موقف أورتيجا من الدولة

موقف أورتيجا من الدولة

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها
                                      أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة
                       ورئيس قسم الفلسفة –كلية الآداب-جامعة طنطا-مصر

                          
لقد وقف الفيلسوف الاسبانى فى مقابل هذا الاتجاه الذى يعلى من شأن الدولة وأكد أن تآليه الدولة أو تعظيمها حتى العبادة – كما هو الحال عند هيجل – هى نزعة صوفية لا معنى لها  Senseless Mystisim .(1) وإنما الدولة هى خطة فعل أو مشروع نشاط وبرنامج تعاون ومشاركة .(2) وإن كانت فى الوقت نفسه هى تجسيد للعنف ونزعة للسيطرة تكمن فى الطبيعة البشرية .
ويوضح لنا أورتيجا موقفه من الدولة فى المقالة الثالثة عشر من كتابه "ثورة الجماهير" وهى بعنوان "الخطر الأعظم ، الدولة "  The Greatest Danger – The state  وفيها يذهب أورتيجا إلى أن الدولة كما نعرفها اليوم هى من أكبر الأخطار التى تهدد الحضارة ، بل والحياة كلها ، فإذا كان العلم مهددا بالتخصص فكذلك الحضارة المعاصرة مهددة بالدولة . ويرى أن الدولة لم يكن لها شأن يذكر فى نهاية القرن الثامن عشر الأوربى . وبدأت الرأسمالية  Capitalism ومؤسساتها الصناعية القائمة على التقنية الحديثة فى توسيع نشاطها مما أدى إلى ظهور طبقة اجتماعية جديدة هى : الطبقة المتوسطة .( 3)
وكانت هذه الطبقة المتوسطة بما تتمتع به من دهاء تمتلك العديد من القدرات والمواهب العملية مما يجعلها قادرة على القيام بعملية التنظيم والتدريب أو التهذيب وإعطاء مساعيها وجهودها طابع الاستمرارية والتناغم . وهذا كله كان كالمحيط الكبير وقد ظهرت فيه سفينة الدولة وأخذت رحلاتها تنطوى على العديد من المخاطر الكبرى . ومن ثم فإن البرجوازية بما شعرت به من قدرات هائلة هى التى تحكمت فى أمور الدولة .(4)
ولم يكن للدولة حينئذ أهمية تذكر ، فهى لم تكن إلا جنودا ، وبيروقراطيين  Bureaucrates وثروات خلفتها العصور الوسطى عندما شيدتها طبقة النبلاء ، هؤلاء الذين كانوا يتميزون بالشجاعة والبسالة والزعامة والمقدرة .. ولقد سقطت طبقة النبلاء لأنها فقدت كل هذه الشمائل وأصبحت ذات عقل محدود ، كما اتبعت فى سلوكها العواطف والغرائز والانفعالات وبالتالى كانت السيادة للعامل اللاعقلى . ولذلك لم تستطع تطوير أى تقنية قائمة على التبرير ، واتسم سلوكها بالحمق .(5)
ويتفق أورتيجا هنا مع بول هازار فى وصفه لهذه المرحلة من التاريخ الأوربى إذ يؤكد هازار أن الطبقة البرجوازية قد ظهرت على الساحة وانتشرت الأفكار المناهضة للطبقة الأرستقراطية ، وتردد ذلك عبر الصحف والمجلات ، فقالت مجلة تتلر  Tatler  أن التاجر أحق بلقب "جنتلمان" من رجل البلاط الذى لا يشارك إلا بالكلام ، ومن العالم الذى يسخر من الجاهل . وهذا أيضا ما كانت تراه مجلة سيكتاتور ، إن التاجر جدير بكل الاحترام ، فهو لا يعطى لإنجلترا القوة والغنى والشرف فحسب . ولم يرفع مصرف إنجلترا إلى مجده فقط ، بل يعمل بفضل تجارته فى سبيل التعاون بين الدول ويدفعها إلى المشاركة فى سبيل الرفاهة العامة " إنه صديق الجنس البشرى ، البطل يقنع بشهرة باطلة ، بينما يحتاج التاجر إلى سمعة أدق وأرهف وهى ما تسمى ثقة أو إئتمانا . إن كلمة بسيطة أو تلميحا أو سريان خبر غير صحيح يجرح هذا الائتمان ويخرب التاجر .(6)
إنه الحق كل الحق أن التاجر الكامل هو أفضل مثال للنبل فى الشعب وأنه يفوق كثيرا من النبلاء من وجهة المعرفة والحكمة وحسن السلوك . وخلاصة القول إن انقلابا قد تم وأن الأدب قد سجله وعمل على نشره " إن مآل عدد كبير من النبلاء أن يجدوا أنفسهم مضطرين إلى التنازل عن إرث آبائهم لأسياد جدد كانوا أدق منهم فى إدارة حساباتهم ، ولا شك فى أن الذى اكتسب ملكا بفضل صناعته أحق بملكيته من الذى أضاعه نتيجة لإهماله ".(7)
وهذا الوضع الجديد هو الذى أدى فى رأى أورتيجا إلى ضعف كبير قد حل بالدولة . وظهور طبقات اجتماعية جديدة قوية. والتفاوت الكبير الذى حدث بين قوة الدولة والقوة الاجتماعية أدى إلى انحلال الدولة واستيلاء البرجوازية على السلطة . وبدأ الجيل الثانى من الحكومات البرجوازية فى أوربا عام 1848 . وتوحدة القوة الاجتماعية مع قوة الدولة وانتهى عهد الثورات وانتشرت فكرة " وداعا للثورات " وقد حل التمرد محلها .(8)
وأصبحت الدولة فى عصرنا كالآلة الضخمة التى تعمل بأسلوب عجيب وفعالية مدهشة ودقة بالغة . لقد أصبح يكفيها أن تضغط على زر متصل برافعة حتى تمارس سيطرتها وهيمنتها على سائر المجتمع . وبذلك تقتضى على تلقائية الأفراد وحركة الجماهير ويترتب على ذلك هلاك المجتمع التلقائى ، إذ يعيش المجتمع للدولة ، ويعيش الفرد لألة الحكم مما يؤدى إلى اضمحلال وفساد المجتمع .(9)
إذن الدولة عند أورتيجا خطر على الفرد ، وهذا ما يؤكد عليه أيضا اشفيترز إذ ذهب فى كتابه " فلسفة الحضارة " إلى أن الإنسان الحديث قد ضاع فى الدولة على نحو ليس له نظير فى التاريخ ، وتضاءل اهتمامه بطبيعته الخاصة بحيث أصبح قابلا – إلى حد يكاد يكون مرضيا-  للتأثر والخضوع للآراء التى ألقت بها الجماعة ووسائلها جاهزة فى التداول . ولما كانت الجماعة بتنظيمها المحكم قد أصبحت ذات قوة لم يعرف لها نظير من قبل فى الحياة الروحية فإن حاجة الإنسان إلى الاستقلال فى مواجهتها أصبحت حاجة خطيرة إلى حد أنه كاد يتوقف على المطالبة بحياة مستقلة خاصة به . لقد أصبح شبيها بكرة من المطاط فقدت مرونتها وصارت تحتفظ إلى غير نهاية بكل تأثير يقع عليها . إنه تحت إبهام الجمهور وأصبح يستمد منه الآراء التى يعيش عليها سواء أكان الأمر متعلقا بالقومية أم بالسياسية أم اعتقاده هو أو عدم اعتقاده .(10)
يؤكد اشفيترز أن إفلاس الدولة المتمدينة هو سبيل القضاء على الإنسان اليوم ، وتحطيم الجماهير لمعنوية الأفراد قائم على أشده .(11) فالدولة الحديثة أبهظت كاهل نفسها بالتسليح الذى يكلف مئات الملايين لكى تكون قادرة على المنازعة فى امتلاك الملايين. ومن أجل حماية تجارتها ونشرها أثقلتها بالضرائب التى كانت أخطر على قدرتها على المنافسة من الإجراءات لأنها سمحت للإنفعالات الشعبية أن تنفذ إليها ، وبهذا جعلت أبسط المسائل غير قابلة للحل ، بينما احتفظ فى المخازن بالأفكار المتعلقة بالعظمة مما هو نابع من التعصب القومى .(12)
ويؤكد اشفيتزر مدى سيطرة الدولة على الفرد فيقول : "والدولة بتنظيمها المتزايد القاسى تملك زمامنا امتلاكا يزداد على الأيام صرامة وشمولا ، وهكذا نجد أن الوجود الفردى قد تضاءلت قيمته فى كل اتجاه وازدادت الصعوبة فى أن يكون المرء ذا شخصية " .(13)
يتفق اشفيترز إذن مع أورتيجا فى أن الدولة تمارس هيمنة متسلطة على الفرد ويشاركهما فى هذا الرأى أيضا برديائف ، فهو يؤكد أن أشد أنوع العبودية وأقواها أثرا استعباد الدولة الكلية ، فهى تبسط سلطانها المطلق على الفرد والضمير ، والخضوع لها خضوع لقوة شريرة عظيمة السطوة تشجع كل ما يعد معيبا وبغيضا فى الأخلاق الشخصية على الظهور والانطلاق . فهى تشجع الجاسوسية والإمعان فى القسوة والإرهاب والتعذيب وتجسيد القتل والغدر والكذب والتضليل . وتزعم أن هذه الوسائل الشريرة تسوغها الغايات السامية التى تدعى العمل على تحقيقها وهى غايات لن تتحقق وسرعان ما ينساها الناس .(14)
ومجمل القول إن العديد من نقاد الحضارة الغربية المعاصرة وعلى رأسهم أورتيجا يجمعون على أن الدولة تمثل أكبر خطر على الإنسان المعاصر ، فهى تستعبد المجتمع ، ويصبح غير قادر على أن يحيا إلا فى خدمتها . لذلك يرى أورتيجا أن البيروقراطية تعم كل شئون الحياة فى ظل تلك الظروف . ونتيجة لهذا ينتشر الفساد داخل كل الأنظمة فتقل الثروات وتنقص الموارد ، وتكون البيروقراطية هى القوة الثانية بجوار الدولة التى تسيطر على المجتمع وتنتشر أدوات الحرب والقتال والجيوش وتصبح من المتطلبات الأساسية للدولة ، قبل أن تفكر فى نشر السلام أو الطمأنينة .(15)
كما يرى أورتيجا أن الدولة أصبحت صاحبة اليد العليا ، وبدأ المجتمع يعيش لها ، وهذا ما نلاحظه بوضوح فى الحركات الفاشية للجماهير والتى تتخذ لنفسها شعارا : " إن كل شئ للدولة ، ولا يوجد شئ خارج الدولة ، ولا يوجد شئ ضد الدولة " . ومع بداية الصناعة ظهر نمط جديد من الإنسان أكثر ميلا إلى الإجرام من الأنماط المعهودة ، فأسرعت الدول الأوربية إلى تشكيل العديد من القوة البوليسية .(16)
والحق أن الفاشية منذ ميلادها قد اتسمت بتعصبها العنصرى المطلق وذلك بوقوفها إلى جانب العنف والطغيان والحرب ، بادعاءاتها فى إنكار قيم الفرد والشخص ، وفى إنكارها لوجوده نفسه لحساب مفهوم الدولة المتسلطة التى تحكم من غير مشاركة لوعى الناس بتمجيدها للقول بوجود جنس مختار ، وبفلسفتها فى اليأس واللامعقول .(17)
وتظهر قوة البوليس وتتضخم قوة أجهزة المخابرات فى الدولة الآن . وتصبح الدولة التى خلقها الفرد أخطبوطا تمتد أطرافه فى كل مكان وكأنها عين الله الساهرة . لقد كانت الدولة فى القرن التاسع عشر الأوربى خاصة عند هيجل أمل الجماهير حتى أنه اعتبرها الحقيقة نفسها على الأرض " المطلق نفسه " بعد أن تحقق فى التاريخ ، الله نفسه بعد أن انتقل من ملكوت السماوات إلى ملكوت الأرض ، ولكنها اليوم تخلت عن مهمتها .(18)
ومن الملاحظ أن وصف أورتيجا ينطبق على الدولة فى العصر الحاضر سواء فى النظم الاشتراكية أم فى النظم الرأسمالية أم فى أنظمة الحكم فى البلاد النامية . فكثيرا ما تعادى الدولة فى النظم الجماعية حرية بعض الأفراد رعاية لمصالح الجماهير. ودائما ما ترعى الدولة فى النظم الرأسمالية مصالح الطبقات المستغلة ضد مصالح الجماهير . وفى بعض الأحيان تجمع بعض أنظمة الحكم فى البلاد النامية فى ديكتاتورية الطبقة الجديدة والحكم لصالحها بين عيوب الأنظمة الجماعية والأنظمة الفردية على السواء وكما يبدو ذلك فى " عسكرة " المجتمع أو فى قول الرئيس " الدولة هى أنا ".(19)
وبناء على ما سبق يمكننا أن نتبين تعارض موقف أورتيجا الواضح مع موقف هيجل الذى نظر إلى الدولة على أنها المطلق ذاته وأنها أمل الجماهير .. وبذلك يكون أورتيجا أشبه بباكونين  Bakunin التأثر على دولة هيجل وبروليتاريا ماركس على حد سواء رافضا ولاء الفرد لأية سلطة خارجية عنه سواء كانت سلطة الدولة أم سلطة الطبقة ودون أن يصل إلى حد الفوضوية كما هو الحال عند شترنز وبرودون وكروبتكين   Kropotkin فى القرن الماضى وإما جولمان  Emagoldman  فى هذا القرن .(20)
ومن منطلق نقد أورتيجا للدولة لتقيدها حرية الأفراد ، نجده يؤيد المذاهب الفردية ضد المذاهب الجماعية ويؤكد أهمية الليبرالية فى حياة البشرية . ويذهب إلى أن الليبرالية الفردية  Individualist Liberalism تنتمى إلى القرن الثامن عشر ، وهى التى ألهمت الثورة الفرنسية وانتهت بنهايتها . والجماعية  Collectivism أيضا قد ظهرت فى القرن الثامن عشر غير أنها تحولت إلى اتجاه رجعى محافظ على أيدى كل من دى بونالد  De Bonald ودى مستر  De Maistre  وحققت انتشارا واسعا فى كل أنحاء المجتمع من خلال فلسفات كل من سان سيمون وبلانش وكونت . وفى عام 1821 تحدث آمارد  Amard عن الجماعية كنقيض للشخصانية  Personalism .(21)
ويرى أورتيجا أن المؤسسات الديمقراطية فقدت هيمنتها وتفتقر إلى برامج ملائمة للحياة كما أن البرلمانات أو المجالس النيابية فى ظل الديمقراطية ليس لها أى فعالية تذكر .(22) ويقول موضحا أهمية الليبرالية وتحمسه لها : " إن المذهب السياسى الذى يمثل أسمى محاولة لخلق حياة مشتركة صحيحة هو الديمقراطية الليبرالية  Liberal Democarcy  ففيها تتمثل فى أسمى حالة ضرورة مراعاة الإنسان لجيرانه ورفاقه . وتوصف هذه الحالة بأنها أفضل نموذج للعمل غير المباشر . أما الليبرالية فهى مبدأ من مبادئ الحقوق السياسية يدعو إلى سماحة السلطات العامة وإتاحتها الفرصة لأولئك الذين يخالفونها فى الرأى والشعور لكى يحيوا حياة كريمة غير مهددين من طغيان الفريق الأقوى أى الأغلبية . فالليبرالية هى أسمى حالات الكرم السياسى لأنها تعنى تنازل الأغلبية عن بعض الحقوق للأقليات ، ومن ثم فهى أكرم دعوة ظهرت على كوكبنا لأنها تضمنت الدعوة إلى التعايش مع العدو وفوق ذلك التعايش مع عدو ضعيف ".(23) إذن الليبرالية هى النظرية الملائمة للمجتمع .(24)
ويتعجب أورتيجا من توصل البشرية إلى هذا النوع من النظريات السياسية فيقول : " ونكاد لا نصدق أن البشرية قد استطاعت الاهتداء إلى مثل هذا الاتجاه النبيل الحافل بالمفارقات الذى تحول أحيانا إلى بهلوانيات عند من يحسنون التلاعب بالكلمات، وربما بدت الليبرالية غريبة عن الطبيعة البشرية ، ولا عجب إذا رأينا نزعات تحاول الخلاص من الاتجاه الضار بمصالحها . نعم لقد بدأنا نشعر ببعض الشك فى هذا الشعار الذى يدعونا إلى التعايش مع العدو ، إلى الاشتراك فى الحكم مع من يعارضوننا فى الرأى ، إن مثل هذه النزعة الرفيعة بدأت تبدو غير مفهومة عند البعض . وليس هناك ما يدلنا على طابع العصر أكثر من استغناء بعض الحكومات والدول عن المعارضة . ففى مثل هذه البلدان تجثم على صدر الدولة جماهير متجانسة تسحق أى فريق معارض وتقضى عليه . وليست هذه الظاهرة مستغربة فى أخلاقيات الجماهير والتى ترغب فى الاشتراك فى الحياة هى وأولئك الذين لا يتماثلان معها لأنها تبغض كل ما يختلف طابعه عن طابعها " .(25)
أسمى مثل أعلى للحياة الاجتماعية ابتكره الإنسان إذن هو الديمقراطية الليبرالية . لكن يبدو أن أورتيجا يعتقد أن هذا المثل أسمى من أن يبلغه الإنسان العادى . لأنه ينطوى على استعداد من جانب الأغلبية لأن تحد من قوتها لصالح الأقلية ، وهو يدعو إلى الكرم والاحترام الضعيف . ويتطلب نظاما صلبا لا يقدر عليه إلا أنبل الأرواح فتفرضه على نفسها . ومن أبرز سمات الديمقراطية الليبرالية ، الحكم طبقا للعقل ، وبالمناقشة قبل العمل ، وبالتربية والإقناع إلى أقصى حد ممكن قبل الالتجاء إلى القوة . ولكن هذه السمات فى رأى أورتيجا مستحيلة بوصفها نظاما للحكم حيث تسيطر الجماهير على مقاليد القوة . لأن طبيعة كل مجتمع أرستقراطية ، فهناك دائما أقلية من المتفوقين وجمهرة كبرى مؤلفة ممن هم أدنى ومن المتوسطين . وهذه الأغلبية هى ما يسميها أورتيجا بالجماهير .(26)
لقد منحت الليبرالية القديمة العقل مكان الصدارة باعتباره عنصرا جوهريا فى الحكم المتمدين . وكانت القوة آخر ما يلجأ إليه، على حد تعبير أورتيجا نفسه " إن المدنية ليست سوى محاولة جعل القوة آخر ما يلجأ إليه ".(27) لكن من الصعب أن يتحقق ذلك الآن نتيجة لسيطرة الجماهير على مقاليد الحكم .
ولإصلاح عيوب المجتمع الغربى المعاصر أشار أورتيجا إلى أن المجتمع السياسى يجب أن يعهد به إلى ذوى المواهب والنبل والذكاء لأنه عندما لا يعود المجتمع أرستقراطيا لا يكون مجتمعا . وهو يريد فى الوقت نفسه خفض سلطات الحكومة إلى أدنى حد . وقال إن أكبر خطر يهدد المدنية اليوم هو تدخل الدولة . وكان يخشى من بيروقراطية الحياة وتدمير المبادرة ، والتلقائية . وحذر من أن زيادة وظائف الشرطة ستؤدى إلى أنها ستتولى مع الوقت تحديد المعايير وتقرير المبادئ التى سيطبقونها . ولو أن أورتيجا استطاع أن يتصور إمكان الحصول على عدد أكبر من الموهوبين للإشراف على أعمال الحكومة . فلعله كان يخفف من معارضته لتوسيع نطاق عملها . ولكنه كان يراوده خوف دائم من أن الجماهير هى التى ستسيطر على الدولة .(28)
ويمكن القول بوجه عام إن أورتيجا ينتمى فى مجال الفكر السياسى إلى المحافظين فى القرن العشرين ، هؤلاء الذين يعلنون أن أساليب الماضى أفضل كثيرا ، ولكنهم يدعون إلى تعديلات متواضعة لزيادة فعاليتها أو لجعلها أكثر اتساقا مع المقتضيات الجديدة للمدنية .. والعنصر الجوهرى الذى يبدو أنه يميز المحافظين فى قرننا بكل وضوح هو مجموعة من المذاهب التى يعتنقها معظمهم فيما يتعلق بطبيعة الإنسان وقدراته على الحياة فى المجتمع. وهذه المذاهب هى فى عبارة وجيزة : ضعف الطبيعة البشرية وانحطاطها ، وعدم قدرة الشخص المتوسط على استخدام العقل فى حل مشاكله وعدم جدوى صور العمل الاجتماعى الإيجابى ، بل وضرورة واستحالة الديمقراطية ، ومن ثم ضرورة وجود هيئة تنفيذية قوية أو نوع ما من الاصطفائية أو حكم الأقلية والحاجة إلى الدين كمصدر للوصايا الاجتماعية وكضمان للمطابقة الأساسية وخطر أن تؤدى الفردية وحرية الأفكار إلى الفاشية أو نوع آخر من الشمولية .(229)
                الهوامش

1- Jose Ferrater mora : ortega y Gasset, Anoutline of His Philosophy, Bowes, London 1956,p-57
2- Jose Ortega Y Gaset: The Revolt of the Masses,p-162
-3 Ibid, p- 117             
  4 -Loc –Cit                                                      
 5- Ibid,pp- 117 - 118                                                  
6- بول هازار : مرجع سابق ، ص ص 332 – 333
7- المرجع نفسه: ص ص 333 – 334
8- Jose Ortega Y Gaset: The Revolt of the Masses,pp- 118 – 119
9- ibid , pp- 119 – 121                                      
10- ألبرت اشفييسر : فلسفة الحضارة ، ترجمة د. عبد الرحمن بدوى ، مراجعة د. زكى نجيب محمود ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر   ، ص 30
11- المرجع نفسه ، ص 33
12- المرجع نفسه ، ص 46
13-الموصع نفسه
14-نيقولا برديائف : العزلة والمجتمع ، ص 10
15- Jose Ortega Y Gaset: The Revolt of the Masses,p-121
16- Ibid, pp- 122 – 124                                     
17- روجيه جارودى : مرجع سابق ، ص 14
18- د. حسن حنفى : دراسات فلسفية ، ص 457
19- الموضع نفسه
20 - المرجع نفسه ، ص ص 475 – 476
21- Jose Ortega Y Gaset: History as a system, pp- 63 – 64
22- Jose Ortega Y Gaset: The Revolt of the Masses,pp- 147 – 148
23- Ibid , p- 67                                                  
24- Jose Ortega Y Gaset: History as a system, p- 57
25- Jose Ortega Y Gaset: The Revolt of the Masses,pp- 67-68
26- ادوارد.م.بيرنز: مرجع سابق ، ص 257
27- المرجع نفسه ، ص 258
28- الموضع نفسه
29- المرجع نفسه : ص 259



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديو فيلوبريس