فلسفة الحب في شعر محمد عدناني



بقلم: محمد بعدي




مقدمة
الحديث عن فلسفة للحب ضمن تجربة شعرية نقصد به حديثا عن ذات يتحدد وجودها باعتباره وجودا عاشقا للوجود في كل تجلياته، سواء الانسانية أو الفيزيائية أو الميتافيزيائية... حديث عن ذات منهجها و" عقيدتها" مؤسسين على العشق، و البذل و العطاء.. ذات تبحث عن الكمال فيما يشكل آخر لها، في أنوات أخرى، و أشياء أخرى. و إن تعددت تيمات الديوان بين الألم و المرض و الأمل و الحنين و المعاناة... لكن يظل الحب خيطا ناظما للمتن الشعري في كليته، إنه رأس المال الذي ندعي أن الشاعر استثمره لينتج هذا الفيض من الإبداع و هذا الزخم من الوهج الشعري و الألق الأدبي. ليس الحب إحساسا فحسب، إنه قيمة و سلوك و منهج واع تتأسس عليه العلاقة بالذات والغير و الأشياء و ما بعد الأشياء... و يستطيع المتجول في رحاب ديوان الشاعر محمد عدناني {ياسمين فوق سرير الجمر، مطبعة دار القرويين، البيضاء، الطبعة الأولى 2010 } أن يكتشف أن الحب هو الإنسان و الإنسان هو الحب، و يستطيع بالتالي أن يحدد الإنسان بكونه تلك الذات العاشقة المحبة التي لا تتشكل كينونتها إلا بالحب و في الحب و للحب، و إن شئنا استعارة الكوجيطو الديكارتي لبدا لنا أن لسان حال الشاعر يقول : " أحب، إذن أنا موجود". و يتبدى الحب في الديوان عبر مراتب و تدرجات تجمع بين الحسي و المجرد، أو ترتقي من أولهما إلى ثانيهما. و يتمثل في ما يعتمل داخل القلب " العليل " من مشاعر تجاه الغير/ الأنثى / الأم... و تجاه المكان، و الوطن و تجاه الذات الالهية... إنه حب مؤسس على معرفة بالذات و بالغير و تقدير لهما، معرفة بالوجود و أشيائه و مصدر وجوده و قيمته.  
1 ـ حب الأم:
         ربما كانت العلاقة العاطفية بالأم هي أول و أقوى علاقة حب و الأكثر ثباتا و رسوخا، غير أنها عند الشاعر محمد عدناني، بالإضافة إلى ثباتها و رسوخها و بسببه، تتخذ طابعا مختلفا من خلال عطاء وجداني عز نظيره، فأية ذات عاشقة هاته التي ـ في أقصى و أقسى مراتب الألم و العذاب ـ تجود بهذا الحب الأمومي الذي لامثيل له ؟ حب يدفع الشاعر إلى إخفاء واقع إجراء عملية على القلب عن الأم، حبا للأم و تقديرا لها، و خجلا من دموع الأم في موقف لا بد أن يرق له كل قلب و تتداعى له كل العبرات، فما بالك بقلب و دموع الأم :
الداء
قدري يا أمي
و الألم
نصيب به أحيى
فلا تلومي إن أخفيت
سر المشفى
ما كنت عاقا
و إنما خجلا من دموعك
الحرى { ص 14}
هل هو الداء قدر الشاعر أم هو الحب؟ ربما يكون الحب هو قدر الشاعر، أما الداء في هذه العلاقة الوجودية مع الأم فهو مقياس لترددات ذلك الحب/ القدر، فالداء زائر عابر مهما طال بقاؤه، ما دام الحب في النهاية منتصرا من خلال الأمل في الشفاء، و من خلال هذه الطاقة الهائلة التي يمنحها للذات كي تغالب شقاوتها و تهزم ألمها و هي تفكر في هذا الغير ـ المحبوب الذي تجسده الأم.. إن الحب هنا يغالب ألم الداء فيغلبه، وينتصر عليه، و لا يهزمه سوى ألم يغتسل و يتسلى بدموع الأم يقول الشاعر:
أمي
دموعك كفكفيها
بها، لا بدائه، قلبي
يشقى { ص 15 }
إن القلب الذي ينبض بحب الأم قادر على هزيمة ألمه و معاناته، لكنه لا يطيق تحمل ألم من يحب. و القلب العليل المفؤود يستطيع أن يحتمل مشهد قلب أتعبته وخزات الإبر.. لكنه لا يحتمل دمعة حائرة في حذق أغلى الناس، هو ذا قلب العاشق مثل شمعة يحترق لينير ليل الآخرين و ظلامهم، و حتى عندما يتوسد المعاناة و يستريح على سرير جمر الألم، فإن الأمر لا يزيده إلا قوة و عزما و أملا... لأن الألم في سبيل المحبوب مثل نار يكتوي بها الذهب فلا يزداد غير صفاء و لمعانا... هو الحب إذن ما يجعل الذات قادرة على تحمل ألم لا يطاق، ألم يذيب عرقا، يخيفه و يجعله في لحظات يتبخر...
في اليسرى
 تنام الإبرة
 تلتحف عرقا ذاب
 كما الممرضة
 ترى
أين العرق؟
أعياه الوخز، خاف،
 اختفى. { ص 8 }
هو الحب ما يجعل الذات تتحمل عذاباتها وحيدة، رغم أنها عذابات لا تحتمل و لو قسمت بين الأنام... هو الحب مصدر هذه الغيرية التي لا يمكن تلمس السبيل إليها إلا لدى من يمتلك قلبا يسع العالم محبة... و إلا كيف تستطيع الذات صبرا و القلب يلوك الموت قهرا بين حبائل تشنق و إبر ترهق؟
الانتظار ما أقساه
 بين أنين المرضى
 و آهات الليل
 و القلب يذبح
بين الحبائل
و الإبر الصماء
هو قلب الشفاء
 تغزوه الآلام
فلا اليأس أماته
و لا أدرك حظه
من الشفاء { ص 55 }
2 ـ حب المكان :
توجد أمكنة تقيم فيك و تسكنك بقدر أو أكثر مما تقيم فيها أو تسكنها، أمكنة تحمل تفاصيلها في الذاكرة و حبها في القلب، أمكنة كنساء بعطر خاص و رائحة تميزها بين الروائح.. بملامح تستفز الرغبة.. أماكن يثير البعد عنها رغبة في ذرف الدموع بسخاء... فالمكان ليس مجرد معطى مادي خارجي ملموس، ليس موضوعا متجسدا خارج الذات، ليس مجالا تتحرك داخله الذات جيئة و ذهابا، تمر منه و فيه، بحياد تام، ليس محطة عبور... إن المكان بالإضافة إلى ذلك تجل من تجليات الوجود البشري و نبض مفعم بالحياة الإنسانية... لذلك كان حضوره في التجارب الشعرية بينا، و ليس أدل على ذلك من "أطلال القدامى" كرسوم تدرس في الواقع، لكنها لا تموت في مهج الشعراء و بين جوانحهم... و تظل مفعمة بالحياة، و يحدثون لها أبدا ذكرا... أما في الشعر الحديث فعشق السياب ل"جيكور" يظل نموذجا للعلاقة العاطفية القوية بين الشاعر و المكان... و في ديوان الشاعر محمد عدناني نجد ل"مدينة الجديدة" متسعا لاحتراقات عشق الشاعر، و نجد للمكان مكانا في الفؤاد و الذاكرة... نجد للمكان ـ الجديدة مسكنا في اللغة الشعرية عندما يتسمر الحب كطفل يسأل الشاعر وصلا، فلا يملك الشاعر غير نصل به يغتال النظر، و يبعث الحياة في العبرات...
... يدعوني حبك:
 أن تعال
 فأغمض عيني
 و أبكي لذل العجز
 و حرقة السؤال { ص 80 ـ 81 }
 هكذا هي الجديدة بالنسبة لشاعرنا، مكان لا يشبه الأمكنة.. مكان له خطو يمشي، له قلب يعشق، له جسد يتعرى و يتجمل، له روح تعشق و تشكو ألم الفراق... مكان يمتد عشقه في الزمن ليستمر حيا في الوجدان... أنثى هائمة، عاشقة، عارية... ينكسر على صدرها موج المحيط.
من خلف الشرفات
أخالك تخطرين
 هائمة
 بلا خطو
 عاشقة
 بلا قلب
 عارية
 بلا جسد
 تتجملين
 بلا ألق
 تشرعين صدرك للموج
 العنيد { ص 76 }
هي الجديدة القابعة خلف أسوار الذاكرة، أنثى يفتح البحر أزرار قميصها لممارسة حب سرمدي، بينما الشاعر يقاسي ألم الهجر و البين:
وحده البحر يصرخ فيك
 يأكل من قلبك
 يفرك نهديك
 فما تحسين { ص 77 }
عندما يعشق الشاعر الجديدة تصير امرأة يغار على جمالها، و يتمنى لو تصون هذا الجمال... الطبيعي الرباني الذي لا دخل ليد الانسان فيه... هذا الجمال الذي لا يحتاج إلى أضواء و مساحيق و أدوات تحملها التقنية القاتلة للجمال...
خصلات شعرك الجميل
 لو تصونيها
 ما أشابها الأجاج
 ما أهانها ضوء الأرصفة
 و أبواق السيارات
 و سواد الليل المهين
 يا قاتلة القلب الحزين
 أهواك
 لو، هذا الجمال،
 تدثرين !! { ص 78 }
3 ـ حب الوطن :
عندما يكون الحب شرطا لوجود الذات، فإن قلب العاشق يتسع للأغيار و الأمكنة و الأفكار... يتسع ليشمل كل شيء، لذلك نجد في ديوان الشاعر محمد عدناني مساحة  تحكي خبر حب الوطن... لأن الوطن هو الأغيار و الأمكنة و الأفكار، هو الهوية و الانتماء، هو الثقافة و المشاعر... هو الذات في أشكال وجودها المتعدد، و كينونتها المتجاوزة للوحدة.
حب الوطن يصل حد التألم لحال الوطن {بمعنييه الخاص و العام} و القسوة عليه داخل اللغة، لانبطاحه و عهره، و قد غاب الرجال...  
مثل قلب عاهرة
 يا وطني
 تتبدل بك الأيام
 من حال إلى حال
 و تحل صرتك
 في وضح النهار
 منبطحا يا وطني
 ترثي أفول الرجال { ص 70 }
حب الوطن يجعل الشاعر يصرخ ملء القلب محذرا من كارثة موت الوطن: الانسان، الهوية، الكرامة، العدل... و بعث مسخ فيه راع لا يراعي الحرمة، و يحز بسكينه النعمة، و فيه رعية ـ أكباش تعتقد أن مد الأعناق وفاء:
فيك سوط جلادين
 و دم ذبيح
فيك ظلام
 و قلب جريح
فيك سكين يحز النعماء
 و أكباش فداء
مدت أعناقها لرعاتها
من الوفاء { ص 71 }
حب الوطن يسرح بعيدا، منفلتا من قيد الجغرافيا، منفتحا على التاريخ العربي المجيد... و حيا على اشتمام عبق الماضي البطولي الذي يبهج النفس و يمنحها الرضا... حب الوطن يجسده الانتقاد القاسي للحاضر الجاهلي البليد، و للغد الذي يظل الأمل فيه بعيد...
أيها العربي !
 رضاك تاريخك
و غدك مزبله
نجس و تصلي { 34 }
عشق الوطن يدعو للأسف عليه، و على الهوية التي أضاعها من جعلوا شعارهم: كأس و نهد... مستغلين ثروة الوطن، عابثين به من خلال تقديمه قربانا على مذابح الشهوة و الغريزة...
لهفي عليك
 ما أضيق وطنك !
 كأس على نهد
 نهد على نقد
 نقد على وعد
 وعد على قيد...
 و أدمي المعصم
ما أشقى معصمك ! { ص 35 ـ 36 }
4 ـ حب الله:
حب الله هو أحد أنواع الحب التي يحفل بها ديوان الشاعر محمد عدناني، و هو حب ندعي أنه يشكل الينبوع الذي يفيض عنه كل حب آخر... إن حب الله يتمثل في ذلك الاحساس الذي يشعر به الانسان المؤمن تجاه الخالق... إحساس بجلال الله و جماله و حلمه و رحمته... إحساس بالصغار و الذلة و الخضوع لذات علوية جبارة قاهرة... ذات تتجلى قدرتها في فعل أمر "كن"... ذات لا ملجأ منها إلا إليها... ذات يبعث حبها طمأنينة في القلب، و قوة في النفس، و أملا في الآتي... لذلك نجد الشاعر العاشق  يشكو مصابه لله...  و إلا فلمن يشكو الإنسان ألمه، إن لم يكن لمن هو جدير بالثقة؟ و هل توجد ثقة أكبر من ثقة المؤمن بخالقه؟
إلهي !
 عبدك أعياه امتداد
 الليل
 و طول السهاد
 أعياه ألم الداء
 أعياه انتظار الشفاء { ص 17 }
إن الحب الالهي في شعر محمد عدناني هو حب الصابر المحتسب، الذي لا يتذمر، لأن القلب العليل فيزيائيا، يملك القوة ميتافزيائيا بفعل هذا العشق الالهي، و الذي يمنحه دفقا عاطفيا يجعل نار الألم بردا، و البلايا عطايا... و الرضا تقربا من المحبوب.
الألم
 السهاد...
 عطاياك
ما كنت من الجحاد
فكل الرضا
 و إن نبا بالخد الوساد
و جافى السقيم الرقاد { ص 18 }
و هو أيضا حب الشاكرين الذين يؤمنون بالابتلاء، و يعتقدون أن "الخير فيما يقع"، و أن "المؤمن مصاب"، و أن الآلام هدايا تكفر الخطايا... و تمحو الذنوب. إنه الكرم الالهي و العدل الالهي، و بالتالي فلا لوم و لا عذل... و هذا ما نلمسه في قول الشاعر:
أكرم بها من هدايا ربي
 تطهر، تنجي من الذنب
 عدل ما ابتلي به القلب
 فلا عتب و لا غضب
 مع الرضا
 و أجمل الهدايا { ص 18 ـ 19 }
و قوله أيضا:
أشقيت بالداء؟
 كفارة ذنب
 فأين الشقاء؟ !
 أأشقاك الداء؟
 عطاء ربي
 يا مرحى بالنعماء { ص 54 }
و حب المخلصين الصادقين الواثقين الذين يعلمون أن الله قريب سميع مجيب الدعاء... ذلك الحب الذي عندما يملأ القلب ينيره بأنوار الإيمان فتشعر الذات العاشقة بأن الفرج يطرق الباب، و المعاناة تجهز كفنها، و الأمل يخنق بكلتا يديه الألم...
إلهي !
 أنت المرتجى
 ما خابت يدا سائل
 رفعت إلى العلا
ما صد دعاء الملح المعنى { ص 21 }
خلاصة

في ختام هذا السفر {وإن كان مستعجلا} بين دروب ديوان الشاعر محمد عدناني "ياسمين فوق سرير الجمر"، نقف على حقيقة قيمة الحب و قوة الحب و جمال الحب... عندما يكون هذا الحب فلسفة و منهجا حياتيا يصدر عن ذات عاشقة حد التصوف، تنكر ذاتها من أجل الغير المحبوب، و تجاهد نفسها لتطهرها من الرغبة الأنانية، و ترتقي بها في مسالك العشق توقا و تشوقا إلى الذات العلوية... إذاك يكون الحب قوة جبارة تمنح الذات قدرة على الصمود و التحمل عند مواجهة الألم... و يكون الحب جمالا يزين الذات عندما تجود بكرم حاتمي بمشاعر سامية، و دفق عاطفي يجعل الحياة مستحقة للحياة، و يجعل الوجود البشري أصيلا، و الوجود الفيزيائي جميلا، و الوجود الميتافيزيائي جليلا...


مقالات أخرى للكاتب:
من "الانتقال" الديموقراطي إلى "الانتقام" الديموقراطي
"التلوث" السياسي في الوطن العربي
موازين... طريقنا إلى التقدم!!
"الشباطيزم" أو فلسفة العبث السياسي
جهاد النكاح أو الدعارة الحلال
الأسد و الضباع
الفيديو كليب و إدماج المرأة في التعرية
الكفاءة التربوية و فلسفة التخلف السياسي
لأجل نيني : أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟
المعرفة بين " الداودي " و " الداودية "
أعداء العربية

ماذا خسر المغرب بوفاة الشيخ ياسين؟

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)