في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة



في الأسس الفلسفية للسميولوجيا
جدل المربع والدائرة

الدكتورة بتول ناصر قاسم - من العراق 
مقدمة: المعرفة التي يصدر عنها البحث(*)
          يستعين هذا البحث بنتائج السميولوجيا أو علم العلامات لأن البحث في دلالة علامة كالمربع والدائرة يعني الاستعانة بالسميولوجيا.وهو علم موضوعه دراسة حياة العلامات في المجتمع، و لا يكتفي بظاهرها بل يعمل على سبرها، ويجهد نفسه ليعيد تحويلها الى معنى. ويعد علم اللغة جزءاً من علم العلامات أو قد يعد علم العلامات جزءاً من علم اللغة وامتداداً له لأن كل وحدة سميولوجية وكل تركيب دلالي شفاهياً كان أو مرئياً هو كلمات او لغة خطاب. واذا كان هذا العلم يؤكد أهمية اللغة الطبيعية فإنه لا يحصر الثقافة داخل حدودها، فالنص الثقافي لديه لا يكون بالضرورة رسالة تبث باللغة الطبيعية ولكنه رسالة تحمل معنى متكاملاً، وقد تكون رسماً أو عملاً فنياً أو مؤلفاً موسيقياً أو بناية أو صورة فوتوغرافية أو فلماً سينمائياً وهذه جميعاً تعد لغات من حيث أنها تنقل رسالة من مرسل الى متلق من خلال استعمال شفرة نوعية وذلك دون أن تخضع لقواعد بناء اللغة الكلامية كما يقننها النحو. ومن هنا يدرس هذا العلم الطقوس والأعراف والعادات والتقاليد وغيرها بوصفها علامات أو إشارات تعبيرية وإن لم تكن لغوية.
ويعد سوسير الذي ارتبط به ظهور هذا العلم العلامة كياناً ثنائي المبنى يتكون من وجهين يشبهان وجهي العملة النقدية ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، الأول هو الدال أي الصورة الحسية التي لها علاقة بالحواس التي تلتقط سلسلة الرموز الدالة وتستدعي الى الذهن صورة ذهنية أو فكرة أو مفهوماً أكثر تجريداً من الصورة الحسية. وهذه الصورة الذهنية أو المفهوم هو المدلول وهو الجانب الثاني للعلامة. والمفهوم لا يعكس الواقع بل نوع من المعرفة بالواقع. وهناك جانب ثالث يتمثل بالعلاقة بينهما التي يسمونها (الدلالة) أو (الدليل) وهو الحصيلة الجمعية للطرفين الأولين، فكل نسق سميولوجي لا يتكون من طرفين، بل من ثلاثة أطراف مختلفة. والسميولوجيا لا تدرس طرفاً بعد آخر ولكن الترابط الذي يجمعهما. وقد يكون الدال مكوناً من مجموعة من الدلائل، ويمكن أن يكون للمدلول دلالات متعددة. وهناك أنماط من الترابط بين الدال والمدلول، فقد يكون هناك تكافؤ بينهما، وقد يكون الدال ضيقاً وغير ملائم للمعنى. وهناك أنماط من العلاقة بينهما قد تكون اعتباطية أو رمزية أو غيرها. ويتكون رمز (المربع والدائرة) ـ الذي يتفرغ البحث لدراسته ـ بجانبه الحسي أو تكوينه الظاهر من وحدتين تضمهما علاقة تقوم على الفروق والاختلافات تمثل البنية الجوهرية للحقيقة كما استقرت في الفكر والمعرفة الانسانية. ونحاول في هذا البحث فك رموز هاتين الوحدتين لنضع أيدينا على دلالة هذا النظام الرمزي والرسالة التي ينقلها، فنحن نحاول استخلاص البنية الأساسية للفكر وللمعرفة التي تعبر عنها وحدات النظام، والتي اتخذت شعاراً فكرياً أو معرفياً أو حضارياً استمر يعمل في حياة الأمم في عصور التأريخ. إننا نبحث عن الجوهري الذي ترتكز عليه مظاهر الرمز بما يؤكد وجود نسق أساسي ترتكز عليه كل المظاهر الخارجية للفكر. فهذه العلامة إذن ترتبط بحقيقة أساسية، بموضوع، ولابد للعلامة من أن ترتبط بالموضوع، ولا يمكن لها الا أن تصوره وتخبر عنه بمعنى أن العلامة تفترض معرفة قبلية بالموضوع كيما تقوم بتوصيل معلومات إضافية بصدده. وتتميز العلامات التي يستخدمها الانسان بغنى وتعقيد تفتقر اليه العلامات الأخرى. وقد يكون منشأ هذا الغنى أنها تحمل في طياتها نسقاً للعالم، أي ان البشر يودعون فيها نظرتهم للعالم. وانطلاقاً من هذا التصور توصف الأنظمة السيميولوجية بأنها أنظمة منمذجة للعالم. أي انها تضع عناصر العالم الخارجي في شكل تصور ذهني هو نمط دلالي أو نسق من التواصل(1) كالنسق الرمزي الذي ندرسه. ويكتسب هذا النسق أو هذه العلامة دلالتها وأهميتها من خلال وضعها في إطار الثقافة الانسانية، فهي تمثل تراثاً حضارياً مشتركاً لدى ثقافات كثيرة ولا تخص تراثنا فقط. وسنحاول الكشف عن مظاهر تجلياتها وعبر تطورها في أكثر من ميدان من ميادين الثقافة التي تعد من وجهة النظر السيميولوجية مجموعة من الأنظمة السيميولوجية. فالثقافة ينظر اليها بأنها مجموعة علامات، لأن كل شيء يمكن أن يكون رسالة أو رمز أو علامة، فالعالم في منتهى الايحائية وكل شيء يمر من وجود مغلق وصامت الى حالة ناطقة.وهكذا تنطلق كل الميادين الثقافية من مفهوم العلامة لتعريف جميع عناصر العالم سواء أكانت هذه العناصر حسية ملموسة أم عناصر مجردة، وسواء أكانت عناصر مفردة أم عناصر متشابكة. إن العلامة قد توضع أساساً للعالم بأسره كالعلامة التي ندرسها والتي ضمنها الفكر البشري تصوراً للحقيقة الشاملة للعالم. وهذه العلامة كالأنظمة السيميولوجية لا تقتصر وظيفتها على قدرتها على تشكيل العالم حسب، بل تمتلك أيضاً وظيفة أخرى هي نقل المعلومات التي تتضمنها وتحقيق الاتصال بين أفراد الانسانية وقد كانت رمزاً إنسانياً مشتركاً ـ كما قلنا ـ. وبهذا فإن المشاركين في عملية الاتصال لا ينتجون هذه الأنظمة فقط، بل انها تنتجهم كذلك، فهذه الأنظمة  توجه أفكار هؤلاء المشاركين ويؤدي استيعاب ثقافة معينة لعلامات من ثقافة أخرى الى إشاعة أو بث أنماط من التفكير تضمنته علامات الثقافة الأخرى.(2) ولقد عملت علامة (المربع والدائرة) على بث معرفة أساسية وجوهرية موحدة عن الكون والعالم والانسان وتوحيد الفكر البشري، ولهذا نستطيع أن نعد هذه العلامة من قبيل (العلامة العرفية) التي هي نمط عام تواضع الناس على اعتباره دالاً(3)، فهي عرف بشكل علامة أنشأه البشر وتواضعوا عليه. أما كيف التقى البشر على هذه العلامة أو المعرفة العامة التي تعبر عنها، وكيف تسنى لهم أن يتعارفوا عليها، ولماذا يتعارفون على معرفة بالرمز، ولمَ لا يتعارفون عليها بلغة الوضوح..؟.. إن هذا نستعين في الاجابة عنه ببعض المعارف منها الفلسفة التي ترى أن هنالك معرفتين: معرفة عامة مطلقة تتجاوز الوجود الإنساني وترقى عليه وتسبقه . ومعرفة انسانية جزئية لاحقة هي للعقل البشري الذي يرتبط بهذه المعرفة العامة المطلقة, ويستمد منها ويتفاعل معها عبر علاقة جدلية تربطهما تستمد فيها المعرفة المحدودة من المعرفة اللامحدودة . وتتجاوز المعرفة المحدودة نفسها من خلال عملية الاسترفاد والاتصال بأستمرار بالمعرفةاللامحدودة ، أو تتجاوزها المعرفة اللامحدودة في محاولة للوصول أو الايصال الى هذه المعرفة اللامحدودة والالتقاء معها . فالفلسفة اذن تذهب الى أن هنالك معرفة عامة مطلقة تتجاوز حدود العقل البشري ويرتبط بها هذا العقل وهو على اتصال بها وفي محاولة مستمرة للوصول اليها .
ونرى أن هذه المعرفة المطلقة تعبر عن نفسها بتعابير عامة كالرموز لأنها تناسب طبيعتها. ويتلقى العقل البشري من هذه المعرفة وشفراتها الرمزية عن طريق مصادر منها الأحلام التي هي إحدى مصادر الاسترفاد من هذه المعرفة العامة المطلقة . وهناك ميادين أخرى للمعرفة غير الفلسفة تقول بوجود هذه المعرفة الاخرى العامة التي ترفد معرفتنا الجزئية ولايمكن ان تنفصل عنها منها مايسمى بالأفكار الخفائية أوالأسرارية أو الباطنية . فترى هذه الأفكار أن هناك معرفة عامة يلتقي عليها الناس جميعاً، وانها تعبر عن نفسها بالرموز. وان هذه المعرفة لاتتم بالطرق المنطقية العقلانية، وهي تنفذ الى الجانب الباطن اللامرئي من الوجود، هذا الجانب الذي يظل الانسان دون محاولة الوصول اليه كائن ناقص الوجود والمعرفة. إن هذا اللامرئي أو الغيب ـ كما يسميه الفكر الديني ـ هو الاكثر عمقاً، لأنه الأصل، ولهذا فإن الوقوف عند المرئي ليس الا وقوفاً عند السطح والقشرة، وليس الوجود سطحاً، وانما هو امتداد بلا نهاية، في العمق وفي الافق معاً. وقيمة التعبير في مدى كشفه عن هذا الامتداد وعلاقاته، في مدى كشفه عن بعد اللانهاية في الانسان والعالم. هذا البعد الذي لا تقدر المعارف الوضعية أن تصل اليه، وانما المعرفة المتحررة من الجاهز والعقلاني, المعرفة الخيالية ـ العرفانية التي هي ادراك للاشياء في كليتها وفي أشكالها البدئية ـ الأصليةـ . وهي المكان الذي تنشأ فيه معرفة ما لايوصف، وقول ما لا يقال . وهي أوسع من المعرفة الوضعية، فهذه سجينة الحدود الزمانية والمكانية، ولا تتيح لنا الا معرفة جزئية وسطحية للأشياء. أما هذه فهي معرفة في مستوى الكون، معرفة تستقصي الجوهري، المضيء جداً، البعيد جداً، ذلك الذي يسمونه (الغيب المحايث) أو (العالم الأكبر). هذه المعرفة استمرار لتقليد معرفي عريق يرى أن الانسان لا يقدر لحسن حظه أن يعرف السر، سر الانسان والكون، بدءاً من جلجامش الذي (رأى كل شيء) فرأى أن الحقيقة ليست في ما رآه وعرفه، بل في ما لم يقدر أن يراه ويعرفه. فالحقيقة ليست في ما يقال، في ما يمكن قوله، وإنما هي في ما لا يقال،  في ما يتعذر قوله.. إنها في الغامض، الخفي، اللامتناهي. وإن تعبير الذات عن الحقيقة أو ما نظن أنه الحقيقة لا يستنفدها، بل إنه لا يقولها إنما يشير اليها. وهكذا فإن معرفة الحقيقة تقتضي إعادة النظر في العقل المحدد ضمن ذاته. لماذا يكون كل ما في الانسان عقلانياً؟.. ولماذا لا نقبل بوجود عدد لا يحصى من الممكنات لم تستكشف بعد، والتي يمكن أن تقدم حلولاً انسانية محضة لمشكلة المعرفة والانسان. انطلاقاً من هذا ترى المعرفة اللاعقلانية أنه لابد من تثبيت اللاشعور بوصفه قوة مطلقة. ولهذا أعطت هذه المعرفة الأهمية لعلوم الأسرار كالسيمياء وعلم النجوم والتراث الصوفي الأسراري.. وغيرها من العلوم التي تستشرف الغيب أو الجانب الخفي من الوجود، والتي تجد فيما بينها صلة قربى وتآلفاً، فهي تلتقي بشكل او بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور وفيما وراء الثقافات(4). وهذه المعرفة في وصفها لهذا الجانب تلتقي مع ما يسميه علم النفس الحديث باللاشعور الجماعي الذي قد تكون الأحلام وسيلة في الانتقال اليه والذي قد يعبر عن نفسه بالرمز. وهنا لابد من أن نتطرق الى مايقوله علم النفس عن هذه المعرفة, ونركز على مايقوله عالم النفس السويسري كارل يونج تلميذ فرويد لأنه قد يلتقي مع الافكار السابقة ومع الفلسفة التي يصدرعنها البحث في وصف هذه المعرفة التي تعبر عن اللاوعي أو اللاشعور الجماعي.
يفترض علماء النفس وجود نفس لا واعية ولو أن كثيرا  من العلماء والفلاسفة ينكرون وجودها,لأن مثل هذا الافتراض يعني وجود ذاتين أو شخصيتين في داخل الفرد نفسه. ويبين علماء النفس أن ماندعوه بالنفس اللاواعية لايتماثل مع وعينا ومحتوياته بأية حال من الأحوال. وأن كل من ينكر وجود اللاوعي يفترض في الحقيقة بأن معرفتنا الحالية عن النفس كاملة. ومن الجلي أن هذا الاعتقاد يباري في زيفه بأننا نعرف كل مايجب معرفته عن العالم الطبيعي. إن نفسنا جزء من الطبيعة ومثلها فإن لغزها لاحد له، هكذا لانستطيع تحديد النفس ولاالطبيعة. وكان سيغموند فرويد هو الرائد الذي أجرى أول محاولة لاستكشاف الخلفية اللاواعية للوعي تجريبا". واستند الى الافتراض القائل بأن الاحلام ليست امراً من أمور الصدفة, بل إنها مرتبطة بالأفكار الواعية. وعد الأحلام منطلقاً لعملية من (التداعي الحر) الذي يمكن أن يقود المرء من أي حلم الى الأفكار السرية الحرجة. لكن يونج يكتشف بعده بأن ذلك كان استخداما مضللاً وغير ملائم للتخيلات الثرية التي ينتجها اللاوعي في النوم، فللأحلام دلالة خاصة. وأصبح يعارض التداعي الحر كما وصفه فرويد لكي يكون على أقرب مايمكن من الأحلام نفسها وأن يقصي جميع الأفكار والتداعيات غير ذات الصلة التي قد تثيرها. ومن هنا جاء مفهوم يونج عن اللاوعي ليس كمفهوم فرويد الذي هو مجرد نوع من الثقب للرغبات المكبوتة. اللاوعي هو جزء أساسي وحقيقي من حياة الفرد بقدر ماهو الوعي, وهو أوسع وأغنى بلا حدود. إنه العالم (المفكر) للأنا. إنه تعبير مكمل وشخصي للوعي الفردي.  فالوعي واللاوعي داخل الفرد يعرف أحدهما الآخر ويلائمه ويجامله. أما ماهو مصدر اللاوعي وما منشؤه ؟.. فيبين أنه حين يغيب شئ عن وعينا فإنه لايتوقف عن الوجود. إن الفكرة في الحقيقة قد أصبحت لاواعية أو في الأقل قد انفصلت للحظة عن الوعي. ﺇنها ببساطة قد أصبحت بعيدة, لكن الأفكار التي ضاعت مؤقتا نصادفها وتعود الينا فيما بعد من خلال اللاوعي. وهكذا فإن قسما من اللاوعي يشتمل على وفرة مما انحجب مؤقتا من الأفكار والصور التي على الرغم من فقدانها تستمر في التأثير في عقولنا الواعية. كما أن بعض الأفكار تفقد طاقتها الانفعالية وتصبح تحت عتبة الوعي (بمعنى أنها لاتحوز على الكثير من انتباهنا الواعي بعد) لأنها قد أضحت تبدو غير مهمة او غير ذات صلة او لوجود سبب يعلل رغبتنا في إزاحتها لأجل ان نخلي مجالا في عقولنا الواعية للجديد من الانطباعات والأفكار، وﺇن لم يحدث هذا فكل مانجربه سيبقى فوق عتبة الوعي وتصبح عقولنا مليئة بالركام بشكل لايطاق. إن هذه الظاهرة معروفة على نطاق واسع جدابحيث أن معظم الناس الذين يعرفون شيئا عن علم النفس يسلمون بها جدلا.
ثمة وقائع لم ننتبه لها عن وعي, لقد بقيت ﺇذا جاز التعبير تحت عتبة الوعي. ﺇنها قد حدثت ولكنها قد امتصت تحعتبيا دون معرفة واعية منا. ولايمكننا أن نكون على دراية بمثل هذه الوقائع الا في لحظة حدس او بعملية من التفكير العميق تقود الى تحقق تال من أنها حدثت فعلا, وتنبع فيما بعد من اللاوعي كنوع من فكرة تالية ربما تظهر في شكل حلم .. وكقاعدة عامة فإن المظهر اللاواعي لأية واقعة يتكشف لنا في الأحلام حيث لا يظهر بكونه فكرة عقلانية بل صورة رمزية. وتاريخيا مكنت دراسة الاحلام علماء النفس أولا من البحث في المظهر اللاواعي للوقائع النفسية. إن لغة و (ناس) اللاوعي هي الرموز وإن وسائل الاتصال هي الأحلام. ولا تقتصر الرموز على الأحلام, إنها تظهر في كل أنواع التجليات النفسية, فثمة أفكار ومشاعر وأفعال ومواقف رمزية. إن علاقة الإنسان برموزه هي علاقته بلا وعيه الخاص. الرموز تتضمن شيئا أكثر من معناها الواضح والمباشر. إنها ذات مظهر لاواعي أعم لم يحدد بدقة او يوضح تماما. وإننا نستخدم تعابير رمزية لنمثل مفاهيم لانكون قادرين على تحديدها او إدراكها تمام الإدراك. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الأديان توظف لغة أو صورا رمزية. ويرى العالم يونج أن الإنسان ينتج رموزا بطريقة عفوية وبلاوعي في شكل أحلام . وهو يذهب الى أن اللاوعي الفردي للحالم يتصل بالحالم وحده وهو يختار رموزا لهدفه ذات معنى للحالم وليس لأي شخص آخر, فهناك استخدام فردي للرموز ولايمكن تفسيرها الا بمفتاح فردي،  وهكذا يكون تفسير الأحلام سواء فسرها المحلل أو الحالم نفسه بالنسبة لعالم النفس اليونجي عملا شخصيا وفرديا تماما. وهذا مانختلف به معه، فالرموز عامة مطلقة تتصل بعالم المطلق وتعبر عن معان عامة لاتخص الحالم وحده . وهذا يلتفت اليه يونج نفسه كأنه يستدرك على ماقرره وذلك من ملاحظة بعض الرموز ذات الدلالة العامة, فهناك من الرموز ما هو عام وليست فردية بل جمعية في طبيعتها ومنشئها وهي في المقام الأول صور دينية. وهكذا ينتهي الى أن التداعيات الشخصية التي ينتجها الحالم لاتكفي عادة لتفسير مقنع . في مثل هذه الحالات علينا أن نضع في اعتبارنا الحقيقة القائلة بأنه غالبا تحصل في حلم ماعناصر ليست فردية ولا يمكن أن تستمد من خبرة الحالم الشخصية. وكان فرويد هو أول من لاحظ هذه الحقيقة وعلق عليها،  وهذه العناصر وهي مادعاه بـ(البقايا المهجورة) انما هي اشكال ذهنية لايمكن تفسير حضورها بأي شئ من حياة الفرد الخاصة وهي تبدو بأنها اشكال بدائية فطرية وموروثة في العقل البشري. وكما أن الجسد البشري يمثل متحفاً كليا من الأعضاء وكل عضو يكمن خلفه تاريخ ارتقائي طويل، فإن العقل منظم بطريقة مشابهة وأنه ليس نتاجا بلا تاريخ وهو بهذا كالجسد الذي يوجد فيه. ولايعني بـ(التاريخ) حقيقة أن العقل يبني نفسه بإحالة واعية الى الماضي عبر اللغة والتقاليد الثقافية الأخرى وإنما يشير الى التطور البايولوجي القبتاريخي واللاواعي للعقل لدى الانسان القديم الذي كانت ماتزال نفسه قريبة من نفس الحيوان. ﺇن هذه النفس العريقة في القدم تشكل أساس عقلنا بالضبط مثلما أن تركيب جسدنا مؤسس على نمط تشريحي عام للحيوان الثدﻴﻲ, ﺇذ تجد العين الخبيرة لعالم التشريح او لعالم الأحياء العديد من آثار هذا النمط الأصلي القديم في أجسادنا . ومن خلال هذه الحقيقة يستطيع الباحث المجرب في العقل أن يرى التناظرات مابين أشكال حلم الانسان الحديث ونتاجات العقل البدائي .
ومثلما يحتاج عالم الأحياء الى علم التشريح المقارن فإن عالم النفس لايستطيع الاستغناء عن (تشريح مقارن للنفس). وفي التطبيق يجب على عالم النفس أن لايكون على خبرة كافية في الاحلام وفي النتاجات الأخرى للفاعلية اللاواعية حسب, بل وبالميثولوجيا في معناها الأوسع , فبدون هذه العدة ليس بقدرة أحد ان يكتشف التناظرات المهمة . لقد كانت آراء يونج عن (البقايا المهجورة) التي دعاها بــ(الأنماط العليا) و(الصور البدائية) ينتقدها باستمرار أناس يفتقرون الى المعرفة الكافية بسايكولوجية الأحلام وبالميثولوجيا. إن مصطلح النمط الأعلى غالبا ماأسيء فهمه بكونه يعني صورا او موتيفات ميثولوجية محددة, لكن هذه ليست أكثر من تمثيلات واعية. وسيكون من السخف الافتراض بأن هذه التمثيلات المتغيرة يمكن أن تورث. إن مايقصده يونج بالنمط الأعلى إنما هو تمثيلات يمكن أن تتغير بقدر كبير في التفاصيل دون أن تفقد نمطها الأساسي. إن هذه الأنماط أو البنى الاساسية والأشكال الذهنية الفطرية والأبتدائية التي هي عناصر موروثة في العقل البشري يكمن خلفها تاريخ ارتقائي بعيد للعقل(5). إن هذا العقل المتصل على مدى تاريخ الانسان والذي تلتقي عليه وتستمد منه عقول كل البشر هو العقل الكلي الذي قالت به الفلسفة , وإنه العقل الكلي الكامن وراء تاريخ كل البشروالذي يظهرعلى مراحل ممثلة بعقول أفراد البشر, فكل منها يمثل جزءا منه يظهر في كل مرحلة. هذا العقل الكلي كما تسميه الفلسفة او اللاوعي كما يسميه علم النفس هو المطلق الذي نتصل به في الأحلام ونستمد منه فيها . والدليل على أنه المعرفة المطلقة أن الاحلام تخبر الانسان في منامه بوقائع مستقبلية تتحقق فيما بعد، أي انها مصدر لمعلومات صحيحة صحة مطلقة. وهذا يؤكده بالتجربة علماء النفس فقد تعلن الأحلام احيانا عن احوال محددة قبل وقت بعيد من حدوثها. ويؤكدون أنها كثيرا ماتقدم النصح والإرشاد اللذين لايمكن الحصول عليهما من أي مورد آخر. ويونج نفسه قد نصحه لاوعيه عن طريق الحلم. وهذا يعني أن الحلم يصدر عن المطلق لذا يستطيع أن يتبصر بعواقب الأمور إذ يستمد من الحقيقة التي لاتعرف الخطأ والتي يسميها علم النفس اللاوعي الذي هو في رأي يونج المرشد الأعظم والصديق الناصح للوعي، واننا نعرفه ونتصل به بوساطة الأحلام بشكل رئيس. هذا اللاوعي او مانسميه العقل الكلي او الروح الكلي تتصل به أرواحنا او عقولنا الجزئية او تتفاعل معه، وإننا لنجد حتى لدى البدائيين افكاراعن وجود أكثر من وعي لدى الانسان فيقال إن كثرة منهم تفترض أن للانسان (روح أدغال) فضلا عن روحه, وأن روح الادغال هذه _التي تقترب من مفهوم الفطرة العامة لدينا_تتجسد في حيوان وحش او شجرة يكون للانسان الفرد معها نوع من الهوية النفسية. وهذا مادعاه عالم الأعراق البشرية الفرنسي البارز لوسيان ليفي – برول بالمشاركة الصوفية، ويؤكد أنها حقيقة سيكولوجية معروفة جيدا أن الفرد قد يملك مثل هذا التماهي اللاواعي مع شخص او شئ آخر(6). أي إنه يتصل باللاوعي بما هو أعم منه ومايتجاوزه كيانا مفردا. إن اللاوعي الذي نتصل به بالأحلام التـي تعبر عنه تعبيرا دقيقا إنما هو وعي عام يجاور وعينا ومعرفتنا الواعية ويتصل بها . ولقد وصفه علم النفس وكارل يونج خاصة بما يلتقي مع وصف الفلسفة للمعرفة الإنسانية الكلية المتحققة عبر تاريخ وجود العقل الإنساني والتي تصدرعن المعرفة الكلية المطلقة السابقة للعقل الإنساني والتي يصدر عنها ويتفاعل معها، فهو ضرب من التفكير، أولي، ينجم تلقائياً عن الجماعة البشرية، متشابه بعضه مع بعض تشابهاً قد يصل الى حد الاتحاد، فهو وحدة فكرية ونفسية  تلم أعضاء المجتمع الانساني كله أي إنه التاريخ الكلي للعقل الانساني . ويتصل به الانسان من خلال لاشعوره الفردي فيلتقي ببدايات الجماعات البشرية بما كان لها من عادات وتصورات، فهو تعبير عن رواسب فكرية ونفسية مختلفة لتجارب ابتدائية لا شعورية، أسهم في تركها أسلاف العصور البدائية وورثت بطريقة ما في أنسجة الدماغ. ويتم التعبير عن الوقائع العصرية في حياة أي مجتمع عن طريق ربطه بها، إذ لابد أن يعرف الجديد بالقديم على أساس أن الجديد غامض غريب والقديم واضح مألوف. وهكذا تصل هذه المعرفة الأولية النابعة من اللاشعور الجماعي الى الحياة اليومية الحاضرة ممثلة بالرمز من خلال لا شعور الفرد. وإذا كان هذا الفرد فناناً أو شاعراً نجد في جذور قصائده موضوعات عامة أو رموزاً تنتمي الى اللاشعور الجماعي الذي أشرنا اليه تتجـاوز حدود الزمان،  وتتكرر عند المرهفين حسياً لأن هؤلاء يعيدون تفصيل ـ وخلال عملية حلمية ـ كل ما يمكن استمداده من التجارب الأولى حتى ولو كان شعائريات الانسان البدائي(7). وهكذا يبين علم النفس أن اللاشعور الجماعي الذي هو الجانب اللامرئي في الوجود هو عبارة عن معرفة عامة. وهذا اللاشعور الجماعي قد نتصل به بوساطة الأحلام، فالحلم وسيلة لمعرفة المطلق، ووسيلة للاتصال بالمطلق وتجليته في حياتنا، لأن تفصيلات حياتنا وأحداثها تترجم هذه الأحلام. فحياتنا انعكاس عن عالم الحلم، وعالمنا المرئي يستمد من عالم الحلم ويصدر عنه. ويعبر الحلم بالرموز التي قلنا إنها عامة لأنها تعبر عن معرفة عامة مطلقة، هـي المطلق والغيب والأبدية التي نطل عليها بوساطة الأحلام. ولهذا ورد في القرآن الكريم، وفي سورة (يوسف) التي تتصل بالأحلام: "إن كنتم للرؤيا تعبرون" ـ الآية(65) ـ أي تعبرون باطنها اللامرئي الى ظاهرها المرئي، تعرفون ربط هذه الرموز بمدلولاتها الواقعية التي وردت في القصة. ومعرفة هذه الرموز وربطها بما تدل عليه من تفصيلات الحياة الواقعية، يعني تحويلها الى واقع، وتحويل المعرفة بها الى معرفة عقلية واعية. ولهذا قيل إن الرمز يصبح (علامة عرفية) أي يدل على معرفة متعارف عليها بالعقل الإنساني بعد أن كانت معرفة كلية مطلقة غيبية. وهكذا تنتقل هذه المعرفة من اللاشعور الى الشعور، من الغيب الى الشهادة، ويعبر عنها بالرمز، فتصبح رمزاً متعارفاً عليه بين الناس. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الغيب هو الذي يوحي أو يعطي الى الشهادة معرفة يعبر عنها بالرمز يصح تسمية هذا الرمز بعلامة (توقيفية) لأنها معرفة يوقف الغيب البشر عليها.
إن المعرفة بعد هذا معرفتان: معرفة تتصل باللاشعور، ومعرفة أخرى عقلية ومكتسبة متعارف عليها. وقد سمى فلاسفة المسلمين ما يلتقي مع هذه المعرفة الأولى (المعرفة الضرورية) أو (العلم الضروري)، وتعني ما استقر في الطبع والفطرة من المعرفة، وهي ما يشترك به البشر جميعاً، ويتصل بوساطته البشر جميعاً. فهي إذن معرفة موحدة جامعة تلتمس بالطبع او بالفطرة او بالحدس.. وهذه المعرفة تلتقي كذلك مع المعرفة التي تحدث عنها أعلام من البنيويين وهم يبحثون عن المعرفة (الجوهرية) أو (الأصلية) أو (الثابتة) أو (البدئية) أو (القبلية) التي هي الأساس الموحد والثابت لكل الظاهرات الوجودية، ولهذا تأثر البنيويون بعلم النفس وبفرويد واستمدوا منه، ولهذا قيل عنهم إنهم يبحثون عن أبنية لاواعية هي الأساس الأول والأصل البدئي لهذه الأبنية الواعية، يبحثون عن معرفة لاواعية هي الأساس للمعرفة الواعية.
 واذا كان بحثنا يتصل بالمتصوفة ومعارفهم، فهي معرفة تتصل بهذين النوعين من المعرفة، وهي تهتم بالمعرفة الأولى خاصة، فهم يصرحون بأنهم يعرفون بالكشف والمشاهدة الروحية والتجلي، وهذه قريبة من اللاشعور الذي تحدث عنه علم النفس، وقريبة من الحدس. وهم يعرفون أيضاً بمعرفة واعية ومعرفة ناشئة عن الاكتساب، ومنها المعارف الربوبية التي تسلمتها النبوات المتواترة عن السماء وأشاعتها بين الناس، فصارت تؤخذ بالاكتساب.. إن المعرفة الصوفية تتطلع الى اللامعقول، واللامرئي، والى الظاهر والباطن وتنفذ من الظاهر الى الباطن ومن الباطن الى الظاهر..
والمعرفة لدى المتصوفة هي علاقة بين الأنا والوجود، وهي تبعاً لذلك علاقة اتحاد بين الذات العارفة والشيء المعروف. والوجود في الرؤية الصوفية ليس موضوعاً خارجياً فقط يدرك بأداة من خارج كالعقل والمنطق.
إن للوجود في الرؤية الصوفية جانبين، خارج وداخل، ظاهر وباطن، الظاهر واضح، عقلي، والباطن خفي، قلبي. الوجود بشكله الباطن (المطلق، الله) مجهول لا يعرف، سر دائم، وهو بشكله الظاهر معروف وحاو للأشياء كلها. يوصف المطلق صوفياً بأنه (كنز مخفي)، محجوب بالأشياء، وأنه لا يعرف الا بزوال هذه الحجب. ان الشيء المخلوق حجاب يحول بين الانسان والخالق. ولا يصل الانسان الى الكشف عن المطلق وأسراره الا بنضال فكري أو روحي وجسدي يؤدي الى امحاء كل ما هو مادي حاجب. إن مقاربة الوجود بوساطة العقل التحليلي المنطقي لا تزيد الانسان الا حيرة وضياعاً، تبعده عن نفسه وعن الوجود في آن. المعرفة الحقيقية التي تهتم بها الصوفية، هي معرفة الشيء من داخل، ذلك أنها تلغي المسافة بينه وبين العارف وتتيح للعارف تحقيق ذاته، فلا نعرف الوجود الا بالشهود وفقاً للمصطلح الصوفي، أي بالحضور أو بالذوق أو بالاشراق، وهي جميعاً مصطلحات صوفية أيضاً. إن المعرفة لا تتم ما دام العارف واعياً أناه أو إنيته بوصفها خارجاً أو ظاهراً حياتياً مندرجاً في الآن اليومي. هذه الأنا هي عائق أمام المعرفة لأن فرديتها حاجز يفصل بين العارف والمعروف فلا يدرك الوجود حقاً الا بتجاوز هذه الأنا حيث يزول الوعي بها. وزوال هذا الوعي هو ما تسميه الصوفية بالفناء. فالفناء هو زوال العائق وامحاء الحجاب، وبالفناء اذن يتم التطابق بين الحالة الذاتية للعارف والحالة الموضوعية، فلكي تعرف ابتعد عن ذاتك ـ كما يقول الجامي ـ ويقول صوفي آخر: (بقدر ما تكون أجنبياً عن نفسك تكون قادراً على المعرفة). والفناء بوصفه معرفة للمطلق، ثلاث مراحل أو درجات: المكاشفة، التجلي، المشاهدة. ولئن كانت المكاشفة تكمن في (كشف الغطاء) الذي يحجب النور الإلهي، وكان التجلي يكمن في تلقي أنوار السر، فإن المشاهدة هي انعكاس او حضور هذه الأنوار في القلب، هي أنوار تنعكس عليه كأنه مرآة صافية. وهناك في المصطلح الصوفي مما يقرب من هذه الحالات ما يسمى بالكرامات، وتنبه هذه الكلمة الى أن في كل فرد عتبة بين شعوره ولاشعوره، يكفي أن يعبرها لكي يرى واقعاً آخر اكثر غنى واتساعاً وموضوعات ومشاعر وأهواء ورغبات لا تحصى ولا تنتهي ينوء تحتها الشعور الذي تحده الحياة اليومية وتحاصره(8). إن المعرفة الصوفية هي اذن تجاوز الفردية والجزئية المتمثلة بالوعي والمعرفة العقلية والدخول في المطلق المتمثل بالمعرفة اللاواعية التي قلنا إنها معرفة مطلقة وثابتة وأولية، أو انها تجاوز المطلق للفردي،  تجاوز اللاوعي للوعي، حيث تفنى الذات الفردية بالذات الالهية المطلقة. وهذا يوصف في فلسفة هيجل بأنه امتصاص المطلق أو استرداده للحظات الانفصال الجزئية المتمثلة بالأفراد والوعي العقلي الفردي. ثم إن هذا المطلق يعيد لفظ هذه اللحظات الجزئية ليعيد استردادها ـ عبر الحياة والموت ـ وهكذا حتى يستكمل المطلق تحقيق جميع لحظاته او جميع الخطوات التي يخطوها لكي يتجلى، لكي تتحقق المعرفة المطلقة في الواقع عبر الواقعات الجزئية التي يمثلها الناس أو عقولهم المحدودة. فتاريخ الانسان هو تأريخ أو خطوات للمعرفة المطلقة في سبيل تحققها في الواقع أو الكشف عنها أو تجليها ـ كما يعبر المتصوفة ـ فالانسان المحدود يفنى في المطلق، لكي يتزود عقله المحدود من العقل المطلق ويتلقى من أنوار السر الإلهي، ثم يعود الى الصحو، ثم الى الفناء، وهكذا حتى يتم الكشف عن المعرفة المطلقة أو تجليها كاملة في عالم الشهادة. ويصف القرآن الكريم النوم الذي هو عالم الحلم الذي هو انتقال الى المطلق ومصدر للمعرفة  المطلقة، بأنه حالة وفاة، استيفاء الله او المطلق للنفس الانسانية، ثم اطلاقها في اليقظة بعد رحلتها الى المطلق. وهذا ما يختلف به النوم عن الموت، فهذا استيفاء لا رجعة منه في يقظة الى الحياة. النوم والحلم إذن رحلة متكررة بين الحياة والموت، الحياة والمطلق، رحلة معرفة الى عالم الغيب من عالم الشهادة. ان المعرفة رحلة مستمرة وحركة متصلة من بداية خلق الانسان والى يوم القيامة، فالمطلق أو الغيب ليس نقطة نبلغها وتنتهي عندها المعرفة، انه على العكس، يتطلب الحركة المستمرة اليه والسفر الدائم، وكلما كشفنا شيئاً ازدادت الأشياء التي تتطلب الكشف، فلا يمكن الوصول الى معرفة الغيب معرفة نهائية. إن المعرفة الصوفية انتقال الى (الروح المطلق)  والعيش في عالمها، فليست علاقة انفصال باردة بين العارف والمعروف، إنما علاقة اتحاد، تعقبها حالة انفصال وعودة الى الواقع.
يحدد وليم جيمس في مقالة معروفة خصائص الصوفية ومنها، أنها حالات روحية لا يقدر الكلام أن يصفها ولا أن ينقلها الى الآخرين . ولا يمكن معرفتها إلا بأن يعاش فيها خصوصاً أنها اكثر ارتباطاً باللاشعور، ونحن نكون مخطئين حين نحكم على مثل هذه الحالات من خارج، او حين نقوّم عقلياً ما لا شأن للعقل فيه. ومنها أنها حالات معرفية مع أنها حالات شعورية انفعالية، فهي معرفة بالروح لا بالعقل. وهي حالات نفاذ الى أعماق حقيقية لم يسبرها العقل بعد. وأنها لا تدوم طويلاً وغالباً ما تفشل الذاكرة في وصفها بعد أن تنتهي. ثم إنها لا تكاد تنشأ حتى يشعر صاحبها أنه فقد ارادته وانه معتقل أو مأخوذ بقوة عليا لا يستطيع أن يتغلب عليها، إنها حالة تحكم أو سيطرة المطلق على الجزئي، وهذه الخاصية تقرب هذه الحالات من بعض الظواهر الخاصة كالنبوة والانخطاف والكتابة الآلية والأحلام. هذا الذي يقوله وليم جيمس يقوله هنري ميشو بطريقته الخاصة، واصفاً هذه الحالة التي تنعدم فيها الرقابة العقلانية، وحيث يعمل الفكر في داخل فضائه الغامض دون أية رقابة. ويسمي ميشو هذه الحالة حالة الطمس أو المحو، والكتابة التي تعبر عن هذه الحالات غامضة بالضرورة، بل هي غير قابلة للقراءة بالنسبة الى الأشخاص الذين ألفوا برودة العقل وبرودة الوضوح، لكن في هذه اللامقروئية كان يتم الكشف عن الأعمق، لا في ميدان اللغة وحدها، بل في ميدان العالم الداخلي ايضاً، عالم الانسان وعالم الأشياء على السواء.
من أجل الكشف عن هذا العالم أو الوجود الأعمق والأغنى والأشمل يأتي الحلم والرؤيا والشطح والجنون في التجربة الصوفية كوسائل أو لغات أخرى تبطنها اللغة، وهذه كلها تشكل وسائل لاكتشاف طريقة ادراك لحقائق لا يمكن ادراكها بالمنطق او العقل، فهذا يدرك المحسوس وحده أو المجرد وحده، يفصل بين المرئي واللامرئي، بينما الإدراك الصوفي يوحد بين المحسوس والمجرد، الظاهر و الباطن، المعلوم والمجهول.
إن الرؤيا بوصفها جزءاً من النبوة هي من الله، وهي مبدأ الوحي ولا تكون الا في حال النوم، ويبدأ الوحي بالرؤيا لا بالحس، إذ يتم تجاوز العقل والمنطق بفعل الخيال والحلم، تجاوز الواقع والوصول الى ما وراء الواقع أو الغيب حيث السر والحقيقة والمعنى(9). فالحلم يعبر عن الغيب ونحن ننتقل الى الغيب  أو المطلق بوساطة الحلم وهو يستمد منه، ويحوله الى الواقع، يجليه فيه. من هنا لم يكن الحلم في التجربة الصوفية تماماً خارج الواقع أو غريباً عنه.. الحلم والواقع هما على العكس بالنسبة اليها وجهان لحقيقة واحدة، إنهما جسم واحد لمرئي ولامرئي، ومن هنا ايضاً كانت الكتابة بالنسبة اليها تجربة الوصل بين المرئي واللامرئي.

لقد أسست الصوفية لكتابة يتوجه بها الصوفي نحو الغيب ويحاوره. وعمدت من أجل ذلك الى اكتشاف آليات الابداع العفوي، التي تفلت من الإكراهات الآتية من العقل الرقيب والفكر النقدي والمواضعات. وهي تدفع الكاتب الى الخروج من أناه المألوفة الى فضاء آخر. ولهذا تبدو الكتابة في التجربة الصوفية غالباً مليئة بالغرابة والتناقضات وتفكك الصور، مما يجعلها عصية على الفهم. ولهذا أيضاً يذهب بعض الباحثين الى اتهامها بالاعتباطية والتخليط، لكن هؤلاء ينسون أن الغريب، الفوضوي، المدهش، المحير، الغامض أساس أول في الكتابة الصوفية، ولا وجود لهذه الكتابة الا به، لأن هذه الكتابة تفصح عن عالم هو نفسه غريب وغامض ومحير. إنها كتابة تيه لعالم نفسه عالم تيه، فحين يدخل الشاعر عالم التحولات لا يقدر أن يخرج منه الا بكتابة تحولية: أمواج من الصور الإشراقية التي لا تخضع لمعايير العقل والمنطق والتي يتحول فيها الواقع نفسه الى حلم.
بنية الكتابة في الصوفية تقوم على لغة التشويق للبحث والسؤال ومعرفة المجهول والدخول في حركة اللانهاية. هكذا تستجيب لبعد اللانهاية في المعرفة، بعد اللانهاية في التعبير. الكتابة الصوفية تجربة في الوصول الى المطلق، وهو ما نجده عند كبار الخلاقين في جميع العصور. ويأتي الرمز طريقة في الكتابة الصوفية للاتجاه نحو أعماق أكثر اتساعاً، والبحث عن معان أكثر يقينية، العودة اليها نوع من العودة الى اللاشعور الجماعي، الى ما يتجاوز الفرد، الى ذاكرة الانسانية وأساطيرها، الى الماضي بوصفه نوعاً من اللاوعي. الرمز، لحظة التقاء بين الظاهر والباطن، المرئي واللامرئي. وهو إذن نقطة اشعاع، مركز حركي ينتشر في الاتجاهات جميعاً. وهو في الوقت نفسه يعبر عن مستويات مختلفة من الواقع بكليته. وفي هذا ما يتيح للشاعر لا أن يكشف ما لا نعرفه وحسب، وإنما أن يعيد كذلك تكوين ما نعرفه بحيث يربطه بحركة اللامعروف وبما لا نهاية له، وفي هذا المستوى تكون الكتابة معرفة.
لكن ما الرمز في العربية، وهل ترتبط دلالته فيها بطريقة الاستعمال الصوفية؟.. تقول مصادر اللغة، إنه يعني الاشارة، والإشارة طريق من طرق الدلالة. ويقول الجاحظ، إن الدلالة على المعاني لا تكون بالالفاظ وحدها، بل تكون كذلك بالإشارة، وهي دلالة سريعة، خفية، وغير مباشرة. ويقول قدامة بن جعفر عن الاشارة بأنها الايجاز، مشيراً الى أن الرمز هو كذلك ايجاز. ويعرفها بقوله: "أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة، بإيماء اليها او لمحة تدل عليها". ـ نقد الشعر، ص90ـ ويقول ابن رشيق مطوراً مفهوم الرمز/ الاشارة، بأن الاشارة هي (في كل نوع من أنواع الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح يعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه"ـ العمدة1/206ـ فاللجوء الى الإشارة والرمز إنما هو ايماء وتلميح لأنها محاولة للإخفاء،وهذا ما بينه قدامة في حديثه عن الرمز، فيقول: "وإنما يستعمل المتكلم الرمز في كلامه في ما يريد طيه عن كافة الناس والافضاء به الى بعضهم، فيجعل للكلمة أو الحرف اسماً من أسماء الطير أو الوحش او سائر الأجناس، أو حرفاً من حروف المعجم ويطلع على ذلك الموضع من يريد إفهامه، فيكون ذلك قولاً مفهوماً بينهما، مرموزاً عن غيرهما. وقد أتى في كتب المتقدمين من الحكماء والمتفلسفين من الرموز شيء كثير، وكان أشدهم استعمالاً للرمز افلاطون. وفي القرآن من الرموز أشياء عظيمة القدر جليلة الخطر، وقد تضمنت علم ما يكون.. واطلع على علمها الأئمة المستودعون علم القرآن".ـ نقد النثر، ص61ـ62. فالدلالة الرمزية علم خاص يودعه الله لدى المنتخبين من عباده. ويرعى المتصوفة هذه الرغبة في الانتخاب لإيداع المعرفة لذا يحرصون على التعبير بالرمز. يصف القشيري المتصوفين بأنهم "يستعملون ألفاظاً فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم والإخفاء والستر على من باينهم في طريقتهم، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أو مجلوبة بضرب تصرف، بل هي معان أودعها الله قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم." الرسالة القشيرية، طبعة بولاق، 1984هـ.ص40. وهكذا يكون قوام الرمز في اللغة العربية كامناً في الإيجاز وبعد المعنى عن ظاهر اللفظ، أي في الغموض، لأن الألفاظ تعابير عن عالم غامض، عن العالم اللامرئي، أو عن عالم الغيب أو المطلق، كما لدى الصوفية.
يمكن أن نصف تجربة الكتابة الصوفية، بأنها تجربة موت بالدلالة الصوفية للعبارة: موت عن الظاهر الاجتماعي بمختلف مستوياته وعلاقاته من أجل الحياة في الباطن الكوني. لذلك لابد من تجاوز عالم الظاهر، ولابد من تجاوز لغة الظاهر. نتجاوز عالم الظاهر باللغة نفسها، نسكرها. يجب أن نخلق نشوة في اللغة تتطابق مع نشوة التجربة. والحق ان لكل كاتب صوفي هدفاً أول هو اكتشاف (لغة كونية) تعبر عن المطابقة بين اللامنتهي (المعنى) والمنتهي (الصورة). وهذه لغة تتكلم دون وساطة العقل. إنها لغة تخطف القارئ، تنقله الى اللامنتهي. فكما (يسكر) الصوفي، تسكر لغته. إنه يخلق  للغة نشوتها الخاصة في أفق نشوته. لا يعبر عن نشوة الانسان الا لغة منتشية هي أيضاً. يجب ان تخرج اللغة هي أيضاً من نفسها، كما يخرج الصوفي من نفسه، بهذه اللغة نتيح لما هو قائم في مكان آخر، في الغيب أو الباطن أن يجوز الى عالمنا الظاهر، وتتيح لنا هذه اللغة أن نضع اللامنتهي في المنتهي، كما يعبر بودلير.
هذه اللغة جسر يربط بين الباطن والظاهر، بين المعروف والمجهول. وبما أن الغاية هي الكشف عن هذا المجهول، فإن طريقة التعبير ليست بيانية او بلاغية، وإنما هي بدئية تنبثق مع الحركة نفسها التي ينبثق بها الحدس الشعري. لغة عصية على التقاطها عقلياً، أي عصية على التدجين والتكييف مع المحسوس الواقعي. هي واقعية من حيث أنها تكشف عن الأصلي الجوهري، لكنها في الوقت نفسه تفلت من الواقع الملموس من حيث أنها تشير الى ما يتجاوزه، ذلك أنها ناشئة من هذا الجدل الصاعد الهابط معاً بين الله والانسان، بين الوجود غير المرئي والوجود المرئي. وهي لذلك مشحونة بالحلم وبعناصر لاعقلية كالسحر والهذيان والجنون والشطح والانخطاف.
إن الظاهر في هذه اللغة ليس هو الذي يتكلم بل الباطن. وليست الصورة هي التي تكتب، بل المعنى. والصوفي آخر في اللغة، آخر موضوعي لحظة هو ذاتي. ولذلك ليس هو الذي ينطق بالمعنى ويكتبه في صورة، بل المعنى هو الذي ينطقه ويكتبه. ليس هو الذي يفكر ويكتب، بل هو المفكر به والمكتوب كما يقول رامبو . وهكذا تكون الأنا هي الآخر ولا تعود الذات الفردية هي التي تتكلم، بل الذات الكبرى الكونية الكامنة فيها. فلا ذاتية إذن في هذه اللحظة الابداعية الكبرى، بل الذات هي نفسها الموضوع من حيث أنها الآخر والكون، أو من حيث أن (العالم الأكبر ينطوي فيها)(10).
..........
يلتقي مع تصور الصوفية هذا للمعرفة ولعملية الإبداع بعض الحركات الفكرية والاتجاهات الأدبية في العصر الحديث. وهي لا تلتقي معها التقاء تأثر وتأثيرأو امتداد وتفاعل بقدر ما هي مسألة ذلك التوتر الروحي المشترك بين الخلاقين جميعاً، والذي يجد أصحابه أنفسهم سائرين في البحث عن حلول له على طرق متشابهة قد تصل الى نتائج متشابهة، فالأفكار تلتقي على طريق الحقيقة. ومن هذه الحركات والاتجاهات الرومانتيكية والرمزية والسوريالية. ففي مطلع القرن العشرين بدأ اتجاه مناوئ للوضعية مما مهدت له كتابات نيتشه وبرغسون في ما يقوله عن الدفعة الحية والحدس والذاكرة، وفرويد ومفهومه الجديد للحياة النفسية. وكانت المسألة في هذا كله تتمركز حول إعادة النظر في طريقة رؤية الأشياء وفي طريقة التعبير عنها. هكذا نشأ (روح جديد) نقيض للمفهوم التقليدي عن الفن المكتمل الذي يخضع لقواعد ثابتة. وتعقد دراسات أوجه تشابه بين الصوفية وبين هذه الحركات الفكرية أو الأدبية التي سلكت سلوكها المعرفي . وتركز على الحركة السوريالية منها خاصة، وتتفرغ لدراسة تقاربها مع الصوفية. لقد كانت أولية العالم الداخلي على الواقعي من المسلمات عند الرومانتيكيين، وكان الشعر يحمل أبعاداً فلسفية عند هوغو والفرد دوفيني، وكان الرومانتيكيون عامة يقدمون الحساسية والخيال والحلم والشهوة على العقل ومنطقه. وأعمق ما في الرومانتيكية مما أثر في السوريالية هو قولها: إن الشاعر نبي يقرأ نص العالم ويدرك قوانين الكون الخفية بطريقة حدسية. ولعبت الرمزية دوراً كبيراً في نشأة السوريالية، فقد أخذ الشعر مع بودلير منحى صوفياً، واستناداً الى ذلك تأسس مفهوم المطابقة عنده بين المرئي واللامرئي. وذهب رامبو الى أبعد من ذلك فجعل من الشاعر رائياً يمارس كيمياء الكلمة. وجهد السورياليون لكي يصلوا الى سحر العالم والى تحريك القوى النفسية في الفرد، والى الممارسة السحرية للغة، وللقبض على (الحجر الفلسفي) مع إرادة التأثير على الواقع وممارسة النقد الذاتي والاجتماعي في آن.. وقد تأثر السورياليون تأثراً كبيراً بالخفائية والباطنية وبالنظرة القائمة على المعرفة الحدسية فيما وراء العقلانية، المعرفة المتعالية التي يؤسس بها الفرد ميتافيزياء كونية. هذه المعرفة إيقاظ، تولد ذكرى ما كنا قبل ضياعنا في عالم المحسوسات. يكشف هذا كله عن أن السريالية تقول بوجود مجال يتجاوز سلطات العقل وبأن الإنسان لا يستثمره. وأن رؤية الإنسان العقلاني للعالم سطحية، ولكي يبلغ العجيب والخارق لابد له من أن يغير تأويله للعالم الذي يحيط به. المدار الأساسي لتجربة رامبو التي تجعل منها السوريالية مرجعية أساسية هو تخطي المرئي الى اللامرئي كما هو الشان في التجربة الصوفية. ويقول إن إلهامه الرائي أتاح له أن يبلغ المعرفة فاتحاً له أبواب اللاوعي، وإن الشاعر يصبح رائياً بتعطيل لجميع الحواس طويل ومدروس وفائق الحد.
لقد أعلن السورياليون قطيعتهم مع المجتمع القديم وأسسه كلها ومع أخلاقه وجماليته ووضعيته. والمنهج الذي سلكوه هو الاستكشاف المنظم لللاوعي عبر تجارب متنوعة مثل الحلم والجنون والخيال وحالات الهلوسة والتوهم. والشعر أداة لمثل هذا البحث الداخلي، ولهذا استلهموا فرويد واستخدموا كشوفه، من أجل الوصول الى المعنى المجهول في الكائن الانساني. ومن هنا اهتمت السوريالية كثيراً بالشرق ورأت فيه مستودع قوى وطاقات روحية لخدمة ثورة دائمة. ويرى السورياليون أن الشرق هو في آن مجال صوفي ومكان تحررت فيه الرغبة. وكان لهنري غيتون أثر حاسم عليهم، فقد كان يرى أن الغرب يجتاز مرحلة سماها (العصر القاتم)، وأن الشرق خارج هذا العصر، لأنه حافظ على التقاليد المعرفية الخفائية ومبادئها. وينتمي السورياليون الى هذا الاتجاه الفكري الفلسفي اللاعقلاني، اتجاه الأديان السرية، بحثاً عن ينابيع السر فيما وراء مقولات المنطق من أجل العثور على الطاقة في حالتها البدئية وعلى الكلام الحي، كلام الاسطورة التي تعطي للعوالم الداخلية أشكالاً ملموسة. ويعبر عن هذه العوالم الداخلية بتيار اللاشعور الذي يفصح عن ذاته بالحلم وبالكتابة الآلية واللاإرادية. ويؤسس بريتون للعلاقة بين الحلم والفكر الأصلي القائم في أعماق الانسان، ففي الحلم تمحى القوانين المنطقية والعقلانية. الحلم يسلم الانسان الى كون خاص، كون الصور الداخلية والى المد اللاشعوري. هكذا حين لا يكون الانسان نائماً يكون لعبة في يد ذاكرته، والذاكرة هي التي تلغي الحلم وتقتله. ومن هنا يتساءل بريتون عما إذا كانت حالة الحلم هي الأكثر قرباً الى الفكر الأصلي والى طبيعة الانسان العميقة، ولماذا إذن لا نعطي للحلم ما نرفض أحياناً أن نضفيه على الواقع، أعني بعد اليقين؟.. ولماذا لا ننتظر من الحلم أكثر مما ننتظر من الوعي؟.. ثم ألايمكن أن يفيد الحلم هو أيضاً في حل مشكلات الحياة الأساسية؟.. ومقابل هذه القيمة أو هذه الأهمية التي يمثلها الحلم، لا تبدو حالة اليقظة الا عائقاً محضاً، فاليقظة من هذا السياق حالة غياب عن الحقيقة، وان حقائقها جزئية وهامشية بعيدة عن المركز الحي الخلاق للفكر. ويرى موريس بلانشو أن (حريات الكتابة) في تاريخ السوريالية (مرتبطة بتجارب النوم)، فهذا النوم يلغي كذلك الرقابة التي تعيق الفكر ويفتح أبواب المدهش وأبواب الحرية. تؤدي ممارسة هذا النوم الى نوع من إلغاء ملكية الانسان لذاته، وملكية الواقع الخارجي، إذ لا رقابة من أي نوع يمكن ان تتدخل بين النائم والواقع كما تتدخل بين المستيقظ والواقع. وجاء في مقدمة العدد الأول من مجلة (الثورة السوريالية) ان الحلم وحده يترك للانسان جميع حقوقه في الحرية، ولا يعود الموت بفضل الحلم معنى غامضاً، ويفتقد معنى الحياة أهميته، نحن جميعاً تحت رحمة الحلم وعلينا أن نتحمل سلطته. هكذا أعطت هذه المجلة الأولية لسرد الأحلام، بحيث تكون تسجيلاً لما لا يقال. ويرتبط الحلم بالهذيان، إذ يتم تجاوز العقل والمنطق بفعل الخيال والحلم والهذيان، يتم تجاوز الواقع والوصول الى ما وراء الواقع أو الغيب بلغة الصوفية، حيث السر والحقيقة والمعنى. السوريالية اكتشاف للأعماق الداخلية الذاتية، وهي كذلك اكتشاف لعالم  خارجي. ويؤكد بريتون أن الحلم والواقع المتناقضين في الظاهر سيتحدان في نوع من الواقع المطلق، سوريالي، وهذا ما يقابل الاتحاد او الوحدة بين الظاهر و الباطن في الصوفية. واذا كان الحلم يقدم للانسان واقعاً جديداً يتيح له مطابقات جديدة بينه وبين الوجود، ويفتح أمامه أبعاداً جديدة، فإن كل ما يحقق مثل هذه المطابقات يكتسب بالضرورة اهمية أولى. ومن هنا اهتمت السوريالية بعلوم الأسرار، ويطالب بريتون بالاهتمام بهذه العلوم كعلم النجوم والسيمياء، ويشدد على ضرورة (البحث عن السر)(11).
وفضلاً عن السوريالية وغيرها من الحركات الأدبيـة التـي اهتمـت
بالجوانب الخفية اللامرئية الكامنة وراء الظواهر، هنالك لون من النقد يتصل بهذه الحركات والأفكار، يسمى (نقد النماذج العليا) أو (النقد الأسطوري) الذي اكتسب أبعاداً تنظيرية وتطبيقية واسعة في اسهامات نقاد مثل (مودبودكين) التي نشرت في العام 1934 كتاب (أنماط نموذجية في الشعر) ثم (نورثروب فراي) الذي هو أكثر تأثيراً والذي كاد هذا المنهج أن يرتبط باسمه خاصة بعد صدور كتابه الشهير (تشريح النقد) في العام 1957. ويقوم هذا النقد على تحديد النموذج الأعلى بأنه نمط من السلوك او الفعل او نوع من الشخصيات أو شكل من أشكال القص او صورة او رمز في الأدب والأساطير وكذلك في الأحلام، وهذا ما يهتم به بحثنا، إذ يدرس رمزاً يتصل بمعرفة مطلقة. ويعكس هذا الرمز في هذا النقد أنماطاً أو اشكالاً بدائية وعالمية عامة أو نموذجية ثابتة، تعبر عن مشاعر ورغبات وأفكار عامة مستمرة. وهذا يشبه ماتحدث به علم النفس عما سماه (البقايا المهجورة) أو (الصور البدائية) أو (الأنماط العليا) كما مر معنا. وفي كتابه (تشريح النقد) يدلل فراي على ما يقول بدراسة عدد هائل من الأعمال الأدبية الغربية، تنتظمها نماذج عليا، تأخذ شكل تكوينات أسطورية. ويقترب فراي بذلك من البنيوية، بل إن من الممكن أن نعد أعمال ذلك الناقد وغيره من أصحاب نقد النماذج العليا إرهاصاً للبنيوية من حيث انها تبحث في المكونات الثابتة الأصلية للخيال الثقافي والأدبي الانساني تماماً كما تفعل البنيوية(12). ولقد ظهر لدى البنيويين على اختلاف تخصصاتهم ميل واضح الى فكرة النسق الشامل ووضع أطر أو قوالب أساسية تندرج ضمنها كثرة الظواهر. وان هذه الأطر أو القوالب لها عندهم طبيعة باطنية كامنة حتى لو اتخذت مظاهرها أشد الصور حسية. وتهتم أبحاث لأعلام البنيوية في بنية الفكر والمعرفة بالبحث عن العلاقات الداخلية والنسق الكامن في المعرفة الذي يتمثل بهذه المعرفة اللاواعية او الاولية او الفطرية. وتسعى الى تجاوز المظهر الذي تبدو عليه من أجل النفاذ الى تركيبها الباطن. وهو ما نحاوله في هذا البحث الذي يحاول الغوص في عمق النظام الرمزي للمربع والدائرة الذي يعبر عن البنية الأساسية للمعرفة ممثلة بوحدات هذا النظام. كما يستهدي هذا البحث بنتائج الفلسفة المثالية، ونخص منها فلسفة هيجل التي ناقش بحثنا منطلقاتها العامة، وهذا مافعلناه في بحوث لنا سابقة(13)، فنحن نستفيد من المشروع الفلسفي الشامل لهذا الفيلسوف الكبير الذي بحث عن النسق أو النظام الجوهري الذي ترتكز عليه كل المظاهر الخارجية للوجود. وهذا النظام الجوهري هو المعرفة او الفكر المطلق الثابت الذي تستمد منه معرفتنا النسبية المحدودة. العقل الانساني المحدود يرتبط بالعقل المطلق ويستمد منه ليحول المعرفة المطلقة الى واقع من خلال أفعال الانسان، التي تعبر عن معرفته ، ليجلي المطلق ـ بتعبير المتصوفة ـ في الوجود الظاهر الواقعي. وتبقى العلاقة بين العقلين او المعرفتين مستمرة يتم من خلالها تجاوز هذه المعرفة النسبية المحدودة المتمثلة بالعقول الانسانية عبر حركة النفي او التجاوز التي يقوم بها العقل المطلق حتى يتحقق العقل الكامل ممثلاً بالانسان الكامل وحتى يتحقق المجتمع الكامل الذي تسوده القوانين المطلقة. فبحثنا إذن يستمد من هذه الأفكار كلها ويؤكدها من خلال الأدب، والأدب الصوفي خاصة، فلقد تلقى المتصوفة أفكاراً عامة، جوهرية أو توصلوا اليها بالحدس أو الكشف الروحي أو الوجداني الذي يتصلون بوساطته بالحقائق العامة الكلية المطلقة. وقد عبر أدباء المتصوفة عن هذه المعرفة بهيئة رموز لم تنفصل عن معناها الأصيل في أذهان الأدباء ومتلقي الأدب بما يؤكد قدرتها على تحقيق الاتصال بينهما ونقل المعلومات أو المعرفة التي تعبر عنها ومن هذه الرموز المهمة لديهم رمز (المربع والدائرة). وسنعمد الى تحليل هذا الرمز الذي تضمن تلك الافكار لنصل اليها. وقبل أن نحلل هذه الرموز في (الأدب الصوفي) الذي عرف عنه تعبيره بالرمز، وفي سبيل التتبع التاريخي للبدايات الأولى لاستعمال هذه الرموز في تاريخ الثقافة وارتباطها بالفكر الصوفي، نحاول أن ندرس هذه البدايات في بعض مظاهر الفن عبر تأريخه.

رمز(المربع والدائرة) في بعض مظاهر الفن والثقافة العامة، القديمة والحديثة:

ظهر رمز المربع والدائرة أو (النقطة والدائرة) في الدين والأساطير والأحلام كما ظهر في الفنون والتصاميم الأساسية للمدن في الفن المعماري. ويستنتج الدارسون من أنها تشير على الدوام الى حقائق للحياة أعظم وأكثر جوهرية. فالمربع يشير الى الحقائق الروحية المطلقة، وتشير الدائرة الى الكلية النهائية والكمال الانساني، فهي رمز للنفس وقد وصف افلاطون النفس بكونها دائرة . وكان بعض من يتفحص أعمال الفن القديمة التي تعود الى الحقب القديمة يظنها نتيجة جهل وعدم دراية وعجز ونقص في الكفاءة ولم يدركوا أنها ليست كذلك، وأنها تعبير عن انفعالات ومعتقدات دينية وروحية محددة. وهي تملك اليوم جاذبية خاصة لأن الفن منذ النصف الأخير من القرن العشرين مر مرة أخرى عبر مرحلة ملحة يمكن نعتها بالتخيلية .
وتعود البدايات الأولى للفن الرمزي التخيلي الى مرحلة بعيدة في التاريخ،  ففي النقوش الصخرية التي ترقى بتاريخها الى العصر الحجري الحديث قبل اختراع الدولاب ظهرت دوائر تدعى (دواليب الشمس) وهي رموز عبر بها انسان العصر الحجري. ويعود منشؤها في حوض البحر الأبيض المتوسط الى الألف الثالثة قبل الميلاد(14) أو قبل ذلك. وقدظلت هذه الرموز تؤثر في وعي الانسان ويتجلى تأثيرها في منجزاته الفنية والحضارية. ومن هنا يأتي دورها في اشاعة معرفة موحدة متصلة اتصال الجنس الانساني. وقد حاولت بعض الدراسات أن ترتد بالمعرفة التي تشير اليها هذه الرموز في بعض الظواهر الفنية الى المعرفة القديمة التي أوحت بها الاستعمالات الأولى لهذه الرموز. ففي دراسة للفنان الرائد شاكر حسن آل سعيد للخط العربي الذي يعكس السمات الأصلية للثقافة العربية والاسلامية يحاول إرجاع القيم المعرفية التي يعبر عنها هذا الخط ـ من خلال اعتماده نظام التربيع والتدويرـ الى البدايات الأولى التي عبر بها الانسان بهذه الرموز والممتدة عميقافي التاريخ . ففي دراسته (الخط العربي وأصوله الحضارية والجمالية) يستبطن في الخط العربي قيماً واعتبارات بعيدة ووثيقة الصلة بتكوينه الراهن. ويحاول فصد نسغه الداخلي والغوص في أعماقه واكتشاف قيمه الظاهرة والخفية وتحليله وإعادة تقويمه تقويما يكشف عن أسسه الجمالية والحضارية البعيدة. لقد سعى الى العودة به الى أبعد مصدر ممكن، فأكد تجذر الخلف في السلف، فلم يبحثه من منظور فني أو تاريخي، لأن جل البحوث التي تلتمس هذا المنظور لم تمس الطبقات التحتانية التي تستنبطها الظواهر المدونة، بل اقتصرت على السحنة الظاهرية وتعمقت بها. فيبادر هو الى دراسته دراسة معرفية بقصد استكناه المعرفة التي وراءه، والكشف عما تحمله الحروف. وأكد أن الخط ليس أداة لتمرير المعنى اللغوي فقط، بل موضوع لمعرفة متشعبة الأطراف، فهو كيان معبر عن حضارة بأكملها وليس مجرد وسيلة لغوية. وأن أهداف الخط والفن يمكن أن تكون هي نفسها في كليهما، فلهما هوية واحدة. وعاد الى الأصول البعيدة التي نشأت عنها الوسائل الأولى للتدوين، أي الى تلك المراحل المعروفة للكتابة الصورية والمقطعية والمسمارية، بل الى ما قبل ذلك، الى المرحلة التي ظهرت فيها الزخارف على الفخاريات في العهود القديمة وكأنها لغة أخرى مدونة بوسائل ما قبل  تدوينية. فلقد وسع البحث عن هويته التراثية، ووصل الى فحواه من خلال تأريخه الثقافي.(15)
والذي قاده الى اعتبار الحرف وسيلة للمواصلات الذهنية وللمعرفة، هو ما لفت انتباهه في الأصول الأولى للتدوين، وهو وجود الفكر التربيعي في صلب نظام الخط العربي، فهو يتكون عبر النظام التربيعي وكذلك الشكل الدائري، ففي هذا الخط تحوير لرؤوس بعض الحروف العربية الى ما يشبه الدائرة. فالحرف ينغلق على نفسه، فهو دائرة مغلقة وبداخلها النقطة المركزية. والنقطة تقوم مقام المربع، فقد تتحول الى الشكل المربع أو المعين(أ). وفي نظام التربيع تبرز علاقة ما بين المركز والمحيط، ففي  الزخارف المشتقة من الكوفي المربع نجدنا إزاء (نقطة مركزية) أو مربع و(حركة محيطية) أو دورة. ويؤول الأمر بهذه الدورة على محيط المربع الوهمي ومركزه المحور الى مربع وسطي الى رسم الصليب المعقوف المتكون عند تقاطع وحدتين زخرفيتين خطيتين (       ).(16)
إن اهتمامه بالخط الكوفي المربع الذي يكون التربيع هو الوحدة الزخرفية الأساسية فيه والصليب المعقوف هو المصطلح الشكلي له(ب)، يقوده الى الاهتمام بالأوفاق التي تعتمد في كيانها على نظام التربيع أيضاً، بالرغم من أن موضوعه يتعلق بالجانب اللغوي وعلاقته بالعمل الفني الزخرفي. ولقد استرعى انتباهه أنه يجد أن بعض الكتابات بالخط الكوفي المربع تتفق ونظام الأوفاق الى مدى بعيد. والأوفاق جمع وفق، وهو جدول رباعي تسير أوضاعه بموجب علم الحروف(الجفر). ومعناه أن يزدوج كل من معنى الحرف والقيمة الحسابية للعدد الذي يرافقه، فإذا رتبت هذه الحروف وفي ضمنها قيمتها العددية، وجمعت تلك القيم كانت التنائج واحدة في كل ضلع منها. إن الذي لفت نظره لأول وهلة هو وجود الفكر التربيعي في صلب نظام الأوفاق، وإن الوحدات التسع للوفق الثلاثي على فلك زحل(ت) تظل مرتبة في داخل مربع واحد. وقد نبه على أن للوفق عبارته الغيبية، أي تأثيره السحري، وان هناك تعاطفاً شكلياً سحرياً ما بين الحرف والعدد في الأوفاق، وان الحرف هو بمنزلة الجسد، أما العدد فهو بمنزلة الروح، فكأن الوفق حينما يجمع بينهما إنما يؤلف الوجود بمحوريه المادي والروحي فالوفق يمثل العلاقة الجدلية بين الروح والمادة.(17)
لقد تساءل الفنان آل سعيد عن سر التزام النظام التربيعي، وأعاد هذا التساؤل الى المرحلة التاريخية التي ظهر فيها النظام الرباعي الى الوجود، والى طبيعة الذهن الانساني الذي تشبث بالشكل الرباعي، ومن ثم بالفكر الرباعي، وتلك المرحلة  هي التي يمكن تحديدها بحدود (5000ق.م) أي حينما رسم الانسان رسومه الزخرفية على فخاريات دور سامراء ممعناً في تدوين أشكال حيوانية أو نباتية أو انسانية ضمن نسق رباعي، (ث) وهذا ما تظهره فخاريات معينة جاء بعضها على شكل الوفق الثلاثي ذي المربعات التسعة. ورأى أن هذه الحقيقة التي تظهرها الحضارات القديمة تقطع الشك باليقين في أصل العلاقة ما بين علم الحروف ورسوم الفخاريات الأولى. فإذا كانت الأوفاق تعتمد في كيانها على نظام التربيع فلابد من أن الأيمان بهذا النظام يمثل تجذر الذهن البشري بكل ما يوازيه في الحياة من حقائق. وكما يربط ما بين علم الحروف والأوفاق والرسوم في فن العراق القديم، يربط بينها وبين الخط الكوفي. فالخط الكوفي المربع وإن كان يعد من الظواهر الفنية الخاصة بالعصر الاسلامي الا أن أصوله البعيدة كانت ممتدة في حضارة وادي الرافدين، ذلك لأنها تنهل كما هو معروف في تسميتها وبنائها الزخرفي من فكرة التربيع القديمة. وينتهي الى أن الخط العربي والزخرفة متأثران بالفكر الاسلامي والصوفي خاصة تأثرهما بالفكر الرافديني القديم. ولهما بكل تأكيد نسب بالفكر الآسيوي، وبفنون الصين والحضارة الرعوية في أواسط آسيا عن طريق الاحتكاك المباشر للعالم الأسلامي بالحضارات المجاورة التي تأصلت فيها ثقافات عريقة ذات اهتمام بالتربيع بوصفه قيمة جمالية، وعن طريق الترجمة عن اليونانية وسواها من اللغات. وهذا ما أسهم بدخول تأثيرات حضارية وثقافية من الحضارات المجاورة على تلك الأعمال الفنية لا سيما أن لمواطن هذه الحضارات نفسها تقاليد دينية أو صوفية لابد من أنها كانت ستسهم في التأثير في التقاليد الاسلامية نفسها. إن جذور الخط الكوفي ترتبط بالمواطن التي ازدهر فيها الفكر الصوفي، وأهم مواطن الفكر الصوفي هي الصين بعد الهند موطنه الأول. فليس بالمستبعد أن يكون لذلك أثره في ازدهار هذا النوع من الخط لأنه يتفق والتصورات الصوفية، إذ ان المربع من الرموز التي اهتم بها المتصوفة، وكذلك الدائرة، وقد صدروا عن الرؤية الكروية للعالم فأحتفوا بالدائرة احتفاءهم بالمربع او النقطة التي ترتبط كما يوضح الفنان آل سعيد بالعين السومرية(ج) والدوائر ذوات النقاط المركزية في التقاليد الزخرفية في  العراق القديم.(18)
إن هذا يعني أنه في خلال مسيرة الخط والفن في الحضارة العربية الاسلامية فإنهما اكتسبا مزايا حضارية جديدة، كما عبرا عن التواصل مع القديمة كما يتضح في نظام الأوفاق والكوفي المربع. إن مسيرة الخط العربي تعكس التاريخ الثقافي للوجود العربي بمعناه الواسع. وقد استطاع التعبير عن سمات الفكر الاسلامي، فهناك بنية لا شعورية للكتابة ورصيد لا واعي يخفيه الخط ورصيد اجتماعي هو وليد المحيط الذي تطور فيه. وهو يستبطن كل الشعور الميثولوجي لمجتمعات الكتابة السومرية واللغة الزخرفية لعصر ما قبل السلالات في العراق وما يوازيها في البيئات الأخرى، مثلما يستبطن اللاوعي الديني لمجتمعات الكتابة الأبجدية ورصيدها الفكري المتطور. ولقد ظلت اللغة العربية محتفظة برصيدها الفكري هذا في جميع مراحل حياتها الحضارية مثلما ظلت محتفظة به الفنون الزخرفية، توأمها.(19)
إن بنية الخط والزخرفة تستبطن أفكاراً وعقائد تتأثر بها، وهي تنتقل ـ كما يبين الاستاذ آل سعيد ـ انتقالاً لا واعياً أو غيبياً أو سحرياً أو كرامياً. وهو يستخدم كلمة التخاطر أو التلباثي، وهو انتقال الأفكار بين كائنين انتقالاً لا يعتمد على المواصلات الحضورية بينهما، بل يعتمد على المواصلات الغيابية. وهذا الاستخدام ذو صفة حضارية، أي انه يتم ما بين مرحلتين حضاريتين، أو كيانين إجتماعيين، الأول كان موجوداً في الماضي والآخر موجود في الحاضر.
 الرسوم والأشكال الهندسية التي ظهرت على الفخاريات الأولى في العراق قبل ظهور المراحل الأولى للكتابة المسمارية كالمرحلة التصويرية أو المرحلة الرمزية والمرحلة المقطعية كانت خطوات انتقال بين البداية السحرية للغة الطبيعية واللغة الانسانية الصرف. إنها نوع من التدوين السحري، لغة تقتصر على الطبيعة وكأنها لغة حيوانية أو نباتية، لغة لم تدخل بعد طور الثقافة، وقراءتها كمدونة تقتصر على نوع من الوعي القريب من مفهوم الطبيعة لا الثقافة، أو هي أقرب الى اللغة الغيبية أو الماورائية التي تخص عالم السحر والكرامات والدروشة وتحضير الأرواح، الخ.. ويقول الفنان آل سعيد إن هذه الرسوم ذاتها تشبه المرحلة الصورية وهي في حالة تطورها الى كتابة مسمارية في المرحلة الرمزية، فهي تمثل الشكل والمعنى في آن واحد. وكانت بمنزلة التدوين الكتابي، أو لنقل دلالات لغوية أو مفاهيم دينية عن ذهنية انسانية مازالت تجمع ما بين الثقافة الانسانية واللاوعي والحدس بالطبيعة وبما وراء الطبيعة من قوى.(20)
إن فحوى النظام التربيعي في بنية الخط والزخرفة هو إخضاع العنصـر
الزخرفي الى مبدأ التدوير، دورة حول الجهات الأربع للشكل المربع الذي يمثل المركز أو النقطة أو السكون المركزي، في حين يمثل محيطه حركة مستمرة. ان العلاقة بين السكون المركزي والحركة المحيطية هي علاقة بداية وحركة مستمرة، البداية للسكون والتطور عن هذه البداية للحركة. البداية للمربع والتطور للحركة الدائرية حوله.(21)
 السكون والحركة هما الفكرة التي يعبر عنها مبدأ التربيع والتدوير قبل أن يصبح ظاهرة فنية لغوية على شكل رسوم أو جداول أوفاقية أو زخارف. الفكرة هي انطلاق الحركة من السكون الذي يمثل المركز أو المربع أو النقطة التي يعقد علم الحروف على هويتها أهمية عظيمة. وهي حقيقة حقائق الحروف في الفكر الصوفي، فهي تحقق معنى تطوير القوة الى الفعل، القوة التي تحتل مركز الوفق في المدونات الأوفاقية، فهي وجود بالقوة يتحول الى وجود بالفعل بوساطة الدائرة التي تمثل معنى الفعل أو الحركة أو تمثل العرض من الجوهر أو الوجود بالقوة الذي يمثله المركز.
 النقطة غياب وامحاء لأي ظهور للوجود، إنها تحقق معنى الغياب في الحضور، الغيب في الشهادة. والمركز خال من أي شيء ظاهر، فهو رمز للغياب وللسكون. وهناك أشكال تدور حوله في تلك الرسوم والرموز القديمة، فالدورة لها أشكال أي لها ظهور. ونلاحظ من خلال بعض الأشكال أنها لنساء او لإناث(ح)، فنستنتج أن الدائرة أنثى في مقابل المركز، الذكر. ولقد قلنا إن المركز يمثل الجوهر أو الوجود بالقوة في مقابل الدائرة التي تمثل العرض. فالرجل والمرأة جوهر وعرض.
إن أسلوب الكتابة العربية يعبر من خلال المربع أو النقطة والدائرة عن
العلاقة بين السكون والحركة، وهما يمثلان في رأي الأستاذ آل سعيد واقع الانسان البدوي في صحرائه إذ يجمع بين الاستقرار والحركة. ويستمدان من موقف الانسان المتنقل المستفز، الانسان البدوي المستضاف من الواحة والمحيط. إنها ترجمة لرحلة ايقاعية هي في أقصى مستوياتها رحلة دنيوية وأخروية معاً.(22) والعلاقة بين المربع والدائرة أو السكون والحركة، علاقة بين الموت والحياة أو الولادة، أو الموت والبعث والنشور. وهذا ينسجم مع فكرة الخصوبة المعروفة بسياقها المتكامل ما بين الولادة والموت ثم البعث والنشور. إن ظهور الخط الكوفي المربع في العراق والشام يرجح ـ كما يبين الاستاذ آل سعيد ـ معنى ازدهار الفكر الزراعي في مناطق وديان الأنهار التي كانت مهد الحضارات الزراعية الأولى. ولقد أوغل السومريون في استقرائهم للحياة الانتاجية في فكرة الخصوبة مكتشفين شكلها السرمدي في مدى تعاقب الحياة والموت عبر النظام التربيعي والشكل الدائري اللذين كان لهما دور مهم في تجسيد الفكر الخصوبي حتى أصبحا رمزين مهمين من رموز القوى المؤثرة في العالم النباتي، فكأنهما الشكل المادي لفكرة الخصوبة، فهما يعبران عن العلاقة المتكاملة بين الفصول وإيقاعها وتتابعها، (دورة) الفصول (الأربعة): الربيع والصيف والخريف والشتاء. وهذا مطابق للحياة الانسانية في تكاملها: الطفولة فالشباب فالكهولة فالشيخوخة. وقد تعبر هذه الرموز عن آمال ومخاوف، وانها تتصل بالعقيدة الدينية، فالدورة ترمز الى قوة الحياة الدائمة في كل المخلوقات التي تدور في حلقات لا نهاية لها.(23)
ولقد ظلت علامة الصليب المعقوف الوحدة الزخرفية الأساسية، أو لنقل ظلت ممثلة للمصطلح الشكلي نفسه لعصور ما قبل السلالات وفي دور سامراء وفي العصور الإسلامية، إذ تظهر العلامة نفسها وبصراحة عنصراً زخرفياً كما في الخط الكوفي المربع وفي نظام الأوفاق(خ).
وينتهي الأستاذ آل سعيد من استنتاجه للمعاني التي تعبر عنها هذه الرموز ومن خلال مقارنته ما بين الرسوم الفنية والزخارف والأشكال الخطية التي كان المربع والدائرة العنصر الأساسي فيها الى أنها تتفق من حيث المبدأ في النقاط الآتية:
1ـ هناك علاقة ما بين الوحدات المحيطية والمراكز.
2ـ إن اتجاه الحركة فيها هو من اليمين الى اليسار على العموم (عكس عقارب الساعة).
3ـ إن استخدامها يبدو استخداماً (دينياً سحرياً).(24)
واذا تقصينا ارتباط هذه الرموز _ التي عبر عنها الخط العربي والثقافة العربية والأسلامية _ بثقافة وفنون الهند والشرق الأقصى نجد أن الدائرة ذات الأشعاعات الاربعة أو الثمانية في الفن البصري في هذه الانحاء من العالم تمثل الطراز الاعتيادي للصور الدينية التي تستخدم وسائل للتأمل . ونجد الدائرة التجريدية مصورة في الفن المسيحي الاوربي، وهي ترمز الى ماذكرناه من معنى الكمال الانساني, فهي تمثيلات لذات الانسان منقولة الى مستوى كوني والى حقيقة مطلقة. تحيط برسوم السيد المسيح (ع) والقديسين المسيحيين هالات, وفي أحوال عديدة تكون هالة السيد المسيح مقسومة الى أربعة, وفي هذا رمز الى كليته. وعلى جدران الكنائس الرومانية القديمة يمكن رؤية اشكال مستديرة تجريدية أحيانا ويقال إنها قد تعود الى أصول وثنية. ومن الأمثلة المتميزة في الفن المسيحي صورة نادرة للسيدة العذراء(ع) في مركز شجرة مستديرة, هي الله . لكن الهالات التي تشيع كثيرا في الفن المسيحي هي تلك التي للسيد المسيح وهو محاط بالرسل الأربعة، ويذهب بعض الدارسين الى أنها تعود بتاريخها الى التمثيلات المصرية القديمة للإله حورس وأبنائه الأربعة.
وهكذا يرتبط رمز المربع برمز الدائرة في الرسوم الدينية ليرمزا الى الحقائق الأساسية للوجود , فأذا كانت الدائرة تشير الى الكمال الإنساني فإن رمز المربع يدخل معها ليشير الى الحقيقة الجوهرية العقلية والروحية التي يرتبط بها الوجودالإنساني ويتفاعل معها في سعيه الى الوصول اليها. ونجد هذين الرمزين يؤكدان هذه العلاقة في رسومات أخرى في تاريخ الفن الأوربي، فلدى بعض الطوائف والحركات التي قامت حوالي العام (1000) الميلادي كالخيميائيين يتجلى هذان الرمزان تعبيرا عن ارتباط الروح بالجسد، فقد دفع هولاء أسرار المادة وجعلوها الى جانب أسرار الروح السماوية للمسيحية. وما كانوا ينشدونه هو الكلية الشاملة لعقل وجسد الانسان. وقد ابتدعوا آلاف الأسماء والرموز لهما، وكان أحد رموزهم المركزية هو(تربيع الدائرة) وهو رمز الكلية واتحاد المتضادات . ولم يسجل الخيميائيون عملهم في كتابتهم حسب بل خلفوا ثروة من صور أحلامهم ورؤاهم في الكلمة والصورة. ويمكن أن يعد الرسام الفلمنكي هيرونيموس بوش من القرن الخامس عشر الممثل الأكبر لهذا النوع من الفن الخيالي .
وفي عصرنا الحاضر أصبح الرمز الهندسي أو التجريدي للدائرة يؤدي دورا مهما في الرسم لكن ليس على وفق الطريقة التقليدية للتمثيل ﺇنما مع عملية تحويل تنسجم مع معضلة وجود الانسان الحديث . وقد يمكن رؤية المثل على السطح الدائري غير المتناسق في أقراص الشمس المشهورة للرسام الفرنسي روبير ديلوني . وثمة لوحة للرسام الانكليزي الحديث سيري ريتشارد تحتوي على سطح دائري غير متناسق تماما, في حين تظهر في البعيد على يسارها دائرة فارغة وأكثر صغرا. وفي لوحة الفنان الفرنسي هنري ماتيس المعنونة حياة ساكنة ومزهرية كيوسين يكون مركز الرؤية كرة خضراء على شعاع أسود مائل يبدو أنها تجمع داخل نفسها الدوائر المتنوعة لأوراق الكيوسين. وفي هذه اللوحة يفصل مابين  الشكلين التجريديين(المربع والدائرة)_ اللذين كونا علاقة كلية في الفن القديم _أو يوصل بينهما بشكل غير مترابط, مع ذلك فكلاهما موجود فيها ويلمس كل منهما الآخر. وفي لوحة رسمها الفنان الروسي المولد فاسيلي كاندنسكي ثمة تجميع طليق لكرات ملونة أو دوائر تبدو منجرفة مثل فقاعات لصابون. وكثيرا ماتظهر الدوائر في صلات غير متوقعة في التركيبات الغامضة للفنان البريطاني بول ناش. وفي رسمه المسمى (حدود الفهم) يضع الفنان السويسري بول كلي الشكل البسيط لكرة او دائرة فوق بناء معقد من السلالم والخطوط. ومن المهم ملاحظة أن المربع او مجموعة المستطيلات والمربعات او المستطيلات وأشباه المعين قد ظهرت في الفن الحديث بقدر ما ظهرت الدائرة. ويعد الفنان الهولندي بيت موندريان أستاذ التراكيب المتناغمة مع المربعات. ومع ذلك فاللوحات الأكثر شيوعا هي لوحات رسامين آخرين ذات تراكيب رباعية غير منتظمة او مستطيلات عديدة مجمعة في مجموعة طليقة تقريبا. ومن الفنانين الذين تضـج رسومه بالأشكال الدائرية والمربعة الفنان الايطالي فكتور فازاريلي وهي تعبر عن حقائق كلية لاتنفصم (د). وقد تنفصم الصلة مابين هذين الشكلين الأوليين في انجازات الفن الحديث, فقد تكون موجودة أو غير موجودة أو طليقة أو عرضية. ويفسر بعض الباحثين هذا الفصل بأنه تعبير رمزي آخر عن حالة النفس لدى إنسان القرن العشرين الذي فقدت روحه جذورها وهو مهدد بالتفكك. لكن التكرار الذي به يظهر المربع والدائرة ينبغي ألا يهمل،  ويبدو أن ثمة حث نفسي مستمر لايصال المعاني الاساسية التي يرمزان اليها الى الوعي (25). ومن المعاني الأساسية للحياة والوجود التي يرمزان اليها في فننا الحديث ولدى فناننا الكبير الرائد جواد سليم جدل العلاقة بين الرجل والمرأة (وكنا قد نبهنا في رسوم بعض الفخاريات على أن الذي يقوم بالدورة هو المرأة). ففي لوحة جواد سليم (أطفال يلعبون) (ذ) نجد أن فكرة الأمومة فيها قد عبر عنها بهيئة الهلال والدائرة، فالشكل الذي وجده مطابقاً لمعنى الأمومة، هو الشكل الدائري أو مجزوءه. (ر) ولقد استندت رؤية جواد سليم الفنية الى ضرورة استثمار الشكل الهندسي سواء في مجال النحت أو الرسم كرسم أو نحت للدائرة ومجزوئها وللمربع، واتخاذهما أساساً للتعبير والرمز. ومن الممكن للمتتبع أن يجد لاهتمامه بهذا الموضوع بداية نجدها في أعمال كثيرة رائدة منها اللوحة التي تمثل صورة شخصية لزوجته لورنا في العام 1948. فأرضيتها تعتمد على شكلين مربعين أساسيين، في حين يعتمد بل ينفرد الشكل الإنساني بنسق من المساحات الدائرية تغذيه استدارة الرأس والذراعين من جهة وخطوط الرداء واتجاه القدمين من جهة أخرى. ومن الأعمال الأخرى التي تعبر فيها الخطوط الدائرية عن معناها الأنثوي، لوحة (قرويتان) (ز)، إذ يتخذ من الهلال والدائرة فيها أساساً للرمز، فضلاً عن التورية ما بين أشكال الدلال أو أواني طبخ القهوة العربية وجسد المرأة المكتنز.
ومن أعماله المهمة التي تتضمن التوفيق ما بين الأشكال المربعة والدائرية (وهي من نتائج بلوغه الذروة في موضوع أطفال يلعبون) موضوع (كيد النساء)، وفيه نكتشف تحويراً رائعاً للرموز تمشياً مع مضمون العمل الفني، حيث يظهر الدولاب (رمز المسكن أو المرأة) وهو المكان الذي تسجن فيه المرأة اللعوب عشاقها كما تقول الحكاية المقتبسة في العمل الفني عن ألف ليلة وليلة، مرسوماً بوساطة المساحات المربعة (الرمز الذكري وليس الأنثوي) ولعله في ذلك يشير الى معنى آخر للمربع وهو الغياب أو الكمون، والسجن كمون وضد الظهور أو الخروج. ويظهر الرجال وهم  الذين وقعوا تحت رحمة المرأة مرسومين بأشكال دائرية (والدائرة ومجزوئها كما أوضحنا رمز أنثوي وليس رمزاً ذكرياً) ولعله هنا أراد أن يشير الى هيمنة الكيان الدائري (المرأة) على الكيان الرجولي فتشكل بشكله. إن المتتبع لاهتمامات الفنان في بحثه لموضوع الأمومة بجميع تفاصيله يجد لديه حرصاً على التنسيق ما بين الأشكال الدائرية والمربعة. وتمثل لوحة (أطفال يلعبون) الذروة والانطلاق معاً في اكتشاف الفنان لمفتاح رؤيته في العام 1953، تلك اللوحة التي يمكن أن نعدها البديل لمنحوتته الرائعة (نصب الحرية). في هذه اللوحة تتداخل الأشكال الدائرية والمربعة بصورة متقنة ودقيقة غاية الدقة، نستطيع معها أن نشعر بفحوى التوازن المنقطع النظير ما بين الخطوط المستقيمة والمنحنية وما بين الأشكال الهندسية ذوات الزوايا أو الخالية من الزوايا، بحيث يعبر لنا هذا التوازن عن إحساس الفنان المرهف بأنتقائية لا تعكس ذوقه الشخصي حسب، بل موقفه الحضاري أيضاً. إن تداخل الأشكال يعلن لنا عن وعي مفعم بالعدالة والاتزان وينم على صميم (فلسفة) جواد سليم و(إيمانه) بمعنى تكامل الوجود. فلوحاته تعبر عن قيم منطقية وفكرية، فاستخدام جواد سليم استخدام فكري أو فلسفي، وهو استخدام ينطوي على ما أقدم عليه سلفه الفنان السومري، وهو يهتدي في حالة الشعور واللاشعور الى ازدواجية أو جدلية الشكلين المربع والدائري، والى تكامل الخطوط المستقيمة والمنحنية(26).
لقد أشار الفنان شاكر حسن آل سعيد الى أن العلاقة بين المربع أو النقطة والدائرة ترتبط بالفكر الديني قبل الاسلام وبعده. وأشار الى ارتباطها بالمتصوفة، واستخدم تعبير الكشف الكرامي أو الروحي أو الغيبي وسيلة في اتصال المعرفة بما تعنيه هذه العلاقة الجدلية. وعبر مرة بالتخاطر الاجتماعي وأنه وسيلة استمرار هذا النسغ الذي يجده يتخلل الفكر الانساني منذ عصر الفنان الرافديني القديم وحتى عصور متأخرة، بل وحتى العصر الحاضر لدى جواد سليم ولديه ولدى آخرين(27). فالفكر الرافديني القديم (السومري، الأكدي، الخ..) كان يدرك هذه المعرفة التي تعبر عنها الرموز قديماً، وكان يستخدمها وسيلة للأيصال، وهي تعبر عن حالة ذهنية هي مزيج من الانفعال الحسي والعقلاني، وعن عملية ارتباط فكري ما بين الطبيعة وما وراء الطبيعة.
ومن الظواهر الفنية الأخرى التي عبر بها الانسان عن وعيه بهذه الرموز فن العمارة ففي العمارة تشكل هذه الرموز التصميم الأساسي للأبنية المقدسة والدنيوية في كل الحضارات تقريبا. وهي تدخل في تخطيط المدن الكلاسيكي والقروسطي وحتى الحديث. ويظهر المثل الكلاسيكي في وصف بلوتارخ لأنشاء روما. فاستنادا الى بلوتارخ أرسل رومولوس في طلب البنائين من ايتروريا فأخبروا بالأعراف المقدسة والقواعد المكتوبة لجميع الشعائر التي ينبغي العمل بها بالطريقة نفسها (كما في الأسرار). حفروا اولاحفرة مستديرة حيث تنتصب الآن قاعة الاجتماع . وفي هذه الحفرة ألقوا بقرابين رمزية من فاكهة الأرض. وقد أعطيت الحفرة اسم موندوس وهو اسم كان يعني الكون كذلك. ورسم رومولوس حول الحفرة حدود المدينة في دائرة بوساطة محراث يجره ثور وبقرة .فكانت المدينة التي أسست على وفق هذه الشعيرة الجليلة دائرية الشكل, ولكن الوصف القديم والمعروف لروما هو (المدينة المربعة). ونفهم من إحدى النظريات التي حاولت تسوية هذا التعارض أن المدينة المدورة كانت مقسومة الى أربعة اجزاء بطريقين رئيسين يمضيان من الشمال الى الجنوب ومن الغرب الى الشرق. وكانت نقطة التقاطع تتطابق مع الموندوس الذي ذكره بلوتارخ. واستنادا الى نظرية أخرى فأن التعارض لايمكن أن يفهم الا بوصفه رمزا(تربيع الدائرة) وهو الرمز الذي شغل اليونانيين كثيرا. إن بلوتارخ قبل ان يصف شعيرة الدائرة في تأسيس رومولوس للمدينة تكلم أيضا على روما بكونها مدينة مربعة. فبالنسبة له كانت روما مدورة ومربعة معا. ولقد كانت أكثر من مظهر خارجي، إنها بتصميمها الأساسي المندالي وبسكانها قد رفعت فوق العالم الدنيوي المحض. ويؤكد هذا حقيقة أن للمدينة مركزا(موندوس) أسس علاقة المدينة مع العالم الآخر (مقام أرواح السلف). كان الموندوس مغطى بحجر كبير يدعى بـ(حجر الروح) وهذا الحجر يزاح في أيام محددة وبعدها  ـ كما قيل ـ تصعد أرواح الموتى من الحفرة .
ولقد أقيم عدد من المدن القروسطية على هذا التصميم الأساسي وأحيطت بجدار دائري تقريبا. وفي مدن كهذه كما في روما كان ثمة طريقان رئيسان يقسمانها الى (أرباع) ويقودان الى أربعة أبواب. وكانت الكنيسة تقوم على نقطة تقاطع هذين الطريقين. لقد جاء إلهام المدينة القروسطية بأرباعها من القدس السماوية( في رؤيا يوحنا) التي كان لها تصميم أساسي مربع وجدران باثني عشر بابا. لكن القدس ليس لها معبد في مركزها لأن حضور الله المباشر هو مركزها.(28)
وكما في تخطيط روما وغيرها من المدن القديمة في أوربا وغيرها من مناطق العالم، كان التصميم الذي يستلهم رمز المربع والدائرة مؤثرا في تاريخ العمارة الاسلامية والعربية. ويتضح هذان في تخطيط مدينة بغداد المدورة حول المركز المربع (س), فلقد اكد في هندستها هذان الشكلان،  فلها أربعة أبواب، وقسمت على أربعة أرباض. وقسم الربض على أربعة أرباع، وهكذا .. وقد يكون الذين أشرفوا على تخطيطها وهندستها قد استوحوا هيئة الكعبة المشرفة او استندوا الى أفكار دينية. ويقال إن من هؤلاء حفاظ القرآن الكريم وبحضور المنجمين (29).
لم يكن التصميم الأساسي المندالي سواء في التأسيسيات الكلاسيكية أم البدائية يملى لاعتبارات جمالية او اقتصادية فقط، إنما كان تحويلا للمدينة الى مكان مقدس يرتبط بمركزه مع العالم الآخر. وهذا التحويل يتفق مع المشاعر والحاجات الأساسية للانسان المتدين. ويجد علماء النفس تلامذه يونج أن هذا التصميم في كل بناية مقدسة أو دنيوية إنما هو اسقاط لصورة نمطية عليا من داخل اللاوعي الانساني على العالم الخارجي فتصبح المدينة والحصن والمعبد رموزا ذات كلية نفسية. وبهذا تمارس ثأثيرا خاصا على الكائن البشري الذي يدخلها أو يعيش فيها. إن اسقاط المحتوى النفسي عملية لا واعية في فن المعمار كما يبين يونج، فأمور كهذه تنمو من الأعماق المنسية، وتعبرعن الاستبصارات الأعمق للوعي والحدوس الأسمى للروح. وهكذا (تملغم) فرادة الوعي في الوقت الراهن بالتاريخ الغابر للانسانية.
إن المندالا ليست الرمز المركزي في الفن المسيحي، بل الصليب أو المصلوب . والى حد العهود الكارولنجية كان الصليب المتساوي الأضلاع أو الإغريقي هو الشكل المعتاد(ش). ولهذا كانت المندالا متضمنة فيه بشكل غير مباشر. ولكن مع مضي الزمن تحرك المركز الى أعلى الى أن اتخذ الصليب الشكل اللاتيني بالوتد والعارضة المتقاطعة، وهو المألوف اليوم. هذا التطور مهم لأنه ينسجم مع التطور الداخلي للمسيحية حتى ذروة القرون الوسطى. لقد كان يرمز الى الميل لنقل مركز الانسان وإيمانه من الأرض ولتصعيده الى العالم الروحي . وهذا الميل ناشئ عن الرغبة في وضع مقولة المسيح موضع التطبيق: ”مملكتي ليست من هذا العالم“ . لهذا السبب كانت الحياة الدنيوية والعالم والجسد قوى ينبغي قهرها. لقد وجهت آمال الانسان القروسطي بهذا الشكل الى الآخرة, لأن وعد الانجاز كان يومئ من الفردوس وحدها. ولقد وصلت هذه المحاولة الى ذروتها في القرون الوسطى وفي الصوفية القروسطية. لقد وجدت آمال الآخرة تعبيرا لها ليس في تصعيد مركز الصليب حسب, إنما في العلو المتزايد للكاتدرائيات الغوطية التي يبدو أنها تضع قوانين الجاذبية موضع تحد.
ومع بدء النهضة بدأ تغيير ثوري يطرأ على مفهوم الإنسان عن العالم . إن الحركة الى أعلى التي وصلت ذروتها في القرون الوسطى المتأخرة مضت الى العكس , لقد ألتفت الانسان الى الأرض وأعاد اكتشاف جمال الطبيعة والجسد وتزايد حجب الشعور الديني واللاعقلانية والصوفية بانتصارات الفكر المنطقي وأصبح الفن اكثر واقعية وحسية وانفلت من عقال المواضيع الدينية وتقبل كل العالم المرئي(30).

رمز (المربع والدائرة) في فكر المتصوفة وأدبهم:

ليست التجربة الصوفية في إطار اللغة العربية، مجرد تجربة في النظر، وإنما هي أيضاً، وربما قبل ذلك تجربة في الكتابة، إنها نظرة أفصح عنها الشعر وزناً ونثراً، فضلاً عن لغة البحث النظري والشرح. فهي حركة إبداعية وسعت حدود الشعر مضيفة الى أشكاله الوزنية، أشكالاً أخرى نثرية، نجد فيها ما يشبه الشكل الذي اصطلح على تسميته في النقد الشعري الحديث، بـ"قصيدة النثر". وبدءاً من هذه الكتابة كان ينبغي أن يتغير مفهوم الشعر داخل النقد العربي، وأن يؤسس لمنظور جديد في تحديد الشعر وفهمه، لكن هذا لم يحدث. وكان على الكتابة الصوفية أن تنتظر أكثر من عشرة قرون لكي تجد قلة، ما تزال نادرة، تكافح من أجل قراءتها وفهمها بشكل جديد.
وإنها لمفارقة أن تلجأ الصوفية بوصفها تجربة في البحث عن المطلق،
لكي تعبر عن أعمق ما فيها، الى الشعر، وهو المقصى تقليدياً عن مقاربة المطلق ومعرفته. أليس في ذلك ما يدل على رفضها طرق التعبير الديني ـ الشرعي، التي ترفض الشعر وتضع حداً فاصلاً نقيضاً بينه وبين الدين خصوصاً على الصعيد المعرفي؟.. لقد رأت الصوفية في الكتابة الشعرية الوسيلة الأولى للافصاح عن أسرارها، ورأت في اللغة الشعرية وسيلة أولى للمعرفة. وفي هذا نرى استمراراً لما قبل الاسلام والوحي، واستعادة للعلاقة الوثيقة بين الشعر والغيب. لقد استخدم الصوفيون في كلامهم على الله والوجود الإنساني، الفن: الشكل، الأسلوب، الرمز، المجاز، الصورة، الوزن، القافية. والفن لا يفصح عن المطلق كما يفصح عنه الفكر الديني، الذي هو مرحلة تتقدم على الفن وتتجاوزه في مستوى التعبير والافصاح، كما يبين هيجل. أي إن الصوفيين اتخذوا وسيلة أكثر تعمية في التعبير، لأنهم يقصدون التعمية ولا يقصدون الافصاح. وهم يعمدون الى ما هو أكثر تعمية حتى في نطاق التعبير الفني، فهم يعبرون بلغة الغموض لا الوضوح. ولذلك كانت لغتهم مستعصية على القارئ الذي يدخل اليها معتمداً على ظاهرها اللفظي. بعبارة ثانية يتعذر الوصول الى عالم التجربة الصوفية عن طريق عبارتها، فالإشارة لا العبارة هي المدخل الرئيس. وإن شعرية اللغة الصوفية تتمثل في أن كل شيء يبدو رمزاً.. كل شيء فيها هو ذاته وشيء آخر. الحبيبة مثلاً هي نفسها وهي الوردة، او الخمرة أو الماء او الله، إنها صور الكون وتجلياته. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن السماء أو الأرض. فالأشياء  في الرؤية الصوفية متماهية متباينة، مؤتلفة مختلفة، وهي في ذلك تتناقض مع اللغة الدينية ـ الشرعية حيث الشيء هو ذاته لا غير. بهذه اللغة تخلق التجربة الصوفية عالماً داخل العالم، تتكون فيه مخلوقاتها، تولد وتنمو، تذهب وتجيء، تخمد وتلتهب. وفي هذا العالم تتعانق الأزمنة في حاضر حي. إن اللغة الشعرية الصوفية تناقض اللغة الدينية ـ الشرعية من حيث أن هذه تقول الأشياء، كما هي، بشكل كامل ونهائي، بينما اللغة الصوفية لا تقول الا صوراً منها، ذلك أنها تجليات المطلق، تجليات لما لا يقال، ولما لا يوصف ولما تتعذر الإحاطة به. فما لا ينتهي لا يعبر عنه إلا ما لا ينتهي، والكلام منته، والمتكلم هو كذلك منته. ستظل قدرة الكلام، إذن إشارية، رمزية، وسوف يظل القول الصوفي شأن القول الشعري مجازاً، ولن يكون حقيقة كمثل القول الديني الشرعي. وهي لغة تختلف عن اللغة الدينية الشرعية من حيث أن هذه في جوهرها لغة إفهام وتوصيل، بينما الاولى هي في جوهرها لغة حب، والحب هو كذلك لا يقال بل يعاش. تقال صور منه، لكنه في ذاته كمثل المطلق، عصي على القول، ذلك أنه خارج طور او حدود العقل والمنطق، أي خارج حدود الكلام، وليس الشعر إلا محاولة الإنسان أن يقول ـ مجازاً ورمزاً ـ ما لا يقال. وهو بوصفه كذلك لا يحده العقل أو المنطق. لا يمكن للقصيدة إن كانت شعراً حقاً أن تندرج في إطار المعقولية المنطقية. فالقصيدة كمثل الشيء الذي تقوله، لا تفهم ولا تشرح بشكل يستنفدها نهائياً. ما يفهم منها يضيئها ولا يستنفد ما تنطوي عليه. هكذا يجد كل قارئ في القصيدة الواحدة قصيدته الخاصة، وهذا هو الشأن في الكتابة الصوفية. لكن لماذا يحاول الانسان أن يقول ما يعرف أنه لا يقال؟.. ربما لأن الانسان يظل في توق الـى ما يجهله.. ربما لكي يخلق تطابقاً أو تماهياً بينه وبين المطلق، ولكي يشعر أنه يعيش في كون لا ينتهي، وأنه كمثل الكون لا ينتهي، ربما لكي يقول ليس هناك اثنان بل واحد. ومن هنا، وفي هذا بالضبط، تختلف اللغة الصوفية عن اللغة الدينية الشرعية، في أن الأولى تصدر عن تجربة يعيشها المتصوف بوصفها محاولة لتحقيق ذلك التماهي مع المطلق بينما تصدر الثانية عن تجربة في الوصف والتشريع تؤكد الانفصال والبعد الكاملين عن المطلق.
اللغة الصوفية تحاول التماهي مع المطلق، وهي في ذلك ليست وصفاً، بل هي ضوء يخترق ويكشف، إنها اتجاه نحو المجهول، وبهذا المعنى تولد صدمة، وتستدعي حساسية جديدة. وهذا يقودنا الى أن ندرك كيف أن الشعر في التجربة الصوفية، لم يعد أدباً بالمعنى المصطلح عليه، وإنما أصبح تساؤلاً حول جوهر الانسان والوجود ورغبة في تغيير صورة العالم. ونحن إذ نتناول الأدب الصوفي فإن أهميته لا تكمن بالنسبة الى البحث في قيمته الابداعية، بل بقيمته الاعتقادية وبرؤيته الفلسفية، وفي الطريقة المعرفية التي شكلها أو نهجها للتعبير عن هذه المعرفة أو الاعتقاد. إنها تكمن في الحقل المعرفي الذي أسست له التجربة الصوفية، وفي الأصول التي تولدت عنه، وهي أصول خاصة ومختلفة للبحث والكشف. لقد أعادت قراءة التراث الديني، وأعطته دلالات أخرى وأبعاداً أخرى تتيح نظرة جديدة الى اللغة، لا اللغة الدينية وحدها، بل اللغة بوصفها أداة كشف وتعبير. لقد تجاوزت الصوفية تراث (القوانين)، لكي تقيم تراث (الأسرار)(31).
في بحثنا هذا نتجاوز الحديث عن الأبعاد الإبداعية  للغة الأدب الصوفي، لنكشف عن (الأسرار) المعرفية التي حاول الكشف عنها أو التماهي معها ليجليها في اللغة. فبحثنا محاولة للتماهي مع المجهول ـ وعبر رمز المربع والدائرة، او النقطة والدائرة ـ الذي حاول من خلاله المتصوفة رفع حجب الغيب، وإسدال هذه الحجب في الوقت نفسه، الا عن الخاصة الراسخة في العلم الإلهي، نحن نحاول أن نرفع الحجب لكي نتيح لمعرفة عامة نطل منها على ما أطل عليه المتصوفة من عوالم الغيب.
يعبر هذا الرمز كما قلنا عن رؤية وعن فلسفة ترتبط ـ فيما ترتبط ـ بالفكر الديني، أي انها الفلسفة الدينية للكون كما أوحت بها النبوات منذ القديم وعلى امتداد تاريخها وتاريخ الانسان. والفكر الصوفي الذي ارتبط هذا الرمز به ـ وكما الفكر الفلسفي الاسلامي متمثلاً بفرق وعقائد اسلامية أخرى ـ يعبر عن فلسفة دينية هي محاولة لاستخلاص المعرفة من الدين. فالمتصوفة لا يستمدون من معرفة وجدانية فقط يكشفون بها الحجب الغيبية فيعرفون، وإنما هي معارف عقلية ودينية توحي بها الأديان. فلقد عبر الدين برمز المربع والدائرة متمثلاً بالكعبة المشرفة، لكن المتصوفة ينفذون من هذه المعرفة الى الباطن، يتجاوزون الظاهر الى الكامن، يعيشون هناك في الخفاء، ثم يتجلون الى عالم الظهور، ليجلّوا عن معرفة تمزج الظاهر بالباطن أو تمتحن الظاهر بالباطن، معرفة ربوبية لا تتاح الا لفئة خاصة من المتفكرين الراسخين في العلم:

علم التصوف علم لا نفادله
 
علم سني سماوي ربوبي

فيه الفوائد للألباب يعرفها

أهل الجزالة والصنع الخصوصي(32)


فالمعرفة التي يمتلكها المتصوفة معرفة دينية ربوبية، أخذوها مما نزل به الوحي على الأنبياء ونفذوا منها الى بواطنها وتفكروا فيها، فعبروا عنها بتراثهم الفكري وبأدبهم، كما عبر عنها الفنان الرافديني القديم مستلهماً النبوات القديمة من بعض ما استلهم.
والذي نلاحظه أن هذه الرموز تتصل بالأعداد. وقد احتفت المعرفة الدينية بعلم الحروف والأعداد، وهذا نجده لدى المتصوفة وكذلك لدى غير المتصوفة من الفرق والمذاهب التي تصدر عن المعرفة الدينية. فقد كان للعدد في علومهم منزلة مهمة كما كان له ذلك في الفلسفة اليونانية(33). وتمثل هذا الاهتمام بعلم الحروف (الجفر). وممن اهتم بالأعداد أخوان الصفا . وقد نظروا في طبيعة العدد، فوجدوا أن لكل عدد خاصة ليست لغيره. ثم وجدوا أن كل نوع من الموجودات قد اقتصر على عدد مخصوص. ولما بحثوا طبيعة هذا وجدوا تطابقاً بين الطرفين، ولهذا قالوا إن الموجودات بحسب طبيعة العدد، ومن عرف ذلك ظهر له اتفاق الحكمة في كون الموجودات على أعداد مخصوصة(34)، فهناك تماثل بين الأعداد ومخلوقات الكون: ((ما من عدد من الأعداد الا وقد خلق الباري جل ثناؤه جنساً من الموجودات مطابقاً لذلك العدد قل أو كثر))(35) وقد كانوا يربطون أو يوازنون بين الأعداد والأفلاك: ((وكون الكواكب السيارة سبعة مطابق لأول عدد كامل))(36) ويرون أن الحكماء السابقين رتبوا الأعداد آحاداً وعشرات ومئات وألوفاً لتكون مراتب الأمور الطبيعية مطابقة للأمور الروحانية، فأيام العمر فصول أربعة: الصبا والشباب والكهولة والشيخوخة. ومراتب الأعداد الأربع هي: آحاد وعشرات ومئات وألوف. ويذهبون الى أن في معرفة العدد معرفة وحدانية الله تعالى، ذلك أن علم العدد مركوز في النفس بالقوة. وقد ذكروا العدد مقترناً بالفيض لأن العدد فيض كما يقولون. وبينوا مراتب الفيض مقترناً كل منها بعدد معين. فالأول كالاثنين، والنفس كالثلاثة، والهيولى كالأربعة، والطبيعة كالخمسة، والجسم كالستة، والفلك كالسبعة، والأركان كالثمانية، والمتولدات كالتسعة. وهناك أشياء ثنائية وأخرى ثلاثية وغير ذلك. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فليس من الصواب أن تكون كلها ثنائية أو ثلاثية. ولكن اخوان الصفا لم يوضحوا تأثير الحروف في الكون مثلما نجده لدى الحروفيين وغلاة المتصوفة. وكانت هنالك جماعات تهتم بعدد دون غيره كالمسبعة الذين أوقفوا حياتهم على التعمق في الكشف عن الأشياء السباعية فلما تبين لهم منها أشياء عجيبة شغفوا بها وأغفلوا سواها من الأعداد. وهنالك الطبيعيون الذين أطنبوا في بحث الطبائع الأربعة وكل مربعات الأمور. ومثل هؤلاء الخرمية في المخمسات والهنود في المتسعات(37).
لقد اهتم الفكر الاسلامي بالعدد، وكان العدد يشير الى أفكار فلسفية للكون والأشياء ويصدر عن معرفة دينية. ونحن نريد أن نعرف ما تعنيه الأعداد التي ارتبطت بها الرموز التي نكتب عنها. لكي نعرف ما ترمز اليه النقطة وما يرمز اليه المربع الذي اقترن بالرقم (4)، وما ترمز اليه الدائرة التي اقترنت بالرقم(7) في فكر المتصوفة وغيرهم. نريد أن نعرف ما هي الأفكار التي عبرت عنها هذه الأرقام والرموز التي ارتبطت بها، لنتبيّن هذه الرموز الفنية معرفياً، نعرف المعرفة الكامنة وراء هذه الرموز التي عبر بها الفن والأدب(38). وسنجد أن العلاقة بين ثنائية المربع والدائرة تنضوي تحتها أو تتصل بها كل العلاقات بين الثنائيات العامة التي سبق أن تحدثنا  وبحثنا عنها في هذه العلاقات والمبادئ أو القوانين الجدلية التي تتصل  بها. فنحن إذن نريد تأكيد تلك الأفكار من خلال علاقة جدلية أخرى، عامة، مطلقة، ارتبطت بالفكر الديني وعبرت عنه، ونخص منه فكر المتصوفة. فلقد عبر شعر المتصوفة ونثرهم من خلال هذه الرموز، وطالعتنا من خلال أدبهم وارتبطت بفلسفتهم العامة. ونريد أن ننوه قبل هذا بأننا أشرنا الى أن المربع قد عبروا عنه من خلال النقطة، وأنها قد تبدل في رسمها على الحروف بشكل المربع أو المعين. فما دلالة المربع أو النقطة في الفكر الصوفي أو الاسلامي؟..
قيل عن العدد(4) بأنه سيني، والسين يشير الى الروح القدس، الى جانب الروح(39). فالعدد(4) يرتبط بعالم الأرواح وما وراء الطبيعة: ((الأربعة هي الألهيات التي ظهر عنها عالم الأرواح الخارج عن الطبيعة))(40). وعلى أساس عالم الأرواح يقام عالم الموجودات، ولهذا فسر على أساس الرقم(4) قيومية الأشياء(41). فالتربيع أو الرقم (4) مخصص للوجود في فكر ابن عربي، وان الوجود يقوم على التربيع، وعليه يقوم كيان المخلوق(42): (( فأقام الوجود على التربيع وجعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان، فإنه الأول والآخر والظاهر والباطن))(43). وهنا نربط بين معنى المربع والدائرة في الفكر الصوفي وبعض دلالاتها في القرآن الكريم والفكر الاسلامي، فإذا كان الرقم يمثل روح الموجودات فإن الرقم (4) يمثل روح الوجود، فابن عربي يقول انه تعالى أقام الوجود على التربيع وجعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان، ونحن نعرف أن بيت الله وهو الكعبة المشرفة أقيمت على أربعة أركان فكانت مربعة الشكل أو مكعبة (ص). والله هو (الباطن) كما وصف نفسه، فهي بيت الله الذي هو الباطن. وحول مركز هذا البيت (المستقر)، هناك حركة (دائرية) وعددها سبعة.ولقد شخصوا الكعبة بشخص الانسان الكامل الذي عبروا عنه بأنه النقطة والمربع والدائرة(44).
وقد أكد الحلاج على مسألة كون اسم الجلالة من أربعة أحرف، وهو يشقّق لفظ الجلالة ويفصل القول على كل حرف فيه على عادة الصوفية:

أحرف أربع بها هام قلبي

وتلاشت بها همومي وفكري

ألف تألف الخلائق بالصنـ

ـع ولام على الملامة تجري

ثم لام زيادة في المعاني

ثم هاء بها أهيم وأدري(45)

ومن أسرار الرقم (4) في القرآن الكريم، مما يؤكد ارتباطه بالوجود الباطن أو الكامن، أن النبي ابراهيم عليه السلام عندما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، أمره الله أن يأخذ أربعة من الطير، ويصنع بهن كما أمره بإماتتها ووضع كل جزء منها على جبل ثم دعوتها وإحياء الله لها (سورة البقرة، الآية260). فالموت اقترن بالرقم(4). وهو كذلك في عقائد بعض الشعوب، والموت هو وجود كامن يختفي فيه وجودنا الظاهر. ويحتفظ هذا الرقم في الأحلام في بعض دلالاته بما ذكرنا من معنى الموت الذي هو ذهاب الى عالم الأرواح، عالم الكمون وعدم الظهور. ومن ارتباط الموت بالرقم(4) في القرآن الكريم أن الله تعالى أنزل الموت بثمود في اليوم الرابع بعد توعد نبيهم صالح لهم بأن يتمتعوا ثلاثة ايام فقط، وفي اليوم الرابع أنزل عليهم الموت فأصبحوا في ديارهم جاثمين ـ سورة هود، الآية65ـ. وأنزل سبحانه الموت على عاد بعد تكذيبهم نبيهم في (يوم نحس مستمر) ـ سورة القمر، الآية19ـ وهذا اليوم تفسره بعض التفاسير بأنه يوم الأربعاء. ومن ارتباط الموت بالرقم (4) كذلك يقال إن الأمام علي عليه السلام ـ والذي تأثرت به ظاهرة التصوف ـ قال لمن معه قبل موته أن يحفروا له أربعة قبور في أربعة مواضع. ولقد أصبح قبره أكبر مقبرة في العالم، أي اكبر تجمع للوجود الكامن في العالم، والوجود الكامن يقترن بالرقم(4) كما قلنا. والغريب في قصة هذا الأمام العظيم أنه ولد في الكعبة المربعة، ومدة حكمه تتصل بالرقم(4) وهو الابن الرابع من أربعة أبناء لأبي طالب، واسمه يتكون من أربعة حروف، ولربما أدرك من كتب اسمه بالكوفي المربع هذه العلاقة بين اسمه أو حقيقته التكوينية وبين نوع الخط (ض). وإذا كان الرقم(4) يعني الوجود الباطن، فإن الإمام علي(ع) يقول في خطبة (البيان): (أنا باطن الصور(46)).ومن اقترانه كذلك بالرقم(4) أن السماء الرابعة سماها الله مكاناً علياً(47)، وقالوا عنها كذلك: ((السماء الرابعة وهي قلب العالم وقلب السموات.. وأسكن(الله) فيها قطب الأرواح الانسانية، وهو ادريس عليه السلام))(48)، وقد قال تعالى عنه: ((ورفعناه مكاناً علياً)) ـ سورة مريم، الآية57ـ وقالوا إن في السماء الرابعة ملك جالس على كرسي هو مغناطيس الأرواح وجامعها بعد انبثاثها في الصور(49) وإن ((ساق العرش الرابعة عند جنة المأوى))(50). ومن هذا الارتباط لهذا الرقم بالوجود الكامن أو بالموت، أن القبور تتخذ في الواقع والرمز الشكل المربع (ط) ونحن نعرف أن الاهرامات وهي قبور الفراعنة تتصل هندستها به، فقاعدة الهرم مربعة وله أربعة أوجه. وكانوا يعتقدون بحياة أخرى، فالموت في عرفهم حياة كامنة أو وجود كامن. وللمربع الذي يرمز الى الوجود الكامن علاقة بالدائرة التي ترمز الى الظهور أو البعث والتي تمثلها الشمس التي كانوا يعبدونها، ولهندسة الاهرامات علاقة بالشمس.
وهناك علاقة بين الرقم(4) والإنسان الكامل في الفكر الاسلامي وهو الذي يظل مغيباً أو كامناً حتى نهاية الزمان، فقد قسم صدر الدين القونوي الوجود الى أربعين مرتبة، والأخيرة هي مرتبة الانسان الكامل(51) الذي وصفوه بصفات الوجود الروحي أو الوجود الكامن، فهو(الهيولى) و(أصل الجوهر الفرد) و(المادة الأولى) و(الروح الكلي) و(روح العالم) و(العقل الأول) و(الإنسان الأزلي) و(عين الجمع والوجود) و(الحقيقة الكلية) و(نور محمد)(52).
والمربع تقابله النقطة ـ كما ذكرنا ـ وتعبر عن الأفكار التي عبر عنها، وقد ذكروا أن من جاوز مداها حاز مطلق العلم(53):

بين التذلل والتدلل نقطة

فيها يتيه العالم النحرير

هي نقطة الأكوان إن جاوزتها

كنت الحكيم وعلمك الاكسير

يادرة بيضاء لاهويتة

قد ركبت صدفاً من الناسوت

جهل البسيطة قدرها لشقائهم

وتنافسوا في الدر والياقوت(54)


فهي الحقيقة ووسط الدائرة: ((والدائرة ما لها باب، والنقطة التي في وسط الدائرة هي الحقيقة. ومعنى الحقيقة شيء لا تغيب عنه الظواهر والبواطن ولا تقبل الأشكال. فإن أردت فهم ما أشرت اليك(فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك) لأن الحق لا يطير))(55).
فهي الحقيقة، وهي لا تقبل الأشكال، أي انها جوهر، وقد ارتبط حديث الحلاج عنها بالحديث عن (أربعة من الطير). ولأنها جوهر، فإن الكل مندرج فيها(56)، فلقد ذهب المتصوفة الى أن جميع أرواح البشر مجتمعة في الوجود الكامن وأنها تخرج على مراحل الى عالم الظهور. ولأنها كذلك فهي لا تفنى ولا تتغير: ((وأدق من ذلك ذكر النقطة، وهو الأصل، لا يزيد ولا ينقص ولا يبيد))(57) وهي المركز وينبوع النور وغاية الأشياء، وأصل الأصول الداعي كل شيء بعوده الى أصله، وعين القطب وسر التجلي: ((ثم كشف لي عن مركز نقطة الفيض لمدد الحافين، فرأيت ينبوعاً فياض النور ظاهراً من عين القطب الغوث. ثم قال لي: هذا أصل الأصول وغاية كل مأمول في الحس، هذا سر تجلي الاسم الظاهر الباطن، الأول والآخر..هذا العين الباصرة منه في الاشياء. الداعي كل شيء بعوده لأصله))(58). فالنقطة هي سر التجلي ومحل الفيض وبها ظهر الوجود(ظ). وقيل إن نقطة الباء تشير الى وجود العالم فبها ظهر الوجود، وإن الانسان الكامل هو النقطة تحت الباء ومحل الفيض(59). ويذكر للأمام علي(ع) قوله: (أنا نقطة باء باسم الله). وللشبلي قوله: أنا النقطة تحت باء الحرف(60). ونجد من المصطلحات التي ترادف مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي أنه (مركز الدائرة(61)) أي النقطة التي تحتل هذا المركز أو المربع.وانه انسان عين الوجود أي مركزها. ونعيد الى الأذهان صورة العين على فخاريات دور سامراء، ((إن ضرباً من وحدة الوجود العقلية الإسلامية قد انتهى في عهد متأخر الى تكوين تصور (للانسان الكامل) على أساس أنه انسان عين الوجود. وهذه العين هي النبي محمد (ص) هي النور النبوي الأزلي الذي يقال إن الله قال لها: (كوني! فلولاك ما خلقت السموات))(62) إن النقطة والمركز في فؤاد القطب المحمدي(63).
لقد عبر الشعر الصوفي عن كل هذه الأفكار، فالنقطة أو مركز الدائرة هي محل الوجود الكامن، قال الحلاج:

يا طالما غبنا عن أشباح النظر

بنقطة يحكي ضياؤها القمر(64)

وهي مدار الشيء وسر دورة الأفلاك وعلتها وقطبها، يقول ابن الفارض:
فبي دارت الأفلاك فأعجب لقطبها ألـ

محيط بها، والقطب مركز نقطة

ولا قطب قبلي عن ثلاث خلفته

وقطبية الأوتاد عن بدلية

فلا تعد خطي المستقيم فإن في الـ

زوايا خبايا، فانتهز خير فرصة(65)

ويلاحظ أن الشاعر يدعي لنفسه كونه القطب الرابع عن ثلاث خلفها. والأوتاد المذكورة في البيت هي المنازل الرئيسة بين الاثنتي عشرة منزلة من منطقة البروج(66).
ولعظم مكانة النقطة، ولنقطة الباء  خاصة يبين ابن الفارض أن (الخفضة منها) (ترفع) الى ما لا ينال بجهد:

ولو كنت بي من نقطة (الباء) خفضة
        رفعت الى ما لم تنله بحيلة(67)

وحول هذا المربع أو النقطة هنـاك دائـرة، ولقـد احتفـت الصوفية
((بالدائرة من بين الأشكال المختلفة لما تتضمنه في زعمهم من كمال وتمام يظهره ما فيها من عود على بدء. وقد ذكر ابن عربي شيئاً عن الشكل الدوري في كتاب(التدبيرات الإلهية ) وأشار اليه في الفتوحات في حديثه عن اختلاف الشرائع لاختلاف النسب الإلهية، واختلاف النسب الالهية لاختلاف الأحوال.. فعاد الى ما بدأ منه بدءاً مبرراً تطابق البداية والنهاية بأن كل جزء من الأمر الدوري يقبل بالفرض الأولية والآخرية وما بينهما، ولا يبعد أن يكون الغنوص الصوفي قد تأثر في ذلك بتصورات هرمسية قديمة موروثة، كان للدائرة فيها هذه الدلالة التي رمز اليها بالحية التي تعض على ذنبها(68)(ع).
ولقد قلنا إن المرأة تمثل في رموز الفن والأدب وفي الفكر القديم، الدائرة. ولعل تشبيه المرأة بالضلع في الفكر الإسلامي الذي يستمد منه المتصوفة ما يشير الى فكرة الدائرة. وهي تمثل كذلك العرض من الجوهر الذي يمثله الرجل. واذا كانت المرأة هي عرض الرجل، واذا كانت هي التي تظهره وإن بها ظهوره، كما يقول ابن الفارض:
ظهوري، وقد أخفيت حالي منشداً


بها، طرباً، والحال غير خفية(69)

واذا كان بالعشق الأنساني، العشق بين الرجل والمرأة، ظهور العدم(70)، الانسان، فإن غاية الصراع بينهما أو التفاعل الناتج عن اختلافهما في الجنس هي أن ينطبق العرض على جوهره تماماً، وأن يتجلى الجوهر من خلال عرضه تماماً، وأن يتحد به، لذا صور شعر المتصوفة معاناة الشاعر بأنها رغبته بالاتحاد بالمرأة التي يحب، واتحاده بها يحقق له العودة الى بدايته، أي ان بالمرأة تلتحق الانسانية وتكتمل الدورة، يقول أبن الفارض:

ولا تدعني فيها بنعت مقرب،

أراه بحكم الجمع فرق جريرة

فوصلي قطعي، واقترابي تباعدي
 
 وودي صدّي، وانتهائي بداءتي

……..

ومن أنا إياها الى حيث لا الي

عرجت، وعطرت الوجود برجعتي

ومن أنا إياي لباطن حكمة،

وظاهر أحكام أقيمت لدعوتي

فغاية مجذوبي اليها ومنتهى

مراديه ما أسلفته، قبل توبتي(71)

إن الدائرة تقترن في الفكر الصوفي بالوجود الظاهر: ((ثم كشف لي عن مرتبة الاسم (الظاهر) فرأيت عالم الشهادة ودوائر الظهور في الأجناس والأنواع))(72) والمرأة التي ترتبط بالدائرة وتمثل الوجود الظاهر، تمثل الحركة، لأن بوجودها وجد التناقض (الرجل والمرأة)، والتناقض حركة، لذا كانت هي التي تقوم بالحركة على محيط الدائرة. ولهذا أيضاً اقترنت حواء بمعنى الحياة، فالمرأة تعبر عن الحركة التي هي الحياة، وحواء في اللغة تعني الحياة، أي إن انبثاق الحياة كان مقترناً بوجودها، انطلاق الحركة كان مقترناً بها، ولذا اقترن بها رمز الحركة أي الدورة أو الدائرة. ونجد من الرموز التاريخية أو الاسطورية للمرأة (ايزيس) التي تمثل في الديانة المصرية القديمة الإلهة الكبرى والرمز القدسي الذي يثير انطباعات وايحاءات ارتبطت بتعاقب الفصول والحركة الدورية للأفلاك، وقد أحبــت
ايزيس الحياة وأشاعت فيها روح الخصوبة والنماء(73).
وقد ارتبطت الدائرة بالرقم(7)(74)، فهذه الدورة حول النقطة أو المربع عددها سبع دورات. وهنا يتضح معنى ربط الصوفية بين هذا الرقم والحركة الدائرة. وقد مر بنا حديث أخوان الصفا وهم يذكرون مراتب الفيض التي يقترن كل منها بعدد، فقد ذكروا أن الفلك كالسبعة والهيولى الأولى كالأربعة. والهيولى الأولى لديهم هي ((شيء روحاني وهو جوهر بسيط معقول، وهو صورة الوجود حسب، ولما قبل الكمية صار جسماً مطلقاً ذا أبعاد. فالهيولى الأولى مبدأ من المبادئ القديمة بحكم الفيض، وهي لا تدرك بالحس، وهي أيضاً أساس كل الكائنات، والاختلاف الذي نراه إنما هو في الصورة لا غير، ومن هنا كان العالم وحدة في الحقيقة. وبتأثير من النفس الكلية في الهيولى تنتج الصور المجردة، وهي النقوش والأشكال، وهي أمور بلا زمان ولا مكان. ويتفق معهم أبو بكر الرازي في أن الهيولى الأولى هي أساس الموجودات))(75). فالأربعة هي الهيولى الأولى التي هي جوهر أو شيء روحاني لا يدرك بالحس، والسبعة هي الفلك الدائر. ونحن لا ننسى أن في القصص الدينية أن ابراهيم عليه السلام أخذ هاجر أم اسماعيل الى المكان الذي أقيم فيه بيت الله(الرقم 4)، ونعرف أن هاجر ترددت في سبع حركات باحثة لابنها عن ماء حتى تفجر زمزم. فالرقم(7) اقترن بالحركة، وان التي قامت بهذه الحركة هي امرأة. ولقد ذكر ابن عربي مركز الدائرة بأنه جوهر والدائرة عرض. ففي(انشاء الدوائر) يرسم أمهات الوجود التي يسميها الجدول الهيولاني ويظهر عددها عشرة، وفي المركز يوجد الجوهر وهو ثابت وحوله دائرة تقترن بالوجود الظاهر، العرض(غ)، والجوهر هو الذي يظهره العرض. ونعرف أن الحكمة الألهية تقضي بالسماح للرجل بالزواج من أربعة، أي ان علاقة الرجل (الجوهر) والمرأة (العرض) جاءت من خلال الرقم (4)، فكأن في الرجل جوهراً يعادل أربع نساء(ظاهرات)، أي ان كل جوهر كامن يعادل أربع صور ظاهرة، ومن المناسب أن نشير هنا الى أن من الحقائق العلمية البايولوجية ما يؤكد هذا، فالانقسام الأختزالي للخلايا الجنسية للانسان يؤول في الرجل الـى أربع خلايا جنسية وفي المرأة الى خلية جنسية واحدة، فكأن أربع خلايا جنسية ذكرية تقابل خلية جنسية أنثوية. وهناك في جسم الانسان من الظواهر البيولوجية الأخرى ما يؤكد ارتباطها بهذه الرموز، التي ترتبط بالارقام (ف).
وقد ارتبطت فكرة الانسان الكامل في الفكر الصوفي بالدائرة، فإننا نجد من المصطلحات التي ترادف مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي أنه: (فلك الحياة) و(الفلك المحيط(76)): ((إن الانسان الكامل هو محمد صلى الله عليه وسلم. أو بعبارة أخرى الحقيقة المحمدية، ولكن هذه الحقيقة قطب يدور في فلكه دائماً كل طالب للكمال، فلا يزال يدور، أي يتحقق بالصفات المحمدية ويدور.. وفي دورانه يصغر قطر الدائرة ويصغر، حتى يتلاشى القطر، ويتحقق الطالب بوحدته الذاتية مع مركز الدائرة، أي الحقيقة المحمدية. وهنا في تحققه يطلق عليه اسم من تحقق به، أي اسم الانسان الكامل. فعبارة الانسان الكامل هي لصاحبها، أي لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصح أن نطلقها على المتحققين به الفانين، لأنهم أصبحوا عينه(الصفاتية)، فهي أصلاً لصاحبها الذي خلق انساناً كاملاً. وهي تحققاً لأكمل الرجال الذين جاهدوا في سلوك طريقها))(77). فالأنسان الكامل هو العرض الدائر الذي يحقق أو يعكس جوهر الحقيقية المحمدية الثابت في المركز.
من هنا نستنتج أن المربع والدائرة علاقة بين وجود كامن وعرض ظاهر، بين سكون وحركة، وبين رجل وامرأة. وهذا يلتقي مع ما استنتجه الاستاذ آل سعيد من تفسير لها في الفن القديم والحديث. ونستنتج من هذا أيضاً أن هذه الثنائيات التي تجتمع تحت رمزي المربع والدائرة تحكمها علاقة عامة أو قانون عام تعبر عنه هذه الرموز. ولكن ما مبادئ هذا القانون، وكيف تتفاعل أطراف هذه العلاقات من خلاله، وما تفصيلات ما يجري بينها؟(78). إن الجواب على هذا يتصل بفلسفة متكاملة في الفكر الصوفي، نحاول أن نتلمس تفاصيلها لننتهي الى الخلاصات النهائية التي عبرت عنها هذه الرموز.
إن العلاقة الجدلية بين الأطراف التي ذكرناها هي مظهر من مظاهر العلاقات الجدلية التي تعم الأشياء جميعاً، وإن العلاقة بين المربع والدائرة هي صورتها الأعم، كالعلاقة بين الوجود والعدم لدى هيجل التي عدّها المقولة الأعلى لكل المقولات التي تعبر عن هذه العلاقات الجدلية.
ولقد بيّن المتصوفة في تصورهم للوجود أنه ينطوي في صميمه على الإزدواجية. وبيّن ابن العربي في (العواصم والقواصم) من 1ـ2، ((أن الله خلق الخلق نوعين، وأبدع من كل زوجين اثنين..وفطر الآدمي فركب عليه وفيه الإزدواج ابتلاء)، أي ان تكوين الكائن البشري نفسه تكوين متناقض، ووجوده ذو صيرورة وصراع، إذ خلق الله فيه العقل والهوى، ووضعه على مسرح هذا الوجود الذي نصب له فيه الدلائل والشبه، والهدى والضلالة،
وعلمه البيان الذي يتأرجح بين منزلتي الحس أو العيان، والنظر أو الاستدلال، وكتب على ذلك الأنسان أن يعاني في صميم وجوده صراعاً بين العقل والهوى، ويكابد نزاعاً شاقاً بين الدليل والشبهة، بين الخير والشر، بين التوفيق والخذلان أو النجاح والأخفاق، وأن تتجاذبه خواطر ملائكية ووساوس شيطانية. ولكن الله مع ذلك كله نصب أمامه على كل طريق أعلاماً هادية وإرشادات دالة. فهناك نوع من الجدال أو الديالكتيك في الوجود. ويمكن القول بأن هذه النظرة الى طبيعة الوجود العام والوجود الخاص، أعني وجود الأنسان، نظرة قرآنية وميتافيزيقا اسلامية نجد الغزالي قد نفذ اليها بتأمله في القرآن. ويتبين لنا ذلك من تفسيره لقوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات49). قال الغزالي: (فالمخلوقات كلها مفطورة على الإزدواج، لطيفها وكثيفها، معنويها ومحسوسها، ففي المركبات ازدواج، وفي البسائط ازدواج.وبين البسائط والمركبات ازدواج، وبين العقل والنفس ازدواج.) وفي القرآن آيات كثيرة تشير الى الازدواج في الكائنات، في النفس (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها) (النساء1). في الفواكه: (فيهما من كل فاكهة زوجان) (الرحمن52). في الكائنات التي حملها نوح في سفينته: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) (هود40)، (فأسلك فيها من كل زوجين اثنين) (المؤمنون27). في الكائنات الحية: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) (القيامة39)،(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى)(النجم 45). في النبات: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض)(يس36). ويصف القرآن الله بأنه خالق الأزواج كلها: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) (الزخرف12)..))(
79).
لقد بيّن الفكر الصوفي الذي يستقي من الفكر الديني أن الأزدواج أو التناقض يتخلل عالم الأشياء، وأن التناقض تبديه صور الأشياء، أي ان التناقض تعين وظهور:

تــــرى صـــورة الأشياء تجلـــى عليــك مــــن


وراء حجاب اللبس، في كل خلعة

تجمعت الأضداد فيها لحكمة،

فأشكالها تبدو على كل هيئة

صوامت تبدي النطق، وهي سواكن

تحرك، تهدي النور، غير ضوّية

وتضحك اعجاباً، كأجزل فارح

وتبكي انتحاباً، مثل ثكلى حزينة

وتندب إن أنت، على سلب نعمة

وتطرب إن غنت،على طيب نغمة

يرى الطير غب الاغصان يطرب سجعها

بتغريد ألحان، لديك شجية

وتعجب من أصواتها بلغاتها،

وقد أعربت على ألسن أعجمية(80)

وأكد الفكر الصوفي أن وجود أحد  النقيضين شرط لوجود الآخر، فهما يرتبطان بعلاقة تناقض لا معنى لأحدهما خارجها:  ((الأشياء تعرف بأضدادها.. ومن لا يعرف القبيح لا يعرف الحسن))(81) فللحقيقة أطرافها الثلاثة:الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما. لقد بيّن ابن عربي أن لا كون الا في الحقيقتين، من الضدين، ((فلا يكون أمر الا عن أمرين، ولا نتيجة الا عن مقدمتين.))(82) وأنهما يقترنان: ((الأحدية تصحب كل جمع، فلابد من الجمع في الأحد، ولابد من الأحد في الجمع..وقال تعالى…(وهو معكم أينما كنتم) 57/4، والمعية صحبة، والصحبة جمع… لما كان الدوام لمعية الحق مع العالم لم يزل حكم الجمع في الوجود وفي العدم، فإنه (تعالى) مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده، فأينما كنا فالله معنا، فالتوحيد معقول غير موجود، والجمع موجود ومعقول..))(83). إن الواحد الذي يمثل الله هو معقول، جوهر. والجمع يمثل الجوهر والعرض، عرض يعكس الجوهر.لقد عبر بالجمع عن العلاقة بين الجوهر والعرض التي يمثلها العالم ويمثلها الانسان، فالانسان جوهر وعرض يعكس الجوهر:

وذاك الروح روح الله فينا

 وعند النفخ يأخذ في الإياب

الى الأجل الذي منه تعدى

فيسرع في الإياب وفي الذهاب(84)

فهو يضم في صورته البشرية الروح وهي من الله:
عنت لنا أوجه الأملاك ساجدة

لما حوينا من الأرواح والصور(85)

إنه يجمع بين الروح والصورة، أو الظهور والبطون:
فليس الظهور سوى ما ظهر

وليس البطون سوى ما استسر

.................

فمنا اليه ومنه الينا

وكل بحكم القضا والقدر(86)

ولأن العلاقة بها تعرف الأشياء أو تسمى، قلنا في الآية الكريمة: ((وعلم آدم الأسماء كلها)) البقرة، 31، بأن سر مقدرة آدم على تسمية الأشياء مع عجز الملائكة عن ذلك، إنما هو لأن آدم علاقة بين متناقضات، والملائكة لا تناقض في طبيعتها، فهي خير مطلق، أما آدم فهو علاقة بين الخير والشر، وهذا تؤكده الآية:((ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)) الشمس،8، ولقد أدرك الأنسان حقيقة طبيعته المتناقضة بالنسبة الى الوجود الذي أوجده:
لولا وجودي وكون الحق أوجدني

ما كنت أدري بأني الكائن الفائت

فالحق أوجدني منه وأيدني

به لذلك أُدعى الناطق الصامت(87)

واذا كان التناقض حركة كما قلنا، فإن الانسان حركة. وحركة الانسان صيرورته، تحوله من ظلمات العدم الى نور الوجود وعالم الظهور. وبظهوره الذي هو ظهور للاختلاف أو التناقض، وجدت المعرفة، عرف نفسه، ووجد عقله، لأن المعرفة تقترن بالاختلاف أو التناقض، والعقل وسيلة لأدراكه:
لولا الولاية كنت في الظلمات

 فأختصني الرحمن بالحركات

فخرجت منها أبتغي النور الذي

 جمعتني فيه وعين شتاتي

ورأيت محياي الذي أسعى اليه
……
 وعلمت شأني فيه بعد وفاتي

فالله أكبر والكبير بدايتي

 ما دامت الدنيا وبعد مماتي(88)

واذا كان الانسان هو الذي يتحرك لأنه علاقة، فإن الذي يتحرك نحوه هو كله الثابت:
 الرب مالكنا والرب مصلحنا

 والرب ثبتنا لأنه الثابت(89)

واذا كان الانسان فيه من الجانب الإلهي، فإنه يكسب هذا الجانب الحركة ويكتسب منه الثبات، فهو علاقة بين الحركة والثبات:

وإن كان الظهور له بوجه

 فمن وجه يكون له الكمون

له منا التحرك في جهات

 ولي منه الاقامة والسكون(90)

إن العلاقة أو التثليث شرط الخلق في فكر ابن عربي، أي ان الخلق ليس أحد النقيضين وليس ضده الآخر، بل هو العلاقة الجامعة بينهما، أي الرتبة الثالثة بعد النقيض وضده: ((إن الأحد لا يكون عنه شيء البتة.. ولا يكون عن الاثنين شيء أصلاً ما لم يكن ثالث يزوجهما، ويربط بعضهما ببعض ويكون هو الجامع لهما، فحينئذ يتكون عنهما ما يتكون بحسب ما يكون هذان الاثنان عليه.. فيسري التثليث في جميع الأمور لوجوده في الأصل))(91) وقوله الأخير نفسره بأن كل شيء من الأشياء إنما هو عبارة عن (ثلاثة) أو (علاقة) تجمع بين أمرين أو مختلفين وتزوجهما. وهذا من مضامين الفلسفة الجدلية المهمة لدى هيجل وغيره في العصور المتأخرة. ويعد هيجل المسيحية (الديانة المطلقة) بسبب قولها بالتثليث، وهو ينظر من خلال ثالوثها الى المعاني الفلسفية الكامنة وراء الأطراف الثلاثة التي يمثلها هذا الثالوث المسيحي لأن الفكر الديني ـ كما يبين ـ يعبر عن المطلق بالمجاز والتمثيل وبتجسيد الحقائق المطلقة بالصور البشرية والواقعية، ولا يعبر عن المطلق بالمطلق كما تفعل الفلسفة. ولم يؤكد هيجل أن الفكر الاسلامي نظر الى الحقيقة من خلال مبدأ التناقض الذي يحكم الموجودات، والعلاقات التي تؤلف بين الأطراف المتناقضة.
         واذا كان التثليث أو العلاقة هي الأصل وأن الأشياء بها تكون، فإن هذا استنتجنا منه بأن العلاقة سابقة على وجود الأشياء لأنها علة وجودها.فكل شيء لا معنى له الا بضده، أي انه لا معنى له الا من خلال العلاقة التي تجمعه بضده. واذا كانت العلاقة سابقة على وجود الشيء، وهو الذي يمثل أحد طرفيها المختلفين، فإنها تكون في حال سبقها بأحد طرفيها، أي ان أحد طرفيها وجود والآخر عدم. وهذه الحالة قلنا عنها بأنها تناقض بلا تناقض، تناقض لأن الطرفين وجود وعدم ، وبلا تناقض لأن أحد النقيضين موجود فقط . وقول ابن عربي بأن التثليث أو العلاقة موجودة في الأصل، نفسره بهذا. ولو عدنا الى قول ابن عربي في نص سابق، وهو إن الله معنا أو مع العالم (وهو ما يسميه الوجـود الممكن أي الحادث بعد أن كان عدماً) قبل الحدوث وبعده، والمعية صحبة كما يقول، والصحبة جمع، فإن هذا معناه أنه كان هنالك نوع من الجمع والعلاقة قبل خلق الانسان والعالم، عندما كان الوجود (معقولاً ) كما يقول، وهو يتمثل بما وصفناه ب (أصل الحركة). ثم ان الجمع أو العلاقة توجد مع تجلي المعقول وظهوره وإيجاد العدم وتحول الوجود الى معقول وموجود. إن أصل الحركة علاقة تتمثل بـ(وجود) الله و(عدم) وجود الانسان أو العالم، يقول ابن عربي: ((اعلم أن الله موصوف بالوجود، ولا شيء معه موصوف بالوجود من الممكنات، بل أقول إن الحق هو عين الوجود. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الله ولا شيء معه. يقول الله موجود ولا شيء من العالم موجود، فذكر عن نفسه بدء هذا الأمر أعني ظهور العالم في عينه.))(92) وهذا هو الوجود الخالص غير المتعيّن عند هيجل(93) ـ مع أنه ساوى بينه وبين العدم ـ وهو الوجود الخالص عند المتصوفة: ((إن الحق له الوجود الصرف، فله الثبوت.))(94) وقد فسرنا الوجود الخالص أو الثابت بأنه امتلاء وهذا معنى وصف الله تعالى نفسه بالصمد، أي الممتلئ غير الفارغ مقابل العدم الذي هو خلو مما يمتلئ به الوجود، فهو محو، والمحو غير الثابت. وهذه الحقيقة بيّنها ابن عربي في مقابلته بين القمر والشمس: ((لأن الله جعل القمر نوراً فهو نور بالجعل، كما كانت الشمس ضياء بالجعل. وهي بالذات نور، والقمر بالذات محو، فللقمر الفناء، وللشمس البقاء:
فللقمر الفناء بكل وجه

وللشمس الإضاءة والبقاء.))(95)

إن الوجود الخالص كائن قبل ظهور العالم، وإن ظهور العالم أو تجليه هو ظهور للعلاقة أو للتناقض الذي هو الحركة، ظهور للحركة، أو وجود الحركة أو العلاقة التي تعني اثنين مع اعتبار أن الطرف السابق على العلاقة (الواحد) سابق على الاثنين :
فالرب والمربوب مرتبطان

ثنى الوجود به وليس  بثان(96)

وأحدهما (المربوب) يعرف من خلال العلاقة التي تربطهما:

الملك لولا وجود الملك ماعرفا

ولم تكن صفة مما به وصفا(97)

وإن العالم وحده خارج هذه العلاقة ليس له تعيّن، فهو عدم. وقد عرفنا العدم بأنه أحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، وهذا هو تعريفه عند هيجل. ويرى ابن العربي ان (الوحدة المحضة) ليست الا سلباً محضاً لا يمكن وصفها ولا حدها، وذلك هو عين العدم والنفي المحض(98).
ولقد كنا قد فسرنا المعرفة بأنها جمع أو علاقة، والعقل وسيلة للجمع أو العقل بين الموجودات ليتسنى له ادراكها. فالعقل في اللغة هو الجمع، ولقد أشار أخوان الصفا الى هذا التفسير، فالعقل الأول الذي أنشأه الباري من نوره، إنما سمي عقلاً لأنه يعقل الاشياء عن الخروج عنه، أي إن الأشياء لا معنى لها خارجة عن هذا العقل أو الجمع، إنه يجمع بين الأشياء(99).
ولقد بيّن المتصوفة أن المعرفة ترتبط بهذا الجمع الذي هو جمع للأمور المتناقضة ، فالمعرفة ترتبط بالتناقض، وهي معرفة للأزواج، فهناك ((ازدواجية في المعرفة أيضاً ما دامت مرتبطة بالوجود المزدوج، وما دامت آلاتها نفسها ذات طابع ازدواجي، فالعقل يزاوجه الهوى وينازعه، والهدى يقارنه الضلال ويوجد بجانبه.. ومن أجل هذا الازدواج وهذه الجدلية في الكائنات الحسية وفي المعاني أيضاً من الوضوح والغموض، والبيان والالتباس والحق والباطل تباينت المدارك، واختلفت مواقف العقول من موضوعات التعقل المتباينة، قال ابن العربي: (لئن أضاء نهار الأدلة، لقد أغطش ليل الشبهات، أو اتضحت جادة التحقيق، لقد حفت بها بنيات حتى خفيت واضحة الطريق، وأعلام الحق وان كانت قد خفقت، فقد انتشرت ألوية الباطل واستشرفت.) وكتبت المقادير على نسيج الوجود البشري أن يتردد في مجال المعرفة بين ما هو ضروري أو بديهي، وبيـن ما هو نظري محتاج الى تعمق وتأمل، إذ لو شاء الله ما قسم المعارف الى ضروري ونظري، ولجعلها كلها واضحة متميزة، تحمل شارات وضوحها في نفسها فلا تخفى، وتنطوي على بنيتها في ذاتها فلا تلتبس. فالانسان مسكين يرثى لحاله، وحائر قلق، لا يدري أي طريق يسلك، وأي سبيل ينهج، ولا يعرف أين الضر، ولا يعلم أين النفع، إنه في شباك شائكة من الحيرة والارتباك والتردد بين الأخذ والرد))(100).
إن هذه المبادئ الجدلية تحكم كل الموجودات ومنها الانسان فهو محكوم بمبادئ قانون ثابت يحكم الكون كله لأنه تضمه ثنائيات مختلفة منها كونه ثنائية متلازمة من ذكر وأنثى وهما مختلفان في الجنس(101). وهناك نظرية قديمة اهتم بها أخوان الصفا، وهي كون الانسان عالماً صغيراً إزاء العالم الكبير(102)، يريدون بهذا جملة مسائل منها أنه يمكن دراسة العالم الكبير (الكل) من خلال العالم الصغير (الجزء)، لأن هناك قانوناً عاماً يشمل كل شيء، العالم الكبير والصغير، وهو قانون الزوجية العام. وقد نظروا الى كل شيء من خلال هذا القانون، فقد نظروا الى الإنسان من خلاله بوصفه خلق أزواجاً من ذكر وانثى. ولأنهم نظروا الى العالم الكبير من خلال العالم الصغير(الإنسان) فقد عمموا علاقة الذكورة والأنوثة على علاقات التناقض الأخرى، وذهبوا الى أن الطابع الذكري والطابع الانثوي يسودان العالم. ولما كان ذلك كان لابد من أن يحدث توالج حسي ونكاح معنوي، ففي مذهبهم العرفاني أن العالم كله في وضع تعشق وتوالج تبادلي امتد حتى شمل المحسوس والمعقول(103). وسوف نفحص قانون الزوجية العام هذا من خلال بحث المتصوفة في الانسان الذي يحكمه هذا القانون كما بينوا.
مر معنا في مباحث سابقة أن الانسانية تجمع بين الذكورة والأنوثة، والانسان علاقة بينهما. ويرتبط الذكر والأنثى بعلاقة الحب أو الزواج(104)، وهي تتجلى في أولادهما، فالأولاد تجسيد للعلاقة التي تربطهما، وكل منهم يلتقي والداه الاثنان في تكوينه، فهو علاقة بينهما، إن الانسان علاقة. والعلاقة أول وجود عيني لأن بها يتعيّن الضدان، يعرف كل منهما. ولذا فسروا معنى الانسان في اللغة بأنه الظاهر، أي هو خلاف الجن(105)، ولكنهم وضعوا درجات للوجود الظاهر أو المتعيّن، وان آدم هو أول درجات الوجود المتعين، أما حواء فتمثل الدرجة الثانية من هذا الوجود(106)، ذلك لأننا قلنا إن العلاقة مصدرها أحد النقيضين المكوّنين لها، ونقصد به العامل الذكري. فمع أن وجود آدم يقترن بوجود حواء، لكن لأن له أصلا سابقا في الوجود ، لذا كانت له الدرجة الأولى في الوجود المتعيّن.
واذا كان الأنسان مصدره العامل الذكري فإن هذا يعني أن العامل الانثوي مصدره العامل الذكري من حيث أنه مصدر للعلاقة التي تضم الذكر والأنثى. وإن العلم أكد هذا وكذلك الفكر الديني الذي يستلهمه المتصوفة، فالمرأة جزء من الرجل وهي ضلع الرجل(107)، وكل جزء دليل على أصله(108). فحواء أصلها ذكر، وانها العرض منه(109)، فهي الدليل عليه إذن. وإن التذكير أصل والتأنيث فرع. وإن حنين المرأة الى الرجل حنين الجزء الى أصله ولا أصل بلا فرع(110).والقرآن الكريم يشير في خلق المرأة الى إضافتها الى النفس الواحدة التي هي آدم(111)،أي ان العامل الذكري ينطوي على الأنثوي، (انطواء العالم الأكبر أو الكل على العالم الأصغر أو الجزء)، وانه علاقة بينه وبين العامل الأنثوي. ولقد قلنا إن الوجود السابق مصدر
العلاقة السابق على وجودها واذا كان للعلاقة (الرجل) مصدرها السابق في الوجود فإن هذا يعني أن للرجل أصله السابق في الوجود. إن هذا المصدر الثابت، السابق على وجود الرجل، مصدر الرجل ـ في فكر المتصوفة ـ هو الله، والرجل مصدر المرأة.. الله الأصل السابق لوجود الرجل، والرجل أصل للمرأة.. الرجل ظهر عن الذات الإلهية، والمرأة ظهرت عنه. وان الله خلق الرجل على صورته وأحبه، كما يقول ابن عربي، والرجل والصورة أعظم مناسبة كذلك بين الرجل والمرأة(112).
إن وجود المرأة أو ظهورها يقترن بوجود العلاقة، الرجل. ووجود الرجل يقترن بوجودها لأنها أحد طرفيه. عندما يكون الرجل سابقاً على وجود المرأة، فالوجود الإنساني يتمثل بهذا النقيض الذي سميناه (أصل الحركة) الذي هو عبارة عن الحركة أي العلاقة ولكن بأحد طرفيها، لذا فهي ثابتة مستقرة، لأن التناقض لم يوجد بعد، والتناقض منطق للحركة كما بينا. وعندما كان أصل الحركة سابقاً كان النقيض الآخر (عدماً)، وهذا هو الطرف السالب عند ابن عربي الذي هو الشر المطرود(113). إن عدم وجود أحد النقيضين يجعل التناقض غير ظاهر، يجعل هذا النقيض السابق (أصل الحركة) وجوداً كامناً أو جوهراً. فالرجل الذي صنعه الله على صورته كما يذهب المتصوفة، والذي مصدره الله ، هو وجود كامن قبل أن يوجد العدم (المرأة) لتوجد العلاقة (الحركة) أو يظهر النقيضان.
لقد عبر المتصوفة عن الوجود السابق على وجود الأنسان بأنه وجود للروح، وقد قلنا إنهم عبروا عن عالم الأرواح بالمربع أو النقطة. وكان الرجل قبل أن يخلق يعيش في هذا العالم الذي هو وجود غير مرئي، وجود باطن لا ظاهر. وقد عبر الحلاج عن إيمان المتصوفة هذا، ففي القديم وقبل أن يمس جسمه التركيب، كان في عالم الروح يشرب من ماء الإله، وانه تعارف هناك مع فتية هم صحبته في قديم الذر قبل الخلق. ويريد بهذا أن يقرر أن عالم الروح أو الجوهر هو (الكل) لأن جميع المخلوقات كانت مجتمعة فيه، وان عالم الظهور هو عالم (الجزء) لأن المخلوقات تخرج من عالم الروح متتابعة في أزمنة مختلفة، وكل منها يمثل كوناً محدوداً منعزلاً عن الآخر:
إني ارتقيت الى طود بلا قدم

 له مراقٍ على غيري مصاعيب

وخضت بحرا ولم يرسب به قدمي

 خاضته روحي وقلبي منه مرعوب

حصباؤه جوهر لم تدن منه يد

لكنه بيد الأفهام منهوب

شربت من مائه رياً بغير فم

والماء قد كان بالأفواه مشروب

لأن روحي قديماً فيه قد عطشت
 
والجسم ما مسه من قبل تركيب




......................

وفتية عرفوا ما قد عرفت، فهم

صحبي ومن يحظ بالخيرات مصحوب

تعارفت في قديم الذرّ أنفسهم

فأشرقت شمسهم والدهر غريب(114)

وقد عبر غير الحلاج من المتصوفة عن هذه المعاني، فابن الفارض يقول إن ذاته قبل أن يخلق كانت موجودة:

ومن عهد عهدي، قبل عصر عناصري

الى دار بعث، قبل انذار بعثة


اليّ رسولاً كنت مني مرسلاً،

 وذاتي بآياتي عليّ، استدلت(115)

ويقول إن روحه للأرواح روح، وإن له اتصال روحي برفقاء في عالم ما قبل الظهور:

وروحي للأرواح روح، وكل ما

ترى حسناً في الكون من فيض طينتي

فذري ما قبل الظهور عرفته

خصوصاً وبي لم تدرفي الذر رفقتي(116)

إن كل واحد ينبي عن الآخر، وله اتصال بالآخر، فيخبر عنه، فهما بالروح متصلان، ويقول إن الوليد ينبيك عن شاني، وإن نشأ بليداً وذلك بألهام كالوحي هو الفطرة، ويريد بهذا أن يشير الى المعرفة الفطرية اللاواعية التي هي معرفة عامة والتي بوساطتها يتصل كل أفراد الانسانية:

فينحو سماء النفح روحي ومظهري الـ
 

  مسوى بها، يحنو لأتراب تربتي

فمني مجذوب اليها وجاذب

  اليه، ونزع النزع في كل جذبة

وما ذاك الا أن نفسي تذكرت

 حقيقتها، من نفسها، حين أوحت

فحنت لتجريد الخطاب ببرزخ الـ

  تراب، وكل آخذ بأزمتي

وينبيك عن شأني الوليد، وإن نشا

  بليداً، بإلهام كوحي وفطنة(117)

فالعلوم طبعت في النفوس بوحي الأبوة، أي ان العلم قديم مركوز في أصل خلقة الانسان، وهذا أيضاً من إنطواء العالم الأصغر (الانسان) أو الوجود الظاهر، على العالم الأكبر (الروح أو الجوهر) وهو ما يمثل المعرفة الكلية التي يلتقي عليها كل البشر ويتعارفون، وهي المعرفة التي ذكرنا في بداية البحث أن العلوم الحديثة تنظر اليها على أنها المعرفة الأعمق الكامنة وراء الوعي أو المعرفة العقلية، فهناك وراء العلوم النقلية علوم أخرى تدق وتخفى:
وماهي الا النفس عند اشتغالها

بعالمها، عن مظهر البشرية

تجلت لها بالغيب في شكل عالم

هداها الى فهم المعاني الغريبة

وقد طبعت فيها العلوم وأعلنت
    ……
بأسمائها، قدماً، بوحي الأبوة

ولاتك ممن طيشته دروسه

بحيث استقلت عقله واستقرت

فثم وراء النقل، علم يدق عن

مدارك غايات العقول السليمة

تلقيته مني، وعني أخذته

ونفسي كانت من عطائي ممدتي(118)

.................
فهو يقول إنه تلقى هذا العلم عنه، وإن نفسه أمدته به أي انه ليس علماً مكتسباً من الخارج، إنما هو من الباطن. وإن علمه قديم من عالم التذكار، وإنه التقى في الجمع القديم كهول الحي عندما كانوا صبية، فمع أنه امتداد لهم الا أنه كان معهم، ومع أن غيره امتداد له وأنهم يشربون مما أبقاه الا أنهم كانوا معه في عالم الروح أو المطلق الذي تنعدم فيه الأزمنة والأمكنة:

وفي عالم التذكار للنفس علمها الـ

   مقدم، تستهديه مني فتيتي

فحيّ على جمعي القديم الذي به

   وجدت كهول الحي أطفال صبية

ومن فضل ما أسأرت شرب معاصري

  ومن كان قبلي، فالفضائل فضلتي(119)

وقد كرر ابن الفارض بأنه الروح التي تجلت في نفوس كل أهــل
التقى السابقين، فهو فيهم روح، وباسمه دعوا وبحجته حجوا الملحدين، وفيه شهد الساجدين لمظهره فتحقق أنه آدم:
وفيّ شهدت الساجدين لمظهري

 فحققت أني كنت آدم سجدتي

وعاينت روحانية الأرضين في

 ملائك عليين، أكفاء رتبتي

ومن أفقي الداني اجتدى رفقي الهدى

ومن فرقي الثاني بداجمع وحدتي(120)

فلولاه لم يوجد وجود، ولم يكن شهود ولم تعهد عهود. ولا حي الا من حياته، ولا ناظر الا بمقلته ، ولا قائل الا بلفظه محدث، ولا منصت الا بسمعه سامع، وهو الذي ظهر في كل صورة، وفي كل معنى لم تبنه مظاهره تصور:
وأهل تلقى الروح باسمي، دعوا الى

سبيلي، وحجوا الملحدين بحجتي

وكلهم عن سبق معناي، دائر

بدائرتي، أو وارد من شريعتي

وإني وإن كنت ابن آدم صورة

فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

ونفسي على حجْر التجلي برشدها

تجلت، وفي حجر التجلي تربت

وفي المهد حزبي الأنبياء، وفي عنا

صري لوحي المحفوظ، والفتح سورتي

وقبل فصالي، دون تكليف ظاهري

  ختمت بشرعي الموضحي كل شرعة

فهم والألى قالوا بقولهم على

  صراطي، لم يعدوا مواطئ مشيتي

فيمن الدعاة السابقين اليّ في

  يميني، ويسر اللاحقين بيسرتي

ولا تحسبن الأمر عني خارجاً

  فما ساد الا داخل في عبودتي

ولولاي لم يوجد وجود، ولم يكن

  شهود، ولم تعهد عهود بذمة

فلا حيّ الا من حياتي حياته

  وطوع مرادي كل نفس مريدة

ولا قائل الا بلفظي محدث،
 
  ولا ناظر الا بناظر مقلتي

ولا منصت الا بسمعي سامع

  ولا باطش الا بأزلي وشدتي

ولا ناطق غيري، ولا ناظر، ولا

  سميع سوائي من جميع الخليقة

وفي عالم التركيب في كل صورة

  ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينت

وفي كل معنى، لم تبنه مظاهري

   تصورت، لا في صورة هيكلية(121)

فالمظاهر يجمعها تشابه الجوهر، ولكن بارتفاع الستر تظهر المظاهر وتختلف، وهو بهذا يشير الى كلية (الجوهر أو الروح) واطلاقه وعدم تناقضه، والى جزئية الموجودات الظاهرة واختلافها أو تناقضها ومحدوديتها في الزمان والمكان فهي تظهر بالتدريج:

وكل الذي شاهدته فعل واحد

بمفرده، لكن بحجب الأكنة

إذا أزال الستر لم تر غيره،

ولم يبق بالاشكال أشكال ريبة

وحققت عند الكشف، أن بنوره اهـ

ـتديت، الى أفعاله، بالدّجُنة

كذا كنتُ، ما بيني وبيني، مسبلاً

حجاب التباس النفس في نور ظلمة

لأظهر بالتدريج للحس مؤنساً

لها في ابتداعي، دفعة بعد دفعة

قرنت بجدي لهو ذاك، مقرّباً

لفهمك غايات المرامي البعيدة

ويجمعنا في المظهرين تشابه

وليست لحالي، حاله بشبيهة

فأشكاله كانت مظاهر فعله

بستر تلاشت، اذ تجلى وولّت

وكانت له بالفعل نفسي شبيهةً

وحسي كالأشكال واللّبس سُترتي

فلما رفعتُ الستر عني كرفعه

بحيث بدت لي النفس من غير حجة

وقد طلعت شمس الشهود فأشرق الـ

وجود وحلت بي عقود أخيّة

......................

وألسنة الأكوان إن كنت داعياً

شهود بتوحيدي بحال فصيحة

وجاء حديث في اتحادي ثابت

روايته في النقل غير ضعيفة

......................

تسببت في التوحيد حتى وجدته

وواسطة الأسباب إحدى أدلتي

ووحدت في الأسباب حتى فقدتها

ورابطة التوحيد أجدى وسيلة

وجردت نفسي عنهما فتجردت

ولم تك يوماً قط غير وحيدة

وغصت بحار الجمع بل خضتها على انـ

ـفرادي فأستخرجت كل يتيمة

لأسمع أفعالي بسمع بصيرة

وأشهد أقوالي بعين سميعة(122)

ولقد عبر المتصوفة جميعاً عن هذه المعاني، يقول السهروردي:

عنصر الأرواح فينا واحد

 وكذا الأجسام، جسم عّمنا

ما أرى نفسي الا أنتم

 واعتقادي أنكم أنتم أنا

فارحموني ترحموا أنفسكم

 وأعلموا أنكم في إثرنا(123)

مثل هذه الأفكار نجدها في نظرية الكمون عند المعتزلة. وفيها أن الله خلق الموجودات دفعة واحدة ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، غير أنه أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكمنها دون وجودها. وتتصل هذه الفكرة في صورتيها المعتزلية والصوفية بما تؤكده آية الميثاق من سورة الأعراف(7/173): ((وإذ أخذ ربك من بني آدم، من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم. قالوا، بلى، شهدنا..))(124) وبما تؤكده أحاديث الرسول، فقد ((قال عليه السلام كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، يريد على علم بذلك، فأخبره الله تعالى بمرتبته وهو روح قبل إيجاده الأجسام الانسانية كما أخذ الميثاق على بني آدم قبل إيجاده أجسامهم.))(125).
فالأرواح الكامنة التي تمثل عالم الباطن هي كل متصل. ولقد مر معنا أنهم وصفوا (النقطة) بأن الكل مندرج فيها، فهي كل متصل، وهي تمثل عالم الروح. وأن جماعة الأمهات والآباء السابقين هم الآلة التي تصنع الأنسان، وليس أبوه وأمه المباشرين. ولابن عربي شعر يقول فيه بأنه ما كان عن واحد بل عن جماعة آباء وأمهات هم الصانعون كالآلات. واذا نظرنا الى الآلات طال بنا إلاسناد والعنعنة حتى نصل الى الذات العليا، وهي في الحقيقة الذي أوجدنا لا الجماعات

أنا ابن آباء أرواح مطهرة

  وأمهات نفوس عنصريات

ما بين روح وجسم كل مظهرنا

  عن اجتماع بتعنيق ولذات

ما كنت عن واحد حتى أوحده

  بل عن جماعة آباء وأمهات

هم في الحقيقة، ان حققت شأنهم

  كصانع صنع الأشيا بآلات

فيصدق الشخص في توحيد موجده

  ويصدق الشخص في اثبات علات

فإن نظرت الى الآلات طال بنا

  إسناد عنعنة حتى الى الذات

وان نظرت اليه حين أوجدنا

  قلنا بوحدته لا بالجماعات(126)

ولقد عبروا عن الذات الأولى التي صدروا عنها من خلال علاقات النسب. ففي سياق قصص الخلق يشيرون الى رمز لهم هو الأب الأول(127). والسهروردي يعبر عن المصدر العلوي بعبارة الأب والأم. ففي إحدى قصصه: ((وبعد أن أمسيت في غاية القنوط من هجمات النوم، أخذت شمعاً في يدي متضجراً وقصدت الى رجال قصر أمي، وطوفت في ذلك الليل حتى مطلع الفجر. وعندئذ سنح لي هوس دخول دهليز أبي، وقد كان لذلك الدهليز بابان..))(128) وهو ((يقصد بالدهليز وجود نفسه وبأبيه علة وجود نفسه.))(129) وفي قصة حي بن يقظان التي جارى فيها ابن الطفيل وقدم لها صورة جديدة بما يلائم فلسفته الاشراقية، عبر عنه بالجد الأعظم أيضاً: ((..أعلم أن هذا جبل طور سينا. وفوق هذا جبل طور سينا مسكن والدي وجدك، وما أنا بالأضافة اليه الا مثلك بالأضافة اليّ، ولنا أجداد آخرون حتى ينتهي النسب العظيم الى هذا الجد الأعظم الذي لا جد له ولا أم، وكلنا عبيده وبه نستعين ومنه نقتبس وله البهاء الأعظم والجلال الأرفع، وهو فوق الفوق ونور النور، وهو المتجلي لكل شيء بكل شيء،وكل شيء هالك الا وجهه..))(130).
وبسبب اتصال الأرواح في عالم الباطن يتصل وجودها الظاهر، لذا تكرر لدى المتصوفة معنى أن الفرد يكون أباً كما أنه ابن لأبيه، يقول ابن عربي:

كمّل الله وجودي

  بأب ثم بنات

فأنا ابن وأنا أيـ

  ـضاً أب في المحدثات(131)

وابن الفارض يقوله كذلك، إنه ان كان ابن آدم في الصورة فله فيه معنى يشهد بأبوته له لوجودهم جميعاً في عالم الروح، أما عالم الصورة فيظهرهم متتابعين، الواحد بعد الآخر بما يقرر أسبقية آدم في الوجود على بنيه، فالروح واحدة والصور كثيرة ومتتابعة أي ان ظهورها يقترن بالزمان فيتقدم بعضها على بعض زمناً وتكون الأبوة لبعضها المتقدم والبنوة لبعضها المتأخر، أما قبل الزمان وفي عالم الروح فالجميع كل متصل حاضر وبهذا فإن أياً من أبناء آدم يسبقه في عالم الروح فهو أبوه. ومن المعاني التي اهتم بها المتصوفة، وجود الصوفي قبل آدم، ولقد تقدم ذكر كثير من الشعر لابن الفارض في هذه المعاني.
وفي قصص المعراج عند الصوفية حديث عن الوالد الذي أبوه ابنه،
وعما سموه نكاح الأم، وهو تعبير رمزي عن أفكارهم. فالأب الذي هو ولد لابنه تلميح رمزي الى الروح الكلي، فهو ابنه من حيث الصورة وأبوه من حيث المعنى أي ان الصورة تجلّي المعنى، فيكون المعنى ابناً للصورة. أما نكاح الأم فهو كما يفسرونه تعبير عن تزاوج العقل الأول والطبيعة، ولقد عبر الصوفية عن الجوهر الأنثوي بوصفه انكشافاً للجمال الإلهي في الصور الطبيعية(132)، يقول الحلاج: ولدت أمي أباها. وقد فهموا من قوله إنه يريد أن أمه تظهر هذا الوجود الأبدي اللانهائي الإلهي، فكأنها قد ولدت أباها لأنه مصدر وجودها. وللحلاج شعر يقول فيه هذا، وإن بناته اخواته، وهذا ليس من فعل الزناة:
ولدت أمي أباها!

  إن ذا من عجباتي

فبناتي بعد أن كنـ

 ن بناتي، أخواتي

ليس من فعل زمان

 لا، ولا فعل الزناة

فاجمع الأجزاء جمعاً

 من جسوم نيّرات

من هواء ثم نار

 ثم من ماء فرات

فازرع الكل بأرض

 تربها ترب موات

وتعاهدها بسقي

 من كؤوس دائرات

من جوار ساقيات

 وسواق جاريات

فإذا أتممت سبعاً

 أنبتت كل نبات(133)

وننبه على أنه في البيت الأخير قرن ظهور الحياة بالرقم(7) الذي يمثل لديهم الدائرة التي ترمز الى الحياة والعرض من الجوهر. ولصـدر الديـن القونوي وهو ربيب أبن عربي وابن زوجته، شعر في مثل هذه المعاني:

ولدتُ أبي من قبل أمي وأمها

 وأنكحتها إياي حين تولدي

وإني أبو الآباء قبل بنوتي

لهم، وهم في النشء كانوا ولائدي

وقد خال عمي أنني ابن أخ له

 ولم يدر أني جد أم المولّد(134)

وللأمير عبدالقادر الجزائري، وكان صوفياً من أنصار وحدة الوجود، أبيات تناسب هذه المعاني، وأنه ولد جده وجدته، وأبوه تولد عن أمه، ثم ولدوه بعد كونه هو وأبوه توأمين في صلب.فكل من له عليك ولادة فهو ابنك وهو أبوك، وكل من يتصل بك بنسب فهو كذلك(135)، يقول:

وَلدْتُ جدي وجداتي، وبعدهما

أبي تولد عن أمي، وأيّ أب

وبعد ذا ولدوني بعد كوني أنا

ووالدي البر توأمان في صلب

وكنت من قبل في الحجور ترضعني

بطيب ألبانها الأمهات، لأترب

وليس يدري الذي أقول غير فتى

قد جاوز الكون من عيب ومن رتب (136)


ويذكرنا قول الحلاج: أمي ولدت أباها بقول الرسول(ص) في فاطمة(ع) بأنها أم أبيها، فمع ما يحمله هذا القول من معاني المحبة والحنو فله معنى أو تفسير آخر هو انها تظهر بأبنائها صفات أبيها المقدسة، فكأنها تلد حقيقته الجوهرية الكامنة وتظهرها بوساطتهم، فهي(ع) تمثل الوجود الظاهر من شخصية الرسول(ص) في حين يمثل الإمام علي(ع) كما قلنا الوجود الباطن، فهو كما تنص آية المباهلة يمثل (نفس) الرسول(ص) أو جوهره، ففاطمة(ع) تعكس جوهر الرسول(ص) في أبنائها عن طريق الامام علي(ع) وعن طريقها.
وقد نفهم من قول الحلاج أيضاً أن في الرجل امرأة كامنة تظهرها ابنته فكأنها تلده، تلد الوجود الكامن الذي فيه. فهو عبارة عن امرأة كامنة وهي تظهره أو تلده. ولقد ذكرنا في ما سبق أن الرجل عندما كان سابقاً كان يمثل وجوداً كامناً، وبعد وجود المرأة وتحوله الى علاقة فإنه يبقى يمثل وجوداً كامناً ذلك لأن المرأة التي فيه وهي أحد طرفي العلاقة التي يمثلها مازالت تمثل عدماً، فيبقى الرجل يمثل وجوداً كامناً أي انه بالنسبة الى المرأة التي هي وجود ظاهر يمثل اللاظهور. الرجل هو وجود كامن للمرأة، هو امرأة كامنة، لأنه مازال يحمل عدماً يمثلها.وهذا يعني كما قلنا أن وجود المرأة له مظهران: وجود سالب في الرجل، ووجود موجب تمثله هي.. إن المرأة هي الشكل الذي يظهر الوجود الكامن.. هي الوجود المتأخر، الظاهر، الذي يعكس الوجود الكامن فبوجودها وجد الرجل. إن النساء تعكس الجوهر الإلهي الذي يتصل به الرجل، كما يبين ابن عربي:
رأيت ذكوراً في إناث سواحر

تراءين لي ما بين سلع وحاجر

فخاطبت ذكراناً لأني رأيتهم

رجالاً بكشف صادق متواتر

وكن اناثاً قد حملن حقائقاً

من الروح إلقاء لسورة غافر

وبعلهم الروح الذي قد ذكرته

وانهم ما بين ناه وآمر(137)


إن صورة المرأة تجلي الإلهي:

أقبل الأرض اجلالاً لوطأتها

حباً له وأنا منه على حذر

من أجل تقييده بصورة امرأة

عند التجلي فقلت النقص من بصري

ونسوة كنجوم في مطالعها

وأنت منهن عين الشمس والقمر

يا حسنها غادة كالشمس طالعة

تسبي العقول بذاك الغنج والحور(138)

إن وجود المرأة يظهر الوجود الذي كان كامناً، أي إن وجود المرأة يعني وجود الشكل وانتقال الوجود الى عالم المادة، إن المرأة تظهر الوجود ولذلك يعلّي ابن عربي مكانة العنصر الأنثوي لظهور نشأته به ووجود عينه، فهو ابن لأمه حقيقة(139). والذي نستخلصه من مذهب الصوفية في التجلي أن الله لا يشاهد جهرة، وانما في الأشكال والصور العينية التي تنعكس عنه وتحاكيه، ففيها نتعرف عليه. الله المحبوب المتعالي يظهر في صورة الأعيان، في شكل فيزياوي من أشكال الانعكاس أو التجلي. وتبرز المرأة بوصفها رمزاً لهذا الانعكاس او التجلي في شكل محسوس. وينشط الخيال الإبداعي للشاعر الصوفي في التوحيد بين المتجلي والصورة التي تجلى فيها، إذ يحب في الكائن المرئي ظهور المحبوب الأقدس وتجليه، فهو يرفع هذا الكائن الى درجة النموذج أو الصورة غير القابلة للفساد، أي جعله روحياً. إن المرأة هي الوسيط الذي من خلاله يتجلى الجمال المطلق وفعل المطلق اذ يبدو فيها فعله الخالق تحريراً لأسر الموجودات(140) من عالم الكمون الى عالم الظهور. فرمز المرأة يرتبط لدى الصوفية المسلمين بالتجلي الإلهي في الصور، اذ المطلق لا يشاهد مجرداً عن المواد أبداً. فإذا كان الأمر ممتنعاً، ولم يكن الشهود الا في مادة، فشهود الجمال المطلق في النساء أعظم الشهود وأكمله. وهذا مذهب ابن عربي ويرتبط به غيره من المتصوفة، فجلال الديــن الرومي يذهب الى أن ((المرأة هي النموذج الأعلى للجمال الأرضي. ولكن هذا الجمال ليس شيئاً ما لم يكن انعكاساً وتجلياً للصفات الالهية) واذا ما نحينا حجاب الشكل، وجدنا الشاعر يتأمل الجمال الأبدي في المرأة.. وانه ليراها بوصفها الوسيط الذي يكشف به الجمال غير المخلوق عن ذاته، ممارساً ايجابيته الخالقة.. وطبيعي الا ترتبط هذه الخالقية بوظائف المرأة الفيزيائية، وإنما ترتبط بخصائصها الروحية التي تخلق الحب في قلب الرجل وتجعله يبحث عن الاتحاد بالمحبوب الأقدس))(141).
إن المرأة عندما تجلّي الوجود المطلق أو تنعكس عنه، فإنما تجلّي الوجود المطلق الذي يتصل به الرجل ـ كما يبيّن المتصوفة ـ فالرجل مصدره الله كما قالوا، والمرأة مصدرها الرجل. وهم يتأملون في المرأة الوجود الظاهر الذي يحرر الوجود الكامن من الأسر. إن جوهر الرجل يظهر في المرأة، فكما أن آدم هو النموذج الذي كشف الله فيه عن أسمائه التي كانت مخفية في ذاته، فكذلك المرأة، إنها المرآة والمظهر الذي يتأمل فيه الرجل حقيقته التي هي وجوده الخفي. لقد أُشرب الجوهر الأنثوي رمزاً معرفياً، لأنه لما كانت الأنثى في التصورات الصوفية تجسداً للنفس، ولما كانت معرفة النفس هي معراج الانسان الى معرفة الرب، لزم أن تكون معرفة المرأة من خلال عاطفة الحب المتوهج موصلة الى الله. فحنين الرجل الى المرأة هو حنين الكل الى جزئه والشيء الى نفسه، كما أن حنين المرأة اليه هو حنين الشيء الى وطنه. إن المرأة تجسد للنفس التي معرفتها مقدمة جوهرية ومدخل الى معرفة الربوبية. المرأة هي الموجود الأسمى الذي ربط الحب الصوفي بوساطته بين الروحي والحسي. وإن الحب والزواج هما العلاقة التي تكشف للمحب في الدنيا تجلي المعاني الإلهية في الصورة المحسوسة. وعاطفة الحب الإلهي المشبوب هي الحد الجامع بين التجلي والمشاهدة (142). والمحب يدرك أن الصورة ليست خارجة عنه بل إنها باطنة في وجوده، فيصبح المحبوب أقرب للمحب من نفسه. إن المحبوب كامن في أعماق وجوده، فهما نفس واحدة كما عبر القرآن الكريم، وقد خلق منها زوجها. وإن خلقها وفصلها عنه يظهر هذا الوجود الذي كان كامناً فيه. فآدم وحواء نفس واحدة. واذا رجعنا الى غير القرآن الكريم، الى الأصول التاريخية والاسطورية، فهناك أسطورة الجنس الواحد غير المتمايز، حيث توحي هذه الوحدة غير المتمايزة في التصور الاسطوري الى خنوثة ذلك الجنس الذي كان يجمع بين مبدأي الذكورة والأنوثة(ق). وقد ألمح الى ذلك الرمز الاسطوري، افلاطون في محاورة (المأدبة) ولعله استقى تلك الأسطورة من أصول شرقية قديمة. وفي اللغات الاوربية يطلق اسم الرجل (homo) على الجنس الانساني من باب التغليب، فهو يوحي بهذه الوحدة. وفي كثير من قصص الخلق فإن المرأة خلقت بعد الرجل، على الرغم من أنهما في بعض الأحيان خلقا في زمن واحد. ولا يخفى أن هناك تطابقاً بين قصة الكتاب المقدس وكثير من القصص الأوربي(143). فالمرأة كانت مع الرجل في وحدة، فهي نفسه التي كانت في داخله، ويبين ابن الفارض أن حبه لمن يحب حب لنفسه، لأن المرأة هي نفسه:
وصرت بها صباً، فلما تركت ما

أريد، أرادتني لها وأحبت

فصرت حبيباً، بل محباً لنفسه

وليس كقول مرّ: (نفسي حبيبتي)

خرجت بها عني اليها، فلم أعدْ

اليّ، ومثلي لا يقول برجعة(144)

وهو لا يحيل عن قوله انه هي، أو انها حلت فيه:

متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل

وحاشا لمثلي: إنها فيّ حلّت

ولست على غيب أحيلك، لا ولا

 على مستحيل موجب سلب حيلتي

وكيف وباسم الحق ظل تحققي

تكون أراجيف الضلال مخيفتي(145)

فهو وإياها ذات واحدة، وكذلك من وشى بها وثنى عنها، فكلها مظاهر للوجود الكامن:

وإني وإياها لذات، ومن وشى

بها وثنى عنها صفات تبدت

فذا مظهر للروح هاد لأفقها

شهوداً، بدا في صيغة معنوية

وذا مظهر للنفس حاد لرفقها

وجوداً غدا في صيغة صورية

ومن عرف الأشكال مثلي لم يشبـ

    ـه بشرك هدى في رفع اشكال  شبهة(146)

وهي تمثل الحقيقة التي في داخله والتي بها شغل عنها، وأنه عندما كشف حجاب النفس وجدها لأنها في نفسه، فجلا مرآة ذاته، وانه عندما وصل فإلى ذاته وبها، وانها أشهدته نفسه فتحقق أنه وهي واحد:

ومازلت إياها وإياي لم تزل

ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت

......................

أسائلها عني اذا ما لقيتها

ومن حيث أهدت لي هداي أضلت

وأطلبها مني، وعندي لم تزل

عجبت لها بي كيف عني استجنت

ومازلت في نفسي بها متردداً

لنشوة حسي والمحاسن خمرتي

أسافر عن علم اليقين لعينه

الى حقه، حيث الحقيقة رحلتي

وأنشدني عني، لأرشدني على

لساني، الى مسترشدي عند نشدتي

وأسألني رفعي الحجاب بكشفي الـ

نقاب، وبي كانت الي وسيلتي

وأنظر في مرآة حسني كي أرى

جمال وجودي، في شهودي طلعتي

فإن فهت بأسمي أصغ نحوي تشوقاً

الى مسمعي ذكري بنطقي وأنصت

وألصق بالأحشاء كفي عساي أن

أعانقها في وضعها عند ضمتي

وأهفو لأنفاسي لعلي واجدي

 بها مستجيزاً أنها بي مرت

الــى أن بدا مـني لعـيني بـارق


 وبان سنا فجري، وبانت دجنتي

هناك الى ما أحجم العقل دونه

 وصلت وبي مني اتصالي ووصلتي

فأسفرت بشراً إذ بلغت الي عن

 يقين، يقيني شدّ رحل لسفرتي

وأرشدتني، إذ كنت عني ناشدي

 اليّ، ونفسي بي عليّ دليلتي

وأستار لبس الحس لما كشفتها

 وكانت لها أسرار حكمي أرخت

رفعت حجاب النفس عنها بكشفي الـ
 
 نقاب فكانت عن سؤالي مجيبتي

وكنت جلا مرآة ذاتي من صدا

 صفاتي، ومني أحدقت بأشعة

وأشهدتني إياي، إذ لا سواي في

 شهودي موجود فيقضي بزحمة

......................




ولما شعبت الصدع والتأمت فطو

ر شمل بفرق الوصف غير مشتت

ولم يبق ما بيني وبين توثقي

 بايناس ودي، ما يؤدي لوحشة

تحققت أنا في الحقيقة واحد

وأثبت صحو الجمع محو التشتت(147)

إن المرأة تجلي الوجود، وجوده وكل وجود، وإنه ليراها في كل مرئي، وبها يشهد غيبه:


جلت في تجليها الوجود لناظري

ففي كل مرئي أراها برؤية

وأشهدت غيبي اذ بدت فوجدتني

هنالك إياها بجلوة خلوتي

وطاح وجودي في شهودي وبنت عن

وجود شهودي، ماحياً غير مثبـت

وعانقت ما شاهدت في محو شاهدي

بمشهده للصحو، من بعد سكرتي

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها

  وذاتي بذاتي إذ تجلت تجلّت

فوصفي إذ لم تدع باثنين وصفها

  وهيئتها، إذ واحد نحن هيئتي

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن

  منادى أجابت من دعاني ولبت

وإن نطقت كنت المناجي كذاك إن

قصصت حديثاً إنما هي قصت

فقد رفعت تاء المخاطب بيننا وفي

رفعهاعن فرقة الفرق رفعتي

فإن لم يجوّز رؤية اثنين واحداً

حجاك، ولم يثبت لبعد تثبت

......................


 

كذا كنت حيناً، قبل أن يكشف الغطا

 من اللبس، لا أنفك عن ثنوية

أروح بفقد بالشهود مؤلفي

وأغدو بوجد بالوجود مشتتي

يفرقني لبي التزاماً بمحضري

ويجمعني سلبي، اصطلاما بغيبتي

أخال حضيضي الصحو والسكر معرجي

اليها، ومحوي منتهى قاب سدرتي(148)

                              










والشاعر في الأبيات هذه، يؤكد أنه كان متحداً بها في عالم الروح فشتتهما

الصحو والظهور الى عالم الحس.وأنها هي التي نقلته الى عالم الصحو والظهور بعد المحو والكمون، فتجلت ذاته بها، أي تجلت ذاته بذاته…إن جمال الجوهر الأنثوي يهدي الى جمال حقيقي يتسم بالكلية والثبات. فهو يعبر عن الحقيقة المطلقة التي هام بها الشاعر والتي يحاول الوصول اليها ورؤيتها ليصير ويتحقق وجوده:

حقيقتي همت بها

 وما رآها بصري

ولو رآها لغدا

 قتيل ذاك الحور

فعندما أبصرتها

 صرت بحكم النظر

فبت مسحوراً بها

 أهيم حتى السحر(149)

وهذا الجمال في تجليه في المظهر الحسي يتجاوز هذا المظهر في سعيه صوب اللامتناهي والفكرة المطلقة. إن الشاعر يتطلع من خلال المرأة الى الجمال الإلهي. ومن هنا بدت المرأة في الشعر الصوفي رمزاً موحياً دالاً على الحب الإلهي، وتم للصوفية فيه التأليف بين هذا الحب والحب الانساني. فقد ردوا الجمال الأنثوي الى الجمال العالي المطلق الذي لا تعيّن له في نفسه. والشاعر يحن الى الوحدة ويشتاق الى الجمع. ويصور جلال الدين الرومي لقاء الحبيبة بالرحلة للقاء الله والسعي الى الوحدة معه، ولابن عربي شعر في ذلك(150). ولكن الحبيبة ضنينة بالجمع سمحة بالتشتت، محجبة دون الألباب التي تتعلق بها:

فلي بين هاتيك الخيام ضنينة

عليّ بجمعي، سمحة بتشتتي

محجبة بين الأسنة والظبى

اليها انثنت ألبابنا إذ تثنت(151)

 

والشاعر من فئة تؤمن بالاتحاد لا بغيره:


وجل في فنون الاتحاد ولا تحد

الى فئة في غيره العمر أفنت

فواحده الجم الغفير، ومن غدا

ه شرذمة، حجت بأبلغ حجة

فمت بمعناه وعش فيه أو فمت

معّناه، واتبع أمة فيه أمت(152)

وهو اتحاد بالجمال المطلق لا بغيره، فما يهواه هو الجمال غير المقيد الذي تجلى في شخص الحبيبة، وهو الجمال الذي تجمعت فيه الأهواء وصبت اليه الأرواح:

تجمعت الأهواء فيها فما تـرى

بها غير صب لا يرى غير صبوة

اذا أسفرت في يوم عيد تزاحمت

علــى حسنــها أبصــــار كـــــل قبـيلــــــة




فأرواحهم تصبو لمعنى جمالـها

وأحداقهـــم مـــن حسنهـــــا في حديقــــة


وعندي عيدي كل يـوم أرى به

جمال محـياها، بعيـن قريـرة

وكل الليالي ليلة القدر إن دنـت

كما كل أيـام اللقـا يوم جمعـة



وسعيي لها حج، به كل وقفــة

على بابها، قد عادلت كل وقـفة

وأي بلاد الله حلـت بـها، فـما

أراها، وفي عيني حلت، غير مكة

وأي مكان ضمها حـرم، كـذا

  أرى كل دار أوطـنت دار هجرة

ومـا سكنته فهـو بــيـت مقــدس

   بقرة عيني فيه، أحشـاي قـرت

ومسجدي الأقصى مساحب بردها
  
 وطيبي ثرى أرض، عليها تمشت

....................

وإن طرقت ليلاً، فشهري كله

 بها ليلة القدر ابتهاجا بزورة

لئن جمعت شمل المحاسن صورة

شهدت بها كـل المعانـي الدقيقـــة

ولم لا أباهي كل من يدعـي الهـوى

بها وأنــا هـــي في افتخـــاري بحظــــوة


وقد نلت منها فوق ما كنت راجياً

وما لــم أكـن أملت من قـرب قربتي(153)

وهذا الجمال المطلق يبدو بمظاهر كثيرة يعبر عنها الشاعر بلفظ الأنثى، وهي تبدو وتخفى على حسب الأوقات لعلة في كل حقبة وتظهر للعشاق في مظاهر كثيرة، ففي مرة لبنى وأخرى بثينة وآونة عزة، وقد تراءت لآدم في صورة حواء فهام بها، ولسن سواها ولا كن غيرها. وهو يبدو لها في صورة كل صب متيم، والذين سبقوه في هواها ليسوا غيره، ففي مرة يكون قيساً وأخرى كثيراً وآونة جميل بثينة، فقد تجلى فيهم ظاهراً واحتجب باطناً. وهن وهم عبارة عن مظاهر تتعلق بعضها ببعض بوساطة عاطفة الحب، فكل فتى أحب إنما كان هو، وهي حب كل فتى، والكل إنما أسماء للظاهر:


وصرح باطلاق الجمال ولا تقل

بتقييـده ميـلاً لزخـرف زيـنـة

فكل مليح حسنه من جمالها


معار له،  بل حسـن كـل مليـحة

بها قيس لبنى هام، بل كل عاشق

كمجنون ليلى أو كثيـر عـزة

فكل صبا منهم الى وصف لبسها

بصورة حسن لاح في حسن صورة

وما ذاك الا أن بدت بمظاهر

فظنوا سواها، وهي فيـها تجلـت

بدت بأحتجاب،واختفت بمظاهر

على صبـغ التلوين في كـل برزة

ففي النشأة الأولى تراءت لآدم

بمظهر حّـوا، قـبل حكـم الأمـومة

فهام بها كيما يكون به أبا

 ويظهر بالزوجين حكم البنوة

وكان ابتدا حب المظاهر بعضها
وما   ب
ــرحت  تبـــدو  وتــخفــى  لعلــــة 

 لبعض، ولا ضد يُصدّ ببغضة
على   حســب   الاوقــات  في  كــل  حقبـــــة

وتظهر للعشاق في كل مظهر

 من اللّبس في أشكال حسن بديعة

ففي مرة لبنى وأخرى بثينة

 وآونة تدعى بعزة عزت

ولسن سواها، لا ولا كن غيرها

وما إن لـها في حسـنها من شريـكة

كذاك بحكم الاتحاد بحسنها

 كما لي بدت في غيرها وتزيت

بدوت لها في كل صب متيم

 بأي بديع حسنه وبأية

وليسوا بغيري في الهوى لتقدم

 عليّ لسبق في الليالي القديمة

وما القوم غيري في هواها وإنما

 ظهرت لهم للّبْس في كل هيئة

ففي مرة قيساً، وأخرى كثيراً

 وآنة أبدو جميل بثينة

تجليت فيهم ظاهراً واحتجبت با

 طناً بهم، فأعجب لكشف بسترة

وهن وهم، لا وهن وهم مظاهر

 لنا بتجلينا بحب ونضرة

فكل فتى حب أنا هو، وهي حـ

 ب كل فتى، والكل أسماء لبسة

أسام بها كنت المسمى حقيقة

وكنت لي البادي بنفس تخفت(154)

 

إن الجمال المطلق يتجلى في الأشكال، بخلق الأشكال.. الوجود الإلهي السابق يوجد الوجود الظاهر ليخلق أشكالا تظهره . فالوجود السابق له صفة الفعل، والوجود اللاحق له صفة الأنفعال:


فما ثم الا الحق والحق فاعل

 وما ثم الا الخلق والخلق منفعل(155)

فالشكل أو الوجود الظاهر محل للانفعال والتكوين في مقابل صفة الفعل التي للوجود الباطن، فالله خلق الرجل على صورته، فالرجل محل انفعال لله، والمرأة محل انفعال للرجل. ولم يعبر الفكر الاسلامي عن فعل الرجل وصدور الأبناء تعبير(الخلق) بل استعمل عبارة (التولد)(156).فالأولاد يتولدون عنه، والمرأة محل للانفعال به. الرجل فاعل، والمرأة منفعل به، جوهر فاعل، وعرض منفعل، يظهر آثار الفعل، فالنساء جعلهن الله محلاً لظهور الأبناء. ولقد قرروا قانوناً عاماً في علاقة الفاعل والمنفعل، مؤداه أن كل مؤثر فاعل وكل مؤثر فيه منفعل، وأن قبول المرأة للحمل يوازي رتبة الانفعال. والمرأة بالنسبة الى الرجل كالطبيعة بالنسبة الى الأمر الإلهي. من عرف الطبيعة عرف مرتبة المرأة، فهي محل الفعل والبذر. ونفهم من ابن العربي أن هناك توازياً ما بين الأنثى والطبيعة من حيث كونهما في مدرج الأنفعال، إذ كما تنفعل الأنثى للرجل تنفعل الطبيعة بأسرها للحق. فالطبيعة هي النفس الذي فيه انفتحت صور العالم لسريان النفحة الإلهية. ولقد كانت السماء رمزاً للذكر في مقابل رمزية الأرض، الأم التي ارتبطت بتصورات وأفكار خاصة أضفت عليها رمز الوعاء(157).

لقد وضع الفكر الاسلامي المرأة في مرتبة الخلق المنفعل في مقابل مرتبة الجوهر الفاعل. والخلق المنفعل يظهر تأثير الفاعل، أو يعكس هذا التاثير، فالمرأة تعكس الجوهر الذي في الرجل.وفي تصور ابن عربي عن المرأة أن فيها يشاهد الرجل فاعلاً فهي فاعل ومنفعل. أي إن المرأة رجل كذلك من حيث أنها تعكس جوهر الرجل(158). وننتهي معه الى نتيجة لعلها تفسير لأبياته الآتية التي يقول فيها إنه ما في الكون من رجل، لأن الرجال هم الأناث اللواتي يعكسن الرجال:


إنا اناث لما فينا يولده

  فلنحمد الله ما في الكون من رجل

إن الرجال الذين العرف عينهم
 

  هم الأناث وهم نفسي وهم أملي(159)

إن المرأة فاعل ومنفعل، لأن فيها ينعكس جوهر الرجل، هي تعكس هذا الوجود في ما يظهر منها من وجود، ففيها يظهر تكوين ما سوى الله(160).
وقد عبر الصوفية عن الفعل والانفعال بالإيجاب والسلب. ولقد جعلوا (الذكورة) تمثل مبدأ الايجاب أو الفعل، والذكر خالق بالفعل، وهذه الصفة انعكاس عن صفة الله الخالق:

فأشكاله كانت مظاهر فعله


 بستر تلاشت، إذ تجلى وولت

وكانت له بالفعل نفسي شبيهة

 وحسي كالاشكال واللّبس سترتي(161)

وكما أن الأشكال مظاهر فعل الله، وأن الرجل مظهر فعله، كذلك فإن المرأة بوصفها مظهراً أو شكلاً فهي مظهر فعل الرجل، وهي بهذا تجمع بين مبدأ الفاعل والمنفعل. والرجل يمثل مبدأ الفاعل فقط. ولقد حلل بعضهم مصطلح الحقيقة بوصفه مصطلحاً دالاً على التأنيث بأنها أب وأم للكل لأنها وفقاً لاسمها المؤنث تجمع بين الفعل والانفعال وتتضمن التوازن والانسجام بين الظهور والاحتجاب، فهي الفاعل من حيث أنها الباطن الخفي في كل شكل والمعين الذي يعيّن ذاته في كل متعيّن. وهي المنفعل من حيث ظهورها في المظهر الذي يظهرها ويحجبها. المرأة يتأمل فيها الرجل طبيعته الكلية التي هي فعل وانفعال. إن الذكورة والأنوثة مبدآن: الأول فاعل والثاني منفعل، وان المرأة تنطوي على مبدأ الفاعل والمنفعل، فلها رتبتان، وللذكر  رتبة واحدة.(162)
إن ظهور المرأة هو ظهور للحياة. ووجودها وجود للحركة لأن وجودها وجود للعلاقة أو وجود للتناقض الذي هو الحركة. ولذلك تقترن برمز الدائرة حول المربع. وكنا قد ذكرنا أن الحياة توجد من خلق العدم، وأن العدم (وهو أحد النقيضين قبل ايجاده) يؤدي الى كمون الوجود(الذي هو النقيض الآخر السابق الذي سميناه أصل الحركة)  وان الوجود السابق ينفي العدم او يوجده فيتجلى الوجود، فأيجاد العدم هو تجلي للوجود، أي ظهور بعد كمون(163)، أي ان وجود الحياة هو ظهور للحياة التي كانت كامنة، وان هذا الظهور أو التجلي على مراحل أو أجزاء. فالوجود السابق يوجد الوجود الظاهر على مراحل أو أجزاء. فالخلق لا يتجلى كله مرة واحدة في فكر المتصرفة وغيرهم. وهناك جوهر كامن أو روح كلية كامنة تخرج على أجزاء، وان الأشياء تخرج من حيز القوة الى حيز الفعل شيئاً فشيئاً، وانها تخرج الى حيز الفعل بوساطة العقل الأول، والعقل الأول هو النفس الكلية، ويسمونه المبدأ والمعاد. والمبدأ هو أصل الأشياء، والمعاد ما تعود اليه الأشياء، وقد وصفوه بأنه لا يتعرض للفناء أبداً لأنه جوهر روحاني، فهو تام كامل(164). إن العلو لا يتجلى على نحو واحد، وإنما يتنوع التجلي بتنوع الصور، كما يتنوع بحسب استعداد المتجلي لتفاوت الاستعدادات شدة وضعفاً(165).
ومن جملة الوجود المتجلي الانسان. وهو كذلك يتجلى على مراحل أو أجزاء أو أفراد، وإن هؤلاء الأفراد يدفع بعضهم بعضاً، أو ان الوجود السابق يدفع بعضهم ببعض أو يقذف بعضهم ببعض فيزهقه، وما يزهق هو الباطل. وهذا يعني أن الانسان حق وباطل او علاقة بينهما. وإن هذه العلاقة تنشطر دائماً ليزهق منها الباطل أو العدم الذي أصبحت له رتبة وجودية في الانسان كما يبين ابن عربي. ويستمر تتابع الصور البشرية الذي هو تتابع لوجود صور الحق وتتابع لزهوق صور الباطل حتى يتم ازهاق الباطل كله تماماً، ذلك العدم المقترن بأصل الحركة: ((إن الباطل شيء قذف بالحق عليه فدمغه، فإذا الباطل زاهق. ولا يزهق الا ما له عين أوما تخيل أن له عينا, فلابد له من رتبة وجودية خيالاً كانت أو غير خيال قد اعتني بها على كل حال. ثم إنه من أعظم الحيرة في الحق أن الحق له الوجود الصرف، فله الثبوت، وصور التجلي حق بلا شك.

وما لها ثبوت وما لها بقاء

  لكن لها اللقاء فما لها شقاء

ما من صورة ينجلي فيها إلا اذا ذهبت ما لها رجوع ولا تكرار وليس الزهوق سوى عين الذاهب، فأين تذهبون. فهل في الحق باطل، أو ما هو الباطل، وما أذهب الصورة الا قذف الصورة الأخرى، وهي تذهب ذهاب اختها، فهي من حيث ورودها حق، ومن حيث زهوقها باطل، فهي الدامغة المدموغة.فصدق من نفى رؤية الحق فإن الحق لا يذهب فإنه إن كانت الصور صورنا فما رأينا الا أنفسنا، ونحن ليس بباطل وقد زهقنا بنا فنحن الحق لأن الله بنا قذف علينا، فما أتى علينا الا منا فالله بالحق قاذف، والعبد
للحكم الإلهي واقف:

فالعين مني ومنه

لها البقا والثبوت

ومنه مني يحيي

أو منه مني يموت

لا تدعي فيه دعوى
 

فإنه ما يفوت

من ذا الذي منه يحيي

أو من هو منه يميت

قد حرت فيه وفينا

فنحن خرس صموت

أصبحت لله قوتاً

وإنه لي قوت

فالأمر دور وهذا

علمي به ما بقيت))(166)

إن ايجاد العدم هو غاية الخلق، ولقد قلنا إن العدم بالنسبة الى جنس الانسان هو المرأة. وهذا يعني أن ايجاد المرأة هو هذه الغاية،فهي الجانب السالب أو العدم في جنس الانسان. وأن ايجاد هذا الجانب السالب إظهار للوجود الذي جعله (العدم) كامناً. إن اظهار هذا الوجود هو الغاية التي تحرك تطور تاريخ الانسان، وذلك بوساطة خلق المرأة، فهي إذن غاية تطور الجنس الانساني. لذا نجد في الاساطير القديمة(ايزيس) رمزاً لكل ما كان وما هو كائن وما سوف يكون. وقد تحدثت الأساطير القديمة عن الأم السارية الأمومة، أي الوجود المتصل المصاحب للزمان، وإن تعبير (ما سوف يكون) يعني أن المرأة تحقق التجلي الأعلى(167). وهذا التحقق أو التجلي يتم على مراحل أو أجزاء كما قلنا. واذا كان الوجود السابق يوجد المرأة أو يوجد العدم على أجزاء، فإن هذه الأجزاء التي يظهر كل منها جزءاً من الوجود الكامن أو يعكسه والتي يمثلها وجود المرأة على الأرض لا تمثل أو لا تعكس الوجود السابق عليها كاملاً حتى يتم ايجاد آخر جزء من العدم الذي تراكمت فيه كل الأجزاء التي تم ايجادها (لأن الوجود الأنساني وجود متصل ومتراكم)، فهو يعكس الوجود الكامن أو الجوهر السابق عليه تماماً، الشكل الذي لا سلب فيه اذن هو المرأة الأخيرة الكاملة. ان غاية التطور الطويل في تاريخ الانسان هي الوصول الى هذه المرأة، فهي غاية استمرار الجنس الانساني، غاية وجود الانسان، انها الغاية التي يسعى إليها الكون كله.
إن الرجل يمثل الوجود الكامن، غير الظاهر في مراحل تطوره، في مراحل تناقضه مع صورته الكاملة التي تمثلها المرأة الكاملة قبل أن يصل التطور الى المرحلة الأعلى، فهو يمثل مرحلة عدم تحقق الجوهر تماماً في الشكل قبل الوصول الى المرأة الكاملة. والجوهر يبقى يوجد العدم [ويستمر في تجليه] حتى ينطبق عليه الشكل تماماً، حتى يتعادل العدم الذي في الرجل مع الوجود الذي تمثله المرأة بأن يصبح وجوداً على قدره تماما، أي بأن تخلق المرأة التي تمثل وجوداً ظاهراً أو شكلاً يعكس كل الوجود الكامن في جنس الرجل، المرأة التي تمثل وجوداً ظاهرا للمرأة الكامنة في الرجل. فالرجل وجود كامن لأنه لم يستكمل نفي ما فيه من سلب أو عدم، والمرأة وجود ظاهر. واذا كانت غاية الخلق هي تحويل الوجود الكامن الى وجود ظاهر، فإن المرأة هي التي تحقق غاية الخلق. وإن الخلق والتوالد يستمر للوصول اليها. إن الشكل الأعلى تمثله المرأة لأنها تمثل شكلاً ينطبق على جوهره.  وإن الوصول الى هذه المرأة هو الغاية التي يسعى اليها الجنس الإنساني من وراء عملية التناسل المستمرة، وإن الوصول اليها يمثل انتهاء علاقة التناقض (التي يمثلها الانسان) وهذا يعني انشطارها. أي ان الوصول اليها يشطر كل علاقات التناقض السابقة (الناس كلهم) التي بقيت تحتفظ بكيانها لأن الجوهر الكامل لم يستكمل تجليه في الصورة أو الشكل، لم يستكمل ايجاده للعدم.
إن انشطار علاقة التناقض يعني انتهاء علاقة الذكر والانثى، فالوصول الى هذه المرأة التي تجلي الوجود الكامن في الرجل تماماً ينهي التناقض والاختلاف بين الجوهر الذي يمثله الرجل والشكل الذي تمثله المرأة. أي ان هذه المرأة تمثل اتحاداً بين الرجل والمرأة، تمثل انطباقاً بين شكل المرأة وجوهر الرجل، وعندها تنتهي العلاقة التي يمثلها الجنس الانساني. إن الوصول اليها يعني انتهاء الجنس الانساني.
لقد تحدث الفكر الصوفي عن هذه المعاني، وإن الخلق تجلي، وإن التجلي هو غاية الخلق. والتجلي تحقق واقعي وتجاوز لهذا التحقق، إنه اتصال وانفصال بين الجواهر والأعراض(168). وإن المرأة هي التي تحقق التجلي الكامل. والتجلي الكامل يمثل انطباق الشكل على الجوهر الكامل تماماً. وهذا يمثل عودة الخلق الى المبدأ الذي صدر عنه، فهو يصل في النهاية الى البداية التي انطلق منها. والبداية هي الجوهر الكامل أو الوجود السابق الكامن، هي الله، فلقد وصف الخالق عز وجل نفسه بأنه الأول لأن الخلق ومنه الانسان قد صدر عنه، وبأنه الآخر من خلال عودة الإنسان أو الوجود المادي اليه ، لأن الخلق صدر عنه  ليسعى الى العودة اليه عن طريق إظهاره . وللسهروردي قوله في (مناجاة) له:
((إلهي واله جميع الموجودات، من المعقولات والمحسوسات.
……
أنت الأول الذي لا أول قبلك.
وأنت الآخر الذي لا آخر بعدك.
…..
يا نور كل النور.
يا قيوم يا حي، يا كل، يا مبدأ الكل.))(169)
فهو الأول وهو الآخر، ولأنه كذلك فإن الوصول اليه بالسعي الى الكشف عنه يسير في حركة دائرية. وقد أكد الفكر الاسلامي مسألـة الدورة في مسيرة النفس الانسانية، وأن ((النفس بدأت من عالم تعود اليه))(170) وأن صدور الخلق عن الله يعتمد على عمليتين أساسيتين، هما عملية صدور هابطة من الواحد الأول الإلهي في خلال درجات ثمان تنازلية للوجود، ثم عملية عود تصاعدية للتكامل في نفس الانسان(171). وأن المرأة هي التي تحقق هذه العودة، لأنها تمثل حالة الكشف والإظهار، فمن جمالها المقيد يعبر الى الجمال المطلق، فهي تعكس هذا الجمال المطلق، ومن خلالها نعبر اليه(172)، أي انها تحقق العودة اليه. ولذا فإن حب الرجل للمرأة واتحاده معها يحقق له العودة الى مبدأه.
وها أنا أبدي في اتحادي مبدئي

 وأنهي انتهاء في تواضع رفعتي(173)

وقد تحدثوا عن (الإنسان الكامل) الذي سيحقق هذه العودة، هذا الإنسان وصفوه بأنه يمثل كل تاريخ الانسان، وقد وصفوه بأنه أبو الوقت، وكأن كل تاريخ الانسان يعمل جاهداً على صنعه. واذا وصفوا تطور تاريخ الانسان بأنه جدل العلاقة بين المربع والدائرة، فقد وصفوا هذا الإنسان الكامل بأنه المربع أو النقطة والدائرة، لأنه يتضمن كل تاريخ الإنسان كما قلنا.
لقد تحدث المتصوفة عن (الإنسان الكامل) الذي أراد الجوهر الكامل أن ينعكس من خلاله، وهذا ما تناولته لديهم نظرية الفيض، وأن الانسان الكامل هو الصورة التي أراد الله أن توافقه.
وفكرة الإنسان الكامل لا تخص المتصوفة وحدهم، وهي فكرة قديمة وقد ألقت عليها الأبحاث المعاصرة ضوءاً ساطعاً، وبينت انها نشأت في الرؤى السامية، فنجدها عند أنبياء بني اسرائيل، وفي المسيحية وفي الاسلام. ولقد وصفوه بأنه النموذج الأول للانسانية وأصلها. وأنه كائن ذو طبيعة إلهية، لكنه متميز عن الألوهية العليا بكونه الحياة الفانية(174). وأنه الانسان الخليفة الذي حاز مرتبة الانسانية، أما غير الانسان الكامل فهو الانسان الحيوان(175): ((وما كل انسان خليفة، فإن الانسان الحيوان ليس بخليفة عندنا))(176) وان الخلافة عن الله معنى مركوز في الانسان بالقوة منذ آدم الى آخر مخلوق وهو الانسان الكامل(177). وهذا قد يتصل بنظرية الكمون كما قلنا، التي تاثروا بها، فجميع الموجودات خلقها كامن في آدم، ثم أكمن خلق بعضها في بعض، وإن التقدم والتأخر لوجودها الظاهر، لا لوجودها الكامن الذي هو وجود كامل وسابق(178). فالانسان الكامل الذي يضم كل تاريخ الانسان يتحقق على أجزاء تتمثل في أفراد البشر، فهو الكامل بالتحقق وليس له الكمال أصالة(179). وقد تكلم أخوان الصفا على النفس الكلية والنفوس الجزئية التي تؤلفها، وهي دورات كل منها قيامة واحدة. وإن النفس الكلية سوف تنتصر، وانتصارها رمز الى ظهور السابع(180). وقد قلنا ان الرقم(7) هو دورة الفلك لديهم فهو الدائرة، والدائرة هي المرأة. فالانسان الكامل يكون من النساء شكلاً كما يكون من الرجال جوهراً، يقول ابن عربي:(( وليس المخصوص بها أيضاً الذكورية فقط، فكلامنا اذن في صورة الكامل من الرجال والنساء.))(181) فالمرأة انسان كامل ولهذا تصلح أن تكون اماماً في الصلاة فهذا للرجال وللنساء على السواء.(182)
إن الانسان الكامل أو النفس الكلية هي تجميع لكل النفوس الجزئية التي ظهرت على مدى التاريخ.(183) وقد يعبرون عن النفس الكلية بأنها المرأة،  وقد عبروا عنها بقدسية، فهي اللوح المحفوظ الذي يمده القلم الأعلى.(184) ولقد تحدثوا في فكرة الأنسان الكامل عن انتصار المرأة. ونقرأ في أحاديثهم عنه عبارة: تلد الأمة ربتها. وقد يجعلون للمرأة دوراً تمهيدياً تقوم به، فمنها يولد الانسان الكامل(185)، فهي تهيء لظهوره، لأن المرأة هي السبب لظهور الانسان وهذا ايضاً معنى وصفها بأنها الوجود الظاهر، فهو لا يعني فقط أنها تظهر إنما هي تظهر الرجل كذلك، فهي ظهور للخلق جميعاً. ومعنى انها تهيء لظهور الانسان الكامل نجده عند نيتشه في فلسفته لوجود الإنسان الكامل الذي تلده المرأة ولا تكونه. ولابن عربي شعر يتحدث فيه عن الانسان الكامل الذي كتبت له الغلبة من خلال المرأة التي يعمي سناها الأبصار:
إن الظهور له شرط يؤيده

  وليس يظهره الا الذي غلبا

إن الفتاة التي في طرفها حور

  تفني الدموع وتذكي قلبنا لهبا

فإن أتوك وقالوا إنها نصف

  فإن أفضل نصفيها الذي ذهبا

أنقدتها ورقاً حتى أفوز بها

  فمانعت فلهذا صغته ذهبا

لو أنها ظهرت لكل ذي بصر

  أعمى سناها لهذا عينها احتجبا(186)

واذا كان قد وصف الانسان الكامل بأنه(الخليفة)، فإنه وصف الشمس ـ وهي مؤنث ـ لا القمر ـ المذكر ـ بأنها خليفة الله تعالى في السموات والأرض.(187)
إن الانسان الكامل يمثل انطباق كل الظاهر على الباطن. وهو ظاهرة فردية لا تنطبق على الواقع الإنساني العام . ولقد جعل ابن عربي الكمال المطلق مقياساً للكمال الانساني بدل أن يستقرئ الانسان متخذاً إياه القياس. ولذلك تتوالى مصطلحاته المرادفة للإنسان الكامل: ظل الله، عرش الله، خليفة الله. فهو صورة الحق(188).هو المظهر الخارجي للاهوت، فاللاهوت يتجلى في الناسوت في صورة الآكل الشارب، كما يقول الحلاج:

سبحان من أظهر ناسوته

سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا لخلقه ظاهراً

في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه

كلحظة الحاجب بالحاجب(189)

وقد ذهب الحلاج الى ((أنه صورة الإله القائمة على الأرض. وأن كل انسان يمثل واحدة من تلك الصور الألهية التي لا تحصى… وفي ضوء ما قلنا يتضح معنى الدعوى الحلاجية التي من أجلها لقي صاحبها حتفه، وهي قوله (أنا الحق)..أي أنا المظهر الخارجي الذي ظهر فيه الحق وبواسطته ظهر جلال الحق وجماله.))(190) وله شعر كثير يخاطب فيه الحق بأنه هو نفسه، ومنه:
كتبت ولم أكتب اليك وإنما

  كتبت الى روحي بغير كتاب

وذلك أن الروح لا فرق بينها

  وبين محبيها بفصل خطاب

وكل كتاب صادر منك وارد

  اليك، بلا رد الجواب، جوابي(191)

وقد تعارف المتصوفة على المعاني التي ترددت في شعر الحلاج، يقول الجنيد:
إذا شئت أن أدعوه ناديت: يا أنا

  وان يدعني، نادى جميعي بيا إني

فيخبرني عني بما أنا مخبر

اذا شئت عني بالذي مخبر عني(192)

فالناس صور  تصدر عن الذات الإلهية، والإنسان الكامل هو الصورة الكاملة ولهذا سمي كاملاً(193): ((إن الانسان الكامل لا يبقى له في الحضرة الالهية اسم الا وهو حامل له.))(194) فهو فريد من نوعه، كما يقول الأمير عبدالقادر الجزائري(195)، ((ثم كشف لي عن برزخية الانسان الكامل، وقال لي: هو الوجه لكل وجهة، وهو مولاها، وهو الجامع لأحكام الوجوب والامكان. وهو مجمع البحرين: أي الظهور والبطون. وقال لي: هو صاحب درجة الاعتدال ومنصب النقطة والعلة، وهو سر الاسم الأول من حيث المعنى، والآخر من حيث الصورة. وقال لي: (الانسان طابع علامة الاسماء وهو الختم المذكور بسر الإمداد والاستمداد، وهو وارث الخلافة بمظهر الوحدة والكثرة. ثم كشف لي عن تاموره الأزلي فقرأت قوله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.) لمعنى قوله: (إن الله خلق آدم على صورته))(196). فهو يجمع بين الباطن المطلق والظاهر المطلق_كما يقول_: ((اعلم أن مرتبة حقيقة الانسان الكامل هي باطن الاسم الظاهر، وهو برزخ بين الظاهر المطلق وبين الباطن المطلق. فالحضرة الكونية المسماة بالعالم هي صورة الاسم الظاهر، والحضرة الإلهية هي مرتبة الاسم الباطن. وحضرة الانسان الكامل هي مظهر الاسم الجامع بين الاسم الظاهر والاسم الباطن، فالانسان الكامل برزخ بين الحضرة الالهية..والكونية.))(197) فلقد ((أقامه الحق برزخاً بين الحق والعالم، فيظهر بالأسماء الالهية فيكون حقاً، ويظهر بحقيقة الإمكان فيكون خلقاً.))(198) فهو (الجامع لحقائق العالم وصورة الحق سبحانه))(199) إذ ((خلقه الله في أحسن تقويم وأبرزه نسخة كاملة جامعة لصور حقائق المحدث وأسماء القديم..وأنشأه برزخاً جامعاً للطرفين،))(200) وبهذا ((فما صحت الخلافة الا للانسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه (كنت سمعه وبصره)، ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين))(201) ((فكأنه برزخ بين العالم والحق، وجامع لخلق وحق. وهو الخط الفاصل بين الحضرة الالهية والكونية، كالخط الفاصل بين الظل والشمس وهذه حقيقته.))(202) ((فظاهر الانسان خلق وباطنه حق، وهذا هو الانسان الكامل المطلوب، وما عدا هذا فهو الإنسان الحيواني.))(203) ((الإنسان الكامل: هو الحد الجامع الفاصل بين الحق والعالم، فهو يجمع من ناحية بين الصورتين، يظهر بالأسماء الإلهية فيكون حقاً، ويظهر بحقيقة الامكان فيكون خلقاً))(204) ((وكما هو برزخ بين الحق والخلق في الوجود، كذلك هو برزخ بينهما في العلم والمعرفة))(205) ((وهو…الكلمة الجامعة، وأعطاه الله من القوة بحيث أنه ينظر من النظرة الواحدة الى الحضرتين فيتلقى من الحق ويلقي الى الخلق))(206) ((وهو يفصل من ناحية أخرى بين وجهي الحقيقة، فيمنع الخلق من عودة الإندراج في الغيب الذي ظهر منه، إنه حد بين الظاهر والباطن، يمنع الظاهر من اندراجه في البطون))(207) فهو يمثل قمة تجلي الباطن، حتى يمنع الظاهر من اندراجه في البطون، أي لا اندراج في البطون مع وجوده، فقد خرج كل الوجود الباطن الى عالم الظهور والحس، ونفي العدم أو الجانب السلبي تماماً. ولأنه الظهور الأكمل والأخير، فقد جعله صدر الدين القونوي المرتبة الأخيرة في الوجود الذي قسمه الى أربعين مرتبة، فهو يمثل ظهور الحق الأكمل، وهو العالم الدنياوي والعالم الأخراوي، وهو القديم والحادث.(208)
إن الإنسان الكامل هو الغاية التي تحرك الوجود الإنساني. ظهوره بالولادة وتجاوز هذا الظهور بالموت، فهناك فكرة كلية كامنة تحرك كل تاريخ الإنسان الطويل. وهذه الغاية كامنة في آدم وتتحقق على أجزاء في ذريته، حتى الجزء الأخير الذي يمثل الأجزاء كلها، فهو الوجود الجامع الكامل الذي يعادل الوجود السابق الكامن . كما انه غاية العالم، والحافظ له. أي انه ما دام التطور لم يصل اليه بعد، فوجود العالم يبقى مضموناً مستمراً حتى يتحقق هو: ((إن الانسان الكامل هو علة وجود العالم، والحافظ له.. أي المخلوق بسببه العالم.))(209) وإنه ((روح العالم، والعالم المسخر له علوه وسفله. وإن الإنسان الحيواني من جملة العالم المسخر له))(210) فالفكر الصوفي يفرق بين الانسان الكامل، الخليفة، والإنسان الحيوان: ((وما كل انسان خليفة، فإن الانسان الحيوان ليس بخليفة عندنا))(211) وذلك ((لأن الانسان الكامل وجد على الصورة لا الانسان الحيوان.))(212)
والإنسان الكامل هو الأول، بوصفه يمثل الباطن. كما انه الآخر، بوصفه يمثل الظاهر الكامل. فهو الأول والقديم(213) ((بوصفه ممثل الانسانية ومعناها الباطن))(214) وغائية التاريخ هي الرجوع القهقرى بشخص هذا الإنسان(215). وقد وصفه ابن عربي بأنه الأول والآخر، الأول لأنه يصدر عن الأول، والاخر لأنه يسعى الى الآخر بمحاكاته، وهذه الحقيقة يأخذها عن الشرع ويشتقها بالعقل:

سبحان من جمع العباد لذكره

يوم العروبة فأصطفاه الأول

ختم الاله به وجود عباده

شرعاً وعقلاً سادتي فتأولوا

ما قلته فلقد أتيت بحكمة

غزا جلاها المقام الأنزل

لما تواضع عن علو مكانه

في ذاته أخفاه عنا الأسفل

فهو المهيمن لا أشك وإنه

لهو الجواد على العباد المفضل(216)

وإن هذه الأولية والآخرية تحفظ العالم، والا لعجز المخلوق القاصر. وهي تعني التقاء الآخر بالأول وعودته اليه، فحركته نحوه حركة دائرية. وهو في حركته الدائبة هذه يجلي الجوهر الكامن فتتحقق المعاني الإلهية في الواقع:

والله ما الأول والآخر

الا لحفظ العالم الداثر

فإنه يعجز عن حفظه

لوصفه المخلوق بالقاصر

فكأن بالآخر حفظاً له

ليلتقي الواحد بالآخر

فأمرنا دائرة كله

فالتحق الأول بالآخر

وإنه جلى لنا ذاته

في صورة الباطن والظاهر(217)

ثم أجمل لنا فكرة واضحة عنه، مبيناً أنه يتحقق على مراحل أو مراتب، كل منها تمثل إحدى الصفات الالهية، وأنه الغاية وحالة الكمال التي تصاحبها حالة كمال للواقع أو المجتمع، إذ تتحقق دولة العدل الإلهي ويتجلـى عدل الله في الأرض، أي يتحقق الواقع الذي يمثل انطباقاً كاملاً على القيم الإلهية، وبهذا ينتهي التناقض بينهما، وبانتهاء التناقض ينتهي وجود العالم الذي يقوم على هذا التناقض: ((ولله الأولية لأنه موجد كل شيء، ولله الآخرية فإنه قال واليه يرجع الأمر كله. وقال واليه ترجعون. وقال الا الى الله تصير الأمور. فهو الآخر، كما هو الأول، وما بين الأول والآخر، تظهر مراتب الأسماء الإلهية كلها. فلا حكم للآخر الا بالرجوع اليه في كل أمر. فإذا كان الله الأول، فالانسان الكامل هو الآخر، لأنه في الرتبة الثانية، وهو الخليفة، وهو أيضاً الآخر بخلقه الطبيعي، فإنه آخر المولدات لأن الله لما أراد به الخلافة والإمامة بدأ بأيجاد العالم وهيأه وسواه وعدله ورتبه مملكة قائمة، فلما استعد لقبول أن يكون مأموماً أنشأ الله جسم الانسان الطبيعي ونفخ فيه من الروح الالهي، فخلقه على صورته لأجل الاستخلاف فظهر بجسمه وكان المسمى آدم، فجعله في الأرض خليفة. وكان من أمره وحاله مع الملائكة ما ذكر الله في كتابه لنا وجعل الأمامة والخلافة في بنيه الى يوم القيامة. فهو الآخر بالنسبة الى الصورة الإلهية والآخر أيضاً بالنسبة الى الصورة الكونية الطبيعية. فهو آخر نفساً وجسماً. وهو الآخر برجوع العالم اليه لأنه يرجع اليه أمر العالم. فهو المقصود به عمرت الدنيا وقامت، واذا رحل عنها زالت الدنيا ومارت السماء وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسيرت الجبال وعطلت العشار وسجرت البحار وذهبت الدار الدنيا بأسرها وانتقلت العمارة الى الدار الآخرة بأنتقال الانسان فعمرت الجنة والنار وما بعد الدنيا من دار الا الجنة والنار. فالاسم الأول للأولى وهي الدار الدنيا، والاسم الآخر للأخرى وهي الآخرة. وإنما قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، وللآخرة خير لك من الأولى، لأن الآخر ما وراءه مرمى فهو الغاية، فمن حصل في درجته فإنه لا ينتقل فله الثبوت والبقاء والدوام. والأول ليس كذلك فإنه ينتقل في المراتب حتى ينتهي الى الآخر وهو الغاية فيقف عنده، ولهذا قال له وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى، فأعطاه صفة البقاء والدوام والنعيم الدائم الذي لا انتقال عنه ولا زوال، فهذا ما أعطاه حكم هذه الحضرة والله يقول الحق وهو يهدي.))(218)
ويبين ابن عربي أن حالة الكمال الانساني يسعى اليها الإنسان من خلال ما غرسه الله فيه من مثل أو صفات إلهية يسعى الى التماثل معها. وهذا معنى ما مر ذكره من أن الخلافة عن الله التي يحققها الانسان الكامل معنى مركوز في النفس بالقوة يسعى الانسان الى التماثل معه. فالسعي من جانب الانسان، وهذا يتصل بحقيقة أن الانسان علاقة، والعلاقة حركة، فهو الذي يتحرك باتجاه الكل، الجزء يسعى الى كله، الى التمثل به ، وليس العكس:

 (إذا كان من تدري مصور ذاتنا

عليه فما في العين الا مماثل

وإن كان هذا مثل ما قلته لكم

وصح به حكمي فصح التماثل

فما عنده الا الذي هو عندنا

فإن صح هذا القول أين التفاضل

بل أنه عيني وما أنا عينه

ولو أنني كفؤ لبان التقابل

واعلم أن الله لما خلق آدم على صورته علمنا أن الصورة هنا في الضمير العائد على الله، أنها صورة الاعتقاد في الله الذي يخلقه الانسان في نفسه من نظره أو توهمه وتخيله، فيقول هذا ربي فيعبده، إذ جعل الله له قوة التصوير ولذلك خلقه جامعاً حقائق العالم كله،  ففي أي صوره اعتقد به فعبده فما خرج عن صورته التي هو عليها من حيث هو جامع حقائق العالم، فلابد أن يتصور فيه، أعني في الحق إنسانيته على الكمال أو من إنسانيته.. فالانسان ينشئ في نفسه صورة يعبدها، فهو المصور وهو مخلوق منشأ أنشأه الله عبداً يعبد ما ينشئه.))(219)
إن العقل البشري يسعى الى التوافق مع العقل الإلهي الذي هو العقل الكامن أو الجوهر أو المركز الداخلي في الإنسان، والذي يدفعه الى تجاوز عقله الفردي الجزئي ويحثه على السعي الى محاكاته. وبتجاوزه لنفسه وحذفه أو الغائه لجزئيته، يعود العقل الجزئي اليه ويكون على قدره.


الهوامش:

(1) ينظر: معرفة الآخر، مدخل الى المناهج النقدية الحديثة، عبدالله ابراهيم، سعيد الغانمي، عواد علي المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1990، ص 74ـ 75، 80، 107، 111.و: الأسطورة اليوم، لرولان بارت، ترجمة حسن الغرفي، سلسلة الموسوعة الصغيرة(345)، بغداد دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الاولى، 1990، ص8ـ9، 11،14،16، 23،32، 34،36،95.
(2) ينظر: معرفة الآخر، ص 83، 107، 110.و: الاسطورة اليوم، ص5ـ6.
(3) ينظر: معرفة الآخر ، ص 81.
(4) ينظر: الصوفية والسوريالية، ص15،31،89،162،164،165،167،168.
(5) ينظر الانسان ورموزه,كارل غوستاف يونغ وجماعة من العلماء, ترجمة سمير علي, دار الشؤون الثقافية والنشر الجمهورية العراقية,1984,ص9, 12, 19, 26, 29, 37,31, 45, 65, 85, 86.
(6) المصدر السابق, ص10, 59.
(7) ينظر: النقد الأدبي الحديث، أصوله واتجاهاته، دكتور أحمد كمال زكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، ص189،195ـ196.
(8) ينظر: الصوفية والسوريالية، ص39ـ42،44،46.
(9)المصدر السابق، ص57ـ59،84،89،160،161.
(10) نفسه، ص89، 115، 125، 133، 137، 145، 156، 157، 159، 160، 161، 162، 167، 168.
(11) نفسه، ص, 28, 29, 31, 32, 47, 48, 51, 59, 60, 61, 87, 89.
(12) ينظر: دليل الناقد الادبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2000ص230-231.
(13) هذه البحوث نشرت مسلسلة في مجلة الموقف الثقافي تحت العناوين: 1ـ كروية العقل، العدد7، ص 72، 1997. 2ـ القانون المطلق، العدد8، ص72، 1997.  3ـ في جدل الانسان، العدد 16، ص29، 1998.
(14) ينظر: الانسان ورموزه, ص359, 374, 382.
(15) ينظر: الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي، شاكر حسن آل سعيد/ دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط. أولى، 1988، ص 7ـ 11، 32، 77، 80، 81.
(16) المصدر السابق: ص 64، 114، 162، 191.
(17) نفسه، ص 205، 219ـ 223.
(18) نفسه، ص88، 114، 176، 202، 204، 222، 223.
(19) نفسه، ص 141، 147، 148.
(20)نفسه، ص 9، 10، 59، 61.
(21)نفسه، ص 57، 64، 175، 176.
(22) نفسه، ص70، 103، 155، 165، 170، 176، 226.
(23) نفسه، ص 57، 60، 62، 63، 70، 226.
(24) نفسه، ص70، 225، 227.
(25)ينظر: الانسان ورموزه, ص360, 362, 363, 371, 374, 376, 378, 382.
(26) ينظر:فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق،الجزء الأول،شاكر حسن                                                                                  آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1983، ص 211ـ 214.
(27) ينظر: رسالة في سياق الخطاب الجمالي، شاكر حسن آل سعيد/ مجلة أسفار، العدد 17، 18، 1994، ص 24ـ 25.
(28)ينظر: الانسان ورموزه, ص363, 366.
(29)ينظر : المدن في الاسلام حتى العصر العثماني , الجزء الاول, شاكر مصطفى, ص367-370.
(30)ينظر: الانسان ورموزه, ص368, 369.
(31) ينظر: الصوفية والسوريالية، ص22ـ26.
(32) ديوان أبي بكر الشبلي، جمع وتحقيق الدكتور كامل مصطفى الشيبي، الطبعة الأولى 1386ـ 1967، ص 132.
(33) ينظر: المعجم الصوفي، الدكتورة سعاد الحكيم، دندرة للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 1401هـ ـ 1981م، ص 249.

(34) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، الدكتور عبداللطيف محمد العبد، دار العلم للطباعة، ص 98.
(35) المصدر السابق، ص 70.
(36) نفسه، ص 199.
(37) نفسه، ص70، 72، 99.
(38) من الكتب الأدبية التي استوحت المربع والدائرة أو النقطة والدائرة كتاب (نقطة الدائرة) لناصيف اليازجي، بيروت، المطبعة الأميركانية، 1948. و(النقطة والدائرة) لطراد الكبيسي دار الشؤون الثقافية العامة، 1987، و(أنا النقطة فوق فاء الحرف) لشاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1998.
(39) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، هانز شيدر، ترجمة الدكتور عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثانية.1976، ص 137.
(40) المعجم الصوفي، ص 514.
(41) المصدر السابق، ص 249.
(42) نفسه، ص 248، 513.
(43) نفسه، ص 514.
(44) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص125، والمعجم الصوفي، ص158، 181ـ 182.
(45) شرح ديوان الحلاج، الجزء الاول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي،مكتبة النهضة، بيروت ـ بغداد، الطبعة الاولى، 1394هـ ـ 1974، ص214.
(46) الانسان الكامل في الاسلام، ص142.
(47) ينظر: المعجم الصوفي، ص121.
(48) المعجم الصوفي، ص 539، عن ف2، 445. وينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص168.
(49) ينظر: الأنسان الكامل في الاسلام، ص168.
(50) المصدر السابق، ص214.
(51) نفسه، ص147.
(52) ينظر: المعجم الصوفي، ص158.

(53) عبرت السوريالية، وهي التي قلنا إنها تلتقي مع الصوفية في سلوكها المعرفي وفي تفسيرها للمعرفة عن هذا الفهم لما تدل عليه (النقطة العليا) وهي من المصطلحات التي اهتمت بها السوريالية، فيحددها بريتون قائلاً: كل شيء يدفع الى الاعتقاد بوجود نقطة روحية ينعدم فيها التناقض بين الحياة والموت، الواقعي والخيالي، الماضي والمستقبل، ما يمكن ايصاله وما لا يمكن. ومن العبث البحث عن محرك آخر للفاعلية السوريالية غير الأمل بتحديد هذه النقطة التي هي بمنزلة كون يتلاقى فيه الكون الداخلي الذاتي والكون الخارجي الموضوعي، وفيها تتجمع الطاقات الإلهية التي حلم نيتشه بأستردادها والتي عاش فيها التصوف العربي في نظرية الحلول وفي نظرية وحدة الوجود. في هذه النقطة العليا يتم الانعتاق من عالم الظواهر والعقلانية الموضوعية وتتم المعرفة. في النقطة العليا نتجاوز الغربة ونحظى بذاتنا الحقيقية، وإذ نحظى بذاتنا الحقيقية نحظى في الوقت ذاته بالعرفان.. ينظر: الصوفية والسوريالية، ص49ـ51.
(54) الفتوحات المكية، محيي الدين ابن عربي/ مطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر، جـ4، ص556.
(55) كتاب الطواسين، منصور الحلاج، القاهرة، مطبعة النديم، 1989، ص26ـ 27.
(56) ينظر: المعجم الصوفي، ص124.
(57) كتاب الطواسين، ص29.
(58) الانسان الكامل في الاسلام، ص177.
(59) ينظر: المعجم الصوفي، ص181.
(60) المصدر السابق، ص182.
(61) نفسه، ص158.
(62) الانسان الكامل في الاسلام، ص113.
(63) المصدر السابق، ص196.
(64) شرح ديوان الحلاج، الجزء الأول، ص204.
(65) ديوان ابن الفارض، حققه وقدم له المحامي فوزي عطوي، الشركة اللبنانية للكتاب، بيروت ـ لبنان، ص81.
(66) ينظر هامش ص81 من الديوان.
(67) المصدر السابق، ص41.
(68) الرمز الشعري عند الصوفية، الدكتور عاطف جودة نصر، دار الأندلس، دار الكندي، بيروت، ط.أولى، 1978، ص144.
(69) ديوان ابن الفارض، ص65.
(70) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص210.
(71) ديوان ابن الفارض، ص64.
(72) الأنسان الكامل في الاسلام، ص207.
(73) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص26
(74) من الحقائق العلمية التي تؤكد اقتران الدائرة بهذا الرقم، أن العناصر في (الجدول الدوري) تتشابه خواصها كل ثمانية عناصر، أي أن الرقم (8) ينقل الحركة الدورية الى بداية منطلقها فتتشابه، وان الرقم (7) يمثل نهاية الحركة الدائرية.
(75) الانسان في فكر اخوان الصفاء، ص80ـ 81.
(76) المعجم الصوفي، ص158.
(77) نفسه، ص161.
(78) في مباحثنا السابقة، كنا قد انتهينا الى(قانون مطلق) أو عام يحكم كل الاشياء والظواهر ويتغلغل فيها مكوناً أساسها وبنيتها الجوهرية.وقد استخلصنا مبادئه، وهذه المبادئ العامة نجد صياغتها النهائية في علاقة (المربع والدائرة) التي تمثل القانون الذي يحتوي كل تفاصيلها وهو ما نتوصل اليه من تأويلنا لهذين الرمزين.
 (79) آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، الجزء الأول، عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص89ـ 90.
(80) ديوان ابن الفارض، ص99.
(81) كتاب الطواسين، ص49.
(82) المعجم الصوفي، ص248، عن الفتوحات المكية، 1/5.     
(83) المصدر السابق، ص271، عن الفتوحات المكية، 4، 306ـ307.
(84) الفتوحات المكية، جـ4، 334.
(85) المصدر السابق، جـ 4، ص301.
(86) نفسه، جـ4، ص300.
(87) نفسه: جـ4، ص198.
(88) نفسه، جـ4، ص146.
(89) نفسه، جـ4، ص198.
(90) نفسه، جـ4، ص302.
(91) المعجم الصوفي، ص248، عن الفتوحات المكية، جـ3، ص126.
(92) الفتوحات المكية، جـ3، ص429.
(93) ينظر: المنهج الجدلي عند هيجل، ص153.
(94) الفتوحات المكية، جـ4، ص280.
(95) المصدر السابق، جـ4، ص198.
(96) نفسه، جـ3، ص396.
(97) نفسه، جـ 1، ص134.
(98) ينظر: آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، جـ1، ص186.
(99) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، ص 73.
(100) آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، جـ1، ص89، 91.
(101) المبادئ الجدلية العامة التي كنا قد اشرنا اليها في الهامش رقم(78) تتضح في كل علاقة تناقض ومنها الانسان، فهو محكوم بمبادئ قانون ثابت لأنه تضمه ثنائية متلازمة مكونة من ذكر وأنثى وهما مختلفان في الجنس، وقد تتبعنا في مبحث سابق تطور العلاقة بين الذكر والأنثى عبر تاريخ الانسان وما تفترضه الفلسفة الجدليةـ التي قررنا مبادئها ـ لهذا التطور. وتتبعنا تطور هذه العلاقة في جسم الانسان وتعرفنا على طبيعة الصراع بين الأطراف المتناقضة أو المختلفة وتطوره ونتيجته التي ينتهي اليها.
(102) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، ص111.
(103) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص148، 156.
(104) ينظر: المعجم الصوفي، ص248.
(105) المصدر السابق، ص152.
(106) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص151.
(107) ينظر: المعجم الصوفي، ص144.
(108) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص151.
(109) ينظر: المعجم الصوفي، ص144.
(110) المصدر السابق، ص145.
(111) نفسه، ص146.
(112) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص152ـ 154.
(113) ينظر: المعجم الصوفي، ص208.
(114) شرح ديوان الحلاج، ص157.
(115) ديوان ابن الفارض، ص76.
(116) المصدر السابق، ص63.
(117) نفسه، ص73.
(118) نفسه، ص98ـ 99.
(119) نفسه، ص107.
(120) نفسه، ص78.
(121) نفسه، ص94ـ 95.
(122) نفسه، ص101ـ 103.
(123) السهروردي، ص97.
(124) ينظر: شرح ديوان الحلاج، ص171ـ172.
(125) الفتوحات المكية، جـ1،ص134ـ 135.
(126) شرح ديوان الحلاج، ص170.
(127) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص148ولعل هذا المصطلح يشبه مصطلح المسيحية.
(128) السهروردي، ص78.
(129) المصدر السابق، ص78.
(130) نفسه، ص91.
(131) شرح ديوان الحلاج، ص171.عن ديوان ابن عربي، ص211.
(132) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص160ـ161.
(133) شرح ديوان الحلاج، ص167.
(134) المصدر السابق، ص168، عن الديوان، ص33.
(135) نفسه، ص168ـ169.
(136) نفسه، ص168، عن كتابه(المواقف) ص60ـ61.
(137) الرمز الشعري عند الصوفية، ص266، عن الديوان الكبير لأبن عربي، ط. مكتبة المثنى/ بغداد، ص26. ويلاحظ أن هذه التعابير قريبة من تعابير المسيحية التي يمكن حملها على المجاز والنظر الى ما وراءها من الحقائق الفلسفية، وهذا ما ذهب اليه هيجل.
(138) المصدر السابق، ص226، عن الديوان الكبير لابن عربي، ص55ـ56.
(139) نفسه، ص149.
(140) نفسه، ص,140,134ـ 141، 145، 149.
(141) نفسه، ص150.
(142) نفسه، ص144،151ـ 153.
(143) نفسه، ص124ـ125،146.
(144) ديوان ابن الفارض، ص52.
(145) المصدر السابق، ص59.
(146) نفسه، ص71.
(147) نفسه، ص58، 82، 83، 84،89.
(148) نفسه، ص53، 55.
(149) الفتوحات المكية، جـ4، ص556.
(150) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص162، 175،186، 217،227.
(151) ديوان ابن الفارض،ص109.
(152) المصدر السابق، ص62.
(153) نفسه، ص66، 68.
(154) نفسه، ص56ـ 58.
(155) الفتوحات المكية،جـ4، ص37.
(156) ينظر: آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، جـ1، ص182.
(157) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص155ـ158،231.
(158) ينظر: المعجم الصوفي، ص144ـ146.
(159) المصدر السابق، ص145.
(160) نفسه، ص121.
(161) ديوان ابن الفارض، ص102.
(162) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص130،150، 156،157.
(163) ينظر: المعجم الصوفي، ص119.
(164) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، ص174ـ 175.
(165) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص140ـ141.
(166) الفتوحات المكية، جـ4، ص280.
(167) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص126، 148، 157.
(168) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص177.
(169) السهروردي، ص46، 49.
(170) الانسان في فكر اخوان الصفا، ص164.
(171) المصدر السابق، ص111.
(172) ينظر: المعجم الصوفي، ص146.
(173) ديوان ابن الفارض، ص53.
(174) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص32، 52، 107ـ 108.
(175) ينظر: المعجم الصوفي، ص155.
(176) المصدر السابق، ص156.
(177) نفسه، ص154.
(178) ينظر: شرح ديوان الحلاج، ص171.
(179) ينظر: المعجم الصوفي، ص153.
(180) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا ص221.
(181) المعجم الصوفي، ص156.
(182) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا ص143.
(183) المصدر السابق،ص211.
(184) ينظر: المعجم الصوفي،ص145.
(185) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص113،131، 137.
(186) الفتوحات المكية، جـ4، ص229.
(187) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا ص139. عن(انشاء الدوائر)ص4.
(188) ينظر: المعجم الصوفي، ص161.
(189) كتاب الطواسين، ص130.
(190) شرح ديوان الحلاج، ص152.
(191) المصدر السابق، ص154ـ155.
(192) نفسه، ص156.
(193) ينظر: المعجم الصوفي، ص153ـ154.
(194) المصدر السابق، ص162. عن كتاب (حلية الابدال) ط.حيدر آباد، ص9.
(195) نفسه، ص168.
(196) الانسان الكامل في الاسلام، ص202ـ203.
(197) المعجم الصوفي، ص168. عن كتاب (الأجوبة عن الانسان الكامل) وهو مخطوط المكتبة الظاهرية.
(198) المصدر السابق، ص162، عن ف2/391لابن عربي.
((199) نفسه، ص162، عن ف3/ 447.
(200) نفسه، ص162. عن عقلة المستوفز، ص42.
(201) نفسه، ص162.عن نصوص 1/55.
(202) نفسه، ص163.عن انشاء الدوائر، ص22.
(203) نفسه، ص156ـ 157. عن ف3/ 296.
(204) نفسه، ص161.
(205) نفسه، ص163.
(206) نفسه، ص163.عن ف2/ 446.
(207)نفسه، ص 161ـ162.
(208) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص147.
(209) المعجم الصوفي، ص 162.
(210) المصدر السابق، ص163.
(211) نفسه، ص 156.
(212) نفسه، ص 156.
(213) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص113.
(214) المصدر السابق، ص27.
(215) نفسه، ص 109.
 (216) الفتوحات المكية، جـ4،ص298.
(217) المصدر السابق، جـ4،ص298.
(218) نفسه، جـ4، ص299.
(219) نفسه، جـ4، ص212.



(*) ملاحظة : الاشارة الى المصادر بالارقام والى الصور بالحروف.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي