الدرس الفلسفي في حاجة لعدة جديدة



بقلم: حساين المامون


إن العلاقة الحميمية بين الفلسفة والتعلم تعود إلى كونها محبة الحكمة وعشقها للحقيقة، وإذا كانت الفلسفة قابلة للتعّلم، ما الذي يمكن أن نتعّلمه؟  يجيب إيمانويل كانط": "أنه لا يمكن تعّلم الفلسفة فما يمكن تعّلمه هو التفلسف"،إن مهمة الأستاذ إذن لا تنحصر في تعليم الأفكار الفلسفية بل يجب أن يهتم بدرجة أعلى، بتعليم التلاميذ كيف يفكرون "لهذا كانت الأنوار عند "كانط" هي خروج من حالة القصور وامتلاك الشجاعة في استخدام العقل" بمعنى آخر إذكاء شعلة التفلسف بين التلاميذ لإنماء فيهم ما يسمى بالروح الفلسفية.
أما "هيجل" فيجيب "أن قابلية الفلسفة للتعّلم هي ما يجعلها متميزة وقابلة للتواصل، وقابلة لكي تشكل خيرا مشتركا بين الناس،واذا كانت غاية الفلسفة هي التربية على الاستقلال الذاتي للإنسان ومساعدته على التلاؤم مع محيطه و التكيف مع مختلف مواقف الحياة بالتغيير والتعديل حتى يحدث التوازن بينه وبين بيئته،والاستقلال يشعره أن علاقته بمحيطه هي ثمرة نشاطاته الحرة، ونتيجة حتمية لعمله بحيث يحول دونتصوره أنه أسير ضرورات خارجية توجهه وتقهره، وإذا كان الأمر كذلك فيكون لزاما على الفلسفة التجديد على مر العصور لتصطنع لنفسها أساليب ومناهج تضمن لها تحقيق هذا الهدف المتو خى. أساليب تنطلق من مساعدة الفرد على السير في الطريق الذي تدفعه إليه تطّلعاته واهتماماتهالتي تتطور باستمرار.إن عملية التكوين التي تستمر من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة لا يمكن النظر إليها إلا فيإطار المنهاج التعليمي العام وضمن النشاطات المدرسية كلها، فالتدريبات المختلفة العملية منها والنظرية التي يقوم بها التعليم بمختلف مراحله وشعبه، يؤلف ثقافة تشكل منظومة قائمة بذاتها تتكامل عناصرها.
إن البرنامج الدراسي في بلادنا يتضمن مادة الفلسفة، التي هي ضرب من البحث المعرفي، يجب أن يقدم نماذج فلسفية سليمة للأجيال التي تتلقى دروسا فلسفية في التعليم الثانوي، حتى يتوصلوا إلى أن التدريب على التفكير الفلسفي هو إيمان بقدرة الإنسان على المعرفة، معرفة نفسه والعالم حوله وعلاقاته به حتى يكون العمل عملية واعية وخاضعة للإرادة الإنسانية.إن التفكير الفلسفي يتناول جوانب لصيقة بالإنسان تؤثر في تشكيل أفكاره وسلوكه في مجرى حياته اليومية، إذ أن التحليل الفلسفي بما يّتسم به من عمق وشمولية يمكن متعلمينا من فهم حياتهم والمجتمع من حولهم فهما أصيلا يقودهم في مختلف أعمالهم وما يّتخذونه من مواقف وما  يقدمونه من حلول.
إن التفكير الفلسفي يتميز بدقة وصرامة منطقية في تنظيم الأفكار، وهذا من شأنه أن يغرس في نفوس الناشئة عادات عقلية علمية تعينهم على الاستجابة لمختلف المواقف بروح موضوعية وذهن فالعمل الفلسفي لا يمكن أن يكون إلا بحثا من أجل فكر مستنير ويغرس فيهم صفات الإقناع والاقتناع بواسطة الحجج. لكن الحجة التي يحصل بها الاقتناع هي نفس الحجة التي تستعمل في الإقناع. وهو حوار فكري نزيه وبحث منهجي لا يكف عن معاودة طرح المسائل للانطلاق في آفاق المعرفة، غير متقيد إلا بما يمليه الاستدلال المنطقي السليم، وتفكير واضح متحفز يواجه مختلف التحريفات والأفكار اللاعلمية. إنه بكل هذا يبعد النشء عن المحاكاة والترديد والإتباع ويوّلد في نفوسهم حافزا إلى المبادأة والاكتشاف ويستثير إحساسهم بالقيم الإنسانية، ولكي نمكن النشء من التفكير الفلسفي يجب النظر في الوسائط التي تتيح الوصول إلى هذا الهدف. فمن الوسائط المعتمدة في التدريب على التفكير الفلسفي في التعليم الثانوي، نجد الدروس النظرية، وما يجري فيها من حوار ومحاولة التوصل إلى حلول ممكنة انطلاقا من معطيات قائمة، ومن تد خلات وتساؤلات وفحص لمختلف الأفكار. ودروس عملية تتمثل في المقالات الفلسفية بما تتطّلبه من تركيز على حل إشكال محدد، ومهارة منطقية في التحليل والتركيب وتجاوز التناقضات، والنصوص الفلسفية وما تقدمه من نماذج
للتحليل الفلسفي وما تثيره من نقاش وتوضيح للمواقف والآراء وما تقدمه من حجج وبراهين والانتهاء من ذلك إلى نتائج. وقد عرفت المدرسة المغربية إصلاحات عدة، لعل آخرها ما هو معروف بالمقاربة بالكفاءات، حتى لا تبقى الفلسفة مجرد بحث نظري تجريدي لا علاقة له بواقع الإنسان وحياته اليومية. لا يمكن في نظرنا استيعاب مطالب البرنامج الفلسفي دون استخدام عدة بيداغوجية تتجاوز التقلين وأساليب الإملاء والحشو قصد الاستظهار في التقويم الاشهادي، ومن أبرز مداخل هذه العدة البيداغوجية نقترح:
ü      ضرورة اعتماد  طرائق ومناهج سليمة في التدريس ترفض كل ما من شأنه أن يسيء لهذه المادة(السبورة، الاملاء، الكتاب المدرسي)، واعتماد طرق تفاعلية(أشرطة بصرية، عمل بالمجموعات،قضايا المراهقة...)
ü      ضرورة التدرج في الانتقال بالمفاهيم من مستوى الرأي "الدوكسا" إلى مستوى "الابستيمي"، أي من لحظة التداول العامي إلى لحظة الضبط المعرفي(عوض املاء معارف لا يستوعبها التلاميذ ).
ü      ضرورة اشراك المتعلم في بناء خطاطة الدرس عوض فرضها عموديا لان الذات المتعلمة تبحث دائما عن نسق تفسيري يناسب الأسئلة المطروحة عندها أساسا وليس الأسئلة المثارة –في أحسن الأحوال- فرضها كما يفعل الكتاب المدرسي، لانها لا تولد لديه أسئلة حقيقية نابعة من انتظاراته الخاصة.
ü      استثمار التمثلات التي يحملها المتعلم قصد تهيئيه ضمن وسط مساعد ومحرك للرغبة والدهشة وعبر برامج ووضعيات تترجم حقيقة ما يحتاج إليه التلاميذ ويحفزهم على العمل والإبداع(سؤال الجنون ، من هو المجنون؟ ما الإيمان ؟...).
ü      لا شيء يشحذ همة الفكر ويزعجه ويوقظه من سباته ونزوعه التلقائي إلى الكسل واللامبالاة أفضل من المفارقات والمواقف المحرجة، لذا ينبغي على المدرس اعادة النظر في علاقته بالدرس الفلسفي، لأن ذلك يؤتر بشكل مباشر في علاقة التلاميذ بالدرس الفلسفي(أن لا يكون المدرس مجرد موظف يؤدي عملا روتنيا).
ü      لا ينبغي  البدء  بالقطيعة مع الدلالات المتداولة، خاصة أن الدرس الفلسفي ، ليس شيئا آخر غير اشتغال مستمر على الدلالات المتداولة بغية فحص مسلماتها وفرضياتها الضمنية، والتمييز بين مكوناتها،والتنقيب عن آفاق جديدة للمعنى قد تحملها..،ويمكن بناء مواقف فلسفية كاملة إنطلافا من التمييز بين الدلالات اليومية قصد جعل المتعلم ينخرط في عملية بناء الدرس الفلسفي مند البداية.
ü      ضرورة وعي المدرس بالاحكام المسبقة قصد استثمارها أثناء بناء الدرس الفلسفي ، في أفق تحرير التلاميذ لعقولهم من تلك الأفكار المسبقة والتمثلات مع ضرورة إشاعة المعرفة الفلسفية بين أفراد المجتمع المغربي وتحسيسهم بضرورتها(الاعلام مثلا).
ü      ضرورة مراجعة المواد المعرفية التي قدمها المدرس أثنا الدرس ، وفحصها إذا كانت ذات فعالية وإنتاجية من الناحية البيداغوجية ومدى مواكبتها لتطوير ودعم الدرس الفلسفي من خلال بيداغوجيا الكفايات والخطاب الفلسفي  وذلك باعتماد أسلوب التغذية الراجعة.
ü      مبدأ تصحيح الخطأ وذلك من خلال التطوير الدائم والمستمر لنشاط الأستاذ وعدم الإستكانة لما تم تقديمه سابقا(هناك أساتذة لا يغيرون شيئا في معارفهم وطرقهم البيداغوجية لسنوات) بل الدعوة الدائمة والمستمرة للأخذ من تجارب الآخرين والإقتداء بتجارب أي اطار تربوي ناجح من خلال تفاعل التلاميذ  سواء في التحضير للدروس  وطرق التفاعل واستخدام التكنولوجيا الحديثة ....
ان الترغيب في درس الفلسفة طرق و سبل تشد انتباه التلميذ إلى حصة الفلسفة، وتجعله منصرفا إلى متابعة الإشكالية المطروحة وتدفعه إلى الانخراط الفعلي في التفكير والإنتاج، خاصة تلميذ اليوم هو وليد مجتمع المشهد والصورة والتكنولوجيا التي أصبحت طاغية الحضور في جميع مجالات الحياة الواقعية، مما أدى إلى نشأة هذه التلميذ في فضاء "لوحات بصرية مشهدية" فارتبطت مقدرته الذهنية بالبصر والألوان والأشكال ، لذا فإن درس الفلسفة يمكن أن ينخرط في عالم الصورة ومن ثمة في عالم التلميذ فنجلبه بذلك إلى فضاء الفلسفة.
هذه الإمكانية يمكن أن تتحقق إذا ما وقع إدراج وسائل بيداغوجية جديدة تتسم بالحيوية والحركية الهدف منها، ليس إقصاء الوسائل التقليدية من نص سند وسبورة ، بل تدعيمها باعتماد نصوص مرئية وسمعية تستقدم من فضاءات مختلفة فتمنح درس الفلسفة ألوانا جديدة.





تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس