روني ديكارت: فيزيائي اختار لغة فلسفية





بقلم : هشام آيت باحسين 
"يأتي الحديث عن قدرة الفيزياء على التطور بعد تعطيل المادة ومن جهة اخرى تطور الأخلاق بعد تحميل المسؤولية للإنسان وليس للمادة"

إن القدامى انتقلوا إلى العلة الأولى "الله" عن طريق السببية الأنطولوجية، بمعنى أن تتبع سلم الكائنات في تراتبية العالم يؤدي إلى بلوغ المحرك الأول وهو الله، وهذا واضح في فيزياء أرسطو التي تقسم العالم إلى قسمين (عالم ما تحت القمر وعالم ما فوق القمر). لكن مع الفيزياء الجديدة ومع العالم الجديد بعد ثورة كوبرنيك سيصبح الأمر مختلفا: فالأرض سترفع إلى السماء، وتصبح هذه الأخيرة خاضعة للكون والفساد، فاختل اذن التراتب الحاصل قديما. لهذا ومن أجل أن يبرهن ديكارت على وجود الله كانت أول خطوة قام بها هي الفصل بين الفكر والمادة، فخاض في عالم الأفكار لأنه يعتبر الفكر فكرا و الامتداد امتدادا. والخطأ الذي وقع فيه القدامى أنهم فكروا بالفكر والجسد معا، من هنا استحالة الحديث عن الكوجيطو في زمن أرسطو، لأن ذلك القول سيكون إلهيا مادامت توجد فيه الصورة فقط وتنقصه المادة، فبرهان ديكارت اذن سيكون خالصا.
سيبدأ ديكارت بالأفكار، فكان أن ميز بين الأفكار الواضحة المتميزة والأفكار الواضحة المختلطة (فيها زيادة أو نقصان)، فصنف فكرة الله ضمن الأفكار الواضحة المتميزة فمادامت موجودة في الشيء المفكر فإنها فطرية، ومن خصائص الأفكار الفطرية أنها واضحة ومتميزة. إذن فديكارت توصل إلى أن فكرة الله مخلوقة  في ذهني، لأنني مادمت ناقصا فلن أستطيع أن أخلق فكرة الله وحتى لو استطعت ذلك لمنحت لنفسي جميع الكمالات. اذن فالله هو خالقي بالضرورة.
لكن ما حاجة ديكارت إلى البرهان على وجود الله؟ وما حاجة الشيء المفكر لله؟ لقد احتاج إلى الله من أجل غرض أساسي هو حمايته من شيطان ماكر، وهذا الشيطان هو الذي يسعى إلى تغليط الإنسان، من هنا صاغ ديكارت الكوجيطو "أنا أفكر اذن أنا موجود" وهي تتأسس على ضرورة وجود الله كضامن للمعرفة.
إننا أغفلنا مسألة أساسية وهي الجمع بين الفكر والجسد، فما تحدثنا عنه سابقا هو حاصل في عالم الأفكار، فما تبقى له ليتمم الكوجيطو سوى أن يجمع بين الفكر والجسد وذلك عبر الامتداد. لكن المادة في فلسفة ديكارت ستصبح معطلة لم تعد فاعلة كما كانت في السابق، بل عاطلة حتى يحركها شيء اخر، من هنا يأتي الحديث عن قدرة الفيزياء على التطور بعد تعطيل المادة ومن جهة اخرى تطور الأخلاق عبر تحميل المسؤولية للإنسان وليس للمادة.

هذه إذا بعض صور الفلسفة الجديدة التي عكست التغير الإجمالي الحاصل في المنظومة العلمية الجديدة التي بدأت آنذاك في عصر ديكارت لتكتمل في جميع مجالاتها. أما بخصوص حديثنا عن الفلسفة، فسيكتمل بناؤها بشكل قوي مع الفيلسوف الألماني إمانويل كانط الذي أسس فلسفة نقدية تقوم على ثلاثة ركائز أساسية وهي: "نقد العقل الخالص" و"نقد العقل العملي" و"نقد ملكة الحكم"، وهي تتوزع تباعا على ثلاثة مجالات : الأول هو مجال المعرفة، والثاني هو مجال الأخلاق، والثالث هو مجال الجمال والفن. فكيف سيبني إذن كانط فلسفته على خصائص الحداثة؟ وكيف سيجمع هذه المجالات النقدية الثلاث في نسق متناسق ومتماسك؟


مقالات أخرى للكاتب:






تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)