريم وككل النصوص الدينية قد يطرح المفاهيم والنظريات المعمقة بصورة قصة أو حادثة عارضة مما يقتضي أن لا نلجأ إلى التفسير الحرفي المباشر. وهذا الأمر قرره هيجل وهو يتكلم على حقيقة الدين ، فمضمون الديانة – كما يقول– هو  الحقائق الكلية ولكنها تعرضها في صورة حسية فتصورها بأنها حادثة في الزمان والمكان وأنها قصص تمر في التاريخ وأنها يمكن أن لا تحدث . إن مضمون الدين هو المطلق ولكنه يعرضه في صورة العرضية والمصادفة والمجاز. فهو يعرض خلق العالم مثلا بكونه حادثة تمت بالمصادفة ، فالله يستطيع أن يخلق العالم و يستطيع ألا  يخلقه. وهو يعرض تباعد الانسان واغترابه  عن الله  الذي هو ضرورة منطقية تفرضها طبيعة الأشياء يعرضه كأنه واقعة عرضية كان يمكن ألا تحدث ، وكذلك يعرض التوفيق والمصالحة والعودة الى الله . والتفسير الفلسفي الموضوعي لهذه النصوص الدينية  يستبدل بالمصادفة الضرورة ويبين أن كل ما يقع إنما هو ضرورة منطقية وعقلية ويضفي عليه صورة الفكر العقلي الخالص . وبهذا يعارض المضمون  الديني الذي يصور العلاقات المنطقية بصورة قصص وحوادث خارجية ويربطها برباط الحدوث والعرضية . وحين يحذف عن هذه العلاقات هذا الطابع الخارجي لا يبقى إلا المضمون الخالص الذي هو موضوع الفلسفة . فالفلسفة تعمد الى التصوير الذهني المحض أما الدين فيعمد إلى التصوير الحسي عن طريق الموضوعات الحسية الجزئية . الفكر الديني كلي خالص ولكنه يغلف بخيال حسي فهو جسد مجازي لحقيقة كلية . إن السبب الذي يجعل الدين يتسم بهذا أنه يخاطب كل الناس ويسعى الى أن يصل اليهم كلهم . وكل الناس لا يستطيعون أن يستوعبوا الفكر المجرد ، بل يستطيع استخلاصه قلة منهم يتفوقون بالقدرة العقلية التي تمكنهم من الارتقاء من الظاهر المجازي الى الباطن الجوهري للنص الديني وبهذا يكون النص للجميع(2) .
ومن الفلاسفة الذين سبقوا هيجل في هذا التصور لعلاقة الدين بالفلسفة ولحقيقة الدين الفيلسوف اليهودي ( فيلون )  وهو من أشهر فلاسفة الإفلاطونية المحدثة في القرن الأول الميلادي . كان مؤمنا بفلسفة إفلاطون ومتبعا لشريعة موسى ، ويرى أن الحقيقة كلها إنما هي موجودة في التوراة لكن إفلاطون قد توصل اليها أيضا بنوع من الوحي . فالفلسفة اليونانية والشريعة اليهودية كلتاهما تعبران عن الحقيقة لكن طريقة التعبير  تختلف في الدين عنها في الفلسفة . الدين حق والفلسفة حق وكل ما بينهما من فارق أن الدين أكمل وأتم وإن كان أقل تفصيلا وتدقيقا  . إنه وحي يهمه الوضوح والبيان الشافي لا الدخول في تفاصيل الأدلة ودقائقها . والفلسفة وحي ولكنها وحي عميق غامض أقل شمولا من الدين وأكثر تفصيلا وأدق صياغة . إن الدين لا يناوىء الفلسفة فإن اختلف الدين مع الفلسفة فهذا الاختلاف إنما يكون في العبارة دون الجوهر . لقد استمد افلاطون وأرسطو  تعاليمهما -  كما يذهب فيلون - من موسى ومن التوراة ومن هنا نشأ ما لهما من حكمة وفكرة . وهكذا مضى يفصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال ، وكان الطابع العام لفلسفته التأويل الرمزي للتوراة . وقد عرف هذا التأويل في المسيحية والإسلام فيما بعد إذ كان الاعتقاد سائدا أن الكتب السماوية إنما تخاطب الناس جميعا ، العامة منهم والخاصة ، ولهذا فهي تلجأ الى الرموز واستعمال المجاز ضنا بالحقيقة على أهلها وسترا لها . فباستعمال الأمثلة والصور والرموز تقرب الحقائق الى أفهام الناس ، فيأخذ العامة بظاهر النصوص ويجدون فيها مقنعا وكفاية ، وأما الخاصة فيتناولونها ويأخذون بجوهر معانيها وبذلك يستخرجون ما في التوراة من فلسفة كانت ستظهر عارية منها لو أخذت بنصوصها حرفيا . ولهذا يصبح التأويل ضروريا لأن فهم النص على حقيقته ليس في قدرة الجميع .  إن التأويل في نظر فيلون ممكن على أن نعرف كيف نؤول نص التوراة في ضوء الفلسفة . ومن الضروري تأويل النصوص التي تثبت لله – إذا أخذت حرفيا – ما لا يليق به من الصفات والأحوال كالتجسيم والكون في مكان والكلام بصوت وحروف والغضب والندم .. فالله لا يستفزه الغضب ولا يندم ولا يتكلم بحروف وأصوات وليس له من مكان يقر فيه . وعندما يعرض فيلون لقصة خلق العالم في ستة أيام ينفي عن الله الحاجة الى مدة من الزمن كي يخلق فيها العالم ولكن موسى لا  يسعه إلا أن يستعمل اللغة التي نفهمها نحن البشر ليصف لنا نظام العالم الذي خلقه الله وترتيبه ومنزلته بعضه من بعض . ويمضي بطريقته هذه في تأويل نصوص التوراة من قصة خلق آدم وإغوائه وندمه وطوفان نوح . لقد كانت محاولات التوفيق قائمة على قدم وساق في القرون الأخيرة قبل الميلاد والقرون الأولى بعده وطريقة التأويل الرمزي هذه كانت شائعة جدا في عصر فيلون ، وهي طريقة قديمة ولعلها ترجع الى الأسرار الأورفية وقد استعملت في شرح أشعار هوميروس  وتأويلها (3) .
في هذا البحث ننطلق من أبعاد هذه الرؤية التأويلية وأبعاد هذا المنهج الذي يطرحه ( التفسير الموضوعي ) لنطرح بين يدي القرآن الكريم لاستنطاقه موضوعا يحتل مركزا مهما في الفلسفة عبر تاريخها وهو ((نظرية المعرفة)) . وعلة هذه الأهمية أن الفلسفة إذ تعنى بالكشف عن الحقيقة او البحث عنها  تعنى لذلك بالمعرفة أو الفكر أو العقل وبالقوانين التي يخضع لها والصور التي يتخذها ليصل الى الحقيقة ، فهي تدرس مسيرته وتاريخه وتحاول أن تتعرف على إمكاناته والمصادر التي تمده . وقد كان للسيد الصدر - انطلاقا من منهجه هذا في تفسير القرآن الكريم - إسهام في تحديد ملامح نظرية في المعرفة تعد نقيضا لنظرية المعرفة في الفلسفة الوضعية التي تتنكر للغيب بدعوى العلم . وبما أن الغيب يتجاوز العقل مهما كانت مفاهيمه وتصوراته فإن العقلانية كما تتجلى في فلسفة الصدر هي عقلانية تستمد قوتها ونسبيتها من تواضعها أمام الغيب. ويبين السيد الصدر أن الغيب يتطلب البيان  وهنا يأتي دور الدين الذي يوضح للانسان الحقائق الغيبية لهدايته  ويساعده في تطلعه نحو هذه الحقائق المطلقة . ولقد سعى السيد الصدر في كتاباته الى تفسير قدرة الانسان على تقبل الغيب وتجاوز نسبية عقله الى المطلق فاستطاع أن يحدد معالم فلسفة جديدة من خلال نظرية المعرفة التي استنبطها  ليست في حقيقتها إلا منهجا لعلاقة الإنسان بالمثل الأعلى . فهو قد أخضع الإنسان إلى المثل الأعلى و قد أخضع  التاريخ إلى الله وأخضع – نتيجة ذلك – الفلسفة الى القرآن الكريم . وهكذا جاء بنظرية تعيد صياغة العلاقة بين العقل والدين من موقع اطلاقية الدين ونسبية العقل ونسبية الفلسفة . وكان مفهوم خلافة الإنسان لديه مفهوم خلافة معرفية تعكس المعرفة الإلهية أو تعبر عنها أو تحاول أن تلتقي بها . فالانسان يتطلع الى الغيب ويسترفد معرفته منه فهو مصدر معرفته ، وهذا الاسترفاد تتعدد مصادره فمنها النصوص الدينية ومنها ما أودع في العقل الانساني الذي هو امتداد للبعد الغيبي في الانسان بالمعرفة القبلية المودعة فيه ، فهو شرع داخلي إذا كانت النصوص  الدينية شرع خارجي . إن المعرفة الانسانية المحدودة كدح متواصل الى الله المطلق حتى تلتقي به(4) .
وهو في كتابه  (الأسس المنطقية للاستقراء ) يبين أن هناك خلافا حول مصدر المعرفة وأساسها بين المذاهب الفلسفية منذ القدم وقد انقسم المفكرون إزاء هذه المشكلة الى قسمين : فالفلاسفة العقليون يؤمنون بوجود قضايا ومعارف يدركها الانسان بصورة قبلية ومستقلة عن الحس والتجربة . وان هذه القضايا تشكل الأساس للمعرفة البشرية والقاعدة التي يقوم على أساسها البناء الفوقي للمعرفة كله . أما التجريبيون فيؤمنون بأن التجربة والخبرة الحسية هي المصدر الوحيد للمعرفة فلا توجد لدى الانسان أية معرفة قبلية ومستقلة عن الحس والتجربة .  فالانسان حينما يمارس التجارب الحياتية والعملية ويحاول تفسيرها ليس أعزل على الرأي الأول بل هو مسلح بتلك المعارف القبلية التي تكون الرصيد الأساسي للمعرفة وتقوم بدور المصباح الذي ينير للتجربة طريقها ويوحي للانسان بتفسير ما يمارسه من تجارب . وأما على الرأي الثاني فالانسان أعزل تماما لا يملك شيئا سوى بصيص النور الذي يجده في تجاربه فلا بد أن يفسر تجربته على ضوء هذا النور دون أن يستمد في موقفه ضوءا من أية معرفة قبلية .  وكانت أهم نتيجة ترتبت على المذهب التجريبي هي القول بأن بدايات المعرفة البشرية كلها جزئية لأن الخبرة الحسية هي  التي تشكل بداية المعرفة . والخبرة الحسية لا تتصل مباشرة الا بحالة أو بعدد من الحالات الجزئية ، وهذا يعني أن أية قضية كلية تتجاوز نطاق تلك الحالات التي دخلت في خبرتنا الحسية المباشرة لا مبرر لليقين بها . وعلى عكس ذلك المذهب العقلي الذي يؤمن بمعارف قبلية ، فإن بإمكانه أن يفترض اليقين بالقضية الكلية وتفسير ذلك على أساس المعارف القبلية . وقد أجاب الذين ينطلقون من المذهب العقلي عن التساؤل حول ضرورة أن يكون للمعرفة بداية ، بأنه إذا كانت المعرفة الانسانية مستنتجة بعضها من بعض بطريقة استنباطية او استقرائية فيجب أن تكون لهذه المعرفة بداية تتمثل في معارف غير مستنتجة بأية صورة من صور الاستنباط او الاستقراء لأننا لو لم نفترض هذه البداية لواجهنا متراجعة لانهائية ولتوقف التوصل الى معرفة على حصول عدد لانهائي من المعارف وبالتالي تصبح المعرفة مستحيلة(5) .
وإذا عدنا الى بدايات تاريخ الفلسفة لوجدنا على رأس هؤلاء العقليين الذين أشار اليهم السيد الصدر، سقراط ، فالمعرفة عنده سبيلها العقل لا الحس فإن الحواس تختلف باختلاف الأفراد بل باختلاف الحالات في الفرد الواحد وأما العقل – وبتعبير أدق معاييره الثابتة – فهو عام في الناس جميعا وهو مستقر الحقيقة ومعيارها الصادق الأمين لأنه وحده الذي يستخلص الحقائق الكلية الثابتة لا الحواس . إنه الوسيلة الى معرفة الوجود العقلي الثابت للأشياء أي ماهيتها في ذاتها او حدها الكلي . وكان سقراط قد رد على السفسطائيين الذين لم يرتفعوا الى مستوى الحقائق الكلية المطلقة بل ظلوا في مستوى الجزئي المحسوس ، وهم في نظرية المعرفة لم يقولوا إن الوجود الذهني هو الوجود الحقيقي الجدير بالبحث والنظر كما يقول سقراط وإنما الوجود الحقيقي هو الوجود العيني المتغير المحسوس ، فلا شىء موجود في ذاته ولذاته . إن الوجود العقلي لدى سقراط هو الوجود الحقيقي وهو يتمثل بقوانين ثابتة وجذور راسخة . وهذه القوانين الثابتة لها أصل إلهي مقدس ولابد أن تكون صادرة عن قوة حكيمة شاملة تقوم بالحق وتحرك الكون بأصول أزلية ثابتة ليست عرضة للتغير والتبديل ولا تختلف باختلاف الزمان والمكان . والدليل على وجود هذه القوة إنما هو وجود الانسان وعقل الانسان الذي ينعكس فيه العقل الإلهي والحكمة الإلهية . فالكون خاضع في وجوده وفي سيره الى تدبير عقل إلهي في ظل قانون العناية الإلهية وهو موجه الى غاية مرسومة تسير وفق خطة معقولة وكل ما فيه مرتب ترتيبا من شأنه أن يحقق العدل والخير والجمال ويخدم غاياته العليا . إن العقل يرتبط بالأصل الإلهي وهو قادر على التقدم في المعرفة أشواطا بعيدة بقدر حظه من العلم والفضيلة وخضوعه لنظام الخير والعدل . أما التجربة الحسية فهي عاجزة عن سبر هذا العالم الإلهي لأنها ناقصة وتفنى بفناء البدن في حين أن العقل او( النفس ) ليس من معدن هذا العالم ، إنه شىء خالد أسمى وأمنع على التغير كيف لا وهو نفثة من العالم المعقول وصورة شبه كاملة للقوة الشاملة التي تنظم العالم وتضبط سيره ، إن للعقل وجود مستقل على البدن وحياة شريفة سامية حصل فيها على الحقائق الإلهية ولن ينالها الموت عند موت البدن . إن هذه الحقائق الإلهية السابقة على وجود البدن تبقى كامنة في العقل أو النفس بعد وجود الإنسان ثم يكتشفها شيئا فشيئا وهذا ما يسميه سقراط بالتوليد ، إذ يعتقد أنه إذا كان الانسان غير مدرك العلم الصحيح فإن فيه مع ذلك حقائق كامنة يستطيع أن يستخلصها . فهي حقائق لايدري الانسان بها ولكنها على كل حال كامنة في نفسه ووسيلة استخراجه لها إنما هي الحوار. فإذا تحاور الناس فيما أرادوا أن يعلموا فإنهم يصلون الى الحقيقة التي أقروا أنهم يجهلونها وإذا بهم ينتهون اليها من حيث لا يشعرون ويحسبون أنهم قد اكتشفوها بأنفسهم ، وهذا هو لب المنهج السقراطي الذي يسمى بالتوليد أي استخراج الناس الحقائق الكلية الكامنة في عقولهم بأنفسهم وعبر عملية جدلية متدرجة تنتهي فيها معرفة الإنسان النسبية الجزئية الى المعرفة الكلية المطلقة . فالمعاني أو المعرفة المطلقة موجودة  في النفس ولاسبيل الى استخراجها منها وتوليدها الا بالجدل أو الحوار أي احتكاك العقول والأذهان  .
وجاء افلاطون فذهب في نظرية المعرفة مذهب أستاذه فالحس لا يصلح أن يكون سبيلا الى المعرفة الحقيقية لأن الحس إنما ينقل لنا الصيرورة الدائمة والتغير المستمر والمعرفة إنما هي معرفة الماهيات الثابتة التي لا تتغير فهي ليست الإحساس إنما حكم العقل على الإحساس . لقد قال سقراط إن معرفة الماهيات هي المعرفة الحقيقية وقال افلاطون إن وجود الماهيات هو الوجود الحقيقي ومعرفة الماهيات هي المعرفة الحقيقية لأنها مطلقة كلية في حين لا تقدم لنا الحواس الا المعلومات الجزئية فلا يصح ان تكون مدركة بالحس لأنه متغير وهي سرمدية ثابتة لا يعروها تغير ولا ينالها فساد .. إن العقل وليس الحس هو مصدر المعرفة بهذه الماهيات . لقد عبر افلاطون عن هذه الماهيات الثابتة بالمثل ، والمثل هي الأسس الأولى للوجود ولا أساس لها وهي جوهر الأشياء ولا جوهر فوقها ولا يحدها زمان ولا مكان فهي أزلية أبدية لا تكون ولا تفسد . وهي  ليست مادية وإنما هي معان مجردة خالدة . وهي حقائق كلية ثابتة موجودة بالفعل وجودا خارجيا مفارقا مستقلا عن الانسان وسابقا على وجوده . وهي مصدر وعلة لوجوده ووجود الأشياء في العالم المحسوس . هي مصدر المعرفة وعلة لها وبحصول صورها في أذهاننا يحصل لنا العلم فهي الموضوع الحقيقي للعلم ومعرفتها هي المعرفة اليقينية . وتفسير أنها مصدر المعرفة وعلة لها أنها تبقى مركوزة في النفس أو في العقل بعد وجودهما ، ذلك أن نفوسنا قبل حلولها في الأجسام كانت تعيش في عالم غير هذا العالم ، عالم سام شريف هو عالم المثل ثم أهبطت الى العالم الأسفل لجريمة اقترفتها ، فاذا رأت شيئا جميلا على هذه الأرض تذكرت مثال الجمال في عالم المثل ، وهكذا فالعلم إنما هو تذكر والجهل هو نسيان . والمثال على وجود المثل أن الجمال مثلا وهو من  المدركات الكلية التي لا تدرك بالحس نستنبطه بعد النظر في شتى الأشياء الجميلة فلولا أن في أذهاننا فكرة سابقة عن الجمال لما عرفنا أن هذه الأشياء بالذات تشترك في الجمال . ففي العالم الآخر، عالم المثل ، جمال في ذاته مستقل عن عقل الانسان وسابق عليه ولو لم تكن نفوسنا حاصلة على هذا المثال لما استطاعت أن تدرك الشىء الجميل ، وما يصدق على الجمال يصدق على العدل والحق والخير وسائر المعقولات الكلية .
إن النفس الانسانية هي مقر المثل ومصدر المعرفة . فهي عندما كانت في عالم المثل اطلعت على كل شىء وأحاطت علما بكل شىء لكنها عند حلولها في البدن نسيت معارفها وبشىء من الانتباه يمكنها أن تتذكر ما كانت قد اطلعت عليه . وهكذا فالمعرفة تنبع من باطن النفس لا من خارجها فهي تختزن معلومات عن عالم المثل وهي تستخرج هذه المعلومات بالتذكر . فالمعرفة تذكر ، وهي عملية جدلية بين عالم النفس وعالم المثل  تسترفد فيه النفس من عالم المثل ، وهكذا انتهى افلاطون الى ما انتهى اليه أستاذه سقراط .
أما أرسطو فإنه وبرغم أنه كان مؤسسا للمذهب المعروف باسم ( المذهب الحسي ) إلا أنه كان عقليا كذلك لأنه يذهب الى أن الحس يعطينا المادة الخام للمعرفة وهو يعطينا إياها مفككة لا صلة بينها والعقل يتدخل لينظم هذه المعلومات ويربط بعضها ببعض ويستخلص ما يمكن استخلاصه منها . وهو القوة القادرة على إدراك ماهيات الأشياء والخواص العامة المشتركة بين المحسوسات التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان . فالحواس إنما تدرك الظواهر المتغيرة والجزئيات أما العقل فيدرك  الثابت الكلي . و عندما يبحث أرسطو في كتاب ( النفس )  في القوى العقلية في الانسان أو أقسام العقل لديه فإنه يذكر من أقسامه : العقل الهيولاني والعقل الفعال . وهو يصف العقل الفعال بصفات تميزه عن الهيولاني إذ يقول إنه مفارق أي غير ملازم للمادة وهو لا يفنى بفناء البدن لأنه خالد دائم بينما يقول عن الهيولاني إنه فاسد . وعندما تتلاشى القوى الحسية والعقل الهيولاني فإن العقل الفعال هو الذي يبقى فوجوده وجود ذاتي وغير فاسد . وهذا العقل الفعال فسره الاسكندر الافروديسي بأنه الله . وهكذا نجد أنه على الرغم من مخالفته افلاطون بقوله بعدم مفارقة الهيولى او المادة للصورة او الحقائق المجردة بالنسبة لعالم الموجودات– ما عدا الله الذي هو صورة محضة لا تشوبها شائبة من المادة –  فإن قوله ببقاء العقل الفعال وقوله بمفارقته للبدن يجعله متفقا مع أستاذه افلاطون مع أنه انتقد آراءه . وإن قوله هذا يعني أن هناك عنصر قبلي في الوجود الانساني هو العقل الفعال وهو يمد الانسان أو العقل الهيولاني في الانسان بالمعرفة القبلية . فالعقل الهيولاني- كما يصفه -  هو عقل بالقوة أي مجرد استعداد للتعقل وهو يشبه صحيفة بيضاء خالية من الكتابة ولكنها قابلة لأن يكتب عليها كل شيء فهو ( العقل المنفعل ) ، أما العقل الفعال فهو العلة الفاعلة للإدراك ومبدأ الكمال او التحقيق للعقل الهيولاني وهو يطبع العقل الهيولاني بالمعقولات فيخرجه الى الفعل وإلا لظل عقلا هيولانيا بالقوة ولما تحقق له الكمال . إن المعرفة إذن هي عملية تفاعل : تأثير وتأثر بين عقلين : عقل مفارق للبدن أو للمادة سابق عليها ويفسر بأنه عقل إلهي ، وعقل  مقترن بوجود البدن ويفنى بفنائه . هذا العقل يأخذ من العقل السابق المعرفة لتتحقق في عالم الفعل . وبهذا نجد أن أرسطو  يفترض وجود معرفة قبلية وان العقل مصدر لهذه المعرفة المستقلة عن التجربة والاستقراء(6).
وهكذا استمر الفكر الفلسفي عبر تاريخه يتناول قضية المعرفة وهو يقترب أو يبتعد عن هذا التفسير الذي يعطي المعرفة بعدا غيبيا ، وعندما نصل الى العصر الحديث يكون هيجل أهم من نقف عنده إذ يبين منهجه الجدلي مسيرة العقل في طريق المعرفة . وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بفكرة العقل ، فهو تعبير عن طبيعة العقل وماهيته او هو حوار العقل مع نفسه . والعقل يكشف عن نفسه في صور مختلفة هي مراحل ثلاث . وهذه المراحل الثلاث تمثل سمة رئيسية تطبع بطابعها المنهج الجدلي في جميع خطواته وعلى مدى مسيرته الطويلة . فأول خطوة يبدأ بها المنهج الجدلي هي دائما خطوة مباشرة وفيها يبدو الموضوع مستقلا عن غيره ولا يرتبط بشيء سواه . وهذا الاستقلال ظاهري إذ سرعان ما ينقلب الموضوع من تلقاء نفسه الى ضده ويصبح هذا الضد نفسه ثم ينتهي في الخطوة الثالثة الى الجمع بينهما . فحركة العقل حركة ثلاثية : إيجاب وسلب ثم جمع بينهما . وكل خطوة من خطوات سيره تحتفظ في جوفها بالخطوة اللاحقة . إن الخطوات الدنيا تحتوي الخطوات العليا ضمنا ، فالأولى تحتوي الثانية وإلا لما خرجت منها ولما تقدم الجدل وكذلك الخطوات العليا . إن كل خطوة من خطوات العقل هي خطوة ثلاثية الإيقاع بمعنى أنها غير منفصلة عن الخطوات الأخرى . ويطلق هيجل على الخطوة الأولى أو الضلع الأول من كل مثلث : ما هو في ذاته أي ما هو ضمني او ما هو بالقوة بلغة أرسطو . وعلى الضلع الثالث اسم : ما هو لذاته أي ما هو صريح او علانية او بالفعل(7) . وهو في تصوره لحقيقة الدين الذي هو خطوة من خطوات العقل الكلي يذهب الى أن الدين تجل للمطلق . وكل دين يتضمن بالضرورة ثلاث لحظات تقابل على التوالي لحظات العقل الثلاث وهي : 1-لحظة الكلية 2- لحظة الجزئية 3- لحظة الفردية . فالعقل الكلي او الله هو اللحظة الأولى ويقابله العقل البشري المتمثل باللحظة الثانية وهو يقف في مواجهة العقل الإلهي بوصفه ضدا له وهو هنا يعاني حالة اغتراب او انفصال عن الله وهذا الاغتراب او الابتعاد عن الله يظهر على أنه خطيئة او بؤس . وفي اللحظة الثالثة وهي لحظة الفردية يسعى العقل البشري الى إلغاء انفصاله وبعده عن الله ويكافح لكي يربط نفسه به او لكي يتحد به او يتصالح معه ، ويتمثل هذا الجهد بالعبادة وهي عامل أساسي في كل دين . وهكذا فإن العبء الأساسي الملقى على عاتق كل دين هو وحدة الإنسان والله . وهذا العبء يفترض سلفا لونا من الانفصال عن الله الذي يصبح معه التوفيق والمصالحة عملية ضرورية . وتعتمد هذه المصالحة على عودة العقل البشري المتناهي المنعزل الى الاتحاد مع الله في هوية واحدة . العقل البشري يقف على الضد من العقل الإلهي بسبب جزئيته وتناهيه ومباشرته وتأتي وحدته مع الله او عودته الى الله عن طريق إلغاء وحذف جزئيته . ومع ذلك فالعقل الكلي الإلهي موجود في داخل الانسان بوصفه جوهره ومحوره ومركزه الأساس  ، فلقد بين هيجل أن أية خطوة من خطوات العقل تحتوي الخطوة التي تليها ضمنا . والانسان يجلي العقل الكلي الكامن فيه . فالعقل الكلي الذي هو عقل الله هو بمنزلة الجوهر الذي يسعى الانسان الى تجليته من خلال سعيه الى التخلي عن جزئيته وارتفاعه الى مستوى الكلي الكامن فيه . وبهذا لا ينبغي أن نقول إن المذهب الذي يرى أن الله يملا قلوب البشر الصالحين هو كفر وتجديف فهو مذهب يؤمن بوحدة الوجود وهو يتفق مع مذهب هيجل .
المطلق الذي هو الروح الكامل موجود في داخلنا بوصفه جوهرنا وماهيتنا او النموذج الذي صنعنا على غراره ولكننا نختلف عنه من ناحية أخرى فهذا الفرد الجزئي المعين المليء بالأهواء اللامعقولة وبالخصائص الفردية الجزئية والأنانية ليس الا تشويها للمطلق . ويوضح هيجل بأنه إذا استخدم اللغة المجازية أي لغة الدين لقال إن الروح المطلق ليس شيئا آخر غير روح الله الكامل العاقل تماما العليم بكل شيء والذي يسعى الانسان الجزئي الى تجاوز جزئيته والالتحاق به والاتحاد معه وتلك حالة او مرحلة الفردية التي هي الخطوة الاخيرة في المثلث الذي يمثل علاقة الفرد الجزئي بالكلي المطلق . إن المطلق هو الضرورة الداخلية التي تحرك الفرد الجزئي باتجاهها وبذلك يكون كل انسان هو إلهي بالقوة  وذلك هو وحدة الأضداد وتميزها في الوقت نفسه .
ويستفيد هيجل من قصة طرد آدم من الجنة في ( سفر التكوين ) وأنه حصل على المعرفة بالخير والشر وان المعرفة التي حصل عليها معرفة إلهية . فالانسان في جانبه الطبيعي فان لكنه في جانب المعرفة خالد ولامتناه فهو وحدة الانساني والإلهي الذي يتضمنه بوصفه معرفة تحركه ليتجاوز نفسه ويعود من غربته عن الله الى الالتحاق به . وفي مقولة( الغائية ) يتناول هيجل الفكرة نفسها فإن الفكرة الإلهية الشاملة تتحرر من عبودية الموضوع الجزئي المحدود .  وتكون علاقة الموضوع بالفكرة الشاملة علاقة الوسيلة بمثل أعلى تصبو اليه او علاقة بغاية . والانسان مثال لاتحاد الوسيلة المحدودة بالغاية الإلهية اللامحدودة فهما متحدان ولا يمكن فصلهما . وقد أشار هيجل الى تصور أرسطو عن الحياة الانسانية فالحياة او الروح هي ( صورة ) الجسم والصورة عنده هي الغاية . فالإنسان بوصفه غاية فهو الصورة وهو بوصفه وسيلة فهو المادة التي تتشكل فيها هذه الصورة . وليست الوسيلة والغاية سوى وجهين لشيء واحد هو الانسان نفسه . ولن تظهر الغاية حتى تصبح الغاية والوسيلة شيئا واحدا . وهكذا تتحقق الغاية التي هي كلية وإلهية بوساطة ما هو عرضي وانساني وبهذا يتم إلغاء الانفصال بين الموضوع او الوسيلة والغاية . إن المطلق او المعرفة الإلهية او العقل المجرد او العقل الذي لم يتجل بعد او يوجد وجودا فعليا بعد لا بد وان يظهر ويتجلى وهذه هي الغاية التي يبلغها في الانسان لأن الانسان هو الوجود العاقل . والانسان الفلسفي هو الموجود العاقل الكامل عند هيجل وهو التجلي الكامل للمطلق . وهناك مراحل دنيا وعليا في سلم التطور تعني على التوالي المراحل القريبة والبعيدة من بلوغ هذه الغاية . العقل الإنساني يسعى في عملية المعرفة الى استلهام المعرفة المطلقة والوصول اليها وهو يحقق ذلك في عملية متواصلة وفي عملية تجاوز أو عملية نقض دائم للمراحل الدنيا التي هو عليها حتى يصل الى العقل الفلسفي الأعلى الذي يمثل الغاية القصوى في بلوغ المطلق(8) . وبذلك تنتهي فلسفة هيجل الى مثل ما انتهت اليه فلسفة السابقين من كبار فلاسفة اليونان في تأكيد المعرفة القبلية وفي استلهام المعرفة الانسانية لها في محاولتها للإلتقاء بها . 
سنحاول بعد هذا التمهيد الفلسفي أن نقرأ قصة من قصص القران الكريم تستبطن حقائق كلية تضع لنا مبادئ أساسية لنظرية المعرفة كما يبينها الغيب . سننطلق من الرؤية الفلسفية التي تؤمن بالتأويل وبأن ظاهر النصوص الدينية ينطوي على حقائق فلسفية شاملة ، وسنحاول استنطاق آيات القرآن الكريم للوصول إلى تلك النظرية منطلقين من أسس التفسير الموضوعي الذي دعا اليه السيد محمد باقر الصدر بالاستعانة بخبرات العقل الانساني في موضوع ( نظرية المعرفة ) لنكشف عن المكامن الجوهرية التي تتضمنها تلك النصوص القرآنية .
القصة القرآنية جاءت في سورة الكهف وتضمنتها الآيات (60-82) وهي تتحدث عن موسى عليه السلام وقد قام مرة خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم ؟ فقال مزهوا : أنا ، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم اليه ، فأوحى إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك . قال موسى فكيف لي به ؟ قال : تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو هناك . فأخذ موسى حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق ومعه فتاه يوشع بن نون : وقال لا أترك السير حتى أبلغ مجمع البحرين ولو أمضيت في ذلك دهرا طويلا. فانطلقا حتى وصلا المكان الموعود لكنهما آويا إلى صخرة ووضعا عليها رأسيهما وناما. وهنا اضطرب الحوت في المكتل وخرج منه فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا. فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقـا بقية يومهما وليلتهما وجاوزا ذلك المكان كثيرا الى أن كان وقت الغداة في اليوم الثاني فقال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا نصبا. وهنا تبينا أنهما نسيا الحوت بفعـل الشيطان فجـاوزا المكان الذي كانا يبغيان. وكان مكان فقد الحوت علامة على وجود الشخص الذي ذكره الله لموسى ووصفه بالعلم الكامل. فارتدا على آثارهما يقصانها فأتيا الصخرة فوجدا عبدا مـن عباد الله هو الخضر عليه السلام آتاه نبوة أو ولاية و علمه من (لدنه) علما. وهذا ما اصطلح عليه العلماء  بالعلم (اللدني) الذي هو العلم بالمغيبات او بالذات الإلهية ، فقال موسى له :هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت صوابا أرشد به؟ قال : إنك لن تستطيع معي صبرا و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا أي لم تخبر حقيقته . قال : ستجدني إن شاء الله صابرا و لا أعصي لك أمرا.  قال: فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ تنكره مني في علمك واصبر حتى أذكره لك بعلته . فقبل موسى شرطه رعاية لأدب التعلم مع العالم فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى إذا ركبا السفينة التي مرت بهما خرقها الخضر بأن اقتلع لوحا او لوحين من جهة البحر بفأس لما بلغت اللجج  فقال له  موسى  : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت أمرا عظيما ، فقال الخضر: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت وغفلت عن التسليم لك ولا ترهقني من أمري عسرا ومشقة بما تكلفني في صحبتي إياك فكان يطلب منه العفو واليسر. فانطلقا بعد خروجهما من السفينة يمشيان حتى إذا لقيا غلاما كان أحسن ممن كان يلعب معه من صحبه وجها فقتله الخضر بأن ذبحه بالسكين مضطجعا أو اقتلع رأسه بيده أو ضرب رأسه بالجدار وهي أقوال مختلفة في التفسير ، وهنا بادر موسى مستنكرا بالقول : أقتلت نفسا زكية بغير نفس. لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. فاعتذر موسى وتعهد: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني فقد بلغت من لدني عذرا في مفارقتك إياي . فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها الطعام بضيافة فأبوا أن يضيفوهما ثم وجد جدارا يريد أن ينقض لميلانه فأقامه الخضر بيده فقال موسى لو شئت لاتخذت عليه أجرا من أهل القرية لأنهم لم يضيفونا مع حاجتنا إلى الطعام. وهنا أعلن الخضر : هذا فراق بيني وبينك ، لقد جاءت النهاية  وحلت لحظة الفراق ، ولكنها اللحظة التي شاء أن يكاشفه بما كتمه عنه الى الآن ، وبما حاول موسى جاهدا أن يعرفه لكن دون جدوى حتى انتهت الصحبة فجاء العلم والتأويل : "سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا "" فيخبره أن السفينة كانت مؤجرة لعشرة مساكين يعملون بها في البحر طلبا للكسب فأراد أن يعيبها لأنه كان وراءهم إذا رجعوا او أمامهم ملك كافر يأخذ كل سفينة  صالحة غصبا. وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشي أن يرهقهما طغيانا وكفرا لمحبتهما له فكانا سيتبعانه في طغيانه وكفره فأراد ربهما أن يبدلهما خيرا منه زكاة وتقى وبرا فأبدلهما تعالى ابنة  تزوجت نبيا فولدت نبيا هدى الله به أمة. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز مدفون من  ذهب وفضة وكان أبوهما صالحا فحفظ لهما ما لهما حتى يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من الله . وهذا هو التأويل لما لم تستطع عليه صبرا مما فعلته من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار وما كان من أمري واختياري إنما بأمر وإلهام من الله. وهنا تأتي الموعظة لموسى من أنه ادعى ما ليس بإمكانه من العلم والمعرفة(9). الذي نستخلصه من هذه القصة  ما يأتي:
1-الإنسان لا يمكن أن يمثل العلم الكلي او الحقيقة الكلية وإنما يمثل المعرفة الجزئية المحدودة لذلك لايدري أنه لايدري فيعتقد من خلال جهله أنه يعلم كل شيء وهو في الحقيقة لا يعرف إلا من خلال محدوديته وجزئيته .
2-إن المعرفـة الكلية التـي يمثلها المطلق او الله توجد وجودا مستقلا عن الإنسان و سابقا عليه. ولأنها  معرفه كلية لذا تدرك ما تكلم به موسى (المعرفة الجزئية) ولأنه نبي كريم أراد الله أن يعرفه حدوده الإنسانية .
3-إن (المعرفة الكلية أو الله) و(المعرفة الجزئية او الإنسان) يمثلان لحظتين متقابلتين تضمهما علاقة اختلاف بين ما هو كلي وماهو جزئي. الجزئي محدود ونافـد الصبر وليست له قدرة رؤية المستقبل ولايرتبط بغاية كلية تسعى الى أن تحقـق نفسهـا ولـو علـى حساب  تجاوز المصالح الجزئية ، لذا تصطدم مصالح الأفراد بها لأنهم لا يدركون أهدافها المستقبلية ولهذا يعترض البشر على الأقدار لأنهم لا ينظرون الى الغايات الكلية فيصبرون إنما ينظرون إلى مصالحهم المباشرة فقط ولهذا احتج موسى على فعل الخضر الذي وجده لا ينسجم مع المصلحة الآنية المباشرة. ولكن الحقيقة الكلية تمضي الى تحقيق  غاياتها وهي الخير وهي تسعى الى أن توجه الإرادة المحدودة  للإنسان الى غاياتها الكلية . وقد تعترض عليها هذه الإرادة المحدودة بسبب جهلها ولكنها تلتقي معها في النهاية عندما تنتهي معرفتها المحدودة  الى المعرفة اللامحدودة.
4- إن المعرفة المحدودة تتطلع الى المطلق وتشرئب اليه وتظن أنها تمثله ولكنها لن تصله مرة واحدة وأنها تظل تسايره وكل منهما يمثل حقيقة مختلفة ولن تصل المعرفة المحدودة الى المعرفة اللامحدودة "الغيبية" إلا في نهاية الرحلة التي ضمتهما ففي نهاية الصحبة تحققت المعرفة الكلية للانسان وذلك بتمكين المعرفة اللامحدودة . فلقد عمد الخضر الى اطلاع موسى على  كل ما لديه من معرفة " لدنية . وعند انتهاء المعرفة المحدودة الى حدود المعرفة اللامحدودة تكون رحلة المصاحبة قد انتهت ، وهذا  يعني أن تطلع الإنسان الى معرفة الغيب تنتهي بهذا الاطلاع ويكون التناقض بينهما قد انتهى وتحققت وحدتهما. تطرح الآيات القرآنية مسألة نسبية العقل وعلاقته بما يفوقه "الغيب" فالوجود الذهني للإنسان محدود وإن  هناك وجودا  معرفيا غير محدود وإن هذا الوجود هو وجود مطلق خارج الانسان ، وإن نسبية المعرفة الانسانية تجعلها مفتقرة الى المعرفة المطلقة وإنها تتطلع اليها وهذا  يجعلها ترتبط بها ارتباطا وثيقا لا ينفصم هو ارتباط الشهادة بالغيب. فالإنسان يستلهم من نور المعرفة الإلهية ، ولكنه لاينال منها  الا القدر المحدود بحدود وجوده. إن التطلع إلى المطلق هو تعبير عن فطرة الإنسان ، وهو امتداد للبعد الغيبي في الانسان وهو ذلك الذي يجعل العقل قادرا على تجاوز نفسه باستمرار .
الهوامش
1.   ينظر: فلسفة  الصدر / الدكتور محمد عبد اللاوي ، مؤسسة العارف للمطبوعات ، بيروت- لبنان ، الطبعة الثانية  1422 هـ – 2001 م ، ص 35-39 .
2.   -  فلسفة هيجل . ولتر ستيس ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام . دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة 1975، ص 682 – 683 ، 721 .
3.       ينظر : مع الفلسفة اليونانية ، الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا ،منشورات عويدات، بيروت – باريس ، ص 220 – 223 . 
4.      ينظر : فلسفة الصدر ص 12- 18 .
5.   ينظر :الأسس المنطقية للإستقراء ، آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر ، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر ، 1424هجري ، ص  160 ، 547 – 548 ، 569 .
6.      ينظر : مع الفلسفة اليونانية ، ص96 - 108 ، 120 -137 ، 156 - 198 .
7.   ينظر : المنهج الجدلي عند هيجل ، د. إمام عبد الفتاح إمام ، دار التنوير للطباعة والنشر . ط. 2 .                    1982 . ص 87 ، 92 ، 139 .
8.      ينظر : فلسفة هيجل ، ص 178 ، 179 ،379 ، 381 ،446 ، 447 ،683 ،685 .
9.      ينظر : تفسير الإمامين الجلالين للسيوطي ، دار الفكر للجميع ، ص 249 – 251 .



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة