حقيقة الوهم و لاإطلاقية الحقيقة : مقاربة لواقعية الوهم الإنساني



بقلم : يوسف عشي 
ماذا يحدث في العالم اليوم؟ ما الذي يجري؟ وكيف يمكن أن تتضابى الرؤى الى الحد الذي يختلط فيه الحابل بالنابل دون أن يدرك أيهما عن وضعه شيئا؟ ترى هل سيظهر يوما ذاك الإنسان الخارق ذو القوى العظيمة التي يستبسل الإنسان في وصف نفسه بها دونما وجه حياء؟ أيمكن أن يصدق الكاذب نفسه؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه عملية تخدير ذاتية تلك التي تدفع بالإنسان الى اختلاق الأوهام و نسجها في شكل قوالب تنعت بصفات عظيمة لا داعي لها سوى إذكاء ذاك النزوع النرجسي الفطري الكامن في أعماق الإنسان؟ يبدو أن الأسئلة لا تنتهي؟ أو أنها لا تجد من ينهيها..ويبدو أنه لا مناص من تسمية الأشياء بمسمياتها ، إننا أيها السادة أمام وهم يتجدد ، وهم يتغلغل دونما انقطاع في أعماق الفكر الإنساني، ويبدو أن لا جدوى من الاعتقاد بغير ذلك... 
وهمية المبادئ بين صلابة المثل وواقعية الصراع :
يسري الاعتقاد بلاإطلاقية الحقيقة، بينما صفة النسبية هي النعت السائد للحقيقة العلمية، وحين يتعلق الأمر بمجال الأخلاق و القيم و المثل تتشابك الروئ و تتصارع الإيديولوجيات لتضيع الحقيقة وسط ذلك الخضم اللامتناهي والمنبثق أساسا عن مبدأ الصراع الأبدي... و الحقيقة أن الأمر في غاية الإلتباس ، ويستوجب دراسة دقيقة متنحية، ونقصد هنا بالتنحي التزام حد أدنى من الموضوعية، وإقصاء الذاتي من الأحكام، وكذلك التخلص من الجاهز منها  للوصول الى تركيب دقيق مسبوق بتفكيك تحليلي،يلغي الإلتباس القائم ويصنع دائرة ضوء تضم مختلف جوانب الموضوع وتكشف عن مضامين كل رؤية على حدة. وعلى هذا الأساس يبدو أنه لا مناص من الدخول في معركة حقيقية أولا تجاه الذات الفردية و ثانيا تجاه الذات الجماعية بما تحمله هذه الأخيرة من قوة رمزية وأساليب قهرية تجعل الإنسلاخ عنها أمرا بالغ الصعوبة.
إن إشكالية الحقيقة ليست بغريبة عن الدراسة إذ أن هناك العديد من الدراسات التي تصدت لهذا الموضوع ، وثمة العديد من النتائج التي تم التوصل إليها بهذا الصدد. لكن ما يهمنا هنا بشكل أساسي هو ما يتعلق ببؤرة الخلاف ومنبع الصراع، وهو بالتحديد تلك الأرضية التي تشكل مدار الحوار بين مختلف الإيديولوجيات المتصارعة.  لقد سجل التاريخ سلسلة من القطائع المعرفية التي عرفها العلم، و التي دفعت الإنسان الى القيام بسلسلة من المراجعات أدت إما الى الترميم أو الى التفكيك وإعادة البناء ، فكانت الخلاصة العامة أن الحقائق العلمية مهما بلغت درجة دقتها فهي تبقى نسبية وقابلة للتعديل بل وحتى الهدم.
 ولم يقتصر هذا الفهم للحقيقة على المجال العلمي بل تعداه الى ما عدا ذلك ليسود ويترسخ في ذهنية الإنسان. بل سيعتبر سمة من سمات الشخصية الحديثة. لكن بالمقابل، سيتجند الفكر الديني  لمقاومة هذا النوع من التفكير من خلال طرحه لفكر مضاد يسعى الى ترسيخ مفهوم الحقيقة المطلقة ، وذلك بقرنها بمفهوم الإيمان. إن هذا الممر الذي يخاطب الإحساس والشعور والروح سيفسح المجال لهذا الفكر المضاد بأن يبني له قواعد وركائز ثابتة تقف صامد ة أمام دعاة النسبية.  وهو ما يفسر جوهر صراع الإيديولوجيات حين يتعلق الأمر بالأخلاق و القيم والمثل العليا التي لا تعبر عن شيء سوى الوهم باعتبار أنها نوع من المهدئات والمسكنات لاغير بالنسبة للمنطق المنبثق عن فكر الأنوار الداعي الى التحرر و القطع مع التراث، كما يشترط ديكارت مثلا { يضع ديكارت شروطا أساسية للانتقال الى المجتمع الحديث كالقطع مع التراث وإعمال العقل والاحتكام الى فكر عقلاني و الإيمان بقدرة الإنسان على الفعل... }.أو باعتبار الأخلاق والقيم السامية جوهر الحياة و مظهر بارز للحضارة و دليل قاطع على أصل الإنسان المقدس، ذلك الإنسان الذي ينهض بوظيفة مقدسة تتمثل في خلافة الله في الأرض.
هكذا تتوزع الحقيقة بين النسبية والإطلاق وتتموقع في حاجب الفصل بين العلم والدين، بين العقل والإيمان، بين الفيزيقا والميتافيزيقا وحتى بين الواقع والخيال... والحقيقة الأكيدة أن الإنسان عاش دائما سجين الوهم فمثلما انهارت العقائد الوثنية القديمة الواحدة تلوى الأخرى تتابع انهيار النتائج العلمية الواحدة تلو الأخرى، لكن الصراع بين الحقيقة العلمية والحقيقة الدينية ضل دائما هو نفسه وسيبقى مستمرا مادامت العقائد الدينية مستمرة في الوجود و ما دامت النتائج العلمية تتناسخ باستمرار.
الوهمية التاريخية للتصورات الإنسانية:
سعى الإنسان منذ وجد على سطح البسيطة الى التطور و التقدم، وتاريخيا خاض الإنسان معارك طاحنة ضد جبروت الطبيعة وقهرها اللانهائي له. لقد كان الهم الأكبر للإنسان هو التأمين على نفسه ضد المفاجآت اللامنتهية لقوى الطبيعة. لدى وظف أقوى وأقصى ما يملك من ملكات ومهارات مسيرا إياها بقوة العقل التي انفرد بها دون سائر المخلوقات، وهكذا استطاع الإنسان تحقيق بعض المكاسب من خلال سلسلة الترويضات التي أجبر عبرها بعض قوى الطبيعة على الانصياع له. لكن ذلك لم يكن ليتحقق لولا اكتشافه لبعض القوانين التي تتحكم في سير هذا الكون.
وتعبر الاكتشافات الإنسانية عن صراع مرير ضد الطبيعة البشرية للإنسان كما تعبر عن تحد دائم للقدرات الذاتية وأيضا لقوة الطبيعة و جبروتها، وتاريخية هذه الاكتشافات تثبت التقاشع الدائم للضبابيات المعرفية أمام البصيرة العلمية للإنسان وهي تشير بالضرورة الى تنمية دائمة للقدرات الذاتية. لكن هذه التنمية لم تتخذ دوما طابعا هادئا و سلميا بل إنها كانت تتم بشكل قاسي أحيانا كثيرة. و تعبر عن ذلك سلسلة الثورات الفكرية والمعرفية والتقنية و حتى العسكرية...
لقد عبر الإنسان التاريخي عن نضجه و جاهزيته الدائمة لخوض المعارك الطاحنة في سبيل إنشاء غد أفضل، لكن الواقع الوهمي للإنسان المعاصر جعله يعتقد بأنه قد أدرك الهدف، وأنه الآن يتربع على عرش العالم دون أن يجد له رادعا، إنه يتمادى الآن ليصف طموحه بالكونية ، لكنه يتناسى خطاه المتفاوتة التي يثبت الواقع المعيش يوما بعد يوم تفاقم زلاتها.
 ويسري الاعتقاد اليوم بغلبة العقلانية الإنسانية على المنطق التداولي للقوانين المنظمة للطبيعة، لكن فيما يخص الإنسان نفسه فالاتجاه العام يدفع الى التصريح بقدرة الإنسان على خلق نماذج فعالة للحياة الجماعية ، ويتجه التمثيل لذلك بنماذج الأنظمة السياسية والاجتماعية و الاقتصادية التي استطاع الإنسان بلورتها خلال صراعه التاريخي مع قوى الطبيعة. لكن بالمقابل يتم التغاضي عن الممارسات اللاإنسانية والخروقات اللاعقلانية للمنطق الإنساني نفسه، في نفس الوقت الذي يتم التبجح فيه بقيم المساواة والحرية والديموقراطية، وتلك مسألة فيها نظر.
دونكيشوتية الخيارات الإيديولوجية المعاصرة:
 يفتقد الإنسان المعاصر الآن للقدرة على الديمومة، أو بمعنى أصح القدرة على التنمية الذاتية الدائمة لقدراته على الخلق والإبتكار، وذلك حين يتعلق الأمر بالإيديولوجيات الكبرى الموجهة لحياته. إن التاريخ يسجل الآن لحظة من لحظات التجاذب السلبي، فالديموقراطية برغم اعتبارها أقوى المرجعيات الإيديولوجية تتراجع الآن يوما بعد يوم دون أن تجد لها مدافعا سوى بعض القوى الضعيفة، وهي قوى لأنها تختار سبيل القوة المؤدى الى حياة إنسانية راقية قوامها التعايش السلمي و التثاقف الإيجابي بين مختلف الوحدات المشكلة للمجتمع الإنساني، لكنها ضعيفة لأنها تفتقر للأدوات و القنوات المؤدية الى تنفيذ مشروعها الإنساني. ولا أدل على ذلك أكثر مما يروج الآن في أقوى البلدان التي تدعى انتسابها لنادي الديموقراطيات الإنسانية، حيت تتناقض سياساتها الخارجية مع أبسط مبادئ الديموقراطية. و الأدهى أنها الآن تواجه ما يشبه الانتكاسة، فالديموقراطية فيها مهددة الآن حتى على المستوى الداخلي ، ولعل ما حدث بفرنسا وبريطانيا قبلها يدل على ذلك.
إن الإنسانية الآن تمر بامتحان عسير، ففي الوقت الذي يتجه فيه الإنسان الى الكونية ، يواجه حركة انتكاسية تعود به الى الوراء بقرون ، ولسان الحال يشبه الإنسان المعاصر المنتمي للقوى الضعيفة بدونكيشوت القرون الوسطى، ذلك الهيكل الصفيحي الذي يمتطي جوادا أنحل من أن يوصف بهيكل عظمي، ويرفع هامته أمام طواحين الهواء العولمية، متخيلا أنها  عمالقة مردة، ويستبسل في مصارعتها داخل قوقعته الوهمية في الوقت الذي يستبسل الواقع نفسه في إسداء الصفعات إليه الواحدة تلوى الأخرى، ويبدو أن حكمة هذا الزمن تقول :" تخيل و توهم واصنع عالمك الخاص ، لكن حذار أن تتجاسر بمحاولة تحقيقه أو مساءلة الواقع الفعلي انطلاقا من مرجعيته" وإذا عرف السبب بطل العجب و تلك مسألة أخرى...
بين الوهم و الواقع :
لن يكون الوهم وهما إلا إذا تجاوز تصوره الواقع، لكن الواقع لا يحتاج إلى الوهم ليتأكد وجوده، وبين هذه وتلك ضل الإنسان طوال مشواره التاريخي متقلبا... فتارة كان ضعفه وقلة حيلته مثار بحثه عن الوهم ، وتارة أخرى كانت طبيعته النرجسية دافعا أساسيا له في اتجاه اختلاق الوهم واعتناقه، لكن على مدار الزمن كان الإنسان يكتشف دائما "متأخرا" وهمية اعتقاداته. وسواء تعلق الأمر بالعلم أو بالدين أو بغير ذلك، كانت النتيجة دائما وصول الإنسان الى الاعتقاد التام بغباوته و قلة إدراكه، ومهما بلغت درجة القوة في إدراكه تنامت درجة الانزياح الى الخطأ.
 والنتيجة العامة أن الإنسان لم و لن يبلغ درجة الكمال، بالتالي فهو يعترف بضعفه المؤقت ، في حين يتبجح بقدراته العظيمة و ما وصل إليه من تطور وقدرة خارقة في تطويع الطبيعة... والحال أن الإنسان مهما بلغ من تطور و تجبر فهو كان دائما يكتشف وهمية اعتقاداته، وبالتالي قد يمكن أن تصبح القاعدة الأساسية في الوجود الإنساني هي الوهم. وكذلك ستصبح السمة الأساسية للفكر الإنساني هي الانزياح، وهو انزياح إيجابي وسلبي في الآن نفسه، حيث تعبر الاكتشافات و الابتكارات المعرفية و التقنية عن النزوح الإيجابي بينما تعبر سلسلة المراجعات و التعديلات عن سلبية النتائج المتوصل إليها باستمرار، وهكذا دواليك... إذ يبقى الأصل في الإعتقاد دائما خطأ سيتم إصلاحه فيما بعد، بينما تسود دائما حقيقة واحدة تبدو هي الأكيدة وهي أن الإنسان يعيش دائما داخل دائرة الوهم دون أن يستطيع من ذلك فكاكا.
يبدو أن لا مناص من التقرير بأن الإنسان يعيش رغما عنه في حالة تقمص دائمة للبطولة في أقسى التراجيديات الكونية على الإطلاق. إنها مأساة الوهم، وأي وهم !!... 

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس