إشكالية السلطة والحكم ج2



بقلم : يوسف عشي

الفكر السياسي في الفلسفة الحديثة
إشكالية السلطة والحكم
(نموذج: ماكيافيللي - روسو)
الجزء الثاني
إشكالية السلطة والحكم عند
  نيقولا ماكيافيللي 
      تمهيد:
حاول ماكيافيل تفسير أسباب الفساد السياسي بإيطاليا، فكان هدفه من خلال ذلك تحرير إيطاليا من أعدائها الخارجيين، ومن الذين كانوا يقبلون انقسامها الداخلي. وقد حضرت التجربة الرومانية(نسبة للرومان) بقوة في تأليفه وتنظيره لفلسفته السياسية. ففي كتابه"الأمير" نجد أغلب الأمثلة مستقاة من تجارب التاريخ الروماني.
إن هناك علاقة قوية بين الكثير من فصول كتابه "الأمير" - وهو الكتاب الذي سنركز اهتمامنا عليه خلال دراستنا للمشروع السياسي عند ماكيافيل - وبين إشكالات الزمن الذي عاصر ماكيافيل، وحتى توجيهاته التي ضمنها في كتابه هذا للأمراء إنما ينبغي أن نفهمها من خلال السياق العام لكتابه، فهو يتوجه دائما إلى الأمير المُخَلِّص.
إن أساس قوة الدولة في نظر ماكيافيل نظريا هو"القوة" و"الخداع" فلا تقوم الدولة بدون قوة ، ولا تقوم أيضا بدون خداع. لكن الحس الوطني لماكيافيل هو ما جعله يضع هدفين أساسيين أمام عينيه، وهما هدفين  لا محيد عن تحقيقهما مهما كانت الظروف ومهما كانت العوائق، وهما : أولا  توحيد إيطاليا، وثانيا  إنشاء أو بناء جيش وطني للدفاع عن سيادتها، فهو يقول".. ذلك أنه عندما تكون سلامة بلادنا بكاملها مهددة(...) يجب أن توضع جميع الاعتبارات جانبا، وليتبع فقط الطريق الذي يؤدي إلى المحافظة على البلاد وصيانة استقلالها."
لقد اهتم ماكيافيل طوال حياته بالشؤون العسكرية، وألح على المسؤولين في مدينة فلورانسا لكي يستغنوا عن المرتزقة وينظموا حامية محلية، وتطوع ليدربها ويقودها أثناء العمليات. وحين اقتنع أن دوره السياسي قد انتهى انحاز إلى ضيعة بعيدة عن المدينة وتعاطى لدراسة تاريخ روما لكي يخرج منه دروسا في فن السياسة وعلم كتابة التاريخ.
يقول عبد الله العروي:" لقد اختلف المفسرون في هوية ماكيافيل السياسية: منهم من قال أنه كان متشبثا بالحرية الجمهورية، ومنهم من قال أنه من أنصار الطغاة المستبدين، لكن الجميع متفق على أنه عمل على أن تحافظ فلورنسا على  حريتها، وأنه كان يأمل أن أميرا مستبدا سيوحد إيطاليا ويحررها من براثن البرابرة الجدد"ويشير عبد الله العروي إلى أن فكر ماكيافيل تحدده المفاهيم التالية: الحظ، السياسة، الهمة، الحرية، ومن الواضح أن كل مجموعة مفهومية تشكل عالما فكريا ونفسانيا متميزا.
         1) الحظ والإرادة:    
يعترف ماكيافيل أن همته تضعف من حين إلى حين فيرى أن أحوال الدنيا تنتج عن الاتفاق، وأن المرء لا يتحكم في مآل أعماله، لكنه يستدرك قائلا:"إنني أرى أن الحظ يتحكم في نصف أعمالنا، أما النصف الآخر فهو موكول لإرادتنا. إنه يعتبر أن الإنسان هو الذي توافق حركته الظروف المناسبة، لكنه لا يلبث - كغيره من الناس- أن يساير طبعه. ويرى ماكيافيل أن قوتين تتقاسمان تسيير شؤون العالم : "الحظ" و"الطبع البشري(الإرادة)" فالمرء ينجح عند توافقهما، ويخفق عند تعارضهما. ففي كل عمل بشري لاشيء يضمن النتيجة، لكن لاشيء يمنع الإقدام، بتعبير عبد الله العروي.
ما يعتقده ماكيافيل هو أن غاية الأمور هي الفساد، فبعد انهيار روما أكبر وأمتن نظام سياسي عرفه التاريخ، وانهزام الرومان أفضل الناس أخلاقا، في نظره، لا يمكن للمرء أن يتنبأ بدوام أي عمل إنساني. ورغم ذلك اتجه ماكيافيل إلى إسداء النصح للأمراء، وحث رؤساء الجمهوريات على العمل والنشاط، وذلك لأنه يرى في تطور الأشياء آثار الحظ لا آثار الضرورة الطبيعية. فالانهيار بحكم الضرورة تام ونهائي، أما الإخفاق بسبب الحظ فإنه يترك الفرصة لاستدراك الخطأ وترميم الصدع.
إن ماكيافيل يعتقد أن إصلاح الدولة بعد فساد أخلاقها صعب لكنه ليس مستحيلا. لهذا فهو يقول:"يجب أن يكون في مبادئ الأديان والجمهوريات والممالك حيوية تعيد لها من حين إلى حين نفوذها وقوتها الأصلية.إن المبادئ تضعف مع مرور الزمن، فينهار الجسم السياسي تماما إذا لم يجد ما ينعشه"ويعتبر ماكيافيل أن الأفعال الإنسانية هي نتيجة لتأثير الحظ والتدبير . فالأعمال البشرية - لكي تتحقق على وجه من الوجوه- لابد أن يريدها الإنسان بإرادته القوية والثابتة. وإذا انزلقت إلى التشاؤم والخنوع بقي الحظ وحده يتحكم في شؤون البشر التي ستتجه نحو الفساد والانهيار.والإرادة توجد بوجود همة متجهة إلى أغراض في هذه الدنيا، لا إلى شهوات عارضة، بل إلى ذيوع الصيت ودوام الشهرة، لذا يتهم ماكيافيل الكنيسة بإضعاف همم الإيطاليين لأنها قضت على أخلاق الرومان.
وهكذا يركز ماكيافيل على دور الفرد في الأحداث السياسية. فبهمة القادة تحافظ الجمهوريات على الحرية، وبجرأة الأمراء وإقدامهم تنشأ الممالك وتتسع. لن تتوحد إيطاليا إلا إذا سخر أمير همته لتحقيق ذلك الهدف بكل الوسائل ولن تستعيد فلورنسا استقلالها إلا إذا عزم سكانها على الاستغناء على المرتزقة وحمل السلاح بأنفسهم. يقول عبد الله العروي:" إنه كان يرى في عالم الإنسان ميدان تصارع بين الحظ والإرادة البشرية،و لم ينفك يكرر أن النجاح مرهون أولا وأخيرا بإرادة النجاح، ولم يكف عن إسداء النصائح للأمراء لكي يتحايلوا على الحظ وينتزعوا منه المبادرة."وهذا ما دفع بعض المعلقين إلى القول أن ماكيافيل يتكلم أحيانا كمؤرخ وأحيانا كداعية.
         2) السلطة والتسلط:
إن ما يراه ماكيافيل هو أن الدولة تؤسس في شكل جمهورية شعبية عادلة فاضلة، ثم تنحط أخلاق أهلها فتنقلب إلى فوضى، ثم تتحول إلى إمارة عادلة في البداية ومستبدة في النهاية. حينئذ يثور الفضلاء ضد المستبد ويؤسسون جمهورية أرستقراطية تنقلب بعد حين إلى طغيان فتدفع الشعب إلى الثورة ضدها، لأنه ما يزال يتذكر قبائح الاستبداد فإنه يؤسس من جديد ديمقراطية شعبية تنحل بدورها بعد حين إلى فوضى، وهكذا دواليك..
يعتبر عبد الله العروي أن ماكيافيل قد نقل هذه النظرية من المؤرخ بوليبيوس الذي ورثها عن التقاليد الفلسفية الإغريقية. وهو يعرضها في تعاليقه على تاريخ روما، لكنه لا يستغلها في تفسير أحداث فلورانسا، ولا يعتمد عليها في نصائحه للأمير.  إنه يحافظ فقط على فكرة الانحطاط المحتوم الذي لا ينفلت منه أي نظام سياسي مهما كان إحكام تأسيسه، بيد أننا سجلنا سابقا أن الانحطاط لا ينفي حرية الاختيار في رأي ماكيافيل، ولذلك لا يحجم عن تفضيل النظام المعتدل الذي تتكافأ فيه السلطة المخولة للأمير وللنخبة والشعب. إن ماكيافيل الذي شهد حركة إحياء الفن القديم في إيطاليا الحديثة والذي كان يعتقد أن الحظ هو الذي يتحكم في أحوال الدنيا، لم يكن في حاجة إلى مثل هذه النظرية، وإنما أقحمها في كتاباته لأنه وجدها في التآليف  التقليدية فحصرها في تغيير أشكال الدولة ولم يجعلها تؤثر في مسار الحضارة ولا في همة الأفراد.
لقد كان ماكيافيل يعلم أن روما القنصلية ذهبت إلى غير رجعة. لكنه يعتقد أن الفرد يستطيع دائما استلهام همة الرومان العالية. وحين يتساءل ماكيافيل عن مآل جمهورية صغيرة متقنة التنظيم فإنه يقول: "إذا لم تهاجم جيرانها فإنهم سيهاجمونها، وسيوحي لها حينئذ الهجوم بالتسلط، أو يرغمها عليه. وإذا لم يكن لها عدو في الخارج فسينشأ لها أعداء في الداخل: هذا داء لا تفلت منه أية  مدينة". فالسياسة استبداد، وهي أيضا تسلط .
وبما أن السياسة تحدد بالقوة والجرأة، أكتر مما تتحدد بالقانون، فإنها تتحدد بالحيوانية أكتر مما تتحدد بالإنسانية. ذلك أنه لو كان البشر فضلاء وخيرين، وهذا ما ينفيه ماكيافيل، لاكتفوا بالقوانين تحكمهم، لكنهم ما داموا أشرارا وجبناء ومخادعين، فإنه يلزم أن يُحكموا بالقوة والخديعة، ولهذا "أشار جميع كتاب السياسة عبر التاريخ الطويل إلى أن هناك عددا ضخما من الأمثلة، تقيم الدليل على أن الواجب يدعو عند تأليف الدول والتشريع لها إلى اعتبار الناس جميعا أشرار.".
إن الخديعة والقوة هما الوسيلتان الأساسيتان في العمل السياسي، إنهما الأداتان اللازمتان لكل مسعى سياسي، وخاصة للمسعى الذي كان ماكيافيل يرمي إليه بهدف تحقيقه: وحدة إيطاليا وقوتها.. وقد استوحت مفاهيم ماكيافيل سعي الإنسان ونبله الأرضي، ولهذا قابل القوة بالصلاة، وتلخصت لديه كل الفضائل في البطولة المعتمدة على القوة، قوة الخديعة والمكر والقتل، وتنويع الوسائل، لكن هذا لا ينبغي أن يقودنا إلى حكم قد يكون قاسيا على ماكيافيل، وننزلق في تصنيفه كمدافع عن هذه الأفكار. وبهذا الصدد يقول الدكتور كمال عبد اللطيف:" لا يجب أن نعتقد كما يبدو لبعض دارسي "الأمير" أن هذا الأخير مجرد دفاع عن هذه المبادئ في ذاتها(الخديعة والمكر...) بقدر ما يجب أن ننتبه إلى أن هذه المبادئ كانت تشكل جزءا من مشروع النهضة في ذهن ماكيافيل، نهضة إيطاليا ووحدتها وتقدمها." وبهذا تعتدل كفتا الميزان الماكيافيلي، لتظهر صورة المواطن الداعي إلى الوحدة والبناء.
         3) سياسة الأمير:
إن الخديعة القوة – كما أشرنا سابقا- هما  الوسيلتان الأساسيتان في العمل السياسي، وهما الأداتان اللازمتان لكل مسعى سياسي. وبما أن القوة تسلط وخديعة، فهي تتأسس بناءا على صفات متعددة يوردها ماكيافيل مصحوبة بأمثلة دقيقة في كتابه" الأمير" مما يتيح لنا بتعبير د.كمال عبد اللطيف تبين أن القوة عبارة عن مظهر درامي. يقول ماكيافيل: "إنها مظهر الأخيلة الساحرة والأفعال الساحرة، ذلك أن على الأمير أن يكون متدينا وغير متدين في نفس الوقت، عليه أن يكون بخيلا وكريما في الوقت ذاته، مرهوبا ومحبوبا، ماكرا ومدمرا" وحين يتساءل ماكيافيل: هل الأفضل أن يكون الأمير محبوبا أكثر مما هو مرهوب؟ فإنه يجيب: "الأفضل أن يكون محبوبا ومرهوبا، وإذا كان لابد من الاختيار، فالأسلم أن يكون مرهوبا"
 ثم إن هناك مظهر آخر للسياسة، إنها "أبهة" فلا ينفك ماكيافيل ينصح الأمير بالتظاهر بالقوة والفضيلة، لأن الظاهر يؤثر في نفوس العوام.
إن هذا المظهر الدرامي يعلمنا تقنيات الممارسة السياسية للأمير كما يرسمها ماكيافيل، تقنيات مواجهة الوقائع والأحداث، والسعي لإخضاعها لمتطلبات المحافظة على استمرار السلطة بمختلف الوسائل وبمختلف المظاهر... وحول هذا المظهر الدرامي وخصوصية إطلاقه على الممارسة السياسية للأمير، يجيبنا د. كمال عبد اللطيف: "إن سبب ذلك هو ملاحظتنا أن وراء خطاب" الأمير"شخصيتين نموذجيتين: شخصية القائد المصلح سفونارولا وشخصية القيصر بورجيا. الأول قتل في الساحة العمومية لأنه لم يهيئ القوة اللازمة لاستمرار حكمه، فشكل هاجس الإصلاح في ذهن ماكيافيل، والثاني خانه الحظ فلم يصل إلى الحكم حيث أصيب بمرض ألزمه الفراش ثم مات. القتل والموت والقوة، إن خطاب القوة يرادف الموت، وما يبرر النعت بالدراما هو معادلة مساواة القوة بالموت والموت بالقوة".
يحلل ماكيافيل إذن الحياة السياسية كسلسلة من المواجهات بين الأمير والرعية، بين النبلاء والسوقة، بين الحرف الكبرى والحرف الصغرى...الخ، فهو يطرح مثلا سؤال: أي طريق أفضل، أن يصل المرء إلى الحكم بالتحالف مع النبلاء أم بالاعتماد على الشعب؟ يجيب: للوصول إلى الحكم يجب مصانعة النبلاء لأن عددهم قليل، لكن للحفاظ على السلطة لابد من استمالة الشعب: "لأن الناس إذا رأوا الخير ممن كانوا لا ينتظرون منه إلا الشر، تعلقوا به وأحبوه" وبتعبير عبد الله العروي: "ماكيافيل لا يتصور حالة يكون فيها الحاكم متصالحا مع الفريقين معا، فلابد إذن أن ينحاز الأمير إلى أحدهما لأن اللعبة دائما ثنائية".
لقد كان واجبا أن نحلل ببعض التفصيل عملا يذكر أكثر مما يقرأ(الأمير) وأن نفهم لماذا ترك في الفكر الغربي خطا وأثرا طويلا دون أن يكون مؤلفه قد أراد ذلك بتاتا. فقد كان هدفه محدودا بشكل ضيق، ولكن قوة وأسلوب ماكيافيل القارضة قد تخطت إلى ما لا نهاية موضوع اللحظة. لأنه أبرز بهذا الشكل الفج معضلة علاقات السياسة والأخلاق، ولأنه خلص بتعبير جاك مارتيان إلى "انقصام عميق وانفصال لا علاج له". بينما "الأمير" لماكيافيل لوع البشرية مدة قرون أربعة، وسيستمر في تلويعها، إن لم يكن كما قيل "أبديا". فعلى الأقل طالما هذه البشرية لم تتجرد تماما من ثقافة أخلاقية ما موروثة..  
         يتبع ...

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)