الوجود والحرية في فلسفة سارتر: الجزء الأول ـ تقديم





  


       بقلم: مراد امسعدي



تقديم :
 لقد صرح "فيشته" بأنه قد اطمأن إلى معرفة العالم الخارجي التي بذل في تحصيلها جهدا كبيرا، لأنه لم يقبل حقيقة من الحقائق إلا بعد فحصها وتمحيصها مطبقا عليها المنهج العلمي الحديث. والمشكلة الآن هي أن يعرف نفسه ووجوده وغايته من الحياة. يسترسل "فيشته" في تفكيره و يتبين أن الإنسان لابد أن يكون مصيره مرتبطا كل الارتباط بهذا العالم، حتى إنه قد يترتب على تحرك ذرة من الرمال أن يموت أحد أجداده، وألا يولد، فما هو إلا حلقة من حلقات سلسلة الضرورة القاهرة في الطبيعة ثم يدرس وجوده منذ ولادته فيرى أن القوة العامة هي التي أوجدته ــ تماما ــ كما هو الأمر بالنسبة للموجودات الأخرى في الطبيعة، غير أنه يتبين أنه قد يختلف عن الموجودات الأخرى، لأن فيه وعيا، فهذا هو الذي يميزه عن غيره من الموجودات.(1)
 وفي هذا الإطار يمكن أن نتساءل عن مدى مساهمة الوجودية في إبراز وجود الإنسان وقيمته بين الموجودات الأخرى، ومن ثم تحديد الوعي الإنساني من خلال مختلف التناقضات التي تطغى على هذا العالم؟...
 لقد نمت الأفكار الأساسية التي دارت حولها الفلسفة الوجودية من التأزم العميق الذي عاشه الإنسان بكل وجدانه نظرا لوجوده في عالم مهموم، عالم لا مخرج له مما هو فيه، عالم منغلق.لكنها ولدت من الثورة على هذا الإنغلاق، ومن توكيد قدرة الإنسان التي لاتقهر على مقاومة العدم، وإعطائه معنى وتجاوزه.
 وقد عبر "سارتر" عن الفكرة الجوهرية في هذا الشأن بقوله:"كان لابد أن يشعر جيلين بوجود أزمة في الإيمان و أزمة في ميدان العلم، لكي يضع الإنسان يده على تلك الحرية الخلاقة التي كان "ديكارت" قد أودعها بين يدي الله وحده، ومن أجل أن يطمئن الناس أخيرا إلى تلك الحقيقة التي تعد الأساس الرئيسي في كل نزعة إنسانية وهي :أن الإنسان هو الوجود الذي يتوقف وجود العالم على ظهوره".                                                                                                      
إن الفلسفة الوجودية حينما قامت إنما جاءت مناقضة صريحة وعاملة في اتجاه مضاد لتلك الحركات الجماعية وتلك الفلسفات التي تدعو إلى صب الناس في قوالب معينة من ناحية الاعتقاد والتفكير وأسلوب الحياة ونوع السلوك. فهي فلسفة في وضع مقابل لكل حركة ولكل مشروع جماعي ولكل طائفة تتخذ ضروبا معينة لاتتعداها من القواعد والآراء . يقول"ياسبرز":"يكفي للفرد أن يوجد، فبهذه الواقعة نفسها تتجاوز الموضوعية. وهذا هو مبدأ كل فلسفة للوجود. ولا أهمية لها إلا في نظر الأشخاص الذين ارتضوا أن يكونوا أنفسهم، واختاروا الوجود الحقيقي الأصل، لا الوجود الزائد المبتذل. وهذا الوجود يبدأ من الصمت، وينتهي بالصمت، وغايته الوحيدة هي التعبير عن الوجود والوصول إلى الوجود".
 وأهم خاصية تميز هذا النمط من التفلسف هي أنه يبدأ من الإنسان ولا يبدأ من الطبيعة. إنه فلسفة للذات، أكثر منه فلسفة للموضوع، فالذات هي التي توجد أولا...والذات التي يهتم بها الوجوديون ليست هي الذات المفكرة، بل هي الذات الفاعلة، الذات التي تكون مركزا للشعور...الذات التي تدرك مباشرة وعينا في فعل الوجود المشخص.
 يرى"جبرييل مارسيل" أنه حينما يشعر الإنسان بالاغتراب وما يصاحبه من يأس وقلق، يشعر في قرارة نفسه بالحاجة إلى الوجود الحق، ويتولد لدى الإنسان الإحساس بأن هذا العالم ليس إلا حيزا  من واقع مستور محجوب عنه. حينها يكون في مواجهة سر من الأسرار، ولا حل له،لأنه ليس مشكلة، وهو حاضر حضورا دائما،ونحن نشارك في هذا السر دون أن نمتلكه، ونتعرف عليه ونشعر به وبدون أن نحيط بمعرفته أو نسبر غوره تماما.  فلذلك  تتميز الفلسفة الوجودية بميلها إلى الوجود، فهي لا تبالي بماهيات الأشياء وجواهرها ، كما لا تبالي بما يسمى   بالوجود الممكن والصور الذهنية المجردة، إن غرضها الأساسي هو كل موجود أو بتعبير آخر هو كل ما هو موجود في الواقع والحقيقة. ونظرا لأن  فعل التفلسف لايمكن أن يتم إلا من خلال بناء المفهوم الفلسفي وإبداعه بشكل دقيق، ذلك أن الإبداع لا يتعلق فقط بما هو محسوس ولكن يتجاوز ذلك إلى ما هو مجرد ، فالمفهوم الفلسفي ليس مفهوما منعزلا قائما بذاته، بل إنه متعلق بغيره ويكتسب مدلوله ومعناه من موقعه ودوره ضمن بنية شمولية هي بنية النسق أو الخطاب الفلسفي...
ومن ثمة تعتبر مسألة تحديد المفاهيم من ضمن الإشكالات التي يصعب الحسم فيها ، نظرا لاختلاف الآراء والمواقف المتعلقة بتحديد مفهوم معين.
فخلافا للعلوم التجريبية التي تعرف الدقة فيما يخص المفاهيم، فإن الحقول المعرفية الأخرى على العكس من ذلك ، تعرف اختلافا على مستوى تحديد المفاهيم ، ونظرا للأهمية التي تكتسيها هذه العملية من الناحية الإبستيمولوجية المعرفية ، وكونها مفتاحا لبحثنا هذا ، فإننا سنحاول وضع تحديد إجرائي للمفاهيم التي ترتبط بموضوع بحثنا ، والتي بدونها لايمكن
أن نحصر الإشكاليات المطروحة .
مفهوم الوجودية :
        الوجودية تيار فكري معاصر ، وهي مذهب محدد في الوجود : يعني أن وجود الإنسان سابق على ماهيته  2)) فهي فلسفة تهتم بالوجود المشخص وتجعله موضوع الفلسفة وتنكر موضوع الماهيات أو التصورات العامة التي كانت موضوع بحث فلسفات الماهية ولذلك تختلف الوجودية عن جميع الفلسفات التي تبحث في الماهية (3) على اعتبار أنها تعطي الأولوية للوجود على حساب الماهية ، والوجودية تعني أن وجود الإنسان هو ما يفعله ، ومن ثم تصبح أفعاله هي التي تحدد وجوده وتكونه ، وبالتالي يقاس الفرد بأفعاله ، ويصبح الوجود الإنساني هو ما يفعله الإنسان ، وفي هذا الإطار يقول سارتر : ˝إن الإنسان يوجد أولا ، ويصادف ، وينبثق في العالم ، ثم يتحدد من بعد فالإنسان في أول وجوده ليس شيئا ، ولا يمكن أن نحده بحد ، وعلى ذلك فليس ثمة طبيعة إنسانية . بل الإنسان كما يتصور نفسه وكما يريد نفسه وكما يدرك نفسه بعد أن يوجد ، وكما يشاء هو بعد هذه الوثبة نحو الوجود ( الإنسان صانع نفسه ) .  4) (
        ويأتي هذا المنهج في دراسة الإنسان على نقيض مذهب الماهويين أو القائلين بالماهيةEssence  وهم الذين يفترضون أن للوجود الإنساني ماهية سابقة عليه ، هي مصدر أفعاله ومقياس الحكم عليه ، وتحديده . (5 )
أي قبل أن يوجد العالم كانت صورته أو فكرته في عقل الله ، وقبل أن يوجد شيء تسبق وجوده فكرة عند صانعه ، ومن هذا كان يقال إن ثمة  طبيعة للإنسان ،" وهذه الطبيعة الإنسانية وهي التصور الإنساني ، توجد عند جميع الناس ، أي أن كل فرد من الناس هو مثال جزئي لتصور كلي هو الإنسان . (6)
إلا أن˝ جبرييل مارسيل˝ يؤكد أن الإنسان ˝بدون˝ أو ˝ذات متجسدة˝ قبل أن يكون أي شيء آخر ، والجسم الحي – في نظر˝ مارسيل˝ – ظاهرة أساسية في كل فكر ثانوي أو استرجاعي ، والدليل على ذلك أن التفكير الثانوي يكشف لي عن وجودي بوصفه˝ وجودا متجسدا˝ أعني وجودا مرتبطا بجسم أختبره شخصيا فريدا بوصفه جسمي الخاص . واليقين الوجودي ماثل في الخبرة التي أحصلها عن جسمي على نحو ما هو حي بالفعل. وحين يتحدث ˝مارسيل˝ عن˝ التجسد فإنه يعني له أن المرء يدرك نفسه باعتباره جسما ، وأن الجسم هو حركة الاتصال بين الذات المفكرة والعالم الخارجي .
           وقد كان لابد لفلسفة  تريد لنفسها أن تكون واقعية عينية ملموسة ، من أن تتخذ نقطة انطلاقها من شيء عياني ملموس ، ألا هو" الجسم " فأنا لا أدرك نفسي باعتباري˝ فكرا محضا˝ بل باعتباري ˝متجسدا في بدن˝ هو نواة كل موقفي الوجودي . ومعنى هذا أني لا أملك أن أفصل شعوري بذاتي عن إحساسي لجسمي، وإدراكي للعالم الخارجي.
وحينما أقول عن شيء ما إنه موجود فإنني أعني بذلك أن هذا الشيء  قابل للإتصال بجسمي والتاثير عليه ، سواء أكان بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة . (7)
            إلا أن المدرسيون يقيمون تعارضا بين الجوهرEssentia والوجود Existentia على اعتبار أن الجوهر هو الطبيعة المفهومية لشيء ، يجري تصوره بصورة استطاعة وجودية ، أما الوجود فهو ، بخلاف ذلك ، الراهنية التامة  Ulltima actualitas، إنه يظهر هكذا وكأنه مضاف إلى الجوهر .
يتابع" شارل وولف" هذا التفريق أيضا ، في تعريفه الشهير جدا (8) :
-         فعل الكون في كل المفاهيم التي تستعمل فيها الكلمة على الإطلاق( المعنى أ)
أ – وجودا في ذاته:En Soi  ، أي واقع الوجود بمعزل عن المعرفة ( سواء المعرفة الحالية أم كل معرفة ممكنة )
ب-وجود في التجربة : أي واقع الوجود الماثل حاليا في إدراك الأنا أو في وعيه  ، أو الممثول كموضوع اختبار ضروري ، على الرغم من كونه غير راهن .الكلمة بهذين المعنيين ، تتعارض والجوهر مثلما يتعارض واقع الوجود مع طبيعة الوجود ، من جانب ، ومن جانب آخر ، تتعارض والعدم Néant مثلما يتعارض الإيجاب مع السلب.
ج – بمعنى قوي : حقيقة حية أو واقعة معاشة ، في مقابل التجريدات والنظريات (9)
د-وجود منطقي :  أي حين تعطى مجموعة أفكار معينة ، واقع أن صنفا ما لا يكون خياليا : (عادما في المدلول ، الماصدق ) مثلا" لا يوجد عدد مربع يكون ضعف آخر" بهذا المعنى لا يكون الوجود نعتا للأفراد ، بل للصنف (10)
         إلا أن الوجودية بالمعنى الأعم تكمن في إبراز الأهمية الفلسفية التي يرتديها الوجود الفردي ، بمزاياه التي لا تقبل الخفض ( عودة إلى الوجود كما هو معطى لنا ) ، شعور متزايد بالعبث الذي يمكنه التوغل حتى في مذاهب صارمة ، قياس المسافة بين التجريدات النظرية والتجربة العينية ، باختصار الحاجة إلى مواجهة الوجود ، واعتباره كما هو معاش ، والتفكير فيه تفكيرا فعالا ، هذه بالضبط بعض السمات التي تجتمع في الوجودية أو الفلسفة الوجودية . (11)
كما تعني الوجودية مذهب" ج.ب.سارتر" الفلسفي ، المعروض فلسفيا في كتاب˝ الوجود والعدم˝L’être et le néant  حيث يستمد المذهب إسمه من الأطروحة القائلة" إن الوجود يسبق الجوهر" وهو تعبير ميتافيزيقي عن الإعتقاد بالتجربة المطلقة ، التي تعتبر أن الكائن الحي والمفكر إنما يصنع نفسه بنفسه ، على قدر ما تسمح له  بعض المحددات المقررة من قبل ، ومن ثمة فإن الفلسفة الموسومة بالوجودية لا تعتبر الواقع موضوعا في مواجهة فاعل عارف ، بقدر ما تعتبره وجودا يحولنا الإحتكاك به ، وهي لا تعزل فينا الملكة العارفة لباقي كائننا ، كوننا ، إذ تجعل الفرد بكامله ، بكل استجابته الوجدانية والشعورية تجاه الأشياء ، يشارك في البحث الفلسفي .
الهوامـــــــــش:
1-    فيشته : غاية الإنسان ، دراسة وترجمة د. قوقية حسين محمود ، الطبعة الثانية 1979، ص. ص97-99
2- Jean-Paul Sartre : L’existentialisme est un humanisme , Edition Gallimard ,1996,P26.
3- راوية عبد المنعم : أساطين الفلسفة الحديثة 3، بليز باسكال وفلسفة الإنسان ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت 1996، ص 18.
4- عبد الرحمان بدوي: موسوعة الفلسفة، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1984 ، ص565.
5- راوية عبد المنعم،  المصدر السابق، ص186.
6- Jean-Paul Sartre,Ibid. P28
7- زكرياء ابراهيم : دراسات في الفلسفة المعاصرة ، مكتبة مصر ، ص464.
8- أندري لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية ، المجلد الأول ، منشورات عويدات ، بيروت ، باريس ، الطبعة الثانية 2001، ص385.
9- نفس المرجع السابق ، ص387.
10- نفس المرجع السابق ، ص387 .
11- نفس المرجع السابق ، ص389.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)