سؤال مشروعية السلطة السياسية


سؤال مشروعية السلطة السياسية
   
بقلم: ياسين أغلالو

       أضحى المشهد العربي اليوم مسرحا لكل سؤال، فالواقع العربي لم يعد كما كان في الماضي جامدا، مستقرا، يركن فوق صدر مطمئن بل إن عدم الاستقرار أصبح يخيم عليه، ويحدق به من كل جانب. لعل الذين يتابعون الأوضاع السياسية و الاجتماعية في مصر والسودان و العراق و اليمن يدركون معنى هذا الكلام.
إن سؤال مشروعية السلطة السياسية و شرعيتها من الأسئلة الجوهرية التي باتت تؤرق قادتنا و حكامنا اليوم، فأن تطالب الحاكم بإنجاز مشاريع إصلاحية شاملة أمر لا يثير لديه قلق أو خوف من ضياع سلطته لكنك إذا أقدمت على التشكيك في مشروعية سلطته فإنك تحرجه و تضعه أمام ذاته، و كأنك و ضعته في قفص الاتهام. قبل أن نخوض في مساءلة شرعية السلطة السياسية أود أن أتطرق البداية للحديث عن مصادر السلطة السياسية.
  إن السلطة من حيث الدلالة اللغوية هي القدرة، التملك، السيطرة، الهيمنة... في مقابل الخضوع، الامتثال... ومن حيث الدلالة الفلسفية هي مفهوم سياسي اجتماعي اقتصادي، و تشير إلى النفوذ المعترف به كليا لفرد أو لتنظيم أو لنسق.
إن السلطة من هذا المنطلق تعبر عن عقلانية التنظيم الاجتماعي للأفراد حيث تمنح السلطة لبعض الأفراد دون غيرهم، و الذين تكون لديهم القدرة و الوجاهة في توجيه المجتمع و إدارته. غير أن السلطة السياسية لا تمنح بطريقة عشوائية بل لابد من موجهات أو مصادر تعطي الشرعية لمن يملك السلطة، و لقد حدد ماكس فيير((Max Weber (1846 _ 1920 ) ،أحد رواد علم الاجتماع المعاصر، هاته المصادر في ثلاث : النوع الأول هو سلطة العادات و التقاليد والأعراف التي يمارسها أب الأسرة الممتدة أو شيخ القبيلة. أما النوع الثاني فهو السلطة "الكارزمية" التي تتوقف على مزايا شخصية خارقة تؤثر في عامة الناس وتقنعهم بمدى صدق برنامجها أو ما تدعو إليه، و كمثال على ذلك شخصية شي غفارا القائد الثوري الكوبي، و شخصية جمال عبد الناصر القائد العسكري المصري الذي وصل إلى السلطة في عام 1962 م. وأخيرا السلطة القائمة على الشرعية حيث يكون هناك نوع من الامتثال للواجبات و الالتزامات، على اعتبار أن السلطة هنا يتم بلوغها عن طريق آليات عملية عقلانية تتم من خلال عملية الانتخاب وهي عملية تستبعد كل الأشكال التقليدية في ممارسة السلطة، أي لا مجال للعرف أو العادات أو التقاليد الاجتماعية كما لا مجال لتدخل الإرادة الإلهية في إعطاء هذا أو ذاك أحقية ممارس السلطة السياسية، لذا فالسلطة السياسية القائمة على الشرعية تجد مبررها لدى الجماهير الشعبية أو في إرادة الأفراد الذين توافقوا على منح هذا أو ذاك ممارسة السلطة بحيث لا  يمارسها الفرد من خلال ما تمليه عليه مصالحه الشخصية أو رغباته الطموحة، بل هناك تعاقد قانوني بين الحاكم و بين المحكومين يقوم على أسس عقلانية تفرض على عامة الناس و الحاكم  الامتثال و الخضوع لما تم الاتفاق عليه. و بالتالي فالحاكم الذي  لا يراعي هذا التوافق أو الالتزام يفقد شرعية سلطته، الأمر الذي يؤدي إلى ضرورة  استبداله، و محاكمته محاكمة قانونية.
و أنت تتابع المشهد العربي تجد نفسك أمام سلط متنوعة المصادر، حيث يتعذر عليك معرفة إن كانت هذه السلطة السياسية أو تلك قائمة على أسس عقلانية علمية، أم أنها تجمع بين ما هو عقلاني و بين ما هو ثقافي اجتماعي.. فمن وجهة نظري الخاصة، أرى أن هناك استغلالا جيدا لكل هاته المصادر التي سبق أن ذكرتها، فهناك من يستغل الجانب العقلاني للوصول إلى السلطة، و من ثمة يعمل على تكريس السائد الثقافي، و هناك من يستغل التقاليد و الأعراف و الدين لكي يسود اجتماعيا ريثما يصل إلى السلطة و ينهي المعركة السياسية.
إن التداخل بين الثقافي و الديني و السياسي، بل إن عدم التمييز بينهما في ممارسة السلطة السياسية في المجتمعات العربية، يحول دون تحقيق مقتضيات الممارسة الديمقراطية كما هي سائدة في الأنظمة الغربية، الأمر الذي يصبح فيه العنف مشروعا لدى البعض للإطاحة بهذه السلطة أو تلك، كما نجده كذلك  أكثر مشروعية لدى بعض الحكام بدعوى تحقيق الأمن و السلم و الاستقرار.



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي