’’ في شرعية الاختلاف ’’ لعلي اومليل

’’ في شرعية الاختلاف ’’ لعلي اومليل
عبد الفتاح جنيني
يعتبر المفكر والباحث المغربي علي أومليل من المفكرين القلائل الذين يعودون إلى التراث باستمرار ويستطيعون الانفلات من قبضته عبر مساءلته ونقده وتفكيكه، وربما ساعده على تحقيق ذلك منهجيته الفكرية التي تجد جذورها في تكوينه الأكاديمي وتأثره بالجو الثقافي الفرنسي الذي ساد نهاية الستينات – عندما دهب ليهيئ شهادته في الدكتوراه – حيث كانت باريس تعرف انقلابا فكريا على مستوى المفاهيم والمناهج والأسس الفلسفية والمعرفية مع فوكو و لاكان و ستراوس و دولوز و دريدا ...فعودته للتراث كما يقول :<< كانت بهدف تصفية الحساب مع التراثيين >> الذين انقسموا في نظره إلى صنفين، أحدهما جعل التراث ملاذا آمنا للاحتماء به  ضد كل ما هو جديد، بل إنه يجد فيه كل الأجوبة التي استعصت عليه في واقعه الراهن، وأما الصنف الثاني فهم أولائك الذين يريدون أن يكونوا حداثيين وتقدميين فيلوون عنق التراث ويحملونه ما لا يحتمل. ولعل كتابه’’ في شرعية الاختلاف ’’ يؤكد ذلك، فهو عندما يعود إلى المفكرين القدامى ليسائل موقفهم من الآخر المختلف، فإنه يتوخى من ذلك البحث عن رصيد ثقافي يمكن أن يرسخ لدينا قواعد الحوار والمناظرة التي تستجيب لحاجة الاختلاف في الرأي من أجل تجسيده في مؤسساتنا وممارستنا في أفق تحقيق ديموقراطية عميقة. والكتاب الذي صدر عن دار الأمان بالرباط في ثلاث طبعات – إلى حدود علمي-، هو من الحجم الصغير في حدود 112 صفحة، يقسمه صاحبه إلى أربعة أقسام مع استخلاص للنتائج في الأخير.
إن عودة الكاتب إلى التراث من بوابة المفكرين القدامى ليسائل موقفهم من الآخر المختلف أو المناقض، تتم في نظره من خلال موقفين أو سياقين : موقع المتفوق الذي لا يحس في ذاته أنه مهدد في وجوده أو هويته من لدن الآخر، ثم موقف الذي انقلبت حاله وأصبح في موقع المناور والمدافع الذي يسعى إلى الحفاظ على وجوده، مؤكدا أن مفهوم الاختلاف قد حضر في السياق الأول عبر معنيين، الأول هو اختلاف انصب حول المعنى والتأويل – تأويل النصوص الدينية - ، وهو اختلاف تكونت بموجبه مذاهب الفقهاء والمتكلمين، ثم اختلاف مفكري الإسلام مع الأطراف المناقضة لهم. أما الاختلاف في مستواه الثاني فنموذجه هو الموريسكيون الذين وجدوا أنفسهم أمام آخر مختلف لكنه في موقع قوي، فأصبحوا في وضعية مقلوبة أطلق عليها الونشريسي عبارة ’’ المسلمين الذميين ’’ أو ’’ المساكين الذميين ’’ مما جعلهم  ’’يبتكرون وسائل دفاع لإنقاد الذات الثقافية ’’ لمواجهة هذا المختلف المتفوق عليهم، من ذلك أن ابتكروا لغة أعجمية أي اسبانية مكتوبة بحروف عربية إضافة إلى ابتكار مخيال خاص بهم قوامه ملاحم وبطولات تستمد من ماضي اجدادهم. لكن ما يلاحظ على هذا الاختلاف سواء على المستوى الأول أو الثاني هو كونه انصب على المعتقد الديني، وكان يتم دائما باعتبار الإسلام هو دين الحق. والاختلاف مع المخالفين للدين الإسلامي كان يتم عبر التمييز بين أصحاب الديانات السماوية الذين كانوا يحضون بالاعتراف مع رسم حدود لهذا الاعتراف، وأصحاب العقائد اللاشرعية الذين كان وجودهم بين ظهراني المسلمين يدفعهم للدخول معهم في جدل ومناظرة، ولعل نموذج ذلك ما يذكره أومليل عن المعتزلي القاضي عبد الجبار الهمذاني الذي خصص حيزا مهما من كتاباته، و أشهرها كتابه ’’دلائل النبوة’’ للرد على مقالات غير الإسلاميين وبالأخص المانويين. عموما فالكاتب يميز بين صنفين من الكتاب الإسلاميين الذين اهتموا بالأديان غير الكتابية : الصنف الأول اهتم بالنقض والرد ونموذجه المعتزلة، وصنف اهتم ببسط الآراء كابن النديم والشهرستاني والبيروني...مع إشادة الكاتب بموضوعيتهم في نقل أفكار المخالفين. لكن يبقى السؤال المطروح –في نظر الكاتب – هو كيف يتصور هؤلاء المفكرون القدامى معنى الاختلاف؟ في هذا الإطار يجيب أومليل بأن مسالة الإقرار بالاختلاف قد ترسخت مند عهد الصحابة، وهذا ما يؤكده ابن  خلدون الذي يبرر ظهوره ’’بكون النص مهما اعتبر مقدسا فقد حملته لغة، أي أنه قابل لتعدد المعنى ’’وبالتالي فالاختلاف يصبح ضرورة لا مناص منها. فالاختلاف كما فهمه ومارسه المفكرون القدامى كان ينم عن فهم عميق بهذه الإشكالية، لهذا لم يتركوا هذا الموضوع دون تفكر وتفلسف، لكن نحن ألا يجدر بنا في عالم ازداد تعقيده – والكلام من عندي – أن نجعل من الاختلاف مدخلا إلى الديموقراطية لمواجهة الطائفية والنزعات القومية المتطرفة، ومن جهة ثانية لمواجهة الاستبداد الذي يكون مغلفا بغلاف ’’الوحدة ’’ كما يقول أومليل خاصة عندما تكون هذه الاخيرة مجرد تغطية لادعاء الحقيقة والانفراد بالسلطة؟ إن كتاب’’ في شرعية الاختلاف’’ قد أراد له صاحبه أن يكون بمثابة  رحلة فكرية في دهاليز الفكر الاسلامي من خلال مواقف مفكرينا القدامى حول اشكالية الاختلاف مع الآخر، لكنها رحلة كما يؤكد الكاتب " ليست حديثا عن الاختلاف من أجل الاختلاف في حد ذاته، بل هو حديث في العمق عن الديموقراطية. ذلك أن النظام الديموقراطي يسلم بالاختلاف، ويشرع له، ويبني عليه’’.
.............ودامت لكم مسرة القراءة ومتعة الاستفادة و إلى جليس آخر

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة