تيمة الألم في شعر محمد عدناني

تيمة الألم في شعر محمد عدناني
د- عبد الجبار لند
         يعتبر الألم من الموضوعات التي صاحبت الشعر العربي بل العالمي منذ نشأته الأولى، فالشاعر في بوحه يعكس ما تخالج نفسه المرهفة من مشاعر يحدوها الأمل ويكسرها الألم.
         وديوان الشاعر الدكتور محمد عدناني الذي يتوزع على ست عشرة قصيدة، يطالعنا منذ العنوان بهذا التقاطع بين طموح الأمل وانكسار الألم.
         فالياسمين هذه الزهرة العطرية المتفتحة التي تبعث الطيب والجمال، وترمز للحب والسلام، تنام على سرير الجمر، وهو مضاف ومضاف إليه، فإذا كان المضاف يرمز للنوم والراحة التي يخلد إليها الإنسان ليلا بعد تعب النهار، فالمضاف إليه وهو الجمر يرمز بما يكتنفه من لهيب وحرارة وإحراق إلى العذاب والألم، وهنا نجد الشاعر يعمد إلى الانزياح الذي هو خرق للمألوف ولأفق انتظار المتلقي.
         هذا العنوان الذي يطالعنا في صدر الغلاف قد اختار له الشاعر لونا أحمر، وكأنه انتزع من دمه، وتحيط بالعنوان هالة بيضاء، تضعنا أمام صورة تخييلة، تجسد مريضا ينام على سرير المشفى ويحيط به الأطباء والممرضون.
         ونجد أعلى الغلاف اسم الشاعر ولقبه "محمد عدناني" ، كما في أسفله جنس المؤلف "شعر"، وقد كتبا باللون الأصفر الذي يرمز للمرض، وما يصيب المريض من هزال وشحوب وانكسار، وألم.
         وتتوسط الغلاف صورة فوتوغرافية للشمس لحظة الغروب قابعة خلف شجرة نفضية في فصل الخريف، وهو ما يعكس الحالة النفسية التي كان عليها الشاعر عند كتابته لهذا الديوان، وهي حالة المرض.
         هذا فيما يرتبط بتجليات تيمة الألم على الغلاف، والعنوان الذي يعد بوابة النص، أما المتن الشعري فلا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من معاني الألم ودلالاته وأبعاده النفسية والفنية، والتي يمكن مقاربتها من خلال التيمات التالية:
         ـ الألم والمرض
         ـ الألم والموت
         ـ الألم والحب
         ـ والألم والاغتراب
         ـ الألم والوطن
         1 ـ الألم والمرض:
          ففي هذه التيمة نلفى نفسية الشاعر مكلومة متفجعة بسبب ما ألم به من مرض جعله طريح سرير المشفى، تتجسد أمام ناظريه مختلف أصناف عذابات الجسد المتهالك الذي لم يعد يقوى حتى على تلقي العلاج، يقول في قصيدة "رسالة إلى أمي": (الديوان ص8)
في اليسرى
تنام الإبره
تلتحف عرقا ذاب
كما الممرضة
                   ترى
أين العرق؟
أعياه الوخز، خاف،
                   اختفى.                 
         2 ـ الألم والموت:
         كثيرا ما رافقت فكرة الموت وهاجس الرحيل قصائد الشعراء قديما وحديثا وارتبطت لديهم بمراحل من حياتهم، إما بسبب الشيخوخة أم بسبب مرض ألم بهم ففلسفة الموت كما نجدها عند المعري أو ابن الرومي أو أبي القاسم الشابي أو بدر شاكر السياب، نلفاها عند الشاعر محمد عدناني، إذ نجد في ديوانه هذه المراوحة بين الرغبة في الشفاء والعودة إلى الأهل والأحبة والأصدقاء، والخوف من أن تسلم النفس لبارئها، يقول مخاطبا أمه، معتذرا لها عن عدم إخبارها بمرضه ونقله إلى المشفى، مما يعكس مقدار حبه لوالدته وخوفه على قلقها أكثر من خوفه على حياته: (الديوان ص 14)
الداء!
         قدري ياأمي
والألم!
         نصيب به أحيى
فلا تلومي إن أخفيت
                   سر المشفى
ما كنت عاقا
وإنما خجلا من دموعك
                   الحرى
ثم يقول:
قد أسلم الروح,
                   قد أشفى
فإن شفيت جئتك
مقبلا الأيادي
                   معتذرا
وإن مت فلا تبك
فإن الدموع لا تبقي الأحياء
                   ولا تعيد الموتى

         3ـ الألم والحب:
         إذا كان الحب عاطفة ارتبطت بالسعادة والإقبال على الحياة، فإنها عند شاعرنا انسكبت بمياه الحزن و الأنين، وهو في هذا الشعور لا يختلف عن الشعراء العذريين والرومانسيين الذين عبروا من خلال هذه العاطفة عن حزنهم وآلامهم بسبب الفراق والنأي، وما يكابدونه من وحشة جراء هجر أحبتهم لهم أو بسبب يد القدر التي منعتهم من الوصال، يقول الدكتور عدناني: (ديوانه ص61)
عيناك!
         بحر لجي وأنا الغريق
قلبي!
         مجداف كسيح يأكله الحريق
أنت ما أنت!
         سكر أبدي ولحن الكمد
وأنا ما أنا!
         قلب رماد وبقايا جسد
إلى إن يقول:
لولاك ما أسرتني آلهة
                   الآهات
صبور
ولمن الحب يقلب
                   العادات
أصلي فأضرع لأنساك
         ضراعة أيوب حاق به
                            ألم الهلاك
         لكن الحب يكذب
                            الدعوات
         4 ـ الألم والغربة:
         يقول الدكتور أحمد المجاطي: " إن الغربة و الضياع و الكآبة والتمزق من المعاني المستفيضة في الشعر الحديث"، إذ تعددت تجارب الغربة لدى الشعراء المحدثين والمعاصرين، واختلفت زوايا بوحهم بمعاناتهم جراء الغربة وكذا فلسفتهم لهذه الغربة التي أصبح يعيشها الشاعر كما الإنسان العربي، وهي إما غربة مكانية أو زمانية، أو غربة نفسية ووجدانية، كما هو الشأن مع الدكتور العدناني، هذه الغربة التي تطالعنا من بداية الديوان إلى نهايته، من ذلك قوله: ( الديوان ص 75)
وحيدا
أغازل الظلام
ساهر العين
أرقب غزالة الغد
أعد الثواني البطيئات
         بقلب أشرب السقام
                   أأخلف الصبح
                            أم طال الأمد؟!
في دمي جمرات
         والداء يسحق قلبي
                   الألم أعياني
                            وأعياني العد
أأصرخ في النوم:
         أن تعالى
                   أم أوقظ النيام!؟
         5 ـ الألم والوطن:
         كما يطالعنا الشاعر بتيمة أخرى لا تقل حضورا عن باقي التيمات المرتبطة بالألم، وهي تيمة الألم والوطن، فحب محمد عدناني لوطنه حب صوفي صافي الوجدان خالص من كل الشوائب لكنه مفجوع مما يلم بهذا الوطن من تناقضات، و ما تحيط به من أطماع جعلته نهزة لأيادي الطامعين في الاستئثار به وبمقدراته حتى سيرته كالمومس تتقاذفها الأهواء، يقول الشاعر: (الديوان ص 69).
أيها الوطن العاق
أصخ إلى قلب ذبيح بالنصال
ترجل لا خير في ذوات الحجال
أيها العاذل
لا أبكي على خذ وهات
وإنما على أفول حياتي
 قاهرا أبكي
         مقهورا أبكي
                   صائتا أبكي
                            الآن آن للصمت أن يبكي
إلى أن يقول:
ثكلتك الأيام يا وطن
                   الظالمين
لا خير فيك ولا أحلام
                   للسائلين
فيك سوط جلادين
                   ودم ذبيح
فيك ظلام
                   وقلب جريح
فيك سكين يحز النعماء
                   وأكباش فداء
مدت أعناقها لرعاتها
                   من الوفاء
          ومن ثم نستنتج أن تيمة الألم، وما يساوقها من حزن ومعاناة ودموع وأنين، تتخلل معظم قصائد الديوان، بل ربما تعكس رؤية الشاعر للكون والوجود جراء ما اعترضته من أسقام جعلته طريح الفراش، يعاني ما عاناه كبار الشعراء من أمثال جبران خليل جبران وأبي القاسم الشابي وبدر شاكر السياب، وأحمد المجاطي وعبد الله راجع، وكذلك مع رائد التجربة الغيوانية الزجال الكبير العربي باطمة الذي كتب سيرة ذاتية سماها "الألم"، وهو ما نجده عند صديقنا الدكتور محمد عدناني في دراسته النقدية " سير الألم".
        

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديو فيلوبريس